منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

هدي النبي صلى الله عليه وسلم في تطبيق الشريعة الإسلامية

 د. محمود ناهض عجور

0
الفهرس إخفاء

هدي النبي صلى الله عليه وسلم في تطبيق الشريعة الإسلامية

 د. محمود ناهض عجور

 

 

مقدمة([1])

الحمد لله باري البريَّات، وغافرِ الخطيَّات، المتفضلِ على عباده بالخير والإنعام، والسنةِ والقرآن، مَن وسعت رحمته كلَّ شَيٍّ، وعمَّ جوده كلَّ مَيْتٍ وحيٍّ، وأُصلي وأُسلم على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، خيرِ من أقلته أرضٌ وأظلته سماءٌ محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله ومن اتبع هداه، وسلَّم تسليماً دائماً ما أدبر ليلٌ وأسفر صبح، وبعد،

فإن الله جل في علاه خلق الخلق؛ ليعبدوه، وشرع لهم شرعاً قويماً؛ ليطبقوه، وأرسل لهم الرسل مبشرة ومنذرة، وأنزل إليهم الكتب هادية ومرشدة؛ } لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ {([2]).

وقد جعل الله جل في علاه شريعة خير الأنام محمد صلى الله عليه وسلم الشريعة الخاتمة، وأراد سبحانه لها الخلود والبقاء، وجعل فيها من المقومات ما يديم وجودها، ويقوِّي جانبها، فلم تعجز عن الإفادة من القديم، أو التعايش مع الجديد؛ بل إنها تؤثر فيه وتوجهه، وتتماشى معه وتقوِّمه، كيف لا والمتأملُّ في هذه الشريعة الغرَّاء يلحظ أنها تطبيقٌ لأسماء الله الحسنى وصفاته العليا وتحقيق، فالحكمة شعارها، والعدل دثارها، والقوة سمتها، والحقُّ رايتها، وهي طريق الغِنى والعزَّة، والرحمة والعفو، والعلم والفهم، وهكذا مع سائر أسماء الله وصفاته لها اتصال وارتباط.

وقد كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم النموذجَ الأسمى في تحقيقها وتطبيقها، فقد طبَّقها خير تطبيق في جميع ظروف الحياة، ولم تُعقه أشد الأوقات صعوبة وحُلكة عن ذلك؛ بل إنه قد بدأ العمل وحدَه صلى الله عليه وسلم، وما زال عاملاً صابراً، حتى يسَّر الله له من الأعوان من عاونه على تحقيق مراده، والسير معه في طريقه، وقد فهم كلُّ واحدٍ منهم رسالته ودوره، بعد أن فهموا مغزى الشريعة الغراء ومرادها، فنشروا الخير والرحمة في ربوع العالمين، وعمَّ العدل سائر بلاد المسلمين، وتحقَّق فيها الرخاء والسعادة، وأصبحت للمسلمين السيادة والريادة، وظلت كذلك طالما بقي المسلمون لدورهم فاهمين، ولغايات شريعة ربهم محققين.

ولما كان أعداء الإسلام لنا بالمرصاد، وقعدوا لنا صراطَ الله المستقيم، مع قائدهم إبليس، وقد علموا أنَّ مصدر عزنا وقوتنا وفخرنا إنما هو باتصالنا الصحيح بهذه الشريعة الإسلامية الغراء، فقد عملوا على إبعاد المسلمين عنها، وتغييبهم عن خيرها، بتغييبهم عن دورهم في الحياة، وإغراقهم في ملذات الدنيا وشهواتها، وببث الشبهات حول أحكامها وتشريعاتها([3])، وحرصوا على إبراز التطبيق السيء للشريعة من بعض الفئات والأشخاص، وسلطوا الأضواء على ذلك، وأغروا أبصار المسلمين وعقولهم بحضارة الغرب الخادعة الخلابة، وقرنوا تخلُّف المسلمين بارتباطهم بدينهم… الخ، فوقع كثير من المسلمين في شِراكهم، فجعلوا شريعة الله وراءهم ظهرياً، ولحقوا بالغرب لكنْ لا في تقدُّمِه وحضارته؛ بل في انحداره في مستنقع الآثام والعصيان، إلا من رحم الرحمن، وغابت الشريعة الغراء عن حياة كثير من المسلمين، وكثير آخرُ إنْ طبَّق منها شيئاً فغالبه رعايةُ عاداتٍ وتقاليد، لا عبادة لله ولا دِين.

وتصدياً لهذه الهجمة الشرسة، وإحقاقاً للحق، وإعادة للأمور إلى نصابها الصحيح، فقد قام الغيورون على الإسلام وشريعته الغراء، المؤمنون بأن هذه الشريعة هي سِرُّ تَقَدُّم المسلمين ورقيهم، وأنها المخلِّصة لهم مما هم فيه، بمحاولات عديدة لإعادة السيادة للشريعة، وردِّ شبهات الخصوم عنها، وحاولوا العودة بالمسلمين لتطبيقها، وإقناعهم بنجاعتها، وما زالوا يحاولون.

وقد أتت هذه الدراسة ــــ سيراً على سَنن الإصلاح ــــ كمحاولة عملية للعودة إلى تطبيق الشريعة الغراء، وقد حرصتْ أن تجعل منطلَقَها من المصدرين الرئيسيين لشريعة الإسلام الغراء: القرآن الكريم وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو خير من طبَّق شرع الله تعالى، وفهم مراده، وعرف كيف يوصله للعالمين، مستخدماً من الوسائل والسُّبل ما لو عمل به المصلحون كنظام متكامل ـــ لا كأفراد متناثرة ــــ لوصلوا إلى المراد بأيسر الطرق، ووفَّروا على أنفسهم الجهد الكثير.

وقد حرصتُ على بيان هدي النبي صلى الله عليه وسلم في تطبيق الشريعة الإسلامية الغراء ونهجه في ذلك، كما وبيَّنت العديد من محاولات المصلحين في العودة بالمسلمين إلى شريعة ربهم، واقترحت تصوراً لكل فئة من مكونات المجتمع، تبيِّن فيه دورها، والواجب عليها، حتى يتم التطبيق بيسر وسهولة وواقعية، ولم تجعل عذراً لأحد في التخاذل عن التطبيق أو التقصير فيه، كما بيَّنت العديد من العقبات التي تعترض طريق تطبيق الشريعة الغراء داخل المجتمع المسلم وخارجه، وحرصتْ على وضع حلولٍ مناسبة لكل معوِّق منها.

وإن مما يبعث الأمل في نفس المسلم في طريقه للعودة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية الغراء وسيادتها أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بشَّر هذه الأمة بالتمكين، فقد روى أُبي بنُ كعب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” بَشِّرْ هَذِه الْأُمَّةَ بِالسَّنَاءِ وَالرِّفْعَةِ، وَالدِّينِ، وَالنَّصْرِ، وَالتَّمْكِينِ فِي الْأَرْضِ([4]).

وأسأل الله تعالى أن أكون قد وُفِّقت فيما حرصتُ عليه، وأن تحقق هذه الأطروحة أهدافها في تذليل الطريق لكل من يريد تطبيق الشريعة الإسلامية الغراء، سواء على مستواه الفردي، أم الأُسري، أم التنظيمي، أم الحكومي، وأن يكتب لي أجر المصلحين، إنه جواد كريم.

ويتكون من توطئة وخمسة فصول:

توطئة: في وصف تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم وارتباطها التشريعي.

الفصل الأول: غرس الإيمان الصحيح

وفيه مبحثان:

المبحث الأول: تقرير ما كان لدى الناس من اعتقاد حسن.

المبحث الثاني: تصحيح ما وقع في العقيدة من خطأ.

الفصل الثاني: التربية والتعليم

وفيه خمسة مباحث:

المبحث الأول: تطهير الفطرة وتنقيتها من الشوائب.

المبحث الثاني: تحقيق القدوة الصالحة.

المبحث الثالث: إنشاء جيل يحمل الشريعة ويطبقها منذ نعومة أظفاره.

المبحث الرابع: إحياء القيم الإنسانية والإيجابية في نفوس حَمَلَةِ الدِّين.

المبحث الخامس: الحث على التعلم لكل نافع وإعمال العقل وتزكية النفس.

الفصل الثالث: التدرج والتيسير

وفيه مبحثان:

المبحث الأول: التدرج في التشريع والتطبيق.

المبحث الثاني: التيسير.

الفصل الرابع: مراعاة المقاصد والأولويات والواقع

وفيه مبحثان:

المبحث الأول: مراعاة المقاصد والأولويات.

المبحث الثاني: مراعاة الواقع وتغيراته.

الفصل الخامس: معالجة القضايا الناجمة عن التشريع وتحقيق السلم المجتمعي

وفيه ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: إيجاد حلول لقضايا الناس الناجمة عن التشريع الجديد.

المبحث الثاني: تحقيق السلم المجتمعي (تهيئة الأجواء لتطبيق الشريعة)

المبحث الثالث: استيعاب غير المسلمين في المجتمع المسلم.

 توطئة:

وضع الله رسوله صلى الله عليه وسلم من دينه وفرضه وكتابه الموضع الذي أبان جل ثناؤه أنه جعله عَلَماً لدينه، بما افترض من طاعته، وحرَّم من معصيته، وأبان من فضيلته بما قرن من الإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم مع الإيمان به([5])، فكان خيرتُه المصطفى لوحيه، المنتخب لرسالته، المفضل على جميع خلقه، بفتح رحمته، وختم نبوته، وأعم ما أُرسل به مرسَل قبله، المرفوع ذكره مع ذكره في الأولى، والشافع المشفع في الأخرى، أفضل خَلْقِه نفساً، وأجمعهم لكل خلق رضيه في دين ودنيا، وخيرتهم نسباً وداراً محمداً عبدَه ورسولَه([6])، وإنه لا سعادة للعباد ولا نجاة في المعاد إلا باتباعه صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر الله تعالى طاعة الرسول صلى الله عليه وسلمواتباعه في نحو من أربعين موضعاً من القرآن الكريم، فكان حقاً على كل مسلم بَذْل جهده واستطاعته في معرفة ما جاء به وطاعته([7]).

من هذا المنطلق كان هذا الباب بفصوله الخمسة؛ ليعين المريد لتطبيق الشريعة الإسلامية الغراء على اقتفاء أثره صلى الله عليه وسلم في هديه في التطبيق لشرع الله تعالى، في جميع المجالات سواء منها ما كان متعلقاً بتقويم الإيمان، أم في التربية والتعليم والتدرج والتيسير، أم في رعاية المقاصد والأولويات والواقع، أم في حرصه على إيجاد الحلول للقضايا الناجمة عن التشريع، وتحقيق السلم المجتمعي، ورعاية غير المسلمين في المجتمع المسلم ” فإن النبي العربي صلى الله عليه وسلم قد مدّن الشعوب، ورقّى الأمم بما أسس لهم من مباني العمران، وسنّ من أنظمة التقدم “([8]).

 توطئة في وصف تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم وارتباطها التشريعي

لما كان صلى الله عليه وسلم في المكان الأسمى، وجرت عادة الناس في تعاملاتهم ومخاطباتهم إنزال كلام عِلية القوم منزلة خاصة، وقف العلماء أمام تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه مع نبوته كان بشراً من البشر كما روى زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: كُنْتُ جَارَهُ، فَكَانَ إِذَا نَزَلَ الْوَحْيُ أَرْسَلَ إِلَيَّ، فَكَتَبْتُ الْوَحْيَ. وَكَانَ إِذَا ذَكَرْنَا الْآخِرَةَ ذَكَرَهَا مَعَنَا، وَإِذَا ذَكَرْنَا الدُّنْيَا ذَكَرَهَا مَعَنَا، وَإِنْ ذَكَرْنَا الطَّعَامَ ذَكَرَهُ مَعَنَا. فَكُلُّ هَذَا أُحَدِّثُكُمْ عَنْهُ([9])، كما كان صلى الله عليه وسلم إمام أمة، وقائد جيش وسياسياً، وأباً وزوجاً، ومفتياً وقاضياً، وناصحاً أميناً صلى الله عليه وسلم، فهل تعتبر أقواله وأفعاله في مرتبة واحدة على الرغم من تنوع الاعتبارات السابقة، أم أن لكلِّ اعتبار وَضْعَه الخاص؟.

بحث العلماء هذه المسألة في تصرفاته صلى الله عليه وسلم لمعرفة رتبة هذه التصرفات، وحال الموافق والمخالف لها، وكان ممن برز منهم في ذلك واستفاض فيه:

الإمامُ ابن قُتَيْبة الدِّينوَري رحمه الله([10])، فقد كان من أوائل من شدَّ الأنظار إلى انقسام السنة النبوية إلى عدة أقسام: من حيث كونها تفيد التشريع الملزِم، أو كونها وحياً محضاً، أو وحياً مفوضاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم الترخُّص فيه، أو كونها للاختيار الباعث على الترقي دون إلزام([11]).

وجاء من بعده: الإمام القرافي المالكي رحمه الله([12])، وفصَّل هذه المسألة في كتابَيه الفروق، والإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام، وتصرفات القاضي والإمام.

ومن بعدهما جاء العديد من العلماء الذين تناولوا الجانب التشريعي للسنة، لكن كان من أشهرهم إمامان جليلان: ابن القيم رحمه الله([13])، وولي الله الدهلوي رحمه الله([14])، واستمر الأمر بالعلماء المحققين في دراسة هذا الموضوع؛ لأهميته وأثره في تطبيق الشريعة، فكان منهم الإمام محمد الطاهر ابن عاشور رحمه الله، والشيخ يوسف القرضاوي([15])، وغيرهما.

