الرفق بالآخر: “موقف الرسول من المخالفين”
بقلم: عزالدين صمبة
في زمن تتقاذفه أمواج الصراع، ويعلو فيه صوت الغلظة على نبرة الرحمة، ويضيع فيه هدي الرفق بين دعاة غلب عليهم التنازع والخصومة، تظلّ سيرة النبي صلى الله عليه وسلم منارة هادية، تعيد إلى الأمة رشدها، وتذكّرها أن الدعوة لا تقوم على الصوت المرتفع ولا على الحدة في الخصام، وإنما تقوم على الصبر والحلم، والرحمة التي وسعت المخالف قبل الموافق. وكيف لا، وهو الذي بعثه الله رحمة للعالمين، لا ليستأصلهم، بل ليخرجهم من الظلمات إلى النور، وليقدّم للعالم نموذج الإنسان الكامل الذي يجمع بين قوة المبدأ وسعة الصدر.
لقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن يعفو عن الإساءة، ويغفر الزلة، ويتحمل جفاء الجفاة، متمثلا بذلك أسمى مراتب الصبر والحلم، فجمع عليه الصلاة والسلام بين قوة العفو ورحابة الرحمة. ولعلّ من أعجب ما نقل في هذا الباب ما رواه البخاري (6088) ومسلم (1057) عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: “كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه بُرد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابيٌّ فجبذه جبذةً شديدة أثرت في صفحة عاتقه، ثم قال: يا محمد، مُرْ لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك ثم أمر له بعطاء”. لم يغضب النبي صلى الله عليه وسلم مع شدة الأذى، ولم يواجه الجفاء بمثله، بل ابتسم وأمر له بالعطاء، في مشهد يجسد قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4].
وإذا انتقلنا إلى موقف آخر نجد أن عفوه لم يكن قاصرا على جفاء الأعراب، بل شمل أشد خصومه خطرا، كعبد الله بن أبيّ بن سلول رأس النفاق. فقد روى البخاري (4566) ومسلم (1798) أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ بمجلس فيه عبد الله وأصحابه، فاستقبله بكلمة فظة قائلا: “ارجع إلى رحلك، فمن جاءك فاقصص عليه”، حتى كاد الحاضرون يقتتلون. ومع ذلك لم يزد النبي صلى الله عليه وسلم على أن خفضهم حتى سكنت نفوسهم، ثم عفا عن عبد الله وصفح عنه، بل كان يكنيه بأحب كناه “أبا الحباب”، مداراة واستمالة لقلبه. وهكذا تحوّل الموقف من فتنة كادت تعصف بالمجلس إلى درس عملي في الصبر وكظم الغيظ.
ولم يقتصر حلمه على المنافقين، بل شمل اليهود الذين كانوا يتعمدون إيذاءه بالقول. ففي الصحيحين (البخاري 6395، مسلم 2165) عن عائشة رضي الله عنها أنهم كانوا يقولون له: “السام عليك”، أي الموت عليك، ففطنت وردت عليهم بشدة، لكن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: “مهلا يا عائشة، إن الله يحب الرفق في الأمر كله”. وردّ عليهم بما يرد كيدهم دون أن يخرج عن حدّ الاعتدال أو ينحدر إلى مستوى السباب. لقد ملك صلى الله عليه وسلم نفسه في موضع الغضب، فحفظ مقام النبوة، ورسّخ قاعدة الرحمة والرفق في التعامل حتى مع المعتدين.
وفي ميدان المواجهة العسكرية، يظهر الصبر في صورة أبلغ. فقد روى البخاري (4135) ومسلم (843) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رجلا من المشركين يدعى غورث بن الحارث باغت النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم تحت شجرة، فأخذ سيفه مصلتا وقال: من يمنعك مني؟ فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم مطمئنا: “الله”. فسقط السيف من يده، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: “من يمنعك مني؟”، فقال الرجل: كن خير آخذ، فتركه صلى الله عليه وسلم، فرجع إلى قومه يقول: “جئتكم من عند خير الناس”. هنا نرى قمة العفو في موقف كان يمكن أن يزهق فيه روح المعتدي، فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يعفو فيملك قلبه بدل أن يريق دمه.
