جمع الزكاة وصرفها عند غياب وليّ الأمر أو تعذّر قيامه – دراسة فقهية مؤسسية تاريخية
محمد اليملاحي
جمع الزكاة وصرفها عند غياب وليّ الأمر أو تعذّر قيامه
دراسة فقهية مؤسسية تاريخية
محمد اليملاحي
مقدمة
تُعدّ الزكاة من أركان البناء التشريعي والروحي والاجتماعي للإسلام، إذ تجمع بين كونها عبادة تُزكّي النفوس وتطهّرها من أمراض الشح والأنانية، محقِّقةً لمراد الله تعالى في قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾[1]؛ وكونها نظامًا ماليًا ذا بعد مؤسسي يهدف إلى تحقيق العدل والإخاء المجتمعي، وذلك بترسيخ مبدأ التكافل داخل الجماعة المؤمنة، وِفقًا للتوجيه النبوي الشريف: ((تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ))[2]. فالزكاة ليست مجرد التزام فردي بين العبد وربه، بل هي منظومة شرعية تعيد التوازن داخل المجتمع بالعدل، وتربط المال بالقيم والمسؤولية.
منذ التأسيس النبوي، ارتبطت الزكاة بالولاية العامة، حيث تكفّلت السلطة السياسية القائمة بمسؤولية تنظيمها جمعًا وصرفًا. وعلى هذا الأساس، تشكّلت حولها أجهزةٌ سياديةٌ متكاملة شملت بيت المال، وجهاز العُمّال، والقضاء الشرعي، والأوقاف، وغيرها من المؤسسات ذات الصلة. وقد تبوّأت الزكاة، في الدولة الإسلامية، مكانةً فاعلةً في حفظ السلم الاجتماعي، من خلال الحدّ من التفاوت الطبقي وصيانة كرامة الإنسان. ولم يكن هذا التنظيم مجرّد إجراء إداري أو جبائي، بل كان تطبيقًا فعليًا وشرعيًا لفريضة الزكاة، وتجسيدًا مقاصديًا لأهدافها الدينية والاجتماعية.
غير أنّ هذا الارتباط المؤسسي بين الزكاة والدولة لم يظلّ ثابتًا عبر التاريخ الإسلامي، بل انفصمت عُراه، وشهد تحوّلات جذرية نتيجة تغيّر أنماط الحكم، من خلافةٍ راشدة إلى مُلكٍ عَضوض، ثم إلى مُلكٍ جبري مصداقًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم، مُخبِرًا عن زوال الخلافة الراشدة: ((…ثم تكونُ خلافةٌ على مِنهاجِ النُّبُوَّةِ ما شاء اللهُ أن تكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ تعالى ثم تكونُ مُلْكًا عاضًّا، فتكونُ ما شاء اللهُ أن تكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ تعالى، ثم تكونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً فيكونُ ما شاء اللهُ أن يكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ…))[3]. وقد أدّت هذه التحوّلات إلى تراجع السلطة المركزية، واختلال وظائف الدولة، ليتفاقم الأمرُ بخضوع عدد كبير من الأقطار الإسلامية لهيمنة الدول الاستعمارية.
أدى هذا المسار التاريخي إلى تهميش تدريجي لمؤسسة الزكاة، سواء على مستوى الإطار القانوني المنظِّم لها، أو الأجهزة المكلَّفة بتنفيذها، أو موقعها داخل منظومة المالية العامة. ومع استمرار هذه التحوّلات، تراجع حضور الزكاة في الوعي العام، وانحسر فقهها وتطبيقها في مجالات ضيّقة ومحدودة، فتحوّلت تدريجيًا إلى ممارسة فردية، يغلب عليها الطابع التعبدي، بعد أن جُردت من مقاصدها الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والدعوية.
وتفاقمت هذه الإشكالات مع تحوّلات حديثة أفرزت واقعًا قانونيًا واجتماعيًا أكثر تعقيدًا؛ وذلك ببروز عاملين رئيسين، يتمثّل أولهما في قيام الدولة الوطنية الحديثة على أسس قانونية وإدارية مغايرة للشريعة الإسلامية، إذ اعتمدت أنظمة جبائية وضعية، ورثت في كثير من تجلياتها منطق المرحلة الاستعمارية، دون اعتبار للمنظومة الاقتصادية الإسلامية، مما أفضى عمليًا إلى إقصاء نظام الزكاة عن مجال المالية العامة. أمّا العامل الثاني فيتجلّى فيما تعانيه الأقليات المسلمة، المتزايدة عددًا وانتشارًا، من غياب إطار تنظيمي مرجعي يتولّى تدبير الشؤون المالية الدينية، وفي مقدّمتها فريضة الزكاة.
في ظل تحديات هذا الواقع الذي يسعى فيه المسلم المعاصر إلى إقامة دينه وحفظ أحد أهم أركانه، تطرح أسئلة شرعية وعملية حول كيفية تنظيم جمع الزكاة وصرفها عند غياب وليّ الأمر، أو تعذّر قيامه بوظائفه، وحول مشروعية البدائل الكفيلة بسدّ هذا الفراغ التنظيمي، ولا سيما الجمعيات الخيرية والمؤسسات الأهلية.
وانطلاقًا من هذه المعطيات التاريخية والواقعية وغيرها، تتحدّد إشكالية هذا البحث في السؤال المحوري الآتي:
كيف عالج الفقه الإسلامي مسألة جمع الزكاة وصرفها عند غياب وليّ الأمر أو تعذّر قيامه بوظائفه؛ وما هي الأطر الشرعية والمؤسسية التي تنظّم البدائل العملية المعاصرة؟
ويتفرّع عن هذه الإشكالية الرئيسة عددٌ من الأسئلة الفرعية، من أبرزها:
- ما الأسس الشرعية والمؤسسية التي قامت عليها الزكاة في التجربة الإسلامية التاريخية، وما طبيعة مسؤولية وليّ الأمر في تنظيمها؟
- كيف نظر الفقهاء إلى مسألة أداء زكاة الأموال الظاهرة والباطنة، وما حدود تدخل السلطة في كلٍّ منهما؟
- ما العوامل التاريخية والمؤسسية التي أدت إلى تراجع الدور المؤسسي للزكاة عبر مراحل مختلفة؟
- ما الآليات الفقهية التي اعتمدها العلماء للحيلولة دون تعطّل فريضة الزكاة عند غياب وليّ الأمر؟
- كيف يمكن تكييف دور الجمعيات الخيرية المعاصرة فقهياً وإدارياً؟
- ما هي الضوابط الشرعية والتنظيمية الكفيلة بالحفاظ على المقاصد الشرعية لفريضة الزكاة؟
الجواب عن هذه الإشكالية وأسئلتها الفرعية يحقق جملة من المقاصد العلمية والدعوية، من أهمها:
- إبراز الطابع المؤسسي للزكاة في الفقه الإسلامي، وبيان ارتباطها السيادي بوظائف الدولة.
- تسليط الضوء على التحولات الداخلية التي أدت إلى تهميش الزكاة، مع تمييز العوامل الداخلية عن غيرها من العوامل الخارجية المتعلقة بالحقبة الاستعمارية.
- تقويم المقاربات الفقهية التي اعتمدها العلماء لمعالجة واقع غياب وليّ الأمر لمسألة إعطاء وتوزيع الزكاة.
- تقديم قراءة فقهية منهجية لدور الجمعيات الخيرية المعاصرة في مجال الزكاة، في ضوء مقاصد الشريعة ومتطلبات تحديات واقعنا المعاصر.
- إبراز شمولية الشريعة الإسلامية ومرونتها.
ولتحقيق هذه الأهداف والمقاصد العلمية، اعتمد البحث منهجًا تحليليًا استقرائيًا، يقوم على استقراء النصوص القرآنية والحديثية، ومناقشة أقوال الفقهاء في المذاهب المختلفة، مع الوقوف على التكيفات الفقهية للمؤسسات المالية الإسلامية المعاصرة. كما تم الاستفادة من الدراسات الحديثة سواء العربية منها أو الأجنبية، في مجال التاريخ الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. واستعان البحث كذلك بالمنهج المقاصدي في تقويم البدائل المعاصرة، دون الخروج عن الضوابط النصية والأصولية المعتمدة. ومما يجدر ذكره، أن هذا البحث استفاد من جزء رسالة تخرجي لنيل درجة الماستر في “فقه المال وقضايا العصر”[4]. وقد أعيد صياغته وإغناءه بما يخدم موضوع الدراسة التي بين أيديكم.
تم تنظيم هذا البحث في مطلبين رئيسين، على النحو الآتي:
عُني المطلب الأول بتحديد الإطار الشرعي والمؤسسي للزكاة؛ وذلك من خلال بيان مسؤولية وليّ الأمر في إقامتها، ودراسة آراء الفقهاء حول زكاة الأموال الباطنة. أمّا المطلب الثاني فقد تناول واقع غياب وليّ الأمر؛ من خلال دراسة تاريخية لأسباب تهميش الزكاة، ثم بحث البدائل الشرعية لجمعها وصرفها، مع التركيز على دور الجمعيات الخيرية وتكييفها الفقهي.
يسعى هذا البحث من خلال ما سبق؛ إلى تحفيز الحوار الأكاديمي حول الزكاة كمؤسسة مالية سيادية راسخة في المنظومة المالية الإسلامية. كما يقدم معالجة متوازنة ومنهجية، تلتزم بأصول الفقه من جهة، وتستوعب تحديات واقعنا المعاصر من جهة أخرى.
المطلب الأول: الإطار الشرعي والمؤسسي للزكاة
الفرع الأول: مسؤولية وليّ الأمر في إقامة الزكاة[5]
الزكاة من أركان الإسلام العظيمة التي على الأمة الإسلامية إقامتها صونا لدينها وامتثالًا وعبوديةً لربها، بقوله سبحانه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾[6]، وهي كذلك من مقوّمات خيرية الأمة على غيرها من الأمم قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾[7]، وضمانا للحمتها وتآزرا لأبنائها وتعاضدهم. وهي حقٌّ للسائل والمحروم وذوي الحاجات، لكي تتحقق حكمة ومقصد وجوبها في تآخي وتكافؤ افراد المجتمع وتراحمهم وتزكيتهم. وعلى هذا الأساس، يكون حقا على الحاكم المسلم الذي أقيم لحراسة الدين وسياسة الدنيا بالدين، أن يقيم هذه الشعيرة العظيمة ويعمل على رعايتها والسهر على تفعيلها وتنفيذها على وجهها الشرعي المنوط بها. فهو مسؤول عن رعيته؛ لأنها أمانة وحقٌّ يُؤدَّى لمستحقيه، ولأنها تدخل في واجب تفقد أحوالهم وسدّ حاجاتهم، وفق ما استرعاه الله عليهم وأمر به رسول صلى الله عليه وسلم. فقد جاء في الحديث الشريف المروي عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((كلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّتِه، والأمير راعٍ، والرجل راعٍ على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولدِه، فكلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسؤول عن رعيَّتِه)).[8]
وفي هذا السياق يمكن القول إن الزكاة أهم المؤسسات الاجتماعية في الدولة الإسلامية. هي ركن من أركان الإسلام، فلا يستحق اسم دولة الإسلام نظام لا يعطي الزكاة وظيفتها الاجتماعية الاقتصادية، ولا يقرن تلك الوظيفة بالدعوة والتربية والتطهير والتزكية، لتؤدي إلى النتائج التكافلية والودية بين المسلمين. فالزكاة زيادة على كونها عبادة وحق يعذب مانعه العذاب الأليم يوم القيامة، فهي كذلك تمثل وسيلة أساسية لإعادة قسمة الثروات، وتحفيز الدورة الاقتصادية.
وفي معرض تدبره للآية الكريمة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾[9]، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين “وازع القرآن يبشـر مُؤتيَ الزكاة بطهارة النفس وفلاح الآخرة، ووازع السلطان وكيل القرآن يقول: هات! ومن وراء «هات» الإلزام الصارم”[10]. فيربط الإمام عبد السلام ياسين بين بشارة القرآن لمؤدّي الزكاة وبين سلطة الإمام في إلزام الناس بها، ليؤكد أن الزكاة عبادةٌ تُطهّر القلوب، ومؤسسةٌ تحفظ الحقوق. فوازع الإيمان يرقّي النفوس، ووازع السلطان يحمي النظام، وباجتماعهما تستقيم فريضة الزكاة في الأمة.
لا شك، أنه في عصرنا أصبحت مهامّ وليّ الأمر (الدولة) عديدة وفي غاية التعقيد، والدولة الحديثة تروم لخصخصة بعض وظائفها والتنازل عنها لصالح شركاء وأجهزة مستقلة، والهدف هو تدبير الموارد وتيسير الحصول على الكفاءة والفعالية والنجاعة ومحاربة الفساد. فعلى هذا الأساس، يمكن في إطار السياسة الشرعية والتدابير الإدارية أن ينيب وليّ الأمر ويوكل غيره في بعض المهمات، ومنها جمع الزكاة وضبطها وتوزيعها، أو التخلي عن بعض وظائفها وتحميلها لمن هو قادر على القيام به.
فمن حيث الأصل، فسلطة التصرف في أموال الزكاة هي لوليّ الأمر أو من ينيبه. وقد حدد الشرع الحنيف للمسلمين كيفية تحصيل الزكاة، وتوزيعها وجعلها من الأعمال السيادية للدولة (وليّ الأمر)، فهي من تتولى شؤونها ومسؤولياتها، قال تعالى في كتابه العزيز، وهو يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾[11]. لقد اتفق أهل العلم أن المراد بالصدقة في هذه الآية الكريمة هي الزكاة، والخطاب فيها موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولكل من يلي أمر المسلمين من بعده. وهذا الخطاب صريح وأمره بين لوليّ الأمر، فهو المسؤول عن جمع الزكاة. وقد أدرك هذا المعنى الخليفة الأول أبوبكر الصديق رضي الله عنه، عندما حارب مانعي الزكاة، فقال: “لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه”، فالزكاة حق معلوم يأخذه الحاكم بقوة الشرع من الأغنياء ليرده لأهل الاستحقاق. وقد أكد فؤاد عبد الله العمر استمرار هذه المنحى بعد الخلفاء الراشدين وإن تخلله ابتعاد عن تطبيقها الرشيد، بقوله: “معظم الحكام المسلمين، قد استمروا في جمع الزَّكاة وتوزيعها وسعوا إلى تطبيق هذه الفريضة، وإن اختلف مستويات التطبيق العملي”..[12]
وقد جعل الله سبحانه العاملين على تحصيل وتوزيع الزكاة من ضمن الأصناف الثمانية المستحقة للزكاة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾[13]، فأجرتهم مقابل عملهم، تصرف لهم من حصيلة أموال الزكاة، مما يدل على أن الشرع الحنيف حرص على تفعيلها وتيسير سبل تنفيذها.