وهأنذا أسوق أربعةً من نصوصهم ببعض الاختصار؛ لأهيمتها:

النص الأول: يقول الإمام ابن قتيبة رحمه الله: والسنن عندنا ثلاث:

سُنَّةٌ أتاه بها جبريل عليه السلام عن الله تعالى؛ كقوله: ” لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا، وَلَا عَلَى خَالَتِهَا([16])، وقوله: ” يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ([17])،… وأشباه هذه من الأصول.

والسُّنَّةُ الثَّانِيَةُ: سنة أباح الله له أن يَسُنَّها، وأمره باستعمال رأيه فيها، فله أن يترخَّص فيها لِمَن شاء، على حسب العلة والعذر، كتحريمه الحرير على الرجال، وإذنه لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه فيه لعلَّة ــ حكة ــ كانت به([18])، وكقوله في مكة: ” لا يُخْتَلَى خَلاهَا، وَلا يُعْضَد شَجَرُهَا “، فقال العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه: يا رسول الله، إلا الإذخر([19])، فإنه لقيوننا([20])، فقال: ” إِلَّا الإِذْخَر([21])، ولو كان الله تعالى حَرَّم جميع شجرها، لم يكن يتابع العباسَ على ما أراد من إطلاق الإذخر، ولكن الله تعالى جعل له أن يطلق من ذلك ما رآه صلاحاً…

والسُّنَّةُ الثالثةُ: ما سنَّه لنا تأديباً، فإنْ نحن فعلناه كانت الفضيلة في ذلك، وإنْ نحن تركناه، فلا جناح علينا إن شاء الله،… وكنهيه عن لحوم الجلالة([22])،… وكذلك نَقول في قصر الصلاة في الأمن مع قول الله تبارك وتعالى: } وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا {([23])، أعلمنا أنه لا جناح علينا في قَصْرِنا مع الخوف، وأَعْلَمَنا رسول الله r أنه لا بأس بالقَصْرِ في الأمن([24]) أيضاً([25]).

النص الثاني: قال الإمام القرافي رحمه الله: السؤال الخامس والعشرون([26]):

وهو متفرع إلى أربعة أسئلة كما يلي:

  1. ما الفرق بين تصرُّفِ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفتيا والتبليغ، وبين تصرفه بالقضاء، وبين تصرفه بالإمامة؟.
  2. وهل آثار هذه التصرفات مختلفة في الشريعة والأحكام، أم الجميع سواء في ذلك؟.
  3. وهل بين الرسالة وهذه الأمور الثلاثة فرق، أو الرسالة عين الفتيا؟.
  4. وإذا قلتم: إنها عين الفتيا أو غيرها، فهل النبوة كذلك، أو بينها وبين الرسالة فرق في ذلك؟.

وقد جاء جوابه رحمه الله في ستة بنود، يليها ثلاثة لآثار ذلك، ثم لخص تصرفاته صلى الله عليه وسلم في أربعة أقسام.

  • أولاً: الفروق بين أنواع تصرفاته صلى الله عليه وسلم، من ستة أوجه:
  1. أنَّ تصرف الرسول صلى الله عليه وسلم بالفتيا، هو إخباره عن الله تعالى بما يجده في الأدلة من حكم الله تبارك وتعالى، كما قلناه في غيره r من المفتين.
  2. وتصرفه صلى الله عليه وسلم بالتبليغ هو مقتضى الرسالة، والرسالة هي أمر الله تعالى له بذلك التبليغ، فهو صلى الله عليه وسلم ينقل عن الحقِّ للخلقِ في مقام الرسالة ما وصل إليه عن الله تعالى، فهو في هذا المقام مبلِّغ وناقِل عن الله تعالى؛ وورث عنه صلى الله عليه وسلم هذا المقام المحدِّثون رواة الأحاديث النبوية، وحَمَلة الكتاب العزيز؛ لتعليمه للناس، كما ورث المفتي عنه صلى الله عليه وسلم الفتيا.
  3. وأما تصرفه صلى الله عليه وسلم بالحكم (القضاء)، فهو مُغاير للرسالة والفتيا؛ لأن الفتيا والرسالة تبليغٌ مـحض، واتباع صِرْف، والـحكم إنشاء وإلزام من قِبله صلى الله عليه وسلم، بحسب ما يسنح من الأسباب والـحِجاج، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: ” إِنَّكُمْ تَـخْتَصِمُونَ إِلَـيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْـحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْض، فَمَنْ قَضَيْتُ لَه بِشَيْءٍ مِن حَقِّ أَخِيهِ، فَلا يَأْخُذْهُ، إِنَّـمَا أَقْتَطِعُ لَهُ قِطْعَةً مِن النَّارِ([27]).

دل ذلك على أن القضاء يتبع الحِجَاج، وقوة اللَّحْن بها، فهو صلى الله عليه وسلم في هذا المقام منشئ، وفي الفتيا والرسالة متَّبِع مبلِّغ، وهو في الحكم أيضاً متَّبِع لأمر الله تعالى له بأن ينشئ الأحكام على وفق الحِجاج والأسباب، لا أنه متَّبِع في نقل ذلك الحكم عن الله تعالى؛ لأن ما فُوِّض إليه من الله تعالى، لا يكون منقولاً عن الله تعالى.

ثم الفرق من وجه آخر بين الحكم والفتيا: أن الفتيا تقبل النسخ، والحكم لا يقبله، بل يقبل النقض عند ظهور بطلان ما رُتِّب عليه الحكم، والفتيا لا تقبله، فصار من خصائص الحكم: النقض، ومن خصائص الفتيا: النسخ…

  1. وأما الرسالة من حيث هي رسالة، فقد لا تقبل النسخ، بأن تكون خبراً صِرْفاً. فإنه يقبل التخصيص دون النسخ على الصحيح من أقوال العلماء، وقد تَقْبَله إن كانت متضمنة لحُكمٍ شرعي. فصارت الرسالة أعم من الفتيا ومباينة لها.
  2. وأما النبوة… فأنْ يوحيَ الله تعالى لبعض خلقه بحكم أُنْشئ لمسألة يختص به، كما أوحى الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: } اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ^ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ {([28]).

فهذا تكليف لمحمد صلى الله عليه وسلم يختص به في هذا الوقت. قال العلماء: فهذه نبوة وليست رسالة؛ لأنه تكليف يتعلَّق بغير المُوحى إليه، فقُدِّمَت نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم على رسالته بمدة،…

  1. وأما تصرفه صلى الله عليه وسلم بالإمامة، فهو وصف زائد على الرسالة والنبوة، والفتيا والقضاء؛ لأن الإمام هو الذي فُوِّضت إليه السياسة العامة في الـخلائق، وضبْط معاقد الـمصالح، ودرء الـمفاسد، وقمْع الجناة، وقتْل الطغاة، وتوطين العباد في البلاد، إلى غير ذلك مما هو من هذا الجنس.
  •  ثانياً: وأما آثار هذه الحقائق في الشريعة فمختلفة:
  1. فما فعله u بطريق الإمامة كقسمة الغنائم، وتفريق أموال بيت المال على المصالح، وإقامة الحدود،… ونحو ذلك؛ فلا يجوز لأحد الإقدام عليه إلا بإذن إمامِ الوقت الحاضر؛ لأنه صلى الله عليه وسلم إنما فعله بطريق الإمامة، وما استبيح إلا بإذنه، فكان ذلك شرعاً مُقَرَّراً؛ لقوله تعالى: } وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون {([29]).
  2. وما فعله صلى الله عليه وسلم بطريق الحكم كالتمليك بالشفعة، وفُسُوخ الأنكحة والعقود،… ونحو ذلك، فلا يجوز لأحد أن ُيُقْدِم عليه إلا بحكم الحاكم في الوقت الحاضر، اقتداء به صلى الله عليه وسلم؛ لأنه u لم يقرر تلك الأمور إلا بالحكم، فتكون أمته بعده صلى الله عليه وسلم كذلك.
  3. وأما تصرفه عليه صلى الله عليه وسلم بالفتيا والرسالة والتبليغ، فذلك شَرْع يتقرر على الخلائق إلى يوم الدِّين، يلزمنا أن نَتْبَع كل حكم مما بلغه إلينا عن ربه بسببه، من غير اعتبار حكم حاكم ولا إذن إمام؛ لأنه صلى الله عليه وسلم مبلِّغ لنا ارتباطَ ذلك الحكم بذلك السبب، وخلَّى بين الخلائق وبين ربهم.
  • ثالثاً: أقسام تصرفاته صلى الله عليه وسلم:

فإذا تقرر الفرق بين آثار تصرفه صلى الله عليه وسلم بالإمامة والقضاء والفتيا، فاعلم أنَّ تصرفه صلى الله عليه وسلم ينقسم إلى أربعة أقسام:

  1. قسم اتفق العلماء على أنه تصرف بالإمامة، كالإقطاع، وإقامة الحدود، وإرسال الجيوش، ونحوها.
  2. وقسم اتفق العلماء على أنه تصرف بالقضاء، كإلزام أداء الديون، وتسليم السلع، ونقد الأثمان، وفسخ الأنكحة، ونحو ذلك.
  3. وقسم اتفق العلماء على أنه تصرف بالفتيا، كإبلاغ الصلوات وإقامتها، وإقامة المناسك، ونحوها.
  4. وقسم وقع منه صلى الله عليه وسلم متردداً بين هذه الأقسام، اختلف العلماء فيه على أيها يُحمل؟([30]).

النص الثالث: ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله: النبي صلى الله عليه وسلم كان هو الإمام، والحاكم، والمفتي، وهو الرسول:

أ. فقد يقول الـحكمَ بمنصب الرسالة، فيكون شرعاً عاماً إلى يوم القيامة، كقوله: ” مَنْ زَرَعَ في أرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ، فَلَيْسَ لَهُ مِنَ الزَّرْع شَيءٌ، وَلَهُ نَفَقَتُهُ([31])، وقوله: “مَنْ أَحْدَثَ في أمْرنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ، فَهُو رَدٌّ([32])، وكحكمه ” بالشَّاهدِ، واليمينِ “([33]).

ب. وقد يقول بمنصب الفتوى، كقوله لهِندَ بنتِ عُتبة امرأة أبى سُفيان وقد شكَتْ إليه شُحَّ زوجِها وأنه لا يُعطيها ما يكفيها: “خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ([34]) فهذه فتيا لا حكم، إذ لم يدعُ بأبي سفيان، ولم يسأله عن جواب الدعوى، ولا سألها البيِّنة.

ج. وقد يقوله بـمنصب الإمامة، فيكون مصلحة للأُمة في ذلك الوقت، وذلك الـمكان، وعلى تلك الحال، فيلزم مَن بعده من الأئمة مراعاة ذلك على حسب الـمصلحة التي راعاها النبـي صلى الله عليه وسلم زماناً ومكاناً وحالاً، ومن ههنا تـختلِفُ الأئمة في كثير من المواضع التي فيها أثر عنه صلى الله عليه وسلم؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: ” مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً فَلَهُ سَلَبُهُ([35])، هل قاله بـمنصب الإمامة، فيكون حكمه متعلقاً بالأئمة؟، أو بمنصب الرسالة والنبوة، فيكون شرعاً عاماً؟ وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ” مَنْ أَحْيا أرْضاً مَيتَةً، فَهِيَ لَهُ([36])، هل هو شرع عام لكل أحد، أَذِنَ فيه الإمام، أو لم يأذن، أو هو راجع إلى الأئمة، فلا يُملك بالإحياء إلا بإذن الإمام؟([37]).

النص الرابع: يقول الدهلوي رحمه الله مؤكداً الفكرة: اعلم أن ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، ودُوِّن في كتب الحديث على قسمين:

أحدهما: ما سبيله سبيل تبليغ الرسالة، وفيه قوله تعالى: } وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا {([38])، ومنه علوم المعاد وعجائب الملكوت، وهذا كله مستند إلى الوحي، ومنه شرائعُ وضبطٌ للعبادات والارتفاقات، وهذه بعضها مستند إلى الوحي، وبعضها مستند إلى الاجتهاد، واجتهاده صلى الله عليه وسلم بمنزلة الوحي؛ لأن الله تعالى عصمه من أن يتقرر رأيه على الخطأ، وليس يجب أن يكون اجتهاده استنباطاً من المنصوص كما يُظَنُّ؛ بل أكثره أن يكون علَّمه الله تعالى مقاصد الشرع، وقانون التشريع، والتيسير والأحكام، فبيَّن المقاصد المتلقاة بالوحي بذلك القانون، ومنه حِكَمٌ مرسلةٌ، ومصالح مطلقةٌ لم يُوَقِّتها، ولم يبيِّن حدودها؛ كبيان الأخلاق الصالحة وأضدادها، ومستندها غالباً الاجتهاد، بمعنى أن الله تعالى علمه قوانين الارتفاقات، فاستنبط منها حكمة، وجعل فيها كلية، ومنه فضائل الأعمال ومناقب العمال، وأرى أن بعضها مستند إلى الوحي وبعضها إلى الاجتهاد…

وثانيهما: ما ليس من باب تبليغ الرسالة، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: ” إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِكُمْ، فَخُذُوا بِهِ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيِي، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ([39])،… فمنه الطب، ومنه باب قوله صلى الله عليه وسلم: ” عَلَيْكُمْ بِالأَدْهَمِ الأَقْرَحِ([40])، ومستنده المحاولة، ومنه ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل العادة دون العبادة، وبحسب الاتفاق دون القصد، ومنه ما ذكره كما كان يذكره قومه، كحديث أم زرع([41])،…، ومنه ما قصد به مصلحة جزئية يومئذ، وليس من الأمور اللازمة لجميع الأمة، وذلك مثل ما يأمر به الخليفة من تعبئة الجيوش، وتعيين الشعار،…([42]).