هذه المشاهد المتتابعة تبيّن أن صبر النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن مجرد احتمال للشدائد، بل كان مشروعا دعويا متكاملا يقوم على الرحمة والرفق، حيث تتحول المواقف القاسية إلى فرص للهداية أو كفّ الأذى. وقد ميّز صلى الله عليه وسلم بين المداراة المحمودة التي تقرّب الناس إلى الحق، والمداهنة المذمومة التي تتركهم على الباطل، فكان حليما دون ضعف، رحيما دون تهاون، صبورا دون استسلام.
ومع ذكرى مولده الشريف، لا يسع الأمة إلا أن تتساءل: كيف غابت عنا هذه المعاني في خطابنا الدعوي المعاصر؟ فقد صار بعض الدعاة جفاة في كلامهم، تغلب عليهم الغلظة والقسوة، حتى نفر الناس منهم. وقد نبهنا القرآن الكريم إلى أن سر اجتماع القلوب حول النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن قوة سلطانه، بل رحمة ربه التي تجلت في قوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159]. فاللين والرحمة سبيل الجمع، أما الغلظة فمدخل الشيطان للتحريش بين المؤمنين، وقد قال صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم (2812): “إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم”.
إن الدرس المستفاد أن العفو والصبر ليسا خيارا تكميليا في الدعوة، بل أساس منهجي لإقامة الحق وإيصال الرسالة. وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد تحمّل الأذى من الأعراب واليهود والمنافقين والمشركين، ثم عفا عنهم واستمال قلوبهم، فأولى بالدعاة اليوم أن يقتدوا به في مواجهة خلافاتهم مع إخوانهم وأمتهم، وألا يجعلوا من الاختلاف بابا للخصومة والفرقة.
فذكرى مولده صلى الله عليه وسلم تذكّرنا أن الدعوة لا تقوم على الغلظة ولا على القسوة، وإنما على الصبر والرحمة والرفق، وهي معالم خالدة لخاتم النبيين، الذي ما كان يغضب لنفسه، وإنما كان يغضب إذا انتُهكت حرمات الله. وهكذا يبقى هديه مدرسة متجددة، تصحّح مسار الدعوة وتعيد لها إشراقها، لتظل الرحمة عنوان الرسالة: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107].
وهنا لا بد من نداء صادق إلى العلماء وطلاب العلم والدعاة: أن يتخلّوا عن غلظة الخطاب، وألا يتعالوا على المخالفين، وألا يجعلوا من علمهم وسيلة للتكبر على عباد الله. فالعلم الذي لا يورث رحمة ولا تواضعا ولا حلما، ليس من ميراث النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو فتنة على صاحبه. إن الأمة أحوج ما تكون اليوم إلى دعاة يقتدون بسيد الخلق، فيجعلون من العلم رحمة، ومن الدعوة حلما، ومن الخلاف بابا للتكامل لا للتناحر، حتى يظل الإسلام كما أراده الله رحمة مهداة، وهداية عامة للناس أجمعين.
فليتذكر الدعاة أن الناس لا يقبلون الدين من أفواه قاسية، وإنما يفتح الله قلوبهم بالكلمة الطيبة والابتسامة الصادقة. وليعلموا أن أعظم أسباب النفور من الدعوة سوء خلق الداعية قبل ضعف حجته. وليجعلوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوتهم الأولى، فيروا في حلمه ورفقه وصبره طريقا لا غنى عنه لإصلاح القلوب وكسب الأرواح.
إن الدعوة من غير حلم لا تثمر، والعلم من غير رحمة لا ينفع، والخلاف إذا تحوَّل إلى تبديع وتسفيه إنما يخدم الشيطان الذي ما زال يحرص على التحريش بين المؤمنين.
#محمد_قدوتنا_فلسطين_قضيتنا