ولقد ضبط رسول الله صلى الله عليه وسلم تنظيم الزكاة ببعثه للعمال والأمراء، وأَخباره في ذلك مستفيضة، ومنه إرساله معاذ بن جبل إلى اليمن واليا عليها، وإعطاؤه تعليمات وتوجيهات نذكر منها، قال عليه الصلاة والسلام: ((إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ، فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ))[14]. فقد بين له طريقة استيفاء الزكاة، بقوله: ((تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ َعلَى فُقَرَائِهِمْ))، وما يتطلب الأمر من تدبير وإشراف وحسبة، وحذره من مغبة التعسف والتجاوز في أخذها وتحصيلها، ((فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ)). قال الحافظ ابن حجر: “استدل به على أن الإمام هو الذي يتولى قبض الزكاة وصرفها إما بنفسه وإما بنائبه فمن امتنع منها أخذت منه قهرا”[15].
وجعل رسول صلى الله عليه وسلم محاسبة ومراقبة العمال، من صميم مسؤولياته فقد كان يعظهم ويحذرهم من الوقوع في الرشوة والفساد، ومن ذلك ما روي عن أبي حميد الساعدي أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا من الأزد على الصدقة، يقال له ابن اللتبية، فلما جاءه قال للنبي صلى الله عليه وسلم هذا لكم، وهذا أهدي إلي، فقال له: ((أَفَلَا قَعَدْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ، فَنَظَرْتَ أَيُهْدَى لَكَ أَمْ لَا؟ ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَتَشَهَّدَ وَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: ” أَمَّا بَعْدُ، فَمَا بَالُ العَامِلِ نَسْتَعْمِلُهُ، فَيَأْتِينَا فَيَقُولُ: هَذَا مِنْ عَمَلِكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ لِي، أَفَلَا قَعَدَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَنَظَرَ: هَلْ يُهْدَى لَهُ أَمْ لَا، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَغُلُّ أَحَدُكُمْ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا جَاءَ بِهِ لَهُ رُغَاءٌ، وَإِنْ كَانَتْ بَقَرَةً جَاءَ بِهَا لَهَا خُوَارٌ، وَإِنْ كَانَتْ شَاةً جَاءَ بِهَا تَيْعَرُ، فَقَدْ بَلَّغْتُ))[16].
وتشدد بعض الفقهاء، في أمر تسليمها لوليّ الأمر، فقالوا إنه في حالة قيام المكلَّف بإخراج الزكاة بدون علم وليّ الأمر، وجب على وليّ الأمر أن يخرجها منه مرة اخرى[17]، موضحين ان الأمر من الله تعالى، في قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾[18].
ذكر النووي أن الشيرازي قال في المهذب”: ويجب على الإمام أن يبعث السعاة لأخذ الصدقة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده كانوا يبعثون السعاة، ولأن في الناس من يملك المال ولا يعرف ما يجب عليه، ومنهم من يبخل فوجب أن يبعث من يأخذ”[19]. فهي من مسؤولية وليّ الأمر وعليه استعمال سلطاته في تنفيذ فريضة الزكاة، ونفس المعنى ذكره المرداوي في الإنصاف: ” يجب على الإمام أن يبعث السعاة عند قرب الوجوب لقبض زكاة المال الظاهر، وأطلقه المصنف، وقاله في الرعاية الكبرى والوجوب هو المذهب”[20]. ومن سلطات وليّ الأمر خاصية التحري، ويترتب عليها من أعمال الضبط والتدبير الإداري، وترقب حلول الحول وغيره من الوسائل الكفيلة بتفعيل جمع الزكوات.
وقال الحافظ ابن كثير[21] عند تفسير قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾[22]، أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم، بأن يأخذ من أموالهم صدقة يطهرهم ويزكيهم بها، وهذا عام وإن أعاد بعضهم الضمير في ﴿ أَمْوَالِهِمْ ﴾ إلى الذين اعترفوا بذنوبهم وخلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، ولهذا اعتقد بعض مانعي الزكاة من أحياء العرب، أن دفع الزكاة إلى الإمام لا يكون، وإنما كان هذا خاصاً برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا احتجوا بقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾. وقد رد عليهم هذا التأويل والفهم الفاسد الصديق أبو بكر وسائر الصحابة، وقاتلوهم حتى أدوا الزكاة إلى الخليفة، كما كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الصديق: “والله لو منعوني عقالاً (وفي رواية: عناقاً) يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأقاتلنهم على منعه”[23].
وهو صريح مذهب الإمام مالك، قال ابن العربي: “لا خلاف بين علمائنا أن للإمام المطالبة بالزكاة، وأن من أقر بوجوبها عليه، وقامت عليه بها بينة، كان للإمام أخذها منه”[24].
وقد ذكر الدكتور القرضاوي العديد من فتاوي الصحابة التي يقررون فيها أن من حق وليّ الأمر أخذها وصرفها، ومنها قول عمر بن الخطاب: “ادفعوا صدقاتكم لمن ولاه الله أمركم فمن بر فلنفسه ومن أثم فعليها ثم قال القرضاوي: “إن الأصل في شريعة الإسلام أن تتولى الحكومة المسلمة أمر الزكاة، فتجبيها من أربابها وتصرفها على مستحقيها، وأن على الأمة أن تعاون أولياء الأمر في ذلك، إقرارا للنظام وإرساء لدعائم الإسلام، وتقوية لبيت مال المسلمين”[25]. ويؤكد محمد شوقي الفنجري هذا المعنى بقوله “الزكاة ليست مجرد إحسان متروك لاختيار المسلم، وإنما هي فريضة إلزاميَّة، يستوفيها وليّ الأمر من المكلفين بها، ويصرفها على المستحقين لها[26]“.
فعملية جمع وصرف الزكاة جزء من نظام الدولة المسلمة، وهي من أهم مواردها وتدخل في نطاق مسؤوليتها ورعايتها، وهذا ما أقره الصحابة وفقهاء الإسلام. ويؤكد البوطي على الجانب التربوي والإنساني وحفظ الكرامة، وكذلك تحقيق نوع المساواة المعنوية بين الفقير والغني من تحمل الدولة جمع وصرف الزكاة، قال: “فالدولة هي المكلفة بأخذها من أولئك وإعطائها لهؤلاء، نظرا إلى أن هذه الطريقة لا تخدش للآخذ كرامة، ولا تستتبع أي منة عليه، فإن علاقة الحاكم برعيته كعلاقة الأب بأولاده، وليس من شأن رعاية الوالد لابنه أن تعقب في نفس الولد أي غضاضة أو استحياء، وذلك على النقيض مما لو دفع الغني زكاة ماله مباشرة إلى الفقير، فإنه مثار للتمكن من المعطي وعرضة لمهانة قد تلحق بالآخذ”[27].
الفرع الثاني: مواقف الفقهاء من أداء زكاة الأموال الباطنة لوليّ الأمر
اختلف الفقهاء في زكاة الأموال الباطنة، وهي الأموال التي يمكن إخفاؤها عن الناس، مثل الذهب والفضة وعروض التجارة وما في حكمها[28]. أما فيما يتعلق بالأموال الظاهرة فهي التي لا يمكن إخفاؤها مثل الثمار والزروع والمواشي والعقار، حيث يسهل على عمال وليّ الأمر الاطلاع عليها ومعرفتها. فيما يتعلق بالأموال الظاهرة فقد اتفق العلماء على أن من واجب وليّ الأمر، أن يبعث العمال لجمعها وتوزيعها على مصارفها وإن جبرا، وألا يترك أمرها لذمم الناس ولو بمقاتلة مانعيها، استنانا بعمل أبي بكر الصديق رضي الله عنه[29]. قال أبو عبيد في كتاب الأموال: “وأما الصدقة التي يُكرَه الناس عليها، ويُجاهدون على منعها فصدقة الماشية والحرث والنخل”[30]. فالصدقة التي يجبر الناس عليها هي المتعلقة بالأموال الظاهرة.
وقد ذهب الحنفية والشافعية أن بداية هذا التقسيم ظهر في زمن الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان وأنه اجتهاد منه واجماع الصحابة عليه، حيث وكل أمر الأموال الباطنة لأربابها. وقد كان من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وخليفتيه من بعده أبو بكر وعمر يرسلون العمال لجمع الزكاة بكل أصنافها الظاهرة والباطنة، جاء في المحيط البرهاني: “أن زكاة الأثمان، وعروض التجارة زمن رسول الله عليه السلام وزمن أبي بكر، وعمر رضي الله عنهما كان مفوضاً إلى الإمام، إلا أن عثمان رضي الله عنه فوض ذلك إلى أربابها لمصلحة رآها في ذلك، وجعل أرباب الأموال كالوكلاء أنفسهم، لا أنه أبطل على نفسه حق الأخذ، وهذا لأن حق المطالبة للإمام عرف بعهد رسول الله عليه السلام وبعهد أبي بكر، وعمر، وحكم ثبت من جهة النبي عليه السلام، ومن جهة أبي بكر، وعمر رضي الله عنهما، لا يجوز لعثمان رضي الله عنه إبطاله، فدل أنه فوض الأداء إلى أرباب الأموال بطريق التوكيل، وكان هذا ديناً له مطالب من جهة العباد تقديراً”[31].
فبعد أن كثر المال بين الناس، وأصبح جمعه تتخلله صعوبةٌ وحرجٌ اقتصر عثمان رضي الله عنه، على جمع زكاة الأموال الظاهرة وحدها، وترك زكاة الأموال الباطنة على مسؤولية أربابها في دفعها لمستحقيها، فصار أرباب الأموال وكلاء عن الإمام، وله الرجوع عن ذلك إذا رأى في ذلك دفع مفسدة وجلب مصلحة.
فيما ذهب الحنابلة وأبو عبيد، بأن التقسيم بين نوعي المال، مرده هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه كان يتولى جمع الأموال الظاهرة فقط، فيما يترك زكاة الأموال الباطنة لأصحابها، يخرجونها بأنفسهم وعلى ذلك اتبعه الخلفاء من بعده[32].
فيما المالكية يرون أن الحاكم يتولى أمر جميع الأموال سواء الظاهرة أو الباطنة[33]. ومستندهم في ذلك عموم الآية قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾[34]، فهي تشمل جميع أنواع الأموال، يقول القرطبي: “وإنما بيان ذلك في السنة والإجماع. حسب ما نذكره فتؤخذ الزكاة من جميع الأموال”.[35] وأن الرسول صلى الله عليه وسلم أخذ الزكاة من الأموال التي يسميها الفقهاء باطنة، فعن أبي بكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((…. وَفِي الرِّقَّةِ رُبْعُ العُشْرِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ إِلَّا تِسْعِينَ وَمِائَةً، فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا))[36].
لكنهم أدخلوا والشافعية، قضية جور أو عدالة الحاكم، حيث قالوا أنه إذا كان جائرا في صرف الزكاة وبذل الأموال، فلا يُجزِئ المزكي دفعها إليه، لأنه يكون حينها من باب التعاون على الإثم والعدوان، قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾[37]. وأن الواجب على المزكي حينئذ ألا يعطي الزكاة إلى هذا الحاكم، أما إذا كان هذا الحاكم يضع الزكاة في مصاريفها الشرعية، فوجب إعطاؤها له ولو كان فاسقا[38].
وبالرغم من هذا التقسيم، فإذا طلب وليّ الأمر دفع زكاة الأموال الباطنة وكان عادلا، وجب دفعها إلى عماله مصداقا لدلالة الآية الكريمة ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾[39]، وعموم الأحاديث الدالة على ذلك. فمنعها بعد طلبها يُعَدُّ عصيانًا وشق عصا الطاعة المؤدي إلى الفتن والتفرقة والفساد، فالطاعة واجبة ويدخل في أمر السياسة الشرعية، لأن الإمام أعرف بالمستحقين، وأقدر على الموازنة بين المصالح والمفاسد.
وفي حالة عدم طلب الإمام العادل زكاة الأموال الباطنة، فهناك قولان:
الأول[40]: أن يفرقها رب المال بنفسه أو وكيله، ليكون على يقين من وصولها إلى مستحقيها.
والثاني[41]: أن يسلمها لعمال الإمام، لما في ذلك من إظهار شعيرة الزكاة.
ومع ظهور التقنيات الحديثة، وشيوع المعاملات المصرفية وأشكال المعاملات المالية الحديثة، ومع تطور وسائل المراقبة والمحاسبة الضرائبية، أصبحت علة التقسيم فيها نظر. وذلك أن ضبط الأثمان والقيم وعروض التجارة، متيسر وتحصيل الزكاة فيما يسمى بالأموال الباطنة مطلب شرعي ومصلحة كبرى، لما تمثله من مدخرات غالبة وأموال طائلة تفوق بنسب كبيرة ما يمكن الحصول عليه من زكاة الحرث والأنعام.
المطلب الثاني. غياب وليّ الأمر وقيام الجمعيات الخيرية بدوره
الفرع الأول: الاستعمار وتهميش الزكاة، تحليل تاريخي ومؤسسي
تُعدّ الزكاة إحدى أعظم مؤسسات المالية العامة في الحضارة الإسلامية وأكثرها تعبيرا عن لحمته وروحانيته، فهي لم تكن فقط عبادة مالية فردية، بل شكّلت منذ العهد النبوي والخلافة الراشدة نظامًا ماليًا عامًا متكاملًا وفعالا، يقوم بوظائف اجتماعية واقتصادية وسياسية ودعوية[42]. من أهدافها إعادة توزيع الثروة، وضمان العيش الكريم، مع ربط الدورة الاقتصادية بالأخلاق، وكذلك تحقيق التماسك الاجتماعي بين شرائح المجتمع. وقد أدار هذا النظام جهازٌ مؤسسي متكامل شمل: الإمام، والعاملين على الزكاة، وبيت المال، والقضاء الشرعي، في إطار دولة تُشرِف على الجباية والتوزيع وتضمن المشروعية والعدالة. وحتى لا نسقط في المثالية فإن هذه المؤسسة عرفت، ابتداءً من زوال الخلافة الراشدة وخضوع الأمة لنير الملك العاض، مسارًا تدريجيًا من الاستبداد في التوزيع إلى التفكك والتحلّل المؤسسي،[43] وانتهى بالتالي إلى تهميشها عمليًا، وتجريدها من بعدها السيادي والمجتمعي، وتحويلها من نظام دولة شامل ومتكامل إلى ممارسة فردية تطوعية، محدودة الأثر.