وقد قسم الإمام محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله تصرفاته صلى الله عليه وسلم إلى اثني عشر حالاً ـــ بعد اعتباره الأصل في تصرفاته صلى الله عليه وسلم هو التشريع ما لم تقم القرينة على خلاف ذلك ـــ، وهي:

التشريع، والفتوى، والقضاء، والإمارة، والهدي، والصلح، والإشارة على المستشير، والنصيحة، وتكميل النفوس، وتعليم الحقائق العالية، والتأديب، والتجرّد عن الإرشاد.

ثم أخذ يفصل فيها واحدة واحدة، ثم قال: فلا بد للفقيه من استقراء الأحوال وتوسم القرائن الحافة بالتصرفات النبوية([43]).

وقد أطلتُ النَّفَسَ في النقول السابقة؛ لنفاستها وأهميتها؛ ولخطورة ما ينبني عليها، وقد اجتهدتُ أن تكون النقول من المذاهب المختلفة، للتأكيد على أن هذا الأصل موجود لدى المذاهب كافة أو عند معظمها.

ونخلص من ذلك إلى: أنه يجب على المطالع لسنته صلى الله عليه وسلم المستقي للأحكام منها، أن يتأمل وجه تصرفه صلى الله عليه وسلم، فيُنزل الأحكامَ منازلَها الصحيحة، حتى لا تتعارض عنده الأدلة، وحتى يستقيم له الاستنباط ويصح؛ ولا يجعل ما مقامه التشريع فيما مقامه الإمامة ولا القضاء مثلاً، ولا العكس، ولا يجعل الوسيلة في مقام المقصد ولا العكس، وهكذا.

ومن الأدلة على أنه صلى الله عليه وسلم لم يتصرف دائماً بوصف الرسالة ـــ إضافة لما سبق في النقول ـــ الخمسة التالية:

  1. إعلامه صلى الله عليه وسلم لصحابته رضي الله عنهم أن تصرفه كان اجتهاداً، ومن ذلك ما روت عَائِشَةُ وَأَنَسٌ رضي الله عنهما: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَرَّ بِقَوْمٍ يُلَقِّحُونَ ــ أي النخيل ــ، فَقَالَ: “ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ“، فَخَرَجَ شِيصاً، فَمَرَّ بِهِمْ، فَقَالَ: “ مَا لِنَخْلِكُمْ؟” قَالُوا: قُلْتَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: “ أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ([44]).

فلما امتثل الصحابة رضي الله عنهم لإرشاد النبي صلى الله عليه وسلم ظناً منهم أنه تشريع أعلمهم أن الأمر ليس كذلك.

  1. سؤال الصحابة رضي الله عنه له صلى الله عليه وسلم عن بعض تصرفاته هل هي وحي أم لا؟ دلالة على أنهم كانوا يعلمون أنَّ من تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم ما يكون بغير وصف النبوة والرسالة، ومن ذلك: أَنّ الْـحُبَابَ بْنَ الْمُنْذِرِ بْنِ الْـجَمُوحِ t قَالَ للنبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر: يَا رَسُولَ اللّهِ، أَرَأَيْتَ هَذَا الْمَنْزِلَ؟ أَمَنْزِلاً أَنْزَلَكَهُ اللّهُ، لَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَقَدّمَهُ وَلَا نَتَأَخّرَ عَنْهُ، أَمْ هُوَ الرّأْيُ، وَالْحَرْبُ، وَالْمَكِيدَةُ؟ قَالَ: “ بَلْ هُوَ الرّأْيُ، وَالْـحَرْبُ، وَالْمَكِيدَةُ “، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ، فَإِنّ هَذَا لَيْسَ بـِمَنْزِل، فَانْهَضْ بِالنّاسِ حَتّى نَأْتِيَ أَدْنَى مَاءٍ مِنْ الْقَوْمِ، فَنَنْزِلَهُ ثُمّ نُغَوّرُ مَا وَرَاءَهُ مِنْ الْقُلُبِ، ثُمّ نَبْنِي عَلَيْهِ حَوْضاً فَنَمْلَؤُهُ مَاءً، ثُمّ نُقَاتِلُ الْقَوْمَ، فَنَشْرَبُ وَلَا يَشْرَبُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: “ لَقَدْ أَشَرْتَ بِالرّأْيِ ([45]).
  2. تركه صلى الله عليه وسلم لأمرٍ كان يريد تشريعه لعلمٍ توفَّر له، ولو كان التصرف بوصف الرسالة والنبوة لم يغيِّر حكمه، ومن ذلك: أنَّ جُدَامَةَ بِنْتَ وَهْبٍ الْأَسَدِيَّةَ رضي الله عنها سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: “ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنْ الْغِيلَةِ([46])، حَتَّى ذَكَرْتُ أَنَّ الرُّومَ وَفَارِسَ يَصْنَعُونَ ذَلِكَ، فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ ([47]).
  3. عمله صلى الله عليه وسلم بالقسامة، وأنه لم يطلب من الله تعالى أن يدلَّه على القاتل، فعَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةَ خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ مِنْ جَهْدٍ أَصَابَهُمْ، فَأُخْبِرَ مُحَيِّصَةُ أَنَّ عَبْدَاللَّهِ قُتِلَ، وَطُرِحَ فِي فَقِيرٍ([48]) أَوْ عَيْنٍ، فَأَتَى يَهُودَ، فَقَالَ: أَنْتُمْ وَاللَّهِ قَتَلْتُمُوهُ. قَالُوا: مَا قَتَلْنَاهُ وَاللَّهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ، فَذَكَرَ لَهُمْ، وَأَقْبَلَ هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ ــــ وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ ــــ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، فَذَهَبَ لِيَتَكَلَّمَ ــــ وَهُوَ الَّذِي كَانَ بِخَيْبَرَ ــــ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِمُحَيِّصَةَ:” كَبِّرْ كَبِّرْ“، يُرِيدُ السِّنَّ، فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “ إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ، وَإِمَّا أَنْ يُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ ، فَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَيْهِمْ بِهِ، فَكُتِبَ مَا قَتَلْنَاهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِحُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ: “أَتَحْلِفُونَ، وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟“، قَالُوا: لَا، قَال: “ أَفَتَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودُ؟“، قَالُوا: لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ! فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ عِنْدِهِ مِائَةَ نَاقَةٍ، حَتَّى أُدْخِلَتْ الدَّارَ([49]).

وهذا عمل منه صلى الله عليه وسلم بوصف القضاء والإمامة أيضاً، تأصيلاً للخلفاء والحكام من بعده؛ لبيان طريقة الحكم والقضاء، وإلا فإنه من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمكنه أن يدعو الله تعالى ببيان القاتل وينتهي الأمر حينها؛ كما حصل في قصة البقرة مع سيدنا موسى u، لكنَّ الأمة ستجد بعده عناء شديداً، فلما عمل بوصف القضاء علَّم الناس من بعده كيف يكون العمل.

وفي الحديث من الفقه وجوب تحمُّل الإمام لمسؤولياته، فإنَّ وقوع جريمة في حدود دولته يُحَمِّله مسؤولية إيجاد القاتل، فإن لم يجده وجب عليه البدل، وهو الدية، حتى تهدأ ثائرة النفوس، ويشعر الناس بالطمأنينة والأمن.

  1. قضاؤه صلى الله عليه وسلم باللعان، مع علمه بكذب أحد المتلاعنين، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ r بِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ” الْبَيِّنَةَ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ “، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذَا رَأَى أَحَدُنَا عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلاً يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ الْبَيِّنَةَ؟! فَجَعَلَ النَّبِيُّ r يَقُولُ: ” الْبَيِّنَةَ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ ” فَقَالَ هِلَالٌ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنِّي لَصَادِقٌ، فَلَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنْ الْحَدِّ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ u، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ: } وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ { فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ } إِنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ {، فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَجَاءَ هِلَالٌ فَشَهِدَ، وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ” إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ “، ثُمَّ قَامَتْ فَشَهِدَتْ، فَلَمَّا كَانَتْ عِنْدَ الْخَامِسَةِ وَقَّفُوهَا، وَقَالُوا: إِنَّهَا مُوجِبَةٌ؛ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: فَتَلَكَّأَتْ وَنَكَصَتْ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهَا تَرْجِعُ، ثُمَّ قَالَتْ: لَا أَفْضَحُ قَوْمِي سَائِرَ الْيَوْمِ؛ فَمَضَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:” أَبْصِرُوهَا، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ الْعَيْنَيْنِ، سَابِغَ الْأَلْيَتَيْنِ، خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ([50])، فَهُوَ لِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ “، فَجَاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ” لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ([51]).

فعمل صلى الله عليه وسلم بصفة القضاء، متتبعاً البينات الشرعية، ولم يعمل بوصف الرسالة؛ بل لما ظهر له كذب المرأة، لم يحاسبها بعلمه؛ إنما تعامل بالبينات؛ ليعزز مبدأ العدالة في التقاضي.

والأمثلة غير ما سبق كثيرة، سيأتي منها بإذن الله تعالى في هذه الرسالة نماذج كثيرة.

 الفصل الأول: غرس الإيمان الصحيح

وفيه مبحثان:

المبحث الأول: تقرير ما كان لدى الناس من اعتقاد حسن.

المبحث الثاني: تصحيح ما وقع في العقيدة من خطأ.

توطئة:

إن مما يحمل على تطبيق الشريعة، ويُعد دافعاً قوياً، وعنصراً فعالاً في ذلك، الإيمان بخصائص هذه الشريعة، سواء فيما يتعلق بالأصول والقواعد، أم بالمبادئ والفضائل، أم بالمناهج والوسائل، أم بالأهداف والغايات، وإنَّ أول أساس يقوم عليه المجتمع المسلم، ويقوم به، هو العقيدة، فهي الغاية من بعثة الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهي الأساس المكين لأيِّ بنيانٍ اجتماعي متينٍ، وأيُّ بنيان على غير عقيدة، فهو بنيان على الرمال، يوشك أن ينهار، وإن العقيدة الصالحة هي التي تُوجِد الأخلاق الثابتة، وهي التي توجد المجتمع الفاضل، الذي يريد الخير بدافع من إيمانٍ ثابتِ الدعائم قويِّ الأركان، فهي عقيدة تبني ولا تهدم، تُجَمِّع ولا تُفرِّق، وهي تُمثِّل نظرَ المسلمين إلى الكون ورب الكون، وإلى الطبيعة وما وراء الطبيعة، وإلى الحياة وما بعد الحياة، وإلى العالم المنظور والعالم غير المنظور([52]).

وقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تربية المؤمنين على العقيدة السليمة، واستغرق ذلك فترة بعثته كلَّها؛ إلا أنها كانت في الفترة المكية أكثر، وعمل صلى الله عليه وسلم على تصحيح عقائد الناس، وإصلاح علاقتهم مع الله تعالى، وحرص على تخليصهم مما علق في أذهانهم من فعل الشياطين، وشوائب الجاهليات، فقد كثرت عند الناس الخرافة والجهل، والسذاجة والتفاهة، إلا من رحم الله تعالى، وكان الله تعالى قد أخذ على نفسه ألَّا يعذب أحداً حتى يقيم عليه الحجة } وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا{([53]).

وإن الـمتأمل في كتاب الله تعالـى، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، يعلم مدى الاهتمام الذي نالته العقيدة فيهما، حتى إنَّ المرء ليجزم أنَّ غرس الإيمان الصحيح هو المحور الأساس فيهما؛ فلا يمكن أن تطبَّق الشريعة بشكل صحيح سليم كامل، ما لم تكن العقيدةُ الدافعةُ إلى ذلك والحاملةُ عليه، صحيحةً سليمة، ويمكن تناول جانب العقيدة من خلال المبحثين التاليين:

 المبحث الأول: تقرير ما كان لدى الناس من اعتقاد حسن

جاء النبي صلى الله عليه وسلم مؤكداً ما بدأه إخوانه الأنبياء من قبله ومتمماً له } شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ{([54])، } أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ{([55]).

فقد كان الناس على بقايا من دين الأنبياء عليهم السلام قبل النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يعزز هذه البقايا، ويقوِّم ما اعوجَّ من الديانة والسلوك.

كان مشركو العرب يقرون بوجود الله تعالى، وأنه المتفرد بالخلق؛ لكنهم شابوا ذلك بشوائب الشرك، فخاطبهم القرآن الكريم بما استقر لديهم من بقايا ما ترك الأنبياء عليهم السلام، فقد قال الله تعالى: } قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (85) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (87) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ{([56])، وقال تعالى: } وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ{([57]).

وهذه الآيات وإن كانت تعبِّر عن منهج القرآن الكريم؛ إلا أنها كانت المنهج والنبراس الذي استند إليه النبي صلى الله عليه وسلم في مخاطبة هؤلاء الناس، وإقناعهم، وإقامة الحجة عليهم، بما تقرر لديهم من علم قديم.

ولـما كان هذا الإقرار منهم بربوية الله وخلقه، قد شابته الأهواء، وخرج عن النهج القويم الذي جاء به الأنبياء عليهم السلام، جاء الإسلام ليقوِّم الخلل، ويردَّهم إلى منهج الأنبياء عليهم السلام، فهو يريد إقراراً يقود إلى عمل، فإنَّ مَن يقرُّ لله بالربوبية، لا بد وأن يدين له بالألوهية، وهو ما كان يحرص رسول الله r على إيصاله للكافرين، فعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِأَبِي: “ يَا حُصَيْنُ، كَمْ تَعْبُدُ الْيَوْمَ إِلَهاً؟ ” قَالَ أَبِي: سَبْعَةً، سِتَّةً فِي الْأَرْضِ، وَوَاحِداً فِي السَّمَاءِ، قَالَ: “ فَأَيُّهُمْ تَعُدُّ لِرَغْبَتِكَ وَرَهْبَتِكَ؟ ” قَالَ: الَّذِي فِي السَّمَاءِ. قَالَ: “ يَا حُصَيْنُ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَسْلَمْتَ عَلَّمْتُكَ كَلِمَتَيْنِ تَنْفَعَانِكَ “، قَالَ: فَلَمَّا أَسْلَمَ حُصَيْنٌ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِيَ الْكَلِمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ وَعَدْتَنِي، فَقَالَ: “ قُلْ: اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي، وَأَعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسِي([58]).

فقد حرص صلى الله عليه وسلم في خطابه لحُصَين رضي الله عنه أن ينطلق من شيء قد تقرر لديه، فنبَّهه، وأيقظ فكره، وأعمل عقله؛ ليعلم أنَّ المستحق للعبادة هو من يُعدُّ للرغبة والرهبة، وهو الإله الواحد ، وإن كان الله هو الخالق وحده، وهو الذي يُعدُّ للرغبة والرهبة، فلِمَ تصرفون العبادة لغيره؟ وهنا يوجههم إلى الطريق القويم، بالتزام شرع الله تعالى، وصَرْفِ الحياة كلها له سبحانه على مراده، فيكون التطبيق بعد الإقرار، كما قال تعالى: } قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ {([59]).

فقد نبهت الآيات العقول إلى أنَّ رب العالمين ــ والذي يقرُّ به كفار قريش ــ هو وحده الأهل للعبادة والقُربى بجميع أشكالهما، الشاملة لكل جوانب حياة الإنسان، ومن أطاع استحق المغفرة والرحمة، ومن عصى ناله العقاب الأليم.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكتفي ممن يأتيه مسلماً بالنطق بالشهادتين، حتى يظهر منه خلاف ذلك، فيوضح له ما خفي عليه، ويعلمه ما يجهله([60])، ولعل من الأدلة على ذلك، ما روى أبو وَاقِدٍ اللَّيْثِيُّ رضي الله عنه: أَنَّهُمْ خَرَجُوا عَنْ مَكَّةَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى حُنَيْنٍ، قَالَ: وَكَانَ لِلْكُفَّارِ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا، وَيُعَلِّقُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ، يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ، قَالَ: فَمَرَرْنَا بِسِدْرَةٍ خَضْرَاءَ عَظِيمَةٍ، قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ” قُلْتُم وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى: } اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ {([61])، إِنَّهَا السُّنَنُ، لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ سُنَّةً سُنَّةً ([62]).

والظاهر من الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد قَبِل منهم النطق بالشهادتين، فهم غالباً من مسلمة الفتح؛ فلما وقع الخطأ نبههم عليه r.

 المبحث الثاني: تصحيح ما وقع في العقيدة من خطأ

فقد شاب عقائدَ الناس الخللُ والخطأُ، خاصة مع بُعْدِ العهد عن الأنبياء، وكان أولَ من غيَّر دين إبراهيم غليه السلام هو عمروُ بنُ لُحَيّ؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” عُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ، فَرَأَيْتُ فِيهَا عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ بْنِ قَمِعَةَ بْنِ خِنْدِف يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ غَيَّرَ عَهْدَ إِبْرَاهِيمَ… ” الحديث([63])، وذلك أَنَّ عَمرو بْنَ لُحَيٍّ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ إلَى الشَّامِ فِي بَعْضِ أُمُورِهِ، وَبِهَا يَوْمَئِذٍ الْعَمَالِيقُ، رَآهُمْ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ، فَقَالَ لَهُمْ: مَا هَذِهِ الْأَصْنَامُ الَّتِي أَرَاكُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا لَهُ: هَذِهِ أَصْنَامٌ نَعْبُدُهَا، فنستَمْطرها فتُمطرنا، ونستَنْصرها فتنصُرنا، فقال لهم: ألا تُعْطُونَنِي مِنْهَا صَنَماً، فَأَسِير بِهِ إلَى أَرْضِ الْعَرَبِ، فَيَعْبُدُوهُ؟ فَأَعْطَوْهُ صَنَماً يُقَالُ لَهُ: هُبَل، فَقَدِمَ بِهِ مَكَّةَ، فَنَصَبَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِعِبَادَتِهِ وتعظيمه([64]).

وتركز جانب التصحيح لما وقع في العقيدة من خطأ في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم على أمور، أهمها خمسة كما يلي:

  1. توحيد العبادة لله تعالى: وذلك بألَّا نبغي غير الله رباً، وألَّا نتخذ غير الله ولياً([65]) } قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ {([66])، فإنه لا معبود بحقٍّ إلا الله، وإذا علم الناس ذلك واعتقدوه، جاء الدور الثاني، وهو تحقيق ما يريد المعبود الحقُّ سبحانه في الوجود.

وفي هذا إبطالٌ ورفض لكلِّ الأرباب الـمزعومة، التي اتخذها الناس من دون الله تعالـى، وإعلان الثورة على الـمتألِّهين في الأرض، الـمستكبرين بغير الحق، كما في ذلك رفضُ الولاء لغير الله وحزبه([67]).

وقد جاءت النصوص القرآنية والنبوية متظافرة؛ لتحقيق هذه القضية وتأكيدها وتصحيحها، وتنوعت فيها أساليب الإقناع، والتي كان منها هذه المواضع الثلاثة:

أ. قول الله تعالى: } وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (38) قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (39) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ {([68])، فبعد أن قرَّرهم بأن الخالق هو الله تعالى، أفحمهم بأن ما يدعون من دونه لا يستطيعون كشف الضر، أو إمساك الرحمة، فأنَّى تعبدونهم من دون الله!.

ب. وقد أكد الله سبحانه وحدانيته، وأن الكون لا يصلحه، ولا يقوم به إلهان، فقال: } أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (21) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ {([69]).

ج. وقال الله سبحانه: } مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ {([70]).

  1. إثبات الرسالة: فإنَّ العرب كانوا يعلمون قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وجود الأنبياء والمرسلين؛ لكنهم استكثروا على محمد صلى الله عليه وسلم أن يكون هو رسول الله، } قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِين {([71])، فحسدوه، واعترضوا، كما اعترض اليهود وحسدوا، قال الله تعالى عنهم: } وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (30) وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ {([72])، وقال: } وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِين{([73])، وقال سبحانه: } وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُون {([74])، وقال جلَّ وعز: } وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقّ {([75]).

فذكر لهم النبي صلى الله عليه وسلم بعثة الأنبياء قبله، وجاءهم من الأدلة والبراهين ما على مثله آمن البشر، وتحدَّاهم أن يأتوا بشيء من القرآن، سورة، أو عشر سور، أو أن يأتوا بمثله، فإنه إذا ثبت عجزهم، ثبتت رسالته من عند ربه سبحانه؛ لأن ما جاء به لا يقول به بشر؛ وإذا ثبتت رسالته سَهُل على الناس قَبول ما جاءهم به من أحكام وتشريعات، وطبَّقوها استجابة لله تعالى الذي أرسل هذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم؛ وإنهم إن لم يؤمنوا به، فلن يستجيبوا له، ولن يطبقوا أحكامه، كما صرَّحوا بذلك في مواطنَ، منها: ما قاله سهيل بن عمرو t في عقد الصلح في الحديبية قبل أن يسلم: ” لَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا مَنَعْنَاكَ شَيْئاً([76])، وفي لفظ مسلم: ” لَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ تَابَعْنَاكَ([77]).

وهو ما جعل أبا جهل يصرِّح بحقدِه وعدائِه، وسبب عدم متابعته لهذا النبي العظيم صلى الله عليه وسلم حقداً وحسداً، حين سئل: ما رأيك فيما سمعت من محمدٍ؟، فقال: ماذا سمعت! تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشَّرَف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الرُّكَبِ، وكنا كَفَرَسَيْ رِهان([78])، قالوا: مِنَّا نَبِيٌّ يأتيه الوحي من السماء، فمتى تُدْرَكُ هذه؟! والله لا نؤمن به أبداً، ولا نصدقه([79]).

  1. البعث بعد الموت، والجزاء والحساب: فإن من يعلم أنه سيموت، ثم يُبعث ويُحاسَب على ما فعل في دنياه، فسيحرص على متابعة أوامر الملك جلَّ وعزَّ، وسيطبق غالباً ما يأمر به، طلباً لجنته، وهرباً من ناره؛ لذا حرص صلى الله عليه وسلم على إثبات هذا الأمر وتعزيزه في نفوس الناس، فكان الله عز وجل:

أ. ينزل الآيات المقنعة المثبتة للبعث بعد الموت: } أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ{([80])، } وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ {([81])، } وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ {([82])، وذلك حتى يسهل تطبيق شرع الله في الأرض.

وإنَّ المتأمل لحال الناس معه صلى الله عليه وسلم يرى مصداق ذلك؛ فمن آمن بالله، وآمن بالنبي صلى الله عليه وسلم، وآمن بالبعث بعد الموت، وبالجزاء والحساب، عمل وجدَّ واجتهد، وقدَّم مراد الله تعالى على مراد نفسه، وألجم نفسه عن مقارفة المنهيَّات، ولزم أوامر الله تعالى واتبع شرعه، ومن لم يؤمن بشيءٍ من ذلك، أو آمن به منقوصاً غير كامل، ترك الشرع واتَّبع الهوى؛ والناس بين ذلك درجاتٌ ومراتبُ لا يحصيها إلا الله تعالى.

فعَنْ مَوْلىً لرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “ بَخٍ بَخٍ، لَخَمْسٌ مَا أَثْقَلَهُنَّ فِي الْمِيزَانِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالْوَلَدُ الصَّالِحُ يُتَوَفَّى، فَيَحْتَسِبُهُ، وَالِدَاهُ“، وَقَالَ: “ بَخٍ بَخٍ لِخَمْسٍ مَنْ لَقِيَ اللهَ مُسْتَيْقِناً بِهِنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ: يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَبِالْجَنَّةِ، وَالنَّارِ، وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْحِسَابِ ([83]).

فها هو صلى الله عليه وسلم يربط بين الأقوال في الشطر الأول من الحديث، وبين مسائل في العقيدة في الشطر الثاني منه، منها الإيمان بالبعث بعد الموت والحساب؛ ومثل هذا الإيمان يكون دافعاً للتمسك بالعمل الصالح وتطبيق مراد الله في الأرض.

ب. وكذلك ينزل من الآيات ما يشير إلى الـحساب والجزاء، ومن ذلك قول الله تعالى: } اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ {([84]).

وقول الله تعالى: } وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم {([85])، وغيرها كثير.

فقد جـمعت هذه الآيات بين الإيـمان بالله تعالى والإيمان بالنبوات، والإيمان بالجزاء والحساب، مع الدعوة إلى إجابة داعي الله، وذلك بلزوم طاعته وتطبيق شريعته.

  1. ما شاء الله كان، ومتى أراد فسيكون: وهو سبحانه النافع الضارُّ، القابض الباسط، قال تعالى: } بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ{([86]).

وقال سبحانه: } وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ{([87])، وقال جلَّ وعزَّ: } إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ{([88]).

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “ إِذَا قَضَى اللَّهُ الْأَمْرَ فِي السَّمَاءِ، ضَرَبَتْ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَاناً لِقَوْلِهِ، كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ يَنْفُذُهُمْ ذَلِكَ، فَإِذَا } فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ {“([89]).

إن الذي يؤمن أنَّ ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، لن يخشَى أحداً إلا الله سبحانه، وعندها سيضحي بكلِّ شيءٍ من أجل نشر دينه، وتطبيق شرعه، وتحقيق مراده في الأرض؛ لا يخاف إلا الله وحده، ولا يرجو سواه([90]).

  1. التحاكم إلى شريعة الله وحدها دون غيرها من الشرائع: قال الله تعالى: } أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا{([91]).

فقد كان المقتضى الأول للتوحيد في حسِّ الأمة المسلمة هو التلقي من عند الله، لا من أيِّ مصدر سواه، ومنهج التلقي هو مفرق الطريق بين الجاهلية والإسلام؛ كذلك ارتبطت قضية التوحيد بتطبيق شريعة الله تعالى، فأصبح محكُّ الإيمان هو التحاكمَ إلى شريعة الله، ومن آيات الكفر الحكم بغير ما أنزل الله، ومن علامات النفاق الإعراض عن التحاكم إلى شريعة الله، وإرادة التحاكم إلى الطاغوت([92])؛ ومن الآيات الدالة على ذلك:

قول الله تعالى: } أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا {([93])، وقوله جل وعز: } فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا{([94])، وقوله سبحانه: } وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ{([95]).

وقوله تعالى: } وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ {([96]).

وفي هذا المنهج رفضٌّ للخضوع لكلِّ حكم غير حكم الله، وكلِّ أمرٍ غير أمر الله، وكلِّ نظامٍ غير نظام الله، وكلِّ قانونٍ غير شرع الله، وكلِّ وضعٍ أو عرف، أو تقليد أو منهج، أو فكرة أو قيمة لم يأذن بها الله؛ وإنَّ من اتخذ أحداً من عباد الله شارعاً أو حاكماً، يأمر بما شاء، وينهى عما يشاء، ويحلِّل ما يريد، ويحرِّم ما يريد، وأعطاه حقَّ الطاعة في ذلك، ولو أحلَّ الحرام وحرَّم الحلال، وأسقط الواجبات، فقد جعله ربّاً يُطاع في كلِّ أمر، وينقاد إليه في كلِّ شرع([97]).