في دراسة للتطور التاريخي لفريضة الزكاة يخلص فؤاد عبد الله العمر مدير بيت الزكاة الكويتي إلى أن العصر الأموي، برزت مشكلتين هما:
أولا، تنـامي موارد الزكاة والصدقات مقابل الخراج، وتثاقل الدولة الإسلامية عن الاهتمام بها.
وثانيًا اختلاط جباية الخراج مع جميع الصدقات، واختلاط أموالهما، وعدم مراعاة المصارف الثمانية في التوزيع، والتوسع في استخدامها في شؤون الولاية والدولة.
كما يُلاحَظ أن الاهتمام بجباية الزكاة كان طاغيًا، ولكن كان هناك تقصير في الاهتمام بتوزيعها، وبالتالي لم تكن هناك سيطرة إدارية واضحة لتوزيع الزكاة.[44]
ولم يكن هذا الخلل قاصرًا على الدولة الأموية فحسب، بل شمل غالب الدول والمماليك الإسلامية، إذ ابتُليت بسوء تدبير فريضة الزكاة، والإخلال بمقاصدها الشرعية، إلا في حالاتٍ إصلاحية واستثناءاتٍ محدودة.
وفي العصر الحديث وقبيل مرحلة الاستعمار يعرض صاحب «العلمانية والمذهب المالكي» مثالًا قريبًا لأسباب تهميش الزكاة، يجدر ذكره [45]:
“وتذكر مصادر أخرى[46] أن وزير الحرب المنبهي تعهد للإنجليز بوضع الترتيب، وكان هذا من بين الشروط التي لم تفصح عنها اتفاقية المنبهي مع انجلترا يوم الجمعة 11 ربيع الأول 1319هـ/28 يونيو 1901م [47].
وبالفعل تم إنشاء ضريبة الترتيب بإشارة الإنجليز كما قال المؤرخ المشرفي [48]. فأصدر ظهيرا بذلك بتاريخ 10 جمادى 2 عام 1319هـ/ شتنبر 1901م [49].
ولقد لقي هذا الإجراء معارضة العلماء، بل أهم موجبات خلع السلطان عبد العزيز من قبل علماء مراكش وفاس هو إسقاط الأحكام الشرعية كتغيير الزكاة بالترتيب وإحداث البنك المؤدي للربا، واستسلاف الأموال العظيمة وصرفها في غير مصالحها وعقد الاتفاقيات المضرة بمصالح البلاد.”
وتبرز هذه النصوص والإحالات بجلاء أن إحداث ضريبة “الترتيب” لم يكن إجراءً إداريًا عابرًا ولا اجتهادًا داخليًا لتنمية الموارد، بل كان خطوة مقصودة في سياق تهميش الزكاة بوصفها نظامًا ماليًا شرعيًا واستبدالها بنظام جبائي وضعي مفروض بإرادة استعمارية. فالزكاة ليست مجرد مورد مالي للفقراء والمساكين، بل هي فريضة تعبّدية ذات بعد عقدي وتنظيم اجتماعي، تشكّل ركنًا من أركان الدين، وتعبّر عن سيادة الشريعة وهويتها في المجال الاقتصادي.
ويقول مصطفى باحو في موضع أخرمن كتابه “وتكلمت عن عناية السلاطين العلويين بالزكاة الشرعية وإلغاء المكوس، وإنكار المالكية لتبديل الزكاة بالضريبة، وأنه وَقَفَ خَلْفها دول غربية على رأسها فرنسا وإنجلترا. وأنها أحد أهم أسباب خلع السلطان عبد العزيز من قبل علماء مراكش وفاس.”[50]
وبهذا تؤكد هذه المصادر والوثائق، بوضوح تدخل الإنجليز، وأن قرار فرض “الترتيب” جاء نتيجة إملاءات خارجية أدت إلى تعطيل وظيفة الزكاة وإفراغها من آثارها الاقتصادية والاجتماعية، لأن نظام الزكاة يقيّد سلطة الدولة، ويحدّ من قدرة القوى الأجنبية على التحكم في موارد البلاد، بخلاف الضرائب الوضعية التي يسهل توجيهها لخدمة الديون والارتهان للسياسات الخارجية.
ومن أخطر مظاهر هذا التهميش أن الزكاة لم تُعطَّل فقط عمليًا، بل أسقطت تشريعيًا ورمزيًا، حين حلّ “الترتيب” محلها كضريبة عامة، تُجبى دون اعتبار لشروط الوجوب ومقادير الأنصبة ومصارف الاستحقاق الشرعي. وهذا التحول مثّل إسقاطًا مباشرًا لأحد معالم السيادة الشرعية، لا مجرد تغيير في وسائل الجباية.
لذلك فإن معارضة العلماء، واعتبارهم تغيير الزكاة بالترتيب من موجبات خلع السلطان عبد العزيز، يكشف أن الخلاف لم يكن حول مقدار الضريبة أو عدالتها، بل حول نزع المرجعية الشرعية عن المجال المالي وتطبيع الخضوع لمنظومة اقتصادية استعمارية قائمة على الربا والاستدانة وصرف المال العام في غير مصارفه الشرعية. فالزكاة، حين عُطّلت، فُتح الباب أمام البنوك الربوية وبالتالي أدى ذلك إلى تراكم الديون وتفكيك اللحمة الاجتماعية.
لا شك أن الدول التي تعاقبت على حكم المغرب، في أغلبها كانت حريصة على تطبيق الشريعة الإسلامية، ومن ذلك إقامة الحدود الشرعية. وقد تجلّى هذا الحرص بوضوح عند بعض الحكّام، مثل يوسف بن تاشفين ويعقوب المنصور الموحدي وغيره، حيث عرفوا بإقامة الحدود حتى على أقاربهم وأهل بيتهم، دون محاباة أو تمييز.
ولا يُستغرب هذا التوجّه؛ إذ إن غالب هذه الدول نشأت في أصلها على دعوات إصلاحية ودينية، حيث رفعت شعار نصرة الدين، وإحياء الشريعة، وإقامة حدودها.
وقد حظيت فريضة الزكاة بعناية خاصة ضمن هذا التصور، باعتبارها من مقومات الدين، وأحد الأسس المركزية في تحقيق التماسك الاجتماعي والتكافل داخل المجتمع.
ويُظهر محمد أقسقوس[51] أن التحول المؤدي إلى تهميش الزكاة، بلغ ذروته في عهد السلطان المولى عبد العزيز، حين صدر ظهير سنة 1901م/1319هـ يقضي بإلغاء الزكاة والأعشار وتعويضهما بنظام الترتيب، بدعوى إصلاح المالية العمومية وإنعاش خزينة الدولة. غير أن هذا القرار قوبل برفض واسع من العلماء والعامة، والذين اعتبروا الترتيب بديلًا غير مشروع لفريضة الزكاة، ومخالفة صريحة للنص القرآني والسنة والإجماع. وكذلك لما يتضمنه من فرض الجباية على من لا نصاب له، وتسوية بين الغني والفقير في القدر الواجب أداؤه.
وقد ترتب عن هذا الإلغاء آثار دينية واجتماعية خطيرة، تمثلت في اهتزاز شرعية السلطة، واتساع رقعة التمردات القبلية والحضرية. وهذا الإلغاء شجع تدخل العلماء في الشأن السياسي عبر فتاوى وبيانات تدين تعطيل الزكاة، وتربط بين ذلك وبين فساد النظام واختلال الشريعة. ويخلص أقسقوس، إلى أن استبدال الزكاة بالترتيب لم يكن مجرد إصلاح مالي، بل شكّل قطيعة مع المرجعية الشرعية، ومقدمة لمرحلة جديدة من التبعية المالية والتغلغل الأجنبي، انتهت بتقويض التوازن التقليدي بين المخزن، والرعية، والعلماء، ومهّدت لاحقًا لفرض الحماية الاستعمارية سنة 1912م.[52]
ومن هنا يتضح أن تهميش الزكاة كان أداة استراتيجية لإضعاف الأمة من الداخل، وتجفيف موارد التكافل الاجتماعي، وتحويل الدولة من راعية لمصالح الفقراء إلى وسيط مالي لخدمة الدائن الأجنبي. وهو ما يفسر تلازم إسقاط الزكاة مع التوسع في القروض الربوية وعقد الاتفاقيات المضرة بالبلاد.
وبذلك، فإن هذا الحدث التاريخي يُعد نموذجًا صريحًا لكيفية توظيف السياسة الجبائية في تفكيك البنية الشرعية والاقتصادية للمجتمع الإسلامي، ويبرهن أن تهميش الزكاة لم يكن فقط نتيجة تطور طبيعي، بل حصيلة قرار سياسي مرتبط مباشرة بالضغط الاستعماري وفقدان السيادة التشريعية.
ولا يمكن فهم هذا التحول بمعزل عن سياقه التاريخي والسياسي، إذ تداخل فيه عاملان بنيويان:
- تهميش داخلي تلقائي ارتبط بضعف الدولة، وتفكك السلطة المركزية، وانهيار الأجهزة الشرعية المكلفة بالمالية العامة.
- تهميش خارجي مقصود وممنهج ارتبط بالمرحلة الاستعمارية، حيث عملت القوى الاستعمارية على تفكيك المؤسسات المالية الإسلامية، واستبدالها بأنظمة جبائية أوروبية حديثة، لا تعترف بالزكاة كمورد سيادي مشروع.
ويهدف هذا الفرع من خلال الفقرات اللاحقة، إلى تحليل هذا المسار المركّب تحليلاً تاريخيًا ومؤسسيًا، مع الاستناد إلى مصادر فقهية وتاريخية، ووثائق تشريعية استعمارية، لإثبات أن تهميش الزكاة لم يكن مجرد تطور طبيعي، بل اختيارًا سياسيًا وقانونيًا مقصودا.
- التهميش الداخلي التلقائي لمؤسسة الزكاة قبل الاستعمار
- ضعف الدولة المركزية وسقوط الولاية المالية الشرعية
ابتداءً من القرن العاشر الهجري، ومع تفكك السلطنة العثمانية، وظهور الإمارات المحلية، وتزايد الصراعات الداخلية، ضعُفت سلطة الدولة المركزية، وانعكس ذلك بشكل مباشر على المؤسسات المالية الشرعية. فقد تآكلت القدرة الإدارية للدولة على:
- جباية الزكاة بانتظام،
- ضبط الأنصبة وشروط الوجوب،
- إدارة المصارف الشرعية،
- مراقبة العُمّال ومحاسبتهم.
- انتشار الفساد الإداري
وأمام هذا الضعف، تحولت الزكاة تدريجيًا من واجب تشرف عليه الدولة إلى التزام فردي خاضع لاجتهاد الأشخاص، مما أفقدها طابعها النظامي والمؤسسي.
جاء في مناهج جامعة المدينة العالمية ” إن أسباب التهرب من أداء الزكاة يمكن إجماله في سببين رئيسين:
أولًا: ظلم الإدارة أو القائمين بأمور جباية الزكاة وتوزيعها.
ثانيًا: ضعف الوعي الإسلامي بوجهٍ عام، والوعي الزكوي بصفة خاصة”[53]
وفي موضع آخر “فإن ظلم الإدارة أو القائمين على جباية الزكاة تمثل أهم الأسباب للتهرب منها، ويكفي أن نشير إلى أن من أهم الأسباب التي اضطرت الدولة في عهد السلطان قالون بمصر إلى إلغاء نظام جباية الزكاة بواسطة الدولة”[54]. فيؤكد أن التهرّب من أداء الزكاة لا يعود إلى خلل في التشريع، بل إلى ظلم الإدارة وسوء تدبير جبايتها وتوزيعها، وهو العامل الأبرز في فقدان الثقة بمؤسسات الدولة وأجهزتها الإدارية، كما تشهد بذلك التجربة التاريخية في عهد السلطان قالون بمصر.
وهذا ما يأصله الأستاذ ياسين انطلاقا من نظره واستنباطه للسنة الشريفة قائلا: “ونستمع إلى المصطفى الحبيب صلى الله عليه وسلم يخبرنا بمصير الأنقاض بعد زمان. كيف ازداد التفتت واستفحل واستوحل وتأصل حتى كانت القابلية للاستعمار دعوةً جَفَلَى للأمَم أن هَلُموا إلى مَأْدُبَة.”[55]
وقد حذر ابن خلدون من مغبة استفحال الظلم المؤدي إلى ضياع مقومات الأمة وبالتالي الى خراب عمرانها. حيث جاء في الفصل الثالث والأربعون في أن الظلم مؤذن بخراب العمران: “اعلم أنّ العدوان على النّاس في أموالهم ذاهب بآمالهم في تحصيلها واكتسابها لما يرونه حينئذ من أنّ غايتها ومصيرها انتهابها من أيديهم وإذا ذهبت آمالهم في اكتسابها وتحصيلها انقبضت أيديهم عن السّعي في ذلك “[56]
ويخلص د. يوسف القرضاوي مقررا أن الزكاة في أصلها ليست مجرد عبادة فردية، بل هي جزء من النظام المالي للدولة الإسلامية، تُجمع وتُصرف عبر جهاز إداري خاص، وأن اختزالها في صورة الصدقة الفردية إنما هو انحراف تاريخي وقع في بعض العصور، لا يعكس حقيقتها الشرعية ولا وظيفتها الحضارية[57].
وهكذا يتبيّن من مجموع هذه الشهادات العلمية أنّ تفكك السلطة الشرعية كان العامل المركزي في انحسار النظام المؤسسي للزكاة وتحولها إلى صدقة فردية، وهو ما ترتّبت عليه آثار عميقة في فاعلية الزكاة ودورها الاجتماعي والاقتصادي. وهو توصيف دقيق لواقع ما قبل الاستعمار، ينسف الادعاء القائل بأن الاستعمار وحده هو سبب التهميش، دون إنكار دوره الحاسم لاحقًا.
- تراجع جهاز العُمّال والقضاء المالي
يشكّل العاملون على الزكاة حجر الزاوية في النظام المالي الإسلامي، وقد كانوا جزءًا أصيلًا من البنية الإدارية منذ عصر النبوة والخلافة الراشدة. غير أنّ ضعف السلطة السياسية أدى إلى اضمحلال هذا الجهاز، واختفاء الوظيفة العمومية للعامل، وتحول الجباية إلى نشاط فردي أو موسمي.