إن الحكم بـما أنزل الله فريضة مـحكمة، لا يـخالف فيها مسلم، وهي مساوية في عصرنا لتعبير الـحاكمية لله U، وهي تعني: الـحاكمية التشريعية الآمرة الناهية، المـحلِّلة الـمحرِّمة،

الـمتفرِّدة بالإلــزام والتكليف للخلق كافة([98]).

وقد ترتَّب على هذه التربية العديدُ من الآثار التي ساهمت في حسن تطبيق الشريعة، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضع الأساساتِ الصحيحةَ والسليمةَ لبناء الإسلام، والمجتمع المسلم، حتى يكون البناء قوياً متيناً، وشتَّان بين أن يطبِّق الناسُ شرعَ الله عن محبةٍ وفهمٍ وانتماء، وبين أن يطبِّقوه عن خوفٍ، أو تقديرٍ لصاحب الرسالة؛ باعتبار أخلاقٍ أو قرابة، لكنْ دون إيمانٍ بعقيدة أو انتماء وفهمٍ لطبيعة أنه رسولٌ من عند الله، يطبِّق ويحقِّق مراد الله تعالى في الوجود.

وكان من هذه الآثار البنود الثمانية التالية:

  1. التزام أوامر الله، واجتناب نواهيه.
  2. تطبيق شرع الله تعالى عن فهم ومحبة وانتماء، والعمل على نشره وتعزيزه في الوجود.
  3. الثقة بموعود الله تعالى واليقين به، وعدم الخوف من أحدٍ سواه.
  4. التضحية والبذل والعطاء، ولعل مواقف الصحابة y في ذلك معلومة مشهورة، فأبو بكر t ينفق كل ماله في سبيل الله([99])، والمهاجرون y يتركون ديارهم وأموالهم وأهليهم؛ تقرباً إلـى الله وفراراً بدين الله([100])، وأبو عبيدة t يقتل أباه في بدر([101])، وعبد الله بن عبد الله بنِ أُبَـيِّ ابنِ سلول t يمنع أباه من دخول المدينة؛ إلا بإذنٍ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويَعرض على النبي صلى الله عليه وسلمقتل أبيه بيده إنْ أراد ذلك([102])، وغير ذلك كثير معلوم؛ وما هذا إلا لتغلغل العقيدة الصحيحة في أعماق نفوس المؤمنين.
  5. الصبر على مشاق الطريق ولَأْوَائِها، وفَهْمِ تعقيدات الحياة، وحسن التعامل مع المتغيرات في ضوء معطيات العقيدة، ومعرفة الثوابت التي لا مـجالَ للنقاش فيها، والـمتغيرات التي تتمُّ الـمناورة فيها حسب اختلاف الظروف وتنوعها، وعدم تأثير ذلك على ثوابت العقيدة، وعدم التحرج من ذلك؛ ولعل من أوضح الأمثلة على ذلك ـــ والأمثلة كثيرة ـــ تعامل النبي صلى الله عليه وسلم في الـحديبية، من خروجه للاعتمار؛ تجريداً لقريش وصلفها في أعين الناس حين تَمْنعُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم من دخول مكة، وهو أمرٌ عظيمٌ أن يُصَدَّ أحدٌ عن البيت العتيق، ثم موقفه من التفاوض مع أهل مكة، وطريقته في النقاش مع الوساطات المصلِحة، ورضاه بتوقيع عقدِ صلحٍ ظاهره الجور والذل والهزيمة، وباطنه الفتح والنصر والتمكين، مع عدم الالتفات لعواطف بعض الصحابة الصادقة الجياشة.
  6. الله هو الرَّزَّاقُ الذي يعطي عباده وينصرهم ويحفظهم، فعند الحصار ــ مثلاً ــ لا لجوءَ إلا إليه، ولا تنازلَ عن المبادئ والثوابت، وتأمَّلْ كيف سقى اللهُ موسى u وقومَه من حجر } وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ {([103])، ورزق مريمَ ل بغير حساب } كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ {([104])، فعندها لجأ زكريا u إلى ربِّه تعالى متذللاً بين يديه، بعد أن اشتعل رأسه شيباً أن يهبه من لدنه ولياً }فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ {([105])، وعندما ابُتلِي رسول الله r بالإخراج من مكة، وأدركه الأعداء، وخشي عليه الصدِّيق t قال له r: ” ما ظنك باثنين الله ثالثهما([106])، وأخبر الله عن ذلك فقال: } لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ {([107]).

والشواهد غير هذا كثيرة، وعلاقتها بتطبيق الشريعة ظاهرة؛ فإن ضيق العيش، وقلة ذات اليد، قد تدفع لبعض التنازلات التي إن لم تكن محسوبةً ومدروسةً ومعلومة، أَدَّتْ إلى خللٍ عظيم؛ فمن اعتقد أن الرزق بيد الله تعالى، وأن الأمر كلَّه بيده، لم يتنازل عن شيء إلا في حدود ما تسمح به الشريعة الغراء.

وما أجملَ ما قاله ابن القيم رحمه الله: ” يا مخنث العزم، أين أنت والطريق، طريق تعب فيه آدم، وناح لأجله نوح، ورُمي في النار الخليل، واضطجع للذبح إسماعيل، وبِيع يوسف بثمنٍ بخس، ولبث في السجن بضع سنين، ونُشِرَ بالمنشار زكريا، وذُبِح السيِّد الحصور يحيى، وقاسى الضُّرَّ أيوب، وزاد على المقدار بكاء داود، وسار مع الوحش عيسى، وعالج الفقر وأنواعَ الأذى محمد صلى الله عليه وسلم، تزها أنت باللهو واللعب؟!”([108]).

إنَّ العقائد إنما تقاس بالشدائد، ولا تقاس بالفوز والغَلَب([109])، وإذا سكنت المبادئ في قلوب شاغرة عن الإيمان، جَفَّ عُودُها، ولم تقْوَ على البقاء([110]).

  1. عند اشتداد المحن يتدخل الربُّ سبحانه، فلا يأسَ ولا قنوط؛ ولقد رأينا في بلادنا فلسطين كيف تدخَّل الله لعباده وأوليائه مراتٍ ومرات، كانت سبباً في نجاة الكثير، ورفع البلاء عنهم، فعندما اعتقل الذين ظلموا المجاهدين في سبيل الله، وأصبح المجاهدون في غيابات السجون، على تآمرٍ مع أعداء الله؛ للتخلص منهم عام 2000 م، قدَّر الله تعالى أن يتغابى شارون، فيعلن عن دخوله المسجد الأقصى عبر الشاشات، ولو دخله من غير ضجةٍ لدخل دون شيء، لكنه جُنْدُ الغباء الذي يسلطه الله تعالى على من يشاء، فكان ذلك سبباً في اندلاع انتفاضة الأقصى 27/9/2000م، وخروج المجاهدين من السجون؛ ليحملوا الراية من جديد، فتُطهَّرَ غزة من اليهود أولاً، ثم من أذنابهم ثانياً، ويتطور المجاهدون حتى يصل بهم الأمر لضرب أعداء الله في تل أبيب، وحيفا، والقدس، وديمونا، وغيرها، وما الحروب الثلاثة التي عاشتها غزة إلا من خير الشواهد على ذلك([111]).
  2. لقد ظلَّ تحكيم شريعة الله في حسِّ الأمة الإسلامية مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بقضية التوحيد ثلاثةَ عشرَ قرناً متواليةً من تاريخها، لا يخالجها شكٌّ في أمره، ولا ترضى عنه بديلاً، حتى غلبته الجاهلية المعاصرة على دينها في القرن الأخير([112]).

وأخيراً، فإنَّ الملاحظ في أمر العقيدة أنَّ تصرفه صلى الله عليه وسلم في شأنها كان بالنُّبُوَّةِ والرسالة، فهو مبَلِّغ عن الله تعالى مراده لعباده، وهذا الذي تناسب مع شأن العقيدة الذي يعبِّر عما يعتقد الناس من أمور لا بد أن تكون نابعة من مصدر الوحي الصافي الذي لا تشوبه شائبة.

فعلى من يريد العودة إلى حكم الله تعالى وتطبيق شريعته الغراء، أن يعطي أولوية وعناية لتقويم عقائد الناس وتصحيحها، وربطهم بالله تعالى، وإحياء الإيمان بالبعث والجزاء والجنة والنار في نفوسهم، ” فحيثما غلبت الحيرة والقلق في العالم، فهنالك أمر واحد كن منه على أتم اليقين، كن على يقين أنَّ العالم يبحث عن عقيدة روحية “([113]).

الفصل الثاني: التربية والتعليم

وفيه خمسة مباحث:

المبحث الأول: تطهير الفطرة، وتنقيتها من الشوائب.

المبحث الثاني: تحقيق القدوة الصالحة.

المبحث الثالث: إنشاء جيل يحمل الشريعة، ويُطَبِّقُها منذ نعومة أظفاره.

المبحث الرابع: إحياءُ القيم الإنسانية والإيجابية في نفوس حَمَلَةِ الدِّين.

المبحث الخامس: الحثُّ على التعلم لكلِّ نافع، وإعمال العقل، وتزكية النفس.

توطئة:

تُعَدُّ التربيةُ والتعليمُ من أهمِّ ما تقوم عليه الأمم؛ بل إن سعادة الإنسان متوقفة على تربية صحيحة، وتعليم قويم([114])، فبالتربية يُحافَظ على أخلاق المجتمع وسلوكه، وما من مجتمع تُهدَر فيه الأخلاق، إلا أوشك أن يَحُلَّ به عقاب الله تعالى، كما حلَّ بقوم لوط عليه السلام، الذين كانوا ــــ إضافة إلى شركهم ــــ في أخلاق وسلوك منحطة، كما وصفهم بذلك ربُّ العالمين على لسان لوط u: } أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ {([115]).

وبالعلم يستحق الإنسان الاستخلافَ في الأرض، وبه فُضِّل آدم أبو البشر u على الملائكة المكرمين عليهم السلام الذين تَطَلَّعُوا إلى منصب الخلافة؛ لأنهم أَعْبَدُ للهِ من الذين توقعوا منهم أن يفسدوا في الأرض، ويسفكوا الدماء([116])، فردَّ الله تعالى عليهم: } قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين {([117]).

ولعلَّ الذي يتأمل قول الله تعالى: }يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ {([118])، يدرك مدى الارتباط بين العلم والتربية، فقد جمع الله سبحانه في الآية بين العلم والرحمة والمغفرة، فالعلم وحدَه لا يكفي إن لم يُتَوَّجْ رَبُّه بخلاق؛ والخُلُق يكمل بالعلم ويزدان.

ولا يوجد أمانة أكبر مسئوليةً، وأشدُّ خطراً، وأعمق أثراً في مستقبل الأمة وحياتها من التربية والتعليم، فزلةٌ من زلَّاتها قد تُردي أمةً بأسرها في هاوية، وقد تؤدي بها إلى الاضمحلال والتفسخ

والفوضى في الأخلاق والاجتماع، والسياسة والتعليم، واللادينية والإلحاد، كذلك يمكنها وحدها أن تنشئ الأمة نشأة جديدة([119]).

وقد عَلِمَ الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الأهمية والمكانة للتربية والتعليم، فحرص عليهما أشدَّ الحرص؛ لأنأأ دعوة الحق لا يمكن أن تكون ممن تمرَّسوا بالظلم حتى أمات نخوتهم، أو ممن أَلِفُوا الخضوع حتى لا يستطيعوا التفصِّيَ عنه، والخروج منه، ولا ممن قنعوا بالحياة الدُّون، ورضوا بالهون، ولا ممن عاشوا في ظلام الجهل والهوى؛ إنما لا يدعو إلى العزة، ولا إلى الحرية؛ إلا الأحرار أصحاب الخُلُق والعلم والفهم المستقيم([120]).

لذا كانت رسالته صلى الله عليه وسلم رسالةَ علم وتربية وأخلاق، وهو ما نتناول تفصيله في المباحث الخمسة التالية:

المبحث الأول: تطهير الفطرة، وتنقيتها من الشوائب

خلق الله الإنسان على الفطرة، ثم جاءت العوامل المحيطة مؤثرةً عليها، مغيِّرةً ومُبَدِّلَةً، أو محافظةً عليها ومطورةً ومُرَقِّيةً لها، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة فيما روى أبو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “ مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟ ثُمَّ يَقُولُ: } فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ {([121])، وفي رواية ” حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا([122]).

وفي رواية قال صلى الله عليه وسلم: “ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا مِنْ نَسَمَةٍ تُولَدُ إِلَّا عَلَى الْفِطْرَةِ حَتَّى يُعْرِبَ عَنْهَا لِسَانُهَا([123]).

ولمَّا أمر الله سبحانه نبيَّه صلى الله عليه وسلم أن يُقيم وجهه للدِّين حنيفاً، بيَّن أن تلك الإقامة هي الفطرة التي فطر سبحانه الناس عليها، فقال: } فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِين{([124]).

والفطرة، هي الأصل والنظام الذي أوجده الله في كل مخلوق وخَلق عليه الإنسان، قبل أن تطرأ عليه شوائب التغيير؛ فهي هيئة في نفس الطفل مُعَدَّةٌ لِأَنْ يُمَيِّز بها مصنوعات الله تعالى، ويستدل بها على ربه، ويعرف شرائعه، ويؤمن به؛ فالله خلق الناس قابلين لأحكام هذا الدين، وجعل تعاليمه مناسبة لخلقتهم، غير مجافية لها، غير نائين عنه، ولا منكرين له([125]).

إن المعيار الذي تُميَّز به الخصال الفطرية للإنسان عن غيرها من الخصال الطارئة عليه، هو ما يشترك عامة الناس في حبه أو كراهيته بصورة طبيعية تلقائية، وإن كل فعل يحب العقلاء أن يتلبس به الناس، وأن يتعاملوا به فهو من الفطرة، وكل فعل يكرهون أن يقابلوا به ويشمئزون من مشاهدته وانتشاره فهو انحراف عن الفطرة([126]).

وإن حماية الفطرة الإنسانية في أعضاء المجتمع الإسلامي حقُّ الشارع، الذي يُظِلُّ هذا المجتمع بهدايته وحكمته([127]).

لذا كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً على إعادة المجتمع وبنائه على الفطرة القويمة، المهيأة لتلقي هذا الدِّين، والعمل به.

وقد تعزَّز العمل بالفطرة في تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم، وفي أقواله، وأفعاله، ففي قصة الإسراء قال صلى الله عليه وسلم: ” ثُمَّ أُتِيتُ بِإنَاءَيْنِ أَحَدِهِمَا خَمْرٌ، وَالآخَر لَبَنٌ، فَعُرِضَا عَلَيَّ، فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ، فَقِيلَ: أَصَبْتَ، أَصَابَ اللهُ بِكَ، أُمَّتُكَ عَلَى الفِطْرَةِ([128]).

وقد جاءت أقواله صلى الله عليه وسلم تعمل على تقويم الناس الموجودين قبل بعثته، وإعادتهم إلى الفطرة، كما جاءت بانيةً لجيل جديد على الفطرة، كما يتضح في الفقرتين التاليتين:

  1. تقويم الموجود من الناس (وهو بلا شك يشمل الجيل الجديد ويتناوله)، وقد جاء ذلك في أحاديث متنوعة، وبأساليب شتى، ومن هذا التقويم البندان التاليان:

أ. التنبيه على أقوالٍ أو أفعالٍ إذا قام بها الإنسان يُعتبر على الفطرة:

– فعن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “ إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وَضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ، وَقُلْ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَهْبَةً وَرَغْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ؛ فَإِنْ مُتَّ، مُتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقُولُ([129]).

– وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عَشْرٌ مِنْ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ، وَقَصُّ الْأَظْفَارِ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ ” قَالَ مُصْعَبٌ ـ أحد الرواة ـ: وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ، إِلا أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ([130]).

– وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ الْفِطْرَةُ خـَمْسٌ أَوْ خـَمْسٌ مِنْ الْفِطْرَةِ: الْـخِتَانُ، وَالِاسْتِحْدَادُ، وَنَتْفُ الْإِبْطِ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ([131]).

وجه الدلالة من الأحاديث: بينت هذه الأحاديث التلازم بين الفطرة، وبين تطبيق شرع الله تعالى، فقد تناولت الأحاديث أموراً تشريعية، ونبهت على أن هذه الأمور من الفطرة، وكل ذلك من تطبيق الشريعة.

ب. الإشادة بمن يتكلم كلاماً على الفطرة:

– فعن أنس بن مالك t قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُغِير إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان، فإن سمع أذاناً أمسك، وإلا أغار، فسمع رجلاً يقول: الله أكبر الله أكبر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ عَلَى الفِطْرَةِ “، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” خَرَجْتَ مِنَ النَّارِ “، فنظروا فإذا هو راعي معزى([132])، وفي رواية: فَابْتَدَرْنَاهُ، فَإِذَا هُوَ صَاحِبُ مَاشِيَةٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ، فَنَادَى بِهَا([133]).

– وعَنْ مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه، قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا أَبُو أَيُّوبَ رضي الله عنه، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ رضي الله عنه يَوْمَئِذٍ عَلَى مِصْرَ، فَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ، فَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو أَيُّوبَ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ يَا عُقْبَةُ؟ قَالَ: شُغِلْنَا، قَالَ: أَمَا وَاللهِ مَا بِي إِلَّا أَنْ يَظُنَّ النَّاسُ أَنَّكَ رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَصْنَعُ هَذَا؛ أَمَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: “ لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ، أَوْ عَلَى الْفِطْرَةِ، مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ إِلَى أَنْ تَشْتَبِكَ النُّجُومُ “؟([134]).

وجه الدلالة: أشاد النبي بأعمالٍ من قام بها كان على الفطرة، وكان مطبِّقاً لشرع الله تعالى، وفي ذلك حثٌّ للناس للعودة إلى الفطرة السوية القويمة التي شعارها لزوم أوامر الشرع واجتناب نواهيه.

  1. إنشاء جيل جديد بفطرةٍ سويةٍ لأهلٍ أسوياء:

فإنَّ هذا الجيل الجديد الذي لم تتأثر فطرته بشيء من الجاهليات، سيكون قادراً على حمل الإسلام نقياً، وتوصيله إلى العالمين نقياً دون شوائب؛ وهو الذي سيكون حلقة الوصل مع مَن يُسلم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ووفاة كبار الصحابة رضي الله عنهم؛ لذا استحق العناية به والرعاية له؛ وقد تناولت هذا القسم في المبحث الثالث من هذا الفصل؛ لأهميته.

المبحث الثاني: تحقيق القدوة الصالحة

تعتبر التربية بالقدوة من أهمِّ أشكال التربية والتعليم للتغيير والإصلاح؛ فإن القدوة يغيِّر بأفعاله المتكلمة عنه ما لا يُغيِّر غير القدوة بعشرات الخُطَب والكلمات؛ لذا كانت العناية الإلهية بتنشئة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ليكون قدوة وأسوة للعالمين، وهو ما قرَّره ربنا سبحانه بقوله: } لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا {([135]).

فقد هيَّأ الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم لحمل هذه الأمانة العظيمة قبل أنْ يُرسلَ إليه جبريل غليه السلام؛ وذلك تمهيداً لاستقبال الناس له، وقَبولهم لدعوته، ولم يجعل لهم مجالاً لينالوا منه في أيِّ لحظة من لحظات حياته ــــ وإنْ كانت قبل النبوة ــــ فلم يشرب الخمر، ولم يسجد لصنم، ولم يعاقر البغاء، بل كانوا يلقبونه بالصادق الأمين([136]).

ومن أمثلة تعليمه صلى الله عليه وسلم وتربيته بالقدوة فيما يتعلق بتطبيق الشريعة هذه الجوانب السبعة:

  1. ما فعله صلى الله عليه وسلم  من صلاته على المنبر؛ ليعلِّم الناس صفة الصلاة، كما سبق في حديث سَهْل بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه من صلاته صلى الله عليه وسلم على المنبر؛ ليروا صلاته ويتعلموها([137]).
  2. وقد انعكست هذه التربية في نفوس أصحابه رضي الله عنهم وتركت بصمتها، حتى كان أحدهم يقول: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَحْسَنَ النَّاسِ، وَأَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَانْطَلَقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوْتِ، فَاسْتَقْبَلَهُمْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَدْ سَبَقَ النَّاسَ إِلَى الصَّوْتِ، وَهُوَ يَقُولُ: ” لَنْ تُرَاعُوا لَنْ تُرَاعُوا ” وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ، مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ، فِي عُنُقِهِ سَيْفٌ([138]).

فقد أفاد الحديث سبقه صلى الله عليه وسلم للناس إلى مصدر الصوت، كما دلَّ على جواز ركوب الفرس العُرْيِ ـــ مع خطر ذلك ـــ إذا كان ممن يقدر على ضبط الفرس.

  1. بل كان صلى الله عليه وسلم يتعمد فعل بعض الأمور؛ حتى يعلِّم أصحابه y، فيقتدوا به، ومن ذلك: ما روى بُرَيْدَةُ t قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، وَصَلَّى الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ t: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ فَعَلْتَ شَيْئاً لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُهُ! قَالَ: ” إِنِّي عَمْداً فَعَلْتُهُ يَا عُمَرُ “([139]).

فقد علَّمنا بهذا الفعل أهمية أن يُعلِّم القائد أتباعه أحكام دينهم، خاصة في المواطن التي تكثر فيها الشواغل؛ وفيه جواز فعل الصلوات بوضوء واحد، وكل ذلك من تطبيق الشريعة.

  1. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعزز التربية والتعليم باستخدام وسائل الإيضاح؛ فإن الأثر المترتب على استخدامها أعمق فهماً من التعليم بالمشافهة فقط، أو الكتابة فقط؛ فإنَّ المعلم يفعِّل عين المتعلم، وسمعه، وجوارحه، حسب وسائل الإيضاح المستخدمة، وهذا ما كان يفعله صلى الله عليه وسلم، وهاك مثالين على ذلك:

أ. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه قَالَ: خَطَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم خَطّاً مُرَبَّعاً، وَخَطَّ خَطّاً فِي الْوَسَطِ خَارِجاً مِنْهُ، وَخَطَّ خُطَطاً صِغَاراً إِلَى هَذَا الَّذِي فِي الْوَسَطِ مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي فِي الْوَسَطِ، وَقَالَ: “ هَذَا الْإِنْسَانُ، وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ ـــ أَوْ قَدْ أَحَاطَ بِهِ ـــ وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ، وَهَذِهِ الْخُططُ الصِّغَارُ الْأَعْرَاضُ، فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا، وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا ([140]).

ب. وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَطّاً، ثُمَّ قَالَ: “ هَذَا سَبِيلُ اللهِ“، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطاً عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَ: ” هَذِهِ سُبُلٌ مُتَفَرِّقَةٌ، عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ “، ثُمَّ قَرَأَ: } وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ{([141]).

  1. كما كان صلى الله عليه وسلم  يعتمد على الإقناع، والتحليل، وإعمال العقل: فإنها جميعاً من الأمور المهمة التي يجب مراعاتها في تربية الناس وتعليمهم، ففيها احترامٌ وتقديرٌ لعقول المدعوين، وإعمال لها، وفيها فتح باب التعبير عن الرأي، وما يدور بِخَلَدِ الإنسان حتى لو كان غريباً، وإنَّ فرض الرأي أمر ترفضه الفِطَر والعقول، وفيه من الكبت ما يدمِّر العقول، ويُعَطِّل إبداعها.

وإن من يقوم بفعل شيءٍ عن اقتناع يختلف تماماً عمن يقوم بالشيء نفسه عن إجبار وإلزام دون اقتناع؛ فإن الذي يقتنع بشيء يؤمن به وسيدافع عنه، ويبذل جهده في تحقيقه ونشره، وهاك أمثلة لهذه الجوانب الثلاثة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتني بها:

أ. حَرِص النبي صلى الله عليه وسلم  على استخدام الإقناع في التعامل مع أصحابه رضي الله عنهم حتى في الأمور التي يبدو ظاهرها غريباً يستحيي منه الإنسان، فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه قَالَ: إِنَّ فَتًى شَابّاً أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ائْذَنْ لِي بِالزنى، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ، وَقَالُوا: مَهْ مَهْ. فَقَالَ: “ ادْنُهْ “، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيباً، قَالَ: فَجَلَسَ، قَالَ: “ أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟ “، قَالَ: لَا وَاللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: “ وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِم “، قَالَ: “ أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟ “، قَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: “ وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ “، قَالَ: “ أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟ “، قَالَ: لَا وَاللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: ” وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ “، قَالَ: “ أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟ “، قَالَ: لَا وَاللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: ” وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ “، قَالَ: “ أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟ “، قَالَ: لَا وَاللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: “ وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ “، قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: “ اللهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ “، قَالَ: فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ([142]).

فانظر كيف تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع هذا الفتى بالإقناع، ووصل به إلى لزوم حكم الشرع، وتطبيق أمره باجتناب نهيه، عن طريق الإقناع، ودون أن يحتاج إلى ضربٍ أو شتمٍ أو غيره؛ بل تأمَّلْ صبره صلى الله عليه وسلم وهو يعدد عليه الأمثلة؛ وتأمَّلْ أنَّ هذا الصحابي لم يُذكَر اسمه، بل بقي طيَّ الكتمان، وفي كلِّ ذلك تطبيق للشريعة في بعض جوانبها، وفيه تربية أي تربية.

ب. كما حرص صلى الله عليه وسلم على استخدام التحليل للمعلومة، والاجتهاد فيها بنفسه صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك ما روى أَبو هُرَيْرَةَ t عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “ فُقِدَتْ أُمَّةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا يُدْرَى مَا فَعَلَتْ، وَلَا أُرَاهَا إِلَّا الْفَارَ، أَلَا تَرَوْنَهَا إِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الإِبِل لَمْ تَشْرَبْهُ، وَإِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الشَّاءِ شَرِبَتْهُ([143]).

فانظر كيف يطلب منهم صلى الله عليه وسلم أن يحللوا وينتبهوا ” أَلَا تَرَوْنَهَا… “، وهو هنا لم يعتمد الوحي ” وَلَا أُرَاهَا “، إنما اعتمد النظر والمشاهدة، وفي ذلك دعوة للحكام وكلِّ مَن ولَّاه الله شيئاً، وكان تحت يده رعية أن يَعملوا على إعمال عقول الرعية، ولو في أبسط الأمور، فإنَّ منهج التفكير إذا أُعمل بطريقة سليمة قاد إلى خيرات كثيرة، وإبداعات حسنة، تساهم في نشر الدِّين بوسائل مقنعة، وتحقق السعادة للناس في دنياهم وأخراهم.