ويؤكد مراد جِزاقجه، في دراسته لتاريخ المؤسسات الخيرية، أنّ انهيار الجهاز الإداري المالي سبق الاستعمار، وأن هذا الانهيار فكّك الشبكة المالية الإسلامية وجعلها هشّة أمام التدخل الأوروبي اللاحق [58]، وهو تحليل يكشف العلاقة السببية بين الضعف الداخلي وقابلية الاختراق الاستعماري.
- تضخم الضرائب السلطانية
في ظل الأزمات المالية المتلاحقة، لجأت بعض الدول الإسلامية إلى فرض ضرائب استثنائية لتعويض العجز، دون مراعاة الضوابط الشرعية. وقد أدى تراكم هذه الضرائب إلى تحويل الزكاة في وعي الناس من فريضة مركزية إلى التزام ثانوي مقارنة بالجبايات السلطانية الثقيلة.
وهذا ما يؤكد عليه محمد عثمان شبير[59] في دراسته الزكاة والضرائب في الإسلام؛ إذ يرى ضرورة أن يكون فرض الضرائب مؤقتًا بزوال الحاجة الطارئة، وألّا تُفرض بصورة مستمرة حتى لا تطغى على الزكاة فتصبح هي الأصل والزكاة هي الفرع. ولذلك يشدّد على أن يتفقد الإمام الحاجةَ إلى هذه الضرائب في كل وقت، إذ قد يأتي زمان تستغني فيه الدولة عمّا يزيد على ما في بيت المال، فيُرفع حينئذٍ سبب فرضها.
- التهميش المقصود للزكاة أثناء الحقبة الاستعمارية
يعتبر تهميش الزكاة خلال الحقبة الاستعمارية ظاهرةً بنيويةً عميقة، لا يُفسّرها عوامل الضعف الداخلي فقط، بل تتجاوزها إلى كونها سياسةً استعماريّةً مقصودةً وممنهجة. فقد أدركت القوى الاستعمارية أن الزكاة ـ بوصفها نظامًا ماليًا ذا طابع سيادي ومؤسسةً تكافليّةً مستقلة ـ تشكّل عائقًا أمام هيمنتها الاقتصادية وتحكّمها في موارد المجتمعات الإسلامية. ومن ثم سعت القوى الاستعمارية إلى تفكيك أجهزتها ومؤسساتها الشرعية، واستبدالها بأنظمة جبائية وضعية تخضع بالكامل لسلطتها. لقد مثّلت الزكاة، بما لها من طابع سيادي ووظيفة تكافلية، عائقًا حقيقيًا أمام مشروع الهيمنة الاستعمارية القائم على احتكار الجباية والتحكم في الموارد.
لا شك أن تعطيل المؤسسات الشرعية، وتجفيف وعائها المالي، وإقصائها قانونيًا لفائدة أنظمة ضريبية وضعية، خطة ممنهجة ومقصودة هدفها عزل المنظومة المالية الشرعية وإبطال دورها المجتمعي. والملاحظ أن هذه السياسات تكررت عبر نماذج متعدّدة، ولكن لهذه الغاية المقصودة، سواء في الجزائر والمغرب ومصر وماليزيا أو في غيرهما من الدول الإسلامية. وهذا يظهر بشكل جلي تكاتف جهود القوى الاستعمارية حول هدف واحد: تحييد الدور السيادي والاجتماعي للزكاة، وإخضاع النظام المالي بالكامل لمركزية الدولة الاستعمارية ثم لاحقًا للدولة العلمانية الحديثة.
وهو ما يؤكد أنّ تهميش الزكاة كان جزءًا لا يتجزأ من مشروع أوسع لإعادة تشكيل المجتمعات الإسلامية ماليًا واجتماعيًا وفق النموذج الاستعماري، الذي يقوم على تقويض المؤسسات الدينية المستقلة وفرض التبعية الشاملة.
- أ- الزكاة قبل الاستعمار: مؤسسة مالية سيادية ذات بعد حضاري
لم تكن الزكاة في التجربة التاريخية الإسلامية مجرّد عبادة فردية أو إحسانًا تطوعيًا، بل شكّلت مؤسسة مالية ذات طابع سيادي، تؤدّي أدوارًا اقتصادية واجتماعية واضحة في تنظيم المجتمع. تُدار ضمن منظومة شرعية متكاملة تشمل الولاية العامة، وجهاز العُمّال على الزكاة، والقضاء الشرعي، والوقف. وقد مكّن هذا التكامل الوظيفي من انتظام جمعها وتوزيعها مع ضمان حدّ أدنى من الاستقلال المالي للمؤسسات الشرعية، وإن تخلل في مراحل عديد مظاهر تعسفية. فكانت الزكاة أحد أعمدة الاستقرار الاجتماعي والتكافل الاقتصادي عبر القرون[60].
غير أن هذا البعد السيادي والمؤسسي هو بالذات ما جعل الزكاة هدفًا مباشرًا للمشروع الاستعماري الحديث[61]، الذي أدرك أن السيطرة العسكرية والإدارية لا تكتمل إلا بالتحكم في المال وآليات توزيعه، وأن الإبقاء على نظام مالي ديني مستقل يُقوّض منطق الدولة الاستعمارية القائمة على الاحتكار الجبائي.
- ب- إلغاء الأجهزة الشرعية المكلفة بالزكاة: التدمير المؤسسي المباشر
تمثل الجزائر النموذج الأوضح للتدمير المؤسسي المباشر لنظام الزكاة. فمنذ 1830م، ألغت فرنسا اختصاصات القضاء الشرعي في الأموال، وحلّت ديوان الأوقاف، ومنعت أي تنظيم مركزي أو محلي لجمع الزكاة. ولم يكن هذا الإجراء ذا طابع إداري محض، بل سياسة ممنهجة هدفها تعطيل النظام الاجتماعي الإسلامي من جذوره. ويبيّن دافيد س. باورز أن مصادرة الأوقاف لم تكن إجراءً ماليًا فحسب، بل خطوة مقصودة لتعطيل شبكات التضامن الاجتماعي، مما أدّى بالضرورة إلى شلل الزكاة بوصفها مؤسسة عامة[62].
وقد تعزّز هذا المنحى بعد قمع انتفاضة 1871م، حيث فُرضت غرامات جماعية ومصادرات واسعة للأراضي، أدّت إلى تجفيف الوعاء الزكوي نفسه. ويكشف شارل-روبير أجرون بالأرقام أن ما فُرض على القبائل المنتفضة بلغ ما يقارب 70% من رأس مالها العقاري، وهو ما شكّل ضربة قاصمة لأي إمكانية لاستمرار نظام زكوي فعّال[63]. كما فُرضت على المسلمين منظومة جبائية مزدوجة (impôts arabes)، وُصفت في الفقه القانوني الاستعماري بـ«ثمن الهزيمة»، في دلالة واضحة على الانتقال من منطق الزكاة القائم على التعبّد والتكافل إلى منطق الجباية القسرية القائمة على الإخضاع[64].
فيما تكشف الحالة المصرية منطقًا استعماريًا مماثلًا؛ إذ أُجهضت في أواخر القرن التاسع عشر محاولات الأزهر إنشاء ديوان منظَّم للزكاة تحت ضغط المندوب البريطاني اللورد كرومر، لصالح تثبيت النظام الضريبي البريطاني، وهو ما يعكس تعارضًا بنيويًا بين الدولة الاستعمارية الحديثة والزكاة بوصفها مؤسسة دينية سيادية.
- ت- مصادرة الأوقاف: تفكيك البنية التكميلية للزكاة
لم تكن الزكاة تعمل بمعزل عن الوقف، بل شكّل الاثنان معًا شبكة تمويل اجتماعي متكاملة؛ إذ كان الوقف يمثّل القناة الطبيعية لتصريف أموال الزكاة في مصارفها الشرعية من تعليم وصحة ورعاية اجتماعية. ومن ثمّ، فإن مصادرة الأوقاف مثّلت ضربة مزدوجة عطّلت الوقف ذاته وحرمت الزكاة من بنيتها الوظيفية.
وقد شكّل الاعتداء على المؤسسات الوقفية في الجزائر على سبيل المثل أحد أخطر أوجه السياسة الاستعمارية الفرنسية، إذ لم يكن هذا الاعتداء إجراءً إداريًا عارضًا، بل خيارًا استراتيجيًا واعيًا استهدف تفكيك إحدى أهم البنى الاقتصادية والاجتماعية التي قام عليها المجتمع الجزائري قبل الاحتلال. فالوقف، بوصفه مؤسسة شرعية جامعة، كان يؤدّي أدوارًا مركزية في تمويل المساجد، والمدارس القرآنية، ورعاية الفقراء، وضمان حدّ أدنى من الاستقلال المالي للمجتمع، وهو ما جعل منه عقبة حقيقية ومقاومة لمشروع الاستعمار الاستيطاني[65].
وقد سارع الاحتلال، منذ الأشهر الأولى لدخوله الجزائر، إلى ضرب هذه المؤسسة عبر مراسيم وقوانين متتالية، بدأت بمرسومي دي بورمون وكلوزيل سنة 1830م، واللذين قضيا عمليًا بمصادرة الأوقاف الإسلامية ووضعها تحت تصرف الإدارة الاستعمارية، في خرق صريح لبنود المعاهدات التي تعهّدت باحترام الأملاك الدينية.[66] وتوالت بعد ذلك التشريعات التي نزعت عن الوقف حصانته الشرعية، وحوّلته إلى ملكية عقارية خاضعة لمنطق السوق والاستيطان، بما في ذلك مراسيم 1838م و1858م وقانون 1873م (مشروع وورنيي)، والتي استهدفت تصفية الأوقاف وفتحها أمام التملّك الأوروبي [67].
إن هذا الاعتداء لم يكن ذا طابع اقتصادي صرف، بل حمل أبعادًا سياسية ودينية[68]. واضحة؛ إذ رأت الإدارة الفرنسية في الوقف مصدرًا لتمويل المقاومة، وقاعدةً لاستقلال المجتمع عن الدولة الاستعمارية، لذلك اعتُبر الإبقاء عليه خطرًا ينبغي القضاء عليه[69]. وقد ترتّب عن ذلك تفكك منظومة التكافل الاجتماعي، وتراجع التعليم الديني، وإغلاق مئات الزوايا والمدارس، وتحويل المساجد إلى كنائس أو ثكنات، مما أدّى إلى انتشار الجهل والفقر، وضرب البنية القيمية للمجتمع الجزائري[70]. فهي كلها عوامل تضافرت لإضعاف الزكاة وتهميشها.
لقد اعتمد الاستعمار استراتيجية مزدوجة، فمن جهة، رفع شعار احترام الدين الإسلامي وعدم التدخل في شؤونه، ومن جهة أخرى عمل على تحييد الفقه الإسلامي وخاصة الفقه المالكي عن مجالاته الحيوية، عبر نزع اختصاصاته في القضاء، والوقف، والزكاة، والتعليم، وحصره في دائرة الأحوال الشخصية والطقوس التعبدية. وقد مثّل هذا التحجيم انتقالًا مقصودًا من مرجعية فقهية شاملة إلى دين منزوع الأثر الاجتماعي والسياسي[71].
والملاحظ أن العلمنة الاستعمارية لم تُفرض دفعة واحدة، بل جرى تمريرها تدريجيًا عبر تشريعات وقوانين وضعية استثنائية. فأدّت إلى إقصاء القضاء الشرعي، وتجفيف الموارد الوقفية، وتعطيل الآليات المالية الإسلامية، وعلى رأسها الزكاة، التي كانت تُدار في إطار الجماعة وتحت إشراف شرعي. وبهذا المعنى، لم يكن تغييب الزكاة والوقف ناتجًا عن تطور فقهي داخلي، بل عن إعادة هندسة قسرية للمجال الديني وفق منطق الدولة الاستعمارية الحديثة[72]. وعليه، فإن تهميش الوقف لم يكن مجرد نتيجة جانبية للاستعمار، بل كان جزءًا بنيويًا من مشروع الهيمنة. مما استهدف تجفيف الموارد الذاتية للمجتمع، وفصل الدين عن مجاله الاجتماعي والاقتصادي، وإلحاق السكان المسلمين بمنظومة تبعية مالية وإدارية. بما يجعل الاعتداء على الوقف أحد المفاتيح الأساسية لفهم عمق التخريب الاستعماري[73].[74].
وقد تكرّر هذا النمط في الجزائر وتونس والمغرب وغيرها من الأقطار الإسلامية، مع وحدة الغاية وإن اختلفت السياقات القانونية، بإفراغ المالية الإسلامية من مضمونها الاجتماعي. ففي المغرب على سبيل المثال، وبعد 1912م، خضعت الأوقاف للمراقبة الفرنسية، واستُغلّت مواردها في ميزانية الحماية بدل توجيهها إلى مصارفها الشرعية، كما توضّح هانا-لويز كلارك في دراستها حول دولة الرفاه الاستعمارية[75]. وكانت النتيجة المباشرة لاستراتيجية الاستعمار تفريغ الزكاة من بنيتها الاجتماعية، بحكم الترابط الوظيفي العميق بينها وبين الوقف. ويبين تيمور كورن (2013م) أنّ “الاستعمار والقانون المدني الحديث عطّلا تمامًا البنية المؤسسية للأوقاف والزكاة”[76].
- ث- . إدخال القوانين المدنية وإلغاء الشريعة المالية
اعتمدت القوى الاستعمارية في معظم البلاد الإسلامية المحتلة على إدخال القانون المدني الأوروبي، وهو ما ترتّب عنه:
- إلغاء ولاية الدولة الشرعية على أموال الزكاة، إذ لا يعترف القانون الوضعي بها كواجب مالي ملزم.
- تحويل النظام المالي إلى نظام ضريبي أوروبي قائم على الضرائب العقارية وضريبة الدخل والإنتاج.
- منع القضاء الشرعي من الفصل في الشؤون المالية، كما حدث في الجزائر وتونس والهند.
ويؤكد تيمور كوران أن الاستعمار، مقرونًا بالقانون المدني الحديث، أدّى إلى تعطيل البنية المؤسسية للأوقاف والزكاة معًا، وربط المجال المالي كليًا بالدولة المركزية الحديثة[77].
- ج- إعادة هندسة الزكاة في آسيا: بين الإلغاء والمنطق البيروقراطي
كانت الزكاة، قبل الاستعمار، تُدار محليًا من قِبل العلماء والأئمة وجُباة الزكاة (amil / zakatchi) ضمن منظومة شرعية متكاملة ترتبط بالمجتمع المحلي وتستجيب لحاجاته، سواء في المجال الاجتماعي أو في تمويل المؤسسات الدينية والتعليمية[78].
غير أن التدخل الاستعماري أدّى إلى إعادة هندسة نظام الزكاة. بما يخدم أهداف السلطة الاستعمارية، إذ سعت القوى الاستعمارية إلى إخضاع موارد الزكاة للرقابة الإدارية والمالية، إمّا عبر الإشراف المباشر على جُباتها، أو عبر دمجها ضمن منظومة ضريبية حديثة. ففي أوزبكستان، عمدت الإدارة الروسية إلى إخضاع جُباة الزكاة للرقابة، ثم ألغت النظام الزكوي كليًا واستبدلته بنظام ضريبي وضعي. أما في ماليزيا، فقد أبقى الاستعمار البريطاني على الزكاة شكليًا، لكنه عمل على مركزة إدارتها عبر مجالس دينية رسمية “Majlis Agama Islam”، ما جرّد المجتمع المحلي من سلطة تقرير مصير أمواله الزكوية، وأعاد تعريف الزكاة بوصفها «زكاة السلطان» لا فريضة جماعية ذات بعد مقاصدي شرعي[79].
ويؤكد تشيزاقجا أن ما تعرّض له الوقف تركيا في هذه المرحلة لم يكن تراجعًا طبيعيًا أو نتيجة سوء إدارة داخلي فحسب، بل تدميرًا متعمّدًا ومنهجيًا، بلغ ذروته مع سياسات المركزية الصارمة التي استهدفت إخضاع الأوقاف لإشراف الدولة أو تصفيتها كليًا. ويشير تشيزاقجا إلى أن هذا التدمير كان عالميًا في نطاقه، شمل أغلب مناطق العالم الإسلامي، وربطه صراحة بصعود الإمبريالية الغربية، مع مفارقة لافتة تتمثل في أن أكبر عملية تقويض للأوقاف حدثت في تركيا، رغم أنها لم تخضع للاستعمار المباشر، وهو ما يدل على أن منطق الدولة الحديثة نفسه كان معاديًا للبنى الوقفية المستقلة[80].
- استمرار التهميش بعد الاستعمار
لم يؤدِّ الاستقلال السياسي في معظم البلدان الإسلامية إلى استعادة الزكاة كمؤسسة سيادية، بل استمر الإرث القانوني الاستعماري، مع غياب الإرادة السياسية لإعادة إدماجها ضمن منظومة المالية العامة. وبقيت التجارب القليلة (كالسودان وماليزيا) استثناءات محدودة تؤكد القاعدة أكثر مما تنقضها.
يتبيّن ممّا سبق أن تهميش الزكاة لم يكن نتيجةَ عاملٍ واحدٍ معزول، بل حصيلةَ مسارٍ تاريخيٍّ بدأ باختلال عروة الحكم، ثم بلغ ذروته مع التدخل الاستعماري المباشر، الذي حمل رؤيةً معاديةً للبنية الحضارية الإسلامية. وقد أدّى هذا المسار إلى تجريد الزكاة من طابعها المؤسسي والسيادي، قبل إقصائها قانونيًا وتعويضها بأنظمة جبائية مستوردة. وبذلك تحوّلت من مؤسسةٍ سياديةٍ ذات وظيفةٍ حضاريةٍ شاملة إلى ممارسةٍ تعبديةٍ فرديةٍ محدودة الأثر، خاضعةٍ للتفسيرات العلمانية المستوردة. وهو ما يفرض تكاتفَ القوى الحيّة للأمّة لإعادة الزكاة إلى موقعها المركزي ضمن رؤيةٍ شرعيةٍ وسياسيةٍ معاصرة.
إن أخطر ما في هذه السياسة هو أنها نجحت في إعادة تعريف العلمانية بوصفها حيادًا دينيًا، بينما كانت في الواقع أداة لإقصاء المرجعيات الشرعية وخاصة المالكية فيما يتعلق بإفريقيا الشمالية واستبدالها بنظام قانوني وضعي يخدم الهيمنة الاستعمارية. ومن ثمّ، فإن فهم تهميش الزكاة والوقف والمؤسسات الدينية لا ينفصل عن فهم العلمنة بوصفها مشروعًا سياسيًا استعماريًا، لا مجرد خيار فلسفي أو تنظيمي[81].
الفرع الثاني: آليات جمع الزكاة وصرفها في حال غياب وليّ الأمر
تتميز شرائع الإسلام بالمرونة والواقعية والتيسير، فكلما ازدادت صعوبة إقامة واجب، أو إتيان فرض على أحسن وجه، أوجد الإسلام وسائل التيسير ورفع المشقة، مع ترتيب الأولويات والمقاصد، فلا بد من الحفاظ على بيضة الإسلام وصيانة الدين وإقامته حسب الممكن. فالله سبحانه يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ ۗ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[82].
لقد تعرضت الأمة في مراحل من تاريخها إلى الضيق والهزات والأزمات، أصابت أجزاء منها كالغزو المغوليّ والصليبي وسقوط الأندلس، وما ابتليت به الأمة بوقوع أغلب أقطارها تحت نير الاستعمار في العصر الحديث، فأخذ العلماء على عاتقهم مسؤولية إحياء الدين، ومنع تعطل أحكامه، مستنيرين بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، المبني على الحكمة والتدرج وترتيب الأولويات.
- أ- إقامة الزكاة مسؤولية الفرد عند تعذر وليّ الأمر
إن غياب الإمام أو تعذُّر قيامه بوظيفته في تحصيل الزكاة وتوزيعها، سواء لضعف السلطة أو لكون المسلمين أقلية أو خاضعين لحكم وضعي مغيب للزكاة، يفرض حالات عملية تستدعي بيان الحكم الشرعي المناسب. وفي هذه الظروف، لا تسقط فريضة الزكاة، بل تبقى واجبةً على المسلم كالصلاة والصيام؛ إذ هي ركن من أركان الإسلام، وفرض عيني لا يسقط بغياب الجهة الجامعة. كما لا تسقط بانعدام الفقراء في محيط المزكي، فهي فضلاً عن كونها حقاً للفقير، مُزكِّيةٌ لنفوس الأغنياء وعلاجٌ لأمراض الشح والبخل. ومن ثمَّ، يظل المكلَّف مسؤولاً عن إخراج زكاته، وعليه أن يبذل الجهد في إيصالها لمستحقيها بالوسائل المشروعة، صوناً لهذا الركن العظيم وبراءةً لذمته.[83]
ويؤكد الأستاذ عبد السلام ياسين على مسؤولية إقامة الزكاة بقوله: “في هذه الآية رسم الله رب العزة والجلال أهداف الدولة القرآنية وغايتها حيث قال: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾[84].”[85]
فالآية تدل على أن من أعظم مهام المؤمنين عند التمكين إقامةُ شعائر الدين، وفي مقدمتها الصلاة والزكاة؛ إذ جمع الله بينهما دلالةً على مركزية الزكاة في بناء المجتمع العادل. فالزكاة ليست عبادة مالية فردية فحسب، بل هي وظيفة إيمانية ومهمة جماعية يقوم بها المؤمنون سعيا لحسن العاقبة في الدنيا والآخرة.
إنَّ ثباتَ الزكاة في حال غياب وليّ الأمر يستند إلى طبيعتها المزدوجة: فهي عبادة مالية ذات بعد اجتماعي ثابت، يتغير فيها الإطار التنظيمي دون أن يتغير أصل الوجوب. وقد أظهرت الدراسات المؤسسية أن المجتمعات الإسلامية، عند غياب الإلزام الرسمي، طوَّرت آليات بديلة لجمع الزكاة وصرفها، تجسَّدت في الجمعيات الخيرية، والهيئات الأهلية، والمؤسسات شبه الحكومية. وتكمن مشروعية هذه البدائل في كونها تحقق المقصد الشرعي بإيصال الحق إلى أهله، وتمنع ضياع المال أو انحرافه عن مصارفه الشرعية[86].
يترتب على ذلك انتقالُ وظيفة الإدارة عند تعذُّر قيام الدولة، إلى الأمة جماعةً، على نحو منظم منضبط يضمن العدالة في جمع الزكاة وصرفها بعيدا عن أشكال الفوضى التي قد تتخللها إذا أسندت إلى الأفراد[87]. إذ يُحذِّر الباحثون من أن إطلاق العمل الفردي المحض في هذا المجال يؤدي غالباً إلى اختلال التوازن بين مصارف الزكاة، وازدواجية في الصرف، وحرمان بعض الفئات المستحقة، مما يُضعف الأثر الاجتماعي والاقتصادي المنشود. [88]
وعليه، فإنَّ دفع الزكاة إلى جهة موثوقة تُقيم مقام العامل والوكيل يُعَدُّ مسلكاً شرعياً ومقاصدياً، تُبرأ به ذمة المزكي متى تحققت الأمانة والالتزام بالمصارف الشرعية. وهكذا، تتحقق مقاصد الزكاة في التكافل وسد الحاجات، حتى لو تغيَّر الشكل المؤسسي الذي تُدار من خلاله[89].
لقد تعرض الفقهاء لمسألة عدم القدرة على إيصال الزكاة لمستحقيها، فأجازوا للمزكي توكيل غيره يقول ابن قدامة: “وأما العبادات، فما كان منها له تعلق بالمال، كالزكاة، والصدقات، والنذورات، والكفارات، جاز التوكيل في قبضها، وتفريقها، ويجوز للمخرج التوكيل في إخراجها، ودفعها إلى مستحقها”[90].
وجاء في المذهب الشافعي: “وفي الزكاة يجوز أن يستنيب من يؤديها محله ويجوز أن يستنيب في إخراجها من ماله ويستنيب الإمام في تسليمها إلى الفقراء وأهل السهمان”[91]. ووافقهم في ذلك المالكية: “ويصح التوكيل في الزكاة”[92]، وجاء في عقد الجواهر: “ولا يجوز التوكيل في العبادات، إلا في المالية منها كأداء الزكاة”[93]. وعند الأحناف بلا خلاف “ويجوز تقديم النية على الأداء بالزمن اليسير، كسائر العبادات، ولأنها يجوز التوكيل فيها”[94].
فالعلماء يجوزون التوكيل في الزكاة، بشروط ذكروها ومنها النية، يقول وهبة الزحيلي في مسألة التوكيل في أداء الزكاة: “اتفق الفقهاء على أنه يجوز التوكيل في أداء الزكاة، بشرط النية من الموكِّل أو المؤدّي، فلو نوى عند الأداء أو الدفع للوكيل عند الحنفية والشافعية، أو قبل الأداء بزمن يسير عند الحنابلة، أو عند العزل لدى المالكية والحنفية والشافعية، ثم أداها الوكيل إلى الفقير بلا نية جاز، لأن تفرقة الزكاة من حقوق المال، فجاز أن يوكل في أدائه كديون الآدميين. وللوكيل أن يوكل غيره بلا إذن ولو نوى الوكيل ولم ينو الموكل، لم يجز، لأن الفرض يتعلق به، والإجزاء يقع عنه، وإن دفعها إلى الإمام ناويا ولم ينو الإمام حال دفعها إلى الفقراء، جاز”[95]. وجاء في التنبيه: “وأما حقوق الله عز وجل، فما كان منها عبادة لا يجوز التوكيل فيها إلا في الزكاة والحج”[96].
واعتمادا على ما سبق، فقد اتفق الفقهاء[97]، على أنه يجوز للمزكي أن يوكل غيره في أداء زكاته، سواء في إيصالها للإمام أو نائبه، أو في أدائها إلى المستحق، سواء عين ذلك المستحق أو فوض تعيينه إلى الوكيل. وذلك على تفاوت بينهم في بعض الشروط والضوابط[98].
لقد نص الشافعية[99] أن إخراج المزكي الزكاة بنفسه أفضل من التوكيل، لأنه بفعل نفسه أوثق، فيما ذهب بعض الفقهاء إلى جعل التوكيل أفضل من جانب الورع، ومنهم المالكية[100]، قالوا، إن التوكيل أفضل خشية قصد المحمدة، ويجب التوكيل لمن يعلم من نفسه ذلك القصد، أو يجهل المستحقين. وأضافوا بعض الشروط في حصر المستحقين، ومنها: “وليس للوكيل صرفها لقريب المزكي الذي تلزمه نفقته، فإن لم تلزمه نفقته كره”[101]، ومنها شروط متعلقة بالنية، جاء في الأساس:”اتفق الفقهاء على أنه يجوز التوكيل في أداء الزكاة، بشرط النية من الموكل أو المؤدي، وللوكيل أن يوكل غيره بلا إذن، ولو نوى الوكيل ولم ينو الموكل لم يجز لأن الفرض يتعلق به. وإن دفعها إلى الإمام ناوياً ولم ينو الإمام حال دفعها إلى الفقراء جاز”[102].
- أ- تمليك الزكاة للجمعيات الخيرية وتكييفها الفقهي
يتضح من استقراء النصوص الشرعية واجتهادات الفقهاء قديمًا وحديثًا[103]، ومن خلال دراسة طبيعة العمل الخيري المؤسسي في العصر الحديث، أن الجمعيات الخيرية تُعَدُّ شخصيات اعتبارية مستقلة، لها ذمة مالية خاصة وكيان قانوني قائم بذاته، يجوز شرعًا تمليكها الزكاة وسائر أموال التبرعات، ويُعتدّ بقبضها ترتيبًا للآثار الشرعية المترتبة على التمليك. وهو ما ينسجم مع ما قرّره الفقه الإسلامي عمليًا في الاعتراف بذممٍ مستقلة لجهاتٍ عامة، كبيت المال، والوقف، وولاية الصدقات، والمساجد، وهي تطبيقات فقهية سابقة لمفهوم الشخصية الاعتبارية بمصطلحه المعاصر.
كما يُستفاد من هذا التصوّر أن الجمعيات الخيرية لا يمكن اختزال تكييفها الفقهي في وصف واحد منضبط، لأن طبيعة عملها قائمة على التداخل الوظيفي والعلاقاتي بين أطراف متعددة، فتقوم بدور الوسيط المؤسسي بين الدولة والمجتمع، وبين المزكّين والمستحقّين. ولذلك فإن تعدد التكييفات الفقهية الواردة عليها ليس اضطرابًا في الحكم، وإنما هو انعكاس لتعدد زوايا النظر إلى وظائفها وأدوارها العملية.
فمن حيث علاقتها بالمزكّين، فإن الأصل المعتمد فقها أن الجمعية الخيرية وكيلة عن المزكّين في قبض الزكاة وصرفها في مصارفها الشرعية، لأن إخراج الزكاة وقضاء حقوق الأموال ممّا يقبل النيابة شرعًا، وقد نص الفقهاء على جواز التوكيل فيه بل واستحبابه أحيانًا، خاصة عند الجهل بالمستحقين أو خشية الرياء. وعلى هذا الأساس، يلتزم القائمون على الجمعية بالأمانة والضبط الشرعي، ولا يجوز لهم تغيير جهة الصرف أو تأخيرها أو التصرّف في المال بغير ما أذن به الموكِّل صراحة أو دلالة، مع مراعاة ما تفرضه القوانين المنظمة للعمل الجمعوي من شفافية ومحاسبة.