ج. وقد حرص صلى الله عليه وسلم  كذلك على تنشيط عقول أصحابه باستخدام الألغاز، ومن ذلك ما روى عبد الله بن عمر م قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً لأصحابه رضي الله عنهم: “ أَخْبِرُونِي عَنْ شَجَرَةٍ مَثَلُهَا مَثَلُ المُؤْمِن “، فجعل القوم يذكرون شجراً من شجر البوادي، قال ابن عمر م: وأُلقي في نفسي أو روعي أنها النخلة، فجعلتُ أريد أن أقولها، فإذا أسنانُ القوم، فأهابُ أن أتكلم؛ فلما سكتوا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ هي النَّخْلَة ([144])، زاد في رواية: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَحَدَّثْتُ أَبِي بِمَا وَقَعَ فِي نَفْسِي، فَقَالَ: لَأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي كَذَا وَكَذَا([145]).

وفيه من الفقه: حرص الإمام على إعمال عقول رعيته، وحثّهم على التفكير، وفيه تشجيع الأب ابنه لإبداء رأيه أمام الكبار، خاصة عندما يكون صواباً، مما يشكِّل لديه العقلية المفكرة، والجرأة في إبداء الرأي.

يقول ابن حجر:: ” وفي هذا الحديث من الفوائد: امتحان العالِم أذهانَ الطلبة بما يخفى، مع بيانه لهم إن لم يفهموه؛ وأما ما رواه أبو داود من حديث معاوية t عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه نهى عن الأغلوطات([146])، قال الأوزاعي ـــ أحد رواته ـــ: هي صعاب المسائل؛ فإنَّ ذلك محمول على ما لا نفعَ فيه، أو ما خرج على سبيل تعنُّت المسئول أو تعجيزه؛ وفيه التحريض على الفهم في العلم، وقد بوَّب عليه المؤلف ـــ البخاري ـــ باب الفهم في العلم، وفيه استحباب الحياء ما لم يؤدِّ إلى تفويت مصلحة، ولهذا تمنَّى عمر رضي الله عنه أن يكون ابنه لم يسكت “([147]).

وفي كلام ابن حجر رحمه الله دعوة لمن يريد تطبيق الشريعة أن يهتم بالأمور التي تعود على الناس بالنفع، وألا يشغل عقولهم بعويص المسائل، والتي قد لا تحدث لأحد مدة حياته، أو لا تحصل إلا نادراً.

  1. كما اعتمد النبي صلى الله عليه وسلم التربيةَ والتعليم بالإلقاء والمحاضرة: فإن القول أساسي في عملية التعليم؛ وبه تنتقل الأفكار والمعلومات من ذهن المعلِّم إلى ذهن المتعلم عن طريق حاسة السمع، ويمكن بهذه الطريقة نقل معلومات وافرة في برهة قصيرة… وتمتاز هذه الطريقة بإمكان التحديد الدقيق للمعلومات، وربط الأسباب بالمسببات، وذكر الصِّيَغ بدرجة العموم والخصوص المطلوبة، وكل ذلك بما تتيحه اللغة من إمكانيات لا تكاد تقف عند حد([148]).

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يسلك هذا الطريق، ولعل من أوضح الأمثلة على ذلك خطبة الجمعة، وهي الموعظة والمحاضرة الأسبوعية الإلزامية التي حرص عليها الإسلام، يتعلم فيها الجاهل، ويزداد العالِم، ويطَّلِع المسلمون على أمور دِينهم ودنياهم المحيطة بهم، وفيها تكون التعبئة الإيمانية والجهادية، وفيها تقويم للأخطاء… الخ، مما يعلِّم المسلمين منهج الشرع القويم، ويدلُّهم على طرق معالجة الأمور والتعامل معها بعد رحيل رسول الله r عن الدنيا.

وكذلك ما كان يقوم به صلى الله عليه وسلم من خُطبٍ ومواعظَ عارضة أو دائمة أسبوعياً، أو حسب الظرف، ولعل من الأمثلة على ذلك هاتان الروايتان:

أ. عن أَنَسٍ رضي الله عنه: أَنَّ نَفَراً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم سَأَلُوا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَنْ عَمَلِهِ فِي السِّرِّ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ؛ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا آكُلُ اللَّحْمَ؛ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ. فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، فَقَالَ: “ مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذَا، لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ([149]).

ب. وكان صلى الله عليه وسلم يعمُّ بالموعظة والمحاضرة الناسَ، كما في الأمثلة السابقة وغيرها، وكان أحياناً يخص بها بعض أصحابه y لظرف خاص، ومن ذلك ما سبق في حديث أَبي سُلَيْمَانَ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ رضي الله عنه وفيه أنه خصهم بالموعظة، فَقَالَ: “ ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ، فَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ،…” الحديث([150]).

ومع كل ذلك كان يحرص صلى الله عليه وسلم على التوسط في الموعظة والاختصار فيها، وعدم إثقال الصحابة رضي الله عنهم بذلك ــــ مع حرصهم على الاستماع إليه صلى الله عليه وسلم وحبهم لذلك ـــ خشية السآمة عليهم، وقد كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ r يَتَخَوَّلُنَا بِهَا؛ مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا([151]).

  1. وكان صلى الله عليه وسلم يهتم بلغة الجسد، فيرفع صوته في الموطن المناسب، ويحرِّك يده أو يرفعها، ويشير، مما يكون له أبلغ الأثر في إيصال ما يريد، ومن أمثلة ذلك هذه الروايات الأربع:

أ. عَنْ جَابِرٍ t قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلميَقُومُ، فَيَخْطُبُ، فَيَحْمَدُ اللهَ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَيَقُولُ: “ مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، إِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ “، وَكَانَ إِذَا ذَكَرَ السَّاعَةَ احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ، صَبَّحَكُمْ مَسَّاكُمْ، مَنْ تَرَكَ مَالاً فَلِلْوَرَثَةِ، وَمَنْ تَرَكَ ضَيَاعاً أَوْ دَيْناً فَعَلَيَّ وَإِلَيَّ، وَأَنَا وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ([152]).

ب. وعن أَنَس بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه: أَنَّ رَجُلاً دَخَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ بَابٍ كَانَ وِجَاهَ الْمِنْبَرِ، وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَائِماً، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَت الْمَوَاشِي، وَانْقَطَعَت السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُغِيثُنَا، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ r يَدَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا “، قَالَ أَنَسُ: وَلَا وَاللَّهِ، مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ، وَلَا قَزَعَةً، وَلَا شَيْئاً، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلَا دَارٍ، قَالَ: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ، فَلَمَّا تَوَسَّطَتْ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ، ثُمَّ أَمْطَرَتْ، قَالَ: وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سِتّاً، ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِماً، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَت الْأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَت السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُمْسِكْهَا، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: “ اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ وَالْجِبَالِ، وَالْآجَامِ وَالظِّرَابِ، وَالْأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ“، قَالَ: فَانْقَطَعَتْ، وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ([153]).

ج. وعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “ بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَذِهِ مِنْ هَذِهِ أَوْ كَهَاتَيْنِ وَقَرَنَ بَيْنَ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى([154]).

د. وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “ أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ “، قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: “ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالدِّين “، وَكَانَ مُتَّكِئاً فَجَلَسَ، فَقَالَ: “ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ، أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ ” فَمَا زَالَ يَقُولُهَا، حَتَّى قُلْتُ: لَا يَسْكُتُ([155]).

فعلى من يريد مخاطبة الناس وحضَّهم على تطبيق شرع الله ولزومه، أن يقتديَ بالوسائل التي اعتمدها النبي صلى الله عليه وسلم، وله أن يضيف عليها كلَّ مفيد، مع مراعاة: اللين، والرفق، والإقناع، والحوار، والنقاش… الخ؛ وتَرْك الأساليب المنفرة والقاسية والقَسْرِيَّة… الخ.

يقول الشاطبي رحمه الله: ” وارث النبي صلى الله عليه وسلم يلزمه إجراء الأحكام على موضوعاتها؛ في أنفسِها، وفي لواحِقِها، وسوابِقِها، وقرائِنِها، وسائر ما يتعلق بها شرعاً؛ حتى يكون دين الله بيِّناً عند الخاص والعام، وإلا؛ كان من الذين قال الله تعالى فيهم: } إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى{ ([156]) الآية “([157]).

 المبحث الثالث: إنشاء جيل يحملُ الشريعة، ويُطَبِّقُها منذ نعومة أظفاره

إنَّ مَن يأتي قوماً بجديد، فإنه سيجد من المقاومة لهذا الجديد المخالف للمألوف ما يجد، لذا عليه أن يراعي انتقاء الأنصار والأعوان من الجيل القديم انتقاء، وأن يفكِّر في إنشاء جيل جديد لم يتأثر بالعادات القائمة بعدُ، ولم تُؤَثِّر على فكره واتجاهه؛ حتى إذا ما انتهى الجيل القديم أو أوشك، كان الجيل الجديد مُهيّأً لحمل الأمانة، واستمرار المسيرة.

وهذا ما لم يَغِبْ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه وبـمجرد أن كُلِّف بتبليغ الناس ودعوتـهم، بدأ باختيار أصحابه رضي الله عنهم، وكان الـملاحظ أنه لم يـخترْ جنساً دون جنس، بل اختار من جميع الأجناس الموجودة، فاختار من الرجال أبا بكر رضي الله عنه، ومن النساء خديجة رضي الله عنها، ومن الموالي زيد بن حارثة t، ومن الأطفال علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فشمل بذلك معظم فئات المجتمع، وبها انطلق صلى الله عليه وسلم للاختيار والانتقاء؛ وفي ذلك دلالة على أن أمر تطبيق الشريعة يقوم به كلُّ فئات المجتمع كلٌّ على حسب إمكاناته وقدراته، ويجب ألا يُستهان بعملٍ مهما قلَّ صاحبه أو صَغُر.

” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد صنع جيل خالص القلب، خالص العقل، خالص التصور، خالص الشعور، خالص التكوين من أيِّ مؤثر آخر غير المنهج الإلهي الذي يتضمنه القرآن الكريم “([158]).

إنَّ الأمثلة على تربية النبي صلى الله عليه وسلم للجيل الجديد الذي يُكلَّف بعبء حمل الرسالة وتطبيق الشرع إلى ما شاء الله كثيرة، أسوق منها تسعة نماذج تبيِّن جانباً من عنايته صلى الله عليه وسلم بتربية هذا الجيل، وتعليمه، وتهيئته للاستمرار في تطبيق الشريعة:

  1. فمن ذلك اتخاذ النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم بن أبي الأرقم رضي الله عنه؛ ليستخفي فيها، وقد كان فتىً في حدود السادسةَ عشرةَ من عمره؛ وكان مما يميزه أنَّه من بني مخزوم، وهم المعروفون بحمل لواء التنافس والحرب ضدَّ بني هاشم([159]).
  2. ومن ذلك قبوله بخدمة الصبيان له، وتعليمهم أموراً مهمة، فعَنْ أَنَسٍ t قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ، وَأَنَا ابْنُ تِسْعِ سِنِينَ، فَانْطَلَقَتْ بِي أُمِّي أُمُّ سُلَيْمٍ رضي الله عنها إِلَى نَبِيِّ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا ابْنِي اسْتَخْدِمْهُ، فَخَدَمْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تِسْعَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ فَعَلْتُهُ: لِمَ فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا، وَمَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ لَمْ أَفْعَلْهُ: أَلَا فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا، وَأَتَانِي ذَاتَ يَوْمٍ وَأَنَا أَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ ـــ أَوْ قَالَ: مَعَ الصِّبْيَانِ ـــ فَسَلَّمَ عَلَيْنَا، ثم دَعَانِي، فَأَرْسَلَنِي فِي حَاجَةٍ، فَلَمَّا رَجَعْتُ. قَالَ: ” لَا تُخْبِرْ أَحَداً “، فَاحْتَبَسْتُ عَلَى أُمِّي، فَلَمَّا أَتَيْتُهَا قَالَتْ: يَا بُنَيَّ، مَا حَبَسَكَ؟ قُلْتُ: أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي حَاجَةٍ لَهُ، قَالَتْ: وَمَا هِيَ؟ قُلْتُ: إِنَّهُ قَالَ: ” لَا تُخْبِرْن بِهَا أَحَداً“، قَالَتْ: أَيْ بُنَيَّ، فَاكْتُمْ عَلى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم سِرَّهُ([160]).

وفي رواية: فَانْتَهَى إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَنَا قَائِمٌ عَلَى الْغِلْمَانِ، فَسَلَّمَ عَلَى الْغِلْمَانِ([161]).

  1. وكان صلى الله عليه وسلم يعلِّم الأطفال الآداب التي ينبغي مراعاتها، وقد مضى حديث أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: أَخَذَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ م تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: “ كِخْ كِخْ؛ لِيَطْرَحَهَا، ثُمَّ قَالَ: “ أَمَا شَعَرْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ([162]).

ومن ذلك: تعليم الأدب في الأكل، فعن عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ رضي الله عنه قال: كُنْتُ غُلَاماً فِي حجْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللّه صلى الله عليه وسلم: “ يَا غُلَامُ، سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ ” فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ([163]).