ومن حيث علاقتها بالدولة (وليّ الأمر)، فإن الجمعيات الخيرية – في أغلب صورها – لا تُعدّ نائبة عن وليّ الأمر ولايةً عامة، لافتقادها خصائص الإلزام والقهر وتنفيذ الأمر على الغير، وهي من لوازم الولاية الشرعية. وإنما علاقتها بالدولة قائمة على الإذن والرقابة والتنظيم، وقد تصل في بعض الحالات إلى الشراكة أو التفويض الخاص في مجالات محددة، دون أن تفقد الجمعية استقلالها أو تتحول إلى جهاز حكومي. غير أنه قد يُعتدّ بوصف النيابة أو الوكالة عن الدولة في نماذج خاصة، كالمؤسسات الزكوية الرسمية التي تُنشئها الدولة وتُشرف عليها إشرافًا مباشرًا.
أما من حيث علاقتها بالمستحقين، فإن الجمعية الخيرية تعمل ابتداءً على تحقيق مصالحهم وصيانة حقوقهم، ولذلك قد تُكيَّف في بعض الصور وكيلاً عنهم، خاصة عندما يكون المستحقون معيّنين ويقدّمون طلبات المساعدة، فتتولى الجمعية دراسة حالاتهم وتوزيع الزكاة عليهم وفق معايير الحاجة والأولوية. غير أن هذا التكييف لا يستوعب جميع صور العمل الخيري، إذ توجد أنشطة لا يمكن فيها تعيين مستحقين بأشخاصهم، أو يكون المستفيدون فيها عديمي الأهلية، كالقُصّر والمرضى والمشردين، أو أن يكون النفع عامًا كبناء المرافق الصحية وحفر الآبار وإغاثة المنكوبين، وفي هذه الحالات تعود الجمعية إلى أصلها باعتبارها وكيلة عن المزكّين أو جهةً اعتبارية قائمة بتنفيذ المقاصد العامة للصرف.
وقد تتولى الجمعيات الخيرية، في نطاق أنشطتها المرخصة، الإشراف على الأوقاف أو رعاية الأيتام، فيصح حينئذٍ تكييفها في هذا الحالة كناظر للوقف أو وصيٍّ على اليتيم، فتتصرف في العين الموقوفة أو أموال اليتامى بما يحقق المصلحة، ووفق شروط الواقف وأحكام الشرع. إلا أن هذا التكييف يبقى جزئيًا، مرتبطًا بهذا المجال دون غيره، ولا ينسحب على حقيقة الجمعية الخيرية بكاملها.
وخلاصة القول، أن الجمعيات الخيرية مؤسسات مركّبة، تتعدد أوصافها الفقهية بتعدد وظائفها العملية، غير أن الجامع بينها هو اعتبارها شخصيةً اعتبارية مستقلة، تُملَّك الزكاة وتتصرف فيها وفق ضوابط الشرع والقانون، وتستمد مشروعية عملها من الإذن العام للدولة ومن رضا المزكّين، وتنهض بمهمة إيصال الحقوق إلى مستحقيها وتحقيق المصالح العامة. وهذا التصوّر المركّب هو الأقرب إلى الجمع بين مقاصد الشريعة ومتطلبات التنظيم القانوني المعاصر، ويُوفّر إطارًا فقهيًا مرنًا ومستقرًا لضبط عمل الجمعيات الخيرية في مجال الزكاة والعمل الإحساني.
يظهر من خلال ما سبق أن فريضة الزكاة لا تسقط بغياب وليّ الأمر، ولا بتعذّره عن القيام بوظائفه في جمعها وصرفها، ولا بكون المسلمين أقليّات أو واقعين تحت نظم غير إسلامية؛ ذلك أنّ الزكاة عبادة مالية ثابتة، ومقصدها تحقيق التكافل الاجتماعي وتزكية النفوس. وهو مقصدٌ قائمٌ ما دام المال موجودًا، والقدرةُ متحققة. وقد قرّر الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، مشروعية أداء الزكاة مباشرة عند فقد الجهة الجامعة، كما قرّروا جواز التوكيل فيها باعتبارها من العبادات المالية التي تقبل النيابة، مع اشتراط النية ومراعاة الضوابط الشرعية في صرفها.
كما يتبيّن أن اختلافهم في الأفضلية بين المباشرة والتوكيل إنما هو اختلافٌ مبنيٌّ على اعتبارات الورع وتحقيق المصلحة، لا على أصل الجواز أو الصحة.
وفي هذا الإطار، تبرز الجمعيات الخيرية المعاصرة بوصفها آلية مؤسسية عملية تسدّ الفراغ القائم عند غياب وليّ الأمر؛ إذ تُعدّ شخصيات اعتبارية مستقلة، يجوز شرعًا تمليكها الزكاة ويُعتدّ بقبضها، ويتكيّف عملها فقهيًا بحسب طبيعة علاقتها بالمزكّين والمستحقين، دون أن تُنَزَّل منزلة الولاية العامة في أغلب حالاتها. وبذلك يضع الفقه الإسلامي منظومةً تشريعية مرنة تحول دون تعطيل هذا الركن العظيم، وتؤكّد قدرة الشريعة على التكيّف مع تغيّر الأوضاع والظروف، دون الإخلال بالمقاصد الكلية أو التفريط في أحكامها القطعية.
خاتمة
تناول هذا البحث مسألة جمع الزكاة وصرفها عند غياب وليّ الأمر أو تعذّر قيامه بوظائفه، وذلك من خلال مقاربة فقهية تاريخية ومؤسسية، تجمع بين التأصيل الشرعي مع ربطه بواقعنا المعاصر. وقد بيّن البحث أن الزكاة ليست مجرد عبادة مالية قاصرة على الفرد، بل هي ركن مجتمعي ومؤسسة سيادية محورية في النظام المالي الإسلامي، ارتبطت منذ العهد النبوي الشريف والخلافة الراشدة بسلطة الدولة، حيث تولّى وليّ الأمر مسؤولية جمعها وصرفها. ومن ثمّ فإن أي بحث في شؤونها لا يمكن فصله عن بحث في طبيعة السلطة والحكم في الإسلام.
وأوضح البحث أن الأصل الشرعي يقضي بأن يتولى الإمام أو من ينيبه جمع الزكاة وصرفها، وقد دلّت على ذلك نصوص القرآن والسنة، وإجماع الصحابة، وعمل الخلفاء، مع إقرار سهم العاملين عليها، ومحاسبة العُمّال، وضبط المصارف. كما تعرض البحث لاختلاف الفقهاء في مسألة زكاة الأموال الظاهرة والباطنة، وبيّن أن هذا الخلاف راجع إلى اجتهادات مصلحية في كيفية التحصيل، لا إلى إعفاء الإمام من مسؤوليته الولائية على الزكاة.
ثم انتقل البحث إلى تحليل أسباب تهميش الزكاة، فخلص إلى أن هذا التهميش لم يكن طارئًا ولا ناتجًا عن عامل واحد، بل هو حصيلة مسار تاريخي تراكمي بدأ بضعف الحكم الشرعي وانفصام عروته عقب انتقال السلطة من الخلافة الراشدة إلى الملك العضوض. وقد أدى هذا الانتقال النكد إلى تراجع أداء جهاز العُمّال وفعاليته مع استفحال مظاهر الفساد فيه وبالتالي إلى تفكك الولاية المالية وتراجع مصداقيتها الشرعية. وقد أسهم تضخّم الضرائب السلطانية غير المشروعة في تعميق هذا التهميش، إذ أصبحت الزكاة في بعض المراحل تُدمج ضمن الخراج والجباية العامة، مما أفقدها تميّزها الشرعي والوظيفي، قبل أن يبلغ هذا المسار ذروته خلال المرحلة الاستعمارية. وقد أثبت البحث، بالوثائق التاريخية، أن القوى الاستعمارية عملت على تفكيك البنية المالية الإسلامية ومن ضمنها مؤسسة الزكاة، عبر إقصائها تشريعيًا، وتعويضها بأنظمة جبائية أوروبية، إلى جانب مصادرة الأوقاف بوصفها الدعامة المكملة لمصارف الزكاة.
وبيّن البحث أن مرحلة ما بعد الاستقلال لم تشهد استعادة حقيقية للزكاة، بسبب استمرار الأطر القانونية الاستعمارية، وهيمنة الثقافة الإدارية الغربية، وغياب الإرادة السياسية، مما أدى إلى تحويل الزكاة من مؤسسة سيادية إلى ممارسة تعبدية فردية محدودية التأثير.
وفي ضوء هذا الواقع، قرر البحث أن فريضة الزكاة لا تسقط بغياب وليّ الأمر، ولا بتعذّر قيامه بوظائفه، ولا بكون المسلمين أقليات أو واقعين تحت نظم غير إسلامية؛ لأنها عبادة مالية وركن من أركان الإسلام، تتضمن أبعادًا فردية ومجتمعية، فمقاصدها قائمة ما دام المال موجودًا والقدرة متحققة. وقد أجمع الفقهاء على جواز أداء الزكاة مباشرة عند فقد الجهة الجامعة، وعلى مشروعية التوكيل فيها باعتبارها من العبادات المالية التي تقبل النيابة، مع اشتراط النية والالتزام بالضوابط الشرعية.
كما خلص البحث إلى أن الجمعيات الخيرية المعاصرة تمثل بديلاً مؤسسيًا جزئيًا عند غياب الدولة الشرعية؛ وهي تُعدّ شخصيات اعتبارية مستقلة، يجوز تمليكها الزكاة، ويُعتدّ بقبضها، مع تكييف علاقتها بالمزكّين غالبًا على أساس الوكالة، وبالمستحقين على أساس رعاية المصالح، وقد تتخذ في بعض المجالات صفة ناظر الوقف أو وصيّ اليتيم. ويشترط لصحة هذا الدور أن تلتزم هذه الجمعيات التزامًا تامًا بمصارف الزكاة الثمانية؛ وأن تحقق شروط النيابة والقبض المعتبرة فقهيًا، وأن تضع أنظمة رقابية داخلية وخارجية تضمن الشفافية وتمنع التلاعب؛ حتى لا تتحول من بديل مؤسسي إلى وسطاء يضعفون من روح الفريضة ومقاصدها الشرعية.
وختم البحث بالتأكيد على أن استعادة الدور الحضاري للزكاة لا يتحقق بالاكتفاء بالمبادرات الفردية، بل يتطلب إحياء بعدها المؤسسي ضمن رؤية شرعية وسياسية معاصرة، تُعيد إدماجها في منظومة المالية العامة، وتوظّف مرونة الفقه الإسلامي في مواجهة الأزمات، دون تفريط في المقاصد ولا إخلال بالأحكام القطعية.
توصيات
ومع ما توصّل إليه هذا البحث من نتائج، فإنه لا يدّعي الإحاطة الشاملة بجميع أبعاد مسألة جمع الزكاة وصرفها عند غياب وليّ الأمر أو تعذّر قيامه بوظائفه؛ إذ إن طبيعة الموضوع وتشعّب أبعاده الفقهية والتاريخية والمؤسسية: تتطلب مزيدًا من التحليل والتوسّع، خاصة في ظل تعقّد النظم القانونية الحديثة، وتنوّع تجارب الدول الإسلامية، واختلاف أوضاع الأقليات المسلمة. كما تبرز الحاجة إلى دراسات مقارنة أعمق بين النماذج المعاصرة لإدارة الزكاة، وتحليل أثر الأطر القانونية والحوكمة المالية على فاعلية هذا الركن في تحقيق مقاصده الاجتماعية والاقتصادية.
ويوصي البحث بضرورة إعادة بناء التصور المؤسسي للزكاة ضمن رؤية شرعية معاصرة، تُراعي مقاصد الشريعة ومتطلبات الدولة الحديثة، وتعمل على إدماج الزكاة في منظومة المالية العامة حيثما أمكن، مع وضع أطر قانونية واضحة لتنظيم دور الجمعيات الخيرية وضبط علاقتها بالمزكّين والمستحقين. كما يوصي بتعزيز البحث الفقهي الجماعي حول الشخصية الاعتبارية، والوكالة، والنيابة في مجال الزكاة، وكذلك الاستفادة من التقنيات الحديثة في الجباية، والتحقق، والمتابعة، والتوزيع، بما يضمن الشفافية والعدالة وحسن التدبير.
ويوصي البحث أيضاً بتشجيع قيام هيئات أو أطر تنسيقية شرعية مستقلة بين الجمعيات الخيرية العاملة في مجال الزكاة في البلاد التي لا تجبيها الدولة، لتحقيق التكامل وتجنب الازدواجية، ووضع معايير موحدة للعمل، والاستفادة من اقتصاديات الحجم، على أن تراعي هذه الأطر الخصوصيات المحلية.
وتبقى هذه الدراسة مدخلًا علميًا لإعادة فتح النقاش حول الزكاة بوصفها نظامًا شرعيًا وسياديًا وحضاريًا، لا مجرد عبادة فردية، بما يستدعي جهودًا علمية ومؤسسية متكاملة لاستكمال البناء النظري والتنزيل العملي لهذا الركن العظيم في واقع الأمة المعاصر.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وآله
لائحة المراجع
- القرآن العظيم
- تفسير القرآن العظيم، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (ت 774 هـ)، دار طيبة للنشر والتوزيع الطبعة: الثانية 1420هـ – 1999م، تحقيق السلامة.
- الجامع لأحكام القران، أبو عبد الله، محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، دار الكتب المصرية، تحقيق احمد البردوني وإبراهيم اطفيش، الطبعة الثانية، 1384ه-1964م.
- أحكام القرآن- ابن العربي المالكي- دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، الطبعة الثالثة، 1424ه 2003م.
- صحيح البخاري، أبو عبد الله، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة ابن بردزبه البخاري الجعفي تحقيق: جماعة من العلماء الطبعة: السلطانية، بالمطبعة الكبرى الأميرية، ببولاق مصر، 1211 هـ، بأمر السلطان عبد الحميد الثاني. ثم صَوّرها بعنايته: د. محمد زهير الناصر، وطبعها الطبعة الأولى عام 1422 هـ لدى دار طوق النجاة – بيروت.
- صحيح مسلم، أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري (206 – 261 هـ)، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، القاهرة، عام النشر: 1374هـ – 1955م.
- مسند الإمام أحمد بن حنبلـ، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني (المتوفى: 241هـ) المحقق: شعيب الأرنؤوط – عادل مرشد، وآخرون إشراف: د عبد الله بن عبد المحسن التركي الناشر: مؤسسة الرسالة الطبعة الأولى، 1421 هـ – 2001 م
- مسند أبي داود الطيالسي المؤلف: أبو داود الطيالسي سليمان بن داود بن الجارود (ت 204 هـ) المحقق: الدكتور محمد بن عبد المحسن التركي
- الناشر: دار هجر – مصر الطبعة: الأولى، 1419 هـ – 1999 م.
- مسند البزار (البحر الزخار)، أبو بكر أحمد البزار (ت 292 هـ) المحقق: محفوظ الرحمن زين الله (جـ 1 – 9)، عادل بن سعد (جـ 10 – 17)، صبري عبد الخالق الشافعي (جـ 18) مكتبة العلوم والحكم – المدينة المنورة الطبعة: الأولى.
- فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، دار المعرفة – بيروت، 1379 ه.
- المسالك في شرح موطأ، أبو بكر بن العربي، الناشر دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى، 1428هـ – 2007م.
- المدونة، مالك بن أنس دار الكتب العلمية الطبعة الأولى، 1415هـ – 1994م.
- المجموع شرح المهذب للنووي مع “تكملة السبكي والمطيعي”، أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (ت 676هـ)، دار الفكر.
- الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان بن أحمد المَرْداوي (ت 885 هـ)، تحقيق الفقي، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثانية.
- الأحكام السلطانية أبو الحسن علي بن محمد البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (ت 450هـ) دار الحديث – القاهرة.
- الاختيار لتعليل المختار، ابن مودود الحنفي، مطبعة الحلبي – القاهرة، تاريخ النشر: 1356 هـ – 1937م.
- الذخيرة، أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن المالكي الشهير بالقرافي (ت 684هـ)، تحقيق: محمد حجي، وسعيد عراب، ومحمد بو خبزة ط1، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1994م.
- حواشي الشرواني على تحفة المحتاج، عبد الحميد الشرواني، المكتبة التجارية الكبرى بمصر، عام النشر 1357هـ – 1983م.
- شرح منتهى الإرادات، منصور بن يونس البهوتي الحنبلي، عالم الكتب، بيروت الطبعة الأولى، 1414هـ – 1993م.
- السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار، محمد بن علي الشوكاني اليمني (ت 1250هـ)، دار ابن حزم الطبعة الأولى.
- المحيط البرهاني في الفقه النعماني، أبو المعالي برهان الدين محمود بن أحمد بن عبد العزيز بن عمر بن مازة البخاري الحنفي، تحقيق عبد الكريم سامي الجندي الناشر دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان الطبعة الأولى، 1424هـ – 2004م.
- عيون المسائل، عبد الوهاب المالكي دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت – لبنان الطبعة الأولى، 1430هـ – 2009م.
- عُيُونُ المَسَائِل، أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي (ت 422هـ)، تحقيق علي محمَّد إبراهيم بورويبة، دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت – لبنان، الطبعة: الأولى، 1430 هـ – 2009 م.
- حاشيتا قليوبي وعميرة، أحمد سلامة القليوبي وأحمد البرلسي عميرة، دار الفكر – بيروت 1415هـ-1995م.
- بحر المذهب، أبي المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل الرُّوياني المتوفي سنة 502 هـ، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 2009م.
- كتاب الأموال، أبو عُبيد القاسم بن سلاّم بن عبد الله الهروي البغدادي (ت 224هـ)، تحقيق: خليل محمد هراس. دار الفكر. – بيروت
- في الاقتصاد: البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية، عبد السلام ياسين الطبعة الرابعة: 1439ه / 2018م.
- العدل و: الإسلاميون والحكم، عبد السلام ياسين الطبعة الثالثة: 1439ه / 2018م.
- سنة الله، عبد السلام ياسين الطبعة الرابعة: 1439ه / 2018م.
- وليّ الأمر هو المسؤول عن جمع الزكاة وعلى المكلف ان يؤديها، الدكتور محمد حبيب الله حوار 05 اكتوبر2006م. وكالة سبأye.
- قضايا فقهية معاصرة، د. محمد سعيد رمضان دمشق، دار الفارابي، 1412ه،1991م.
- [العِبَر و] ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، عبد الرحمن بن خلدون ضبط المتن ووضع الحواشي والفهارس: أ. خليل شحادة مراجعة: د. سهيل زكار الناشر: دار الفكر، بيروت الطبعة: الأولى، 1401 هـ – 1981م.
- فقه الزكاة القرضاوي مكتبة وهبة. الطبعة 25- 1427ه-2006م.القاهرة.
- المغني، أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة (541 – 620 ه)، تحقيق: طه الزيني مكتبة القاهرة الطبعة: الأولى، (1388 هـ – 1968 م) – (1389 هـ – 1969 م).
- بحر المذهب في فروع المذهب الشافعي، أبو المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل (ت 502 هـ) الروياني، تحقيق طارق فتحي السيد الناشر دار الكتب، العلمية الطبعة الأولى، 2009م.
- بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، لعلاء الدين أبي بكر بن مسعود الكاساني، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الثانية، 1406ه-1986م.
- الدر المختار للحصكفي، بحاشية الصاوي على الشرح الصغير، مكتبة مصطفى البابي الحلبي 1372هـ – 1952م.
- المهذب في فقه الإمام الشافعي أبو اسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي (ت 476 هـ)، دار الكتب العلمية، ج 1.
- المجموع شرح المهذب مع تكملة السبكي والمطيعي، أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ) دار الفكر. (إدارة الطباعة المنيرية، مطبعة التضامن الأخوي) – القاهرة عام النشر:1344 – 1347 ه.
- الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي، محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي المالكي (ت 1230هـ)، دار الفكر.
- عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة، أبو محمد جلال الدين عبد الله بن نجم بن شاس بن نزار الجذامي السعدي المالكي، دراسة وتحقيق أ. د. حميد بن محمد لحمر، الناشر دار الغرب الإسلامي، بيروت – لبنان الطبعة الأولى، 1423هـ – 2003م.
- الشرح الكبير على متن المقنع، عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي الجماعيلي الحنبلي، أبو الفرج، شمس الدين، أشرف على طباعته محمد رشيد رضا صاحب المنار، تصوير دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع.
- الفِقْهُ الإسلاميُّ وأدلَّتُهُ وَهْبَة بن مصطفى الزُّحَيْلِيّ، (ت2015م) الناشر: دار الفكر – سوريَّة – دمشق الطبعة: الرَّابعة.
- التنبيه في الفقه الشافعي أبو اسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآبادي الشيرازي، مركز الخدمات والأبحاث الثقافية الطبعة الأولى، 1403هـ – 1983م.
- دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة المؤلف: أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي (ت 458هـ) المحقق: د. عبد المعطي قلعجي الناشر: دار الكتب العلمية، دار الريان للتراث لطبعة: الأولى – 1408 هـ – 1988 م
- محمد أقسقوس، النظام الجبائي في المغرب مجلة عصور مج 19 عدد 1 يونيو 2020م.
- التطور التاريخي لفريضة الزكاة والتحديات التي واجهتها منذ عصر الرسول إلى العصر الأموي د. فؤاد عبد الله العمر مدير بيت الزكاة الكويتي. مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية مجلد 13/ عدد 36- 1998م.
- العلمانية والمذهب المالكي القسم: الفرق والأديان والردود الكتاب: العلمانية والمذهب المالكي المؤلف: أبو سفيان مصطفى باحُّو السلاوي المغربي الناشر: جريدة السبيل، المغرب الطبعة: الأولى، 1433 هـ – 2012م.
- والمخزن والضريبة والاستعمار: ضريبة الترتيب 1880م-1915م. الطيب بياض، إفريقيا الشرق. طبعة: 2011م الدار البيضاء.
- التنبيه المعرب عما عليه الطيب بياض الآن حال المغرب- السفر -1 الحسن بن الطيب بوعشرين دار النشر للمعرفة للنشر والتوزيع ط 1 سنة 1415ه 1994م.
- المغرب والاستعمار ألبير عياش ترجمة عبد القادر الشاوي وآخرون سلسلة معرفة الممارسة دار الخطابي للطباعة والنشر ط 1 1985م.
- انتحار المغرب الأقصى بيد ثواره، محمد بن الحسن الحجوي منشورات: دار الإحياء للنشر والتوزيع/ طنجة
– الطبعة: 2023 م. - الحلل البهية في ملوك الدولة العلوية محمد بن محمد بن مصطفى المشرفي 1255-1334ه/ 1839ه 1916م تحقيق إدريس بوهليلة منشورات الأوقاف والشؤون الإسلامية – المملكة المغربية. ط 1 2005م.
- التاريخ السياسي للمغرب العربي الكبير. عبد الكريم الفيلالي. الطبعة الأولى 2006. شركة ناس للطباعة. القاهرة
- مظاهر يقظة المغرب الحديث لمحمد المنوني. المدارس بالدار البيضاء. الطبعة الثانية 1405/ 1985.
- السياسة الشرعية، مناهج جامعة المدينة العالمية مرحلة ماجستير جامعة المدينة العالمية تاريخ النشر بالشاملة: 26 جُمادَى الآخرة 1433 ه.
- العدل: الإسلاميون والحكم عبد السلام ياسين ط 3 سنة 1439ه/2018م دار لبنان.
- الزكاة والضرائب في الإسلام، محمد عثمان شبير ص 93 مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية مجلد 11 عدد 2-1996م.
- انتهاكات الاستعمار الفرنسي للمؤسسات الوقفية في الجزائر – قراءة تاريخية، بوحلوفة، محمد الأمين؛ شبيرة، سفيان،، مجلة الأكاديمية للبحوث في العلوم الاجتماعية، مج 1، ع 1، 2019م.
- موقف الاحتلال الفرنسي من المؤسسات العلمية والدينية في الجزائر(1830م-1938م)، هاجرة عطيلي، مذكرة ماستر، جامعة الشهيد حمه لخضر – الوادي، 2019م.
- النماذج المؤسسية التطبيقية لتحصيل الزكاة وتوزيعها في البلدان والمجتمعات الإسلامية، منذر قحف، ضمن: الإطار المؤسسي للزكاة: أبعاده ومضامينه، المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، جدة، ط2، 1422هـ/2001م.
- دراسة لأنشطة الهيئات الزكوية التي لا تقوم على مبدأ الإلزام القانوني للزكاة: حالة بيت الزكاة الكويتي عبد القادر ضاحي العجيل. الإطار المؤسسي للزكاة: أبعاده ومضامينه. أعمال مؤتمر وبحوث، وقائع الندوة رقم 22. البنك الإسلامي للتنمية المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب المؤتمر الثالث للزكاة- كوالالمبور – ماليزيا في الفترة 12-15 شوال 1410ه الموافق 7-10 ماي 1990م.
- أخذ المال على أعمال القرب، عادل بن شاهين بن محمد شاهين، أصل الكتاب رسالة ماجستير، الناشر دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1425هـ – 2004م.
- الموسوعة الفقهية الكويتية مجموعة من المؤلفين، الطبعة: (من 1404 – 1427 هـ)، الطبعة الأولى، مطابع دار الصفوة – مصر.
- الأساس في السنة وفقهها – العبادات في الإسلام، المؤلف سعيد حوّى المتوفى 1409ه، الناشر دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، الطبعة الأولى، 1414هـ – 1994م.
- إدارة الزكاة بين مسؤولية الدولة ووظيفة الأمة شوران محمد محمد حسبي زاينال أحم ساتوري PUSKAS Working Paper Series, PWPS#2017-05، جاكرتا، 2017.
- “أحكام دفع زكاة المال للجمعيات الخيرية دراسة فقهية”- اليملاحي محمد -رسالة ماجستير- كلية الشريعة ابن زهر ايت ملول 2022م.
- لكي تنجح مؤسسة الزكاة في التطبيق المعاصر، يوسف القرضاوي دراسة تطبيقية في حوكمة مؤسسات الزكاة، الطبعة 1 1415ه 1994م المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب البنك الإسلامي للتنمية.
- سياسة الاستعمار الفرنسي تجاه المؤسسات الدينية في الجزائر، عادل فرحاني، الملتقى الدوليّ البحر الأبيض المتوسط مجال التنافس بين الإسلام والمسيحية القرنين 19 و 20 م.
- إدارة مؤسَّسة الزَّكاة في المجتمعات المعاصرة، فؤاد عبد الله العمر، دار ذات السلاسل، الكويت، 1996م.
- الزَّكاة بِلُغَةِ العصر محمد شوقي الفنجري للطبعة الثانية منه إصدار ذو القعدة 1426هـ – ديسمبر 2006م الوعي الإسلامي وزارة الاوقاف والشؤون الإسلامية الكويت.
المراجع الأجنبية
- David S. Powers, The Attack on Muslim Family Endowments in Algeria and India. Comparative Studies in Society and History 31, No. 3 (Jul., 1989), pp. 535-571 (37 pages) Published By: Cambridge University Press.
- David S. Powers, Law, Society, and Culture in the Maghrib 1300-1500. Cambridge, Cambridge U. P. (Cambridge Studies in Islamic Civilization), September 30, 2002.
- Hannah-Louise Clark, The Islamic Origins of the French Colonial Welfare State, 2021 European Review of History: Revue européenne d’histoire, 28:5-6, 689-717, DOI: 10.1080/13507486.2021.1990867.
- Timur Kuran, Institutional Roots of Authoritarian Rule in the Middle East. Political Legacies of Islamic Waqf, 2013. Duke University June 12, 2014 ERID Working Paper Number 171.
- Çizakça, Murat. A History of Philanthropic Foundations: The Islamic World from the Seventh Century to the Present. Istanbul: Bogazici University Press, 2000.
- Kahf, Monzer Financing Awqaf. Islamic Development Bank / IRTI, paper prepared for Seminar on Development of Awqaf organized by IRTI Kuala Lumpur Malaysia March 2-4 1998.
- Abitbol, Michel. Histoire du Maroc. Collection, tempus Paris: Perrin, 2009.
- Agéron, Charles-Robert. Histoire de l’Algérie contemporaine (1830-1962).
Paris: PUF, 1990. - Boualem BenDjilali. La zakat et le waqf. Étude historique et institutionnelle, (IRTI / BID), Séminaire tenu au Benin du 25 au 31 mai 1997. Banque islamique de développement institut islamique de recherches et de formation.
- Oybekovich, A. O., Shah, H., & Ayaz, M. (2017). The role of Zakat system during the colonial-period in Malaysia and Uzbekistan: A comparative analysis. Islamic Banking and Finance Review, 4, 40–54. Crossref.
- R. Pennell, Morocco from Empire to Independence New Edition Oneworld Publications 2003.
- EL Fasi Codirecteur: I. Hrbek Histoire générale de l’Afrique III L’Afrique du VIIe au XIe siècle UNESCO Publié en 1990 par l’Organisation.
- Gilbert Meynier L’historiographie française de l’Algérie et les Algériens en système colonial. Professeur émérite de l’université de Nancy II. Intervention à Alger le 22 octobre 2010 à l’invitation d’El Watan.
- Le système fiscal marocain: développement économique et cohésion sociale Rapport du conseil Economique et social auto Saisine n°9/2021.
- Hardy, the Muslims of British India, Cambridge at the university press 1972 Re-issued in this digitally printed version 2007.
الفهرس
المطلب الأول: الإطار الشرعي والمؤسسي للزكاة
الفرع الأول: مسؤولية وليّ الأمر في إقامة الزكاة
الفرع الثاني: مواقف الفقهاء من أداء زكاة الأموال الباطنة لوليّ الأمر
المطلب الثاني. غياب وليّ الأمر وقيام الجمعيات الخيرية بدوره
الفرع الأول: الاستعمار وتهميش الزكاة: تحليل تاريخي ومؤسسي
الفرع الثاني: آليات جمع الزكاة وصرفها في حال غياب وليّ الأمر
خاتمة
لائحة المراجع
[1] سورة التوبة، الآية: 103.
[2] متفق عليه أخرجه البخاري في صحيحه كتاب وجوب الزكاة، باب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء حيث كانوا، ج 2 ص 128 ح 1496، ومسلم في صحيحه في كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام عَنِ ابن عباس رضي الله عنه. مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، القاهرة عام النشر 1374هـ – 1955م، ج 1 ص 50 رقم 19.
[3] أخرجه أحمدفي مسنده (18406) وأبو داوود الطيالسي (439) والبزار في مسنده (2796). ودلائل النبوة للبيهقي ج 6 ص 491.
[4] “أحكام دفع زكاة المال للجمعيات الخيرية دراسة فقهية”- اليملاحي محمد -رسالة ماجستير- كلية الشريعة ابن زهر ايت ملول 2022م.
[5] أحكام دفع زكاة المال للجمعيات الخيرية دراسة فقهية”- اليملاحي محمد، ص 48.
[6] سورة البقرة، الآية: 43.
[7] سورة آل عمران، الآية: 110.
[8] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح باب: المرأة راعية في بيت زوجها، ج 7 ص 31 رقم 5200.
[9] سورة التوبة، الآية: 104.
[10] العدل: الإسلاميون والحكم، عبد السلام ياسين، ص 203.
[11] سورة التوبة، الآية: 104.
[12] إدارة مؤسَّسة الزَّكاة في المجتمعات المعاصرة، فؤاد عبد الله العمر، ص24.
[13] سورة التوبة، الآية: 60.
[14] متفق عليه أخرجه البخاري في صحيحه كتاب وجوب الزكاة، باب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء حيث كانوا، ج 2 ص 128 ح 1496، ومسلم في صحيحه في كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام عَنِ ابن عباس رضي الله عنه. مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، القاهرة عام النشر 1374هـ – 1955م، ج 1 ص 50 رقم 19.
[15] فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، ج 3 ص 360.
[16] أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الأيمان والنذور، باب كيف كانت يمين النبي صلى الله عليه وسلم، ج 8 ص 130 ح 6636.
[17] وليّ الأمر هو المسؤول عن جمع الزكاة وعلى المكلف ان يؤديها، الدكتور محمد حبيب الله حوار 05 اكتوبر2006م. وكالة سبأ saba.ye.
[18] سورة التوبة، الآية: 103.
[19] المجموع شرح المهذب مع تكملة السبكي والمطيعي للنووي، ج 6 ص 167.
[20] الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، المرداوي، ج 3 ص 193.
[21] تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ج 4 ص 207.
[22] سورة التوبة، الآية: 103.
[23] متفق عليه: أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة، ج 2 ص 105 برقم 1399 ورقم 1400، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، ج 1 ص 51 برقم 20.
[24] المسالك في شرح موطأ، أبو بكر بن العربي، ج 4 ص 95.
[25] فقه الزكاة، يوسف القرضاوي، ج 2 ص 766.
[26] الزكاة بِلُغَةِ العصر، محمد شوقي الفنجري للطبعة الثانية منه إصدار ذو القعدة 1426هـ – ديسمبر 2006م- الوعي الإسلامي وزارة الاوقاف والشؤون الإسلامية الكويت ص 106. نقلا عن مقال ” دور الدولة في تحصيل الزكاة” لأحمد محمد عاشور، منصة الألوكة، 23/8/2016.
[27] قضايا فقهية معاصرة، د. محمد سعيد رمضان البوطي، ص 147.
[28] الأحكام السلطانية، الماوردي، ص 361.
[29] الاختيار للموصلي، ج 1 ص104. الذخيرة للقرافي، ج 3 ص 134. حواشي الشرواني على تحفة المحتاج، ج 3 ص 343. شرح منتهى الإرادات، البهوتي عالم الكتب، ج 1 ص 447. السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار، الشوكاني، ج 2 ص 70.
[30] الأموال، أبو عُبيد القاسم بن سلاّم، ص 636 رقم 1641.
[31] المحيط البرهاني في الفقه النعماني، أبو المعالي برهان الدين محمود بن أحمد بن عبد العزيز بن عمر بن مازة البخاري الحنفي، ج 2 ص 294.
[32] المغني ابن قدامة، ج 2 ص 480. الأموال، أبو عبيد، ص 636 رقم 1641.
[33] عيون المسائل عبد الوهاب المالكي، ص 199 رقم 364. المدونة، مالك بن أنس، ج 1 ص 368-369.
[34] سورة التوبة، الآية: 103.
[35] الجامع لأحكام القرآن القرطبي، ج 8 ص 246.
[36] أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الزكاة، باب زكاة الغنم، ج 2 ص 527 ح 1386.
[37] سورة البقرة، الآية: 124.
[38] عُيُونُ المَسَائِل عبد الوهاب المالكي، ص 199 رقم 364. حاشيتا قليوبي وعميرة أحمد سلامة القليوبي وأحمد البرلسي عميرة، ج 2 ص 8.
[39] سورة التوبة، الآية: 103.
[40] بحر المذهب، الروياني، ج 6 ص 319. مجلة البحوث الإسلامية – الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، ج 54 ص 76.
[41] المدونة، مالك بن أنس، ج 1 ص 392، قال: “إذا كان الإمام يعدل لم يسع أحد أن يفرق شيئا من الزكاة ولكن يدفع ذلك إلى الإمام”.
[42] النظام الجبائي في المغرب، محمد أقسقوس، ص 141–145.
[43] نفسه، ص 146–148.
[44] التطور التاريخي لفريضة الزكاة والتحديات التي واجهتها منذ عصر الرسول إلى العصر الأموي. د. فؤاد عبد الله العمر.
[45] العلمانية والمذهب المالكي، أبو سفيان مصطفى باحُّو السلاوي المغربي، ص63.
[46] الحلل البهية في ملوك الدولة العلوية، محمد بن محمد بن مصطفى المشرفي ص (2/ 250) والمخزن والضريبة والاستعمار للطيب بياض ص (246 – 247) التنبيه المعرب عما عليه الآن حال المغرب- السفر -1 للحسن بن الطيب بوعشرين.
[47] الحلل البهية في ملوك الدولة العلوية محمد بن محمد بن مصطفى المشرفي (2/ 250).
[48] نفس المرجع (2/ 260).
[49] مظاهر يقظة المغرب للمنوني (2/ 85) والحلل البهية للمشرفي ص (2/ 260) والمخزن والضريبة والاستعمار للطيب بياض ص (251 – 252).
[50] العلمانية والمذهب المالكي أبو سفيان مصطفى باحُّو السلاوي المغربي، ص6.
[51] النظام الجبائي في المغرب، محمد أقسقوس، ص 151–158، حول إلغاء الزكاة سنة 1901م ومواقف العلماء المعارضة للترتيب العزيز.
[52] النظام الجبائي في المغرب، محمد أقسقوس، ص 158–160.
[53] السياسة الشرعية، مناهج جامعة المدينة العالمية كود المادة: مرحلة ماجستير جامعة المدينة العالمية تاريخ النشر بالشاملة: 26 جُمادَى الآخرة 1433 ه- ص234.
[54] السياسة الشرعية، مناهج جامعة المدينة العالمية كود المادة: مرحلة ماجستير جامعة المدينة العالمية تاريخ النشر بالشاملة: 26 جُمادَى الآخرة 1433 ه -ص235.
[55] العدل: الإسلاميون والحكم، عبد السلام ياسين، ص 43.
[56] [العِبَر و] ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر عبد الرحمن بن خلدون، ج 1 ص353.
[57] فقه الزكاة، القرضاوي، ج 1 ص 32 قال “.. يتصور الزكاة بضعة قروش… يتفضل بها رجل غني محسن على معدم فقير.. هذه الصورة التي لا صلة لها بتعاليم الإسلام، والتي حدثت – للأسف أيضًا – في بعض العصور، هي الرائجة لدى الكثيرين”.
[58] Murat Çizakça, a history of philanthropic foundations: the Islamic world from the seventh century to the present, p 38.
[59] الزكاة والضرائب في الإسلام، محمد عثمان شبير ص 93.
[60] Murat Çizakça, A History of Philanthropic Foundations.
[61] David S. Powers, The Attack on Muslim Family Endowments in Algeria and India. pp. 535-571 .
[62] David S. Powers, Law, Society, and Culture in the Maghrib
[63] Agéron, Charles-Robert. Histoire de l’Algérie contemporaine I.
[64]Agéron, Charles-Robert. Histoire de l’Algérie contemporaine I.
[65]انتهاكات الاستعمار الفرنسي للمؤسسات الوقفية في الجزائر – قراءة تاريخية، بوحلوفة، محمد الأمين؛ شبيرة، سفيان، مجلة الأكاديمية للبحوث في العلوم الاجتماعية، مج 1، ع 1، 2019م، ص 75–76.
[66] المرجع نفسه، ص 79–80.
[67] المرجع نفسه، ص 81–82.
[68] العلمانية والمذهب المالكي، مصطفى باحُّو، ص 6–8.
[69] المرجع نفسه، ص 79.
[70] المرجع نفسه، ص 82–84.
[71] المرجع نفسه، ص 9–10.
[72] المرجع نفسه، ص 10–12.
[73] موقف الاحتلال الفرنسي من المؤسسات العلمية والدينية في الجزائر (1830–1938) م، هاجرة عطيلي، ص 8–10.
[74] سياسة الاستعمار الفرنسي تجاه المؤسسات الدينية في الجزائر، عادل فرحاني، ص 1–2، حول إدراك الإدارة الاستعمارية لخطورة المؤسسات الدينية.
[75] Hannah-Louise Clark, The Islamic Origins of the French Colonial Welfare State.
[76] Timur Kuran, Institutional Roots of Authoritarian Rule in the Middle East.
[77] Timur Kuran, The Political Legacies of Islamic Waqf.
[78] Oybekovich, A. O., Shah, H. S., & Ayaz, M., The Role of the Zakat System during the Colonial-period in Malaysia and Uzbekistan. pp. 40–41.
[79] Oybekovich et al., The Role of the Zakat System during the Colonial Period.
[80] Murat Çizakça, A History of Philanthropic Foundations: The Islamic World from the Seventh Century to the Present, Chapter One, pp. 8–9.
[81] العلمانية والمذهب المالكي، مصطفى باحُّو، ص 12–14.
[82] سورة التغابن، الآية: 16.
[83] أحكام دفع زكاة المال للجمعيات الخيرية دراسة فقهية”- اليملاحي محمد، ص 54-55.
[84] سورة الحج، الآية: 41.
[85] سنة الله، عبد السلام ياسين، ص 307.
[86] النماذج المؤسسية التطبيقية لتحصيل الزكاة وتوزيعها في البلدان والمجتمعات الإسلامية، منذر قحف، ص 199–201.
[87] المرجع نفسه، ص 201–205.
[88] المرجع نفسه، ص 235–237؛ وانظر كذلك: فيض محمد، العلاقة بين التحصيل الرسمي للزكاة وأداء الزكاة للجمعيات الخيرية، ضمن المصدر نفسه، ص 241–267.
[89] دراسة لأنشطة الهيئات الزكوية التي لا تقوم على مبدأ الإلزام القانوني للزكاة: حالة بيت الزكاة الكويتي، عبد القادر ضاحي العجيل، ضمن المصدر نفسه، ص 279–278.
[90] المغني لابن قدامة، ج 5 ص 66.
[91] بحر المذهب في فروع المذهب الشافعي، الروياني، ج 6 ص 31.
[92] أحكام القرآن، ابن العربي، ج 3 ص 222.
[93] عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة، أبو محمد جلال الدين عبد الله بن نجم بن شاس بن نزار الجذامي السعدي المالكي، ج 2 ص 825.
[94] الشرح الكبير على متن المقنع، عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي الجماعيلي الحنبلي، أبو الفرج، شمس الدين، ج 2 ص 676.
[95] الفقه الإسلامي وأدلته، الزحيلي، ج 3 ص 1975م.
[96] التنبيه في الفقه الشافعي أبو اسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآبادي الشيرازي، ص 108.
[97] أخذ المال على أعمال القرب، عادل بن شاهين بن محمد شاهين، ج 1 ص 103.
[98] بدائع الصنائع للكاساني، ج 2 ص 40. الدر المختار للحصكفي، بحاشية الصاوي على الشرح الصغير، ج 2 ص 182. المهذب للشيرازي، ج 1 ص 312. والمغني لابن قدامة، ج 5 ص 66.
[99] المجموع شرح المهذب مع تكملة السبكي والمطيعي، النووي، ج 6 ص 165.
[100] الشرح الكبير، لابن عرفة الدسوقي، ج 1 ص 498.
[101] الموسوعة الفقهية الكويتية، ج 32 ص 302.
[102] الأساس في السنة وفقهها – العبادات في الإسلام، ج 5 ص 2453.
[103] “أحكام دفع زكاة المال للجمعيات الخيرية دراسة فقهية”- اليملاحي محمد، ص 123.