  1. وكان صلى الله عليه وسلم يُردف الغلمان خلفه، ويُعلِّمهم ولا يستصغرهم، فهو ينشئهم؛ لحمل أمانة عظيمة، فعن ابْنِ عَبَّاسٍ م أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: ” يَا غُلامُ، أَوْ يَا غُلَيِّمُ، أَلا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللهُ بِهِنَّ؟ ” فَقُلْتُ: بَلَى. فَقَالَ: “ احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ، يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، وَإِذَا سَأَلْتَ، فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ، فَاسْتَعِنْ بِاللهِ، قَدْ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَلَوْ أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ جَمِيعاً أَرَادُوا أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللهُ عَلَيْكَ، لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللهُ عَلَيْكَ، لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَاعْلَمْ أنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْراً كَثِيراً، وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ([164]).
  2. وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ م: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ الْخَلَاءَ، فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءاً، قَالَ: “ مَنْ وَضَعَ هَذَا؟” فَأُخْبِرَ، فَقَالَ: “ اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ ([165]).
  3. وكان صلى الله عليه وسلملشدة عنايته بالأطفال، وحرصه عليهم، وعلى تعليمهم وإعدادهم للمستقبل، أنه كان يقبل من أسرى بدر ممن كان منهم لا مال له، أنْ يُعَلِّم عشرة من الغلمان الكتابة، ويخلي سبيله([166])، وفي ذلك إشارة إلى أن تعليم عشرة يعدل رقبة([167]).
  4. وكان صلى الله عليه وسلميرسل بعض صغار السنِّ على بعض البعوث، فمن ذلك ما روى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَعْثاً، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ رضي الله عنهما، فَطَعَنَ بَعْضُ النَّاسِ فِي إِمَارَتِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: “ إِنْ تَطْعُنُوا فِي إِمَارَتِهِ، فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعُنُونَ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ، وَايْمُ اللَّهِ، إِنْ كَانَ لَخَلِيقاً لِلْإِمَارَةِ، وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَإِنَّ هَذَا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ ([168]).
  5. وكان صلى الله عليه وسلم يأذن لمن قدر على حمل السلاح من الغلمان بالقتال؛ بل الغلمان هم مَن قتلوا فرعون هذه الأمة؛ فعن عبد الرحمن بن عوف t قال: بَيْنَا أَنَا وَاقِفٌ فِي الصَّفِّ يَوْمَ بَدْرٍ، فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي، فَإِذَا أَنَا بِغُلَامَيْنِ مِنْ الْأَنْصَارِ حَدِيثَة أَسْنَانُهُمَا، تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ بَيْنَ أَضْلَعَ مِنْهُمَا، فَغَمَزَنِي أَحَدُهُمَا، فَقَالَ: يَا عَمِّ، هَلْ تَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ؛ مَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ يَا ابْنَ أَخِي؟ قَالَ: أُخْبِرْتُ أَنَّهُ يَسُبُّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَئِنْ رَأَيْتُهُ لَا يُفَارِقُ سَوَادِي سَوَادَهُ حَتَّى يَمُوتَ الْأَعْجَلُ مِنَّا، فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ، فَغَمَزَنِي الْآخَرُ، فَقَالَ لِي مِثْلَهَا؛ فَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ نَظَرْتُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ يَجُولُ فِي النَّاسِ، قُلْتُ: أَلَا إِنَّ هَذَا صَاحِبكُمَا الَّذِي سَأَلْتُمَانِي، فَابْتَدَرَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا، فَضَرَبَاهُ حَتَّى قَتَلَاهُ، ثُمَّ انْصَرَفَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَخْبَرَاهُ، فَقَالَ: “ أَيُّكُمَا قَتَلَهُ؟ ” قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا قَتَلْتُهُ، فَقَالَ: ” هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟ “، قَالَا: لَا، فَنَظَرَ فِي السَّيْفَيْنِ فَقَالَ: ” كِلَاكُمَا قَتَلَهُ([169]).
  6. وكان r يداعب الأطفال، يمازحهم ويضاحكهم، ومن ذلك ما روى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ t، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلمكَانَ يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ رضي الله عنها، وَلَهَا ابْنٌ مِنْ أَبِي طَلْحَةَ يُكْنَى أَبَا عُمَيْرٍ، وَكَانَ يُمَازِحُهُ (وفي رواية يضاحكه) ([170])، فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَرَآهُ حَزِيناً، فَقَالَ: “ مَالِي أَرَى أَبَا عُمَيْرٍ حَزِيناً؟ ” فَقَالُوا: مَاتَ نُغَرُهُ الَّذِي كَانَ يَلْعَبُ بِهِ، قَالَ: فَجَعَلَ يَقُولُ: “ أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ ([171]).

والشواهد غير ذلك كثيرة جداً؛ ويلحظ المتابع لها، والمتأمل بها، حِرْصَ النبي r على إيجاد جيلٍ تربَّى على أحكام الشرع وآدابه، سيكون المعوَّل عليه في المستقبل لحمل رسالة الإسلام، وتطبيق شرع الله تعالى على أفضل الوجوه، بعد رحيل المعلم الأول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكبار أصحابه y.

 المبحث الرابع: إحياء القيم الإنسانية والإيجابية في نفوس حَمَلَةِ الدِّين

وهذا امتداد لإحياء الفطرة في النفوس، وإعادة الناس إليها، وتنشئة الجيل عليها؛ فإنَّ النفوس مجبولة على حُبِّ العدل والمساواة، وتعزيز القيم الإنسانية في حياتها، وهذا ما كان يحرص عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان حريصاً على تبصير المؤمنين وتذكيرهم بدورهم ورسالتهم في الأرض([172])، ويحيي في نفوسهم القيم الإنسانية والإيجابية، فإنَّ الإسلام يَهتمُّ بالإنسان، ويحدد مهمته في الحياة الدنيا، بالعبادة والخلافة؛ فالإنسان خُلق ليعبد الله تعالى، وهو يعيش في الأرض إلى حين؛ ليعمل فيها صالحاً، فقد استخلفه الله تعالى إلى يوم الحساب([173])، وهاك سبعة أدلة على ذلك، ستة منها من القرآن العظيم:

  1. قال الله تعالى: } أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ {([174]).
  2. وقال تعالى: } وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً {([175]).
  3. وقال: } وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا {([176]).
  4. وقال: }وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ{([177]).
  5. وقال: } وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ {([178]).
  6. وقال: } وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ {([179]).
  7. وعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ م: عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَاباً مِنْهُ، ثُمَّ تَدْعُونَهُ، فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ([180]).

وعليه، فإن أهم دورٍ للمؤمن في الأرض أن يكون نافعاً مُنَفِّذاً لأوامر الله تعالى، مجتنباً لنواهيه، وما هذا إلا تطبيق للشريعة الإسلامية الذي هو هدف كل هدف.

وحتى تَتَحَقَّقَ الإيجابيةُ، وتَتَعَزَّزُ القيم الإنسانية، اتخذ النبي r العديد من الوسائل العملية، ومن ذلك هذه الخمس:

  1. حرصه صلى الله عليه وسلم على تعليم الصحابة y على إبداء الرأي وتعويدهم على ذلك، وتقديم المشورة في الأمور المهمة؛ امتثالاً لقول الله تعالى له: } وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ {([181])، وكل ذلك تعليم لهم على التعامل مع ما سيستجد لهم من أمور الحياة التي تحتاج حكمَ الشريعة فيها، حكماً مبنياً على المشورة والاستماع للآراء، وعدم التفرد بأخذ القرارات؛ حتى تكون النتائج مستقيمة([182])، وقد أثنى الله تعالى على عباده الملتزمين بالشورى محفزاً لهم على عدم التفرد بالقرارات، وقرنها بترك الفواحش والمنكرات، وبالالتزام بعبادات الإسلام العظيمة، تأكيداً على خطرها، فقال تعالى: }وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ {([183])، وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ أَحَداً قَطُّ كَانَ أَكْثَرَ مَشُورَةً لِأَصْحَابِهِ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم([184]).

ومن أمثلة حرصه صلى الله عليه وسلم على الشورى وتعزيزها في نفوس أصحابه وتدريبهم عليها، هذه البنود الثلاثة:

أ. استشارته صلى الله عليه وسلم أصحابه رضي الله عنهم يوم أن خرج معتمراً عام الحديبية، وعلم أن قريشاً جمعت له، وأنها صادَّتُه عن البيت الحرام، فقال: ” أَشِيرُوا أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيَّ، أَتَرَوْنَ أَنْ أَمِيلَ إِلَى عِيَالِهِمْ، وَذَرَارِيِّ([185]) هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَصُدُّونَا عَنْ الْبَيْتِ… “([186]).

ب. ويوم حادثة الإفك حين اتُهمت عرضه الشريفة المبرأة الطاهرة العفيفة ل استشار الناس صلى الله عليه وسلم، فقال: ” أَمَّا بَعْدُ، أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي أُنَاسٍ أَبَنُوا أَهْلِي([187])، وَايْمُ اللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي مِنْ سُوءٍ، وَأَبَنُوهُمْ بِمَنْ وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَطُّ…([188]).

ج. ومضى معنا حديث الْحُبَابِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ الْجَمُوحِ صلى الله عليه وسلم أنه قَالَ للنبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر: يَا رَسُولَ اللّهِ، أَرَأَيْتَ هَذَا الْمَنْزِلَ أَمَنْزِلاً أَنْزَلَكَهُ اللّهُ، لَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَقَدّمَهُ وَلَا نَتَأَخّرَ عَنْهُ، أَمْ هُوَ الرّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ؟، قَالَ: “ بَلْ هُوَ الرّأْيُ، وَالْحَرْبُ، وَالْمَكِيدَةُ “… الحديث([189]).

  1. ومن ذلك: أنه كان صلى الله عليه وسلم يحيي مشاعر الـخير والبذل والعطاء والإحساس في نفوس أصحابه رضي الله عنهم، فعَنْ جَرِيرٍ رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي صَدْرِ النَّهَارِ، قَالَ: فَجَاءَهُ قَوْمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ، مُـجْتَابِي النِّمَارِ أَوْ الْعَبَاءِ، مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ، عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ، بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ، فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ثلى الله عليه ولم لِمَا رَأَى بِـهِمْ مِنْ الْفَاقَةِ، فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ، فَأَمَرَ بِلَالاً فَأَذَّنَ وَأَقَام،َ فَصَلَّى، ثُمَّ خَطَبَ، فَقَالَ: } يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ { إِلَى آخِرِ الْآيَةِ } إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا {([190])، وَالْآيَةَ الَّتِي فِي الْحَشْرِ: } اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ {([191])، “ تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ ” حَتَّى قَالَ: “ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ ” قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ؛ قَالَ: ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ، حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ، حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَتَهَلَّلُ كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ” مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا، وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ ([192]).
  2. ومن ذلك: أنه صلى الله عليه وسلم كان يعمل على تحريك الطاقات الإيـجابية الكامنة لدى أصحابه y، فها هو صلى الله عليه وسلم يستشيرهم في أمر جمع الناس للصلاة، فتتحرك همم الصحابة y، ليفوز بها عبدالله بن زيد بن عبد ربه t في رؤيا منامية؛ فعن عبد الله بن عمر م: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اسْتَشَارَ النَّاسَ لِمَا يُهِمُّهُمْ إِلَى الصَّلَاةِ، فَذَكَرُوا الْبُوقَ، فَكَرِهَهُ مِنْ أَجْلِ الْيَهُودِ، ثُمَّ ذَكَرُوا النَّاقوسَ، فَكَرِهَهُ مِنْ أَجْلِ النَّصَارَى؛ فَأُرِيَ النِّدَاءَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ، وَعُمَرُ ابْنُ الْخَطَّابِ م، فَطَرَقَ الْأَنْصَارِيُّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَيْلاً، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِلَالاً t بِهِ فَأَذَّنَ، قَالَ الزُّهْرِيُّ:: وَزَادَ بِلَالٌ t فِي نِدَاءِ صَلَاةِ الْغَدَاةِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ؛ فَأَقَرَّهَا رَسُولُ اللَّهِ r([193]).

وفي رواية عَنْ أَبِي عُمَيْرِ بْنِ أَنَسٍ: عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ مِنْ الْأَنْصَارِ رضي الله عنهم قَالَ: اهْتَمَّ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم لِلصَّلَاةِ كَيْفَ يَجْمَعُ النَّاسَ لَهَا؟ فَقِيلَ لَهُ: انْصِبْ رَايَةً عِنْدَ حُضُورِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا رَأَوْهَا آذَنَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً، فَلَمْ يُعْجِبْهُ ذَلِكَ. قَالَ: فَذُكِرَ لَهُ الْقُنْعُ، يَعْنِي الشَّبُّورَ (شَبُّورُ الْيَهُودِ) فَلَمْ يُعْجِبْهُ ذَلِكَ، وَقَالَ: ” هُوَ مِنْ أَمْرِ الْيَهُودِ ” قَالَ: فَذُكِرَ لَهُ النَّاقُوسُ، فَقَالَ: ” هُوَ مِنْ أَمْرِ النَّصَارَى ” فَانْصَرَفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ t وَهُوَ مُهْتَمٌّ لِهَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأُرِيَ الْأَذَانَ فِي مَنَامِهِ، قَالَ: فَغَدَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَبَيْنَ نَائِمٍ وَيَقْظَانَ إِذْ أَتَانِي آتٍ فَأَرَانِي الْأَذَانَ، قَالَ: وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَدْ رَآهُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَكَتَمَهُ عِشْرِينَ يَوْماً. قَالَ: ثُمَّ أَخْبَرَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ لَهُ: ” مَا مَنَعَكَ أَنْ تُخْبِرَنِي؟ ” فَقَالَ: سَبَقَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ رضي الله عنه فَاسْتَحْيَيْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ” يَا بِلَالُ، قُمْ فَانْظُرْ مَا يَأْمُرُكَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ، فَافْعَلْهُ“، قَالَ: فَأَذَّنَ بِلَالٌ ([194])رضي الله عنه.

قلت: والملاحظ من هاتين الروايتين، ومن غيرهما، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم استشار الناس في وسيلةٍ لجمع الناس على عبادة، وتعتبر هذه الوسيلة أيضاً عبادة؛ وكان له صلى الله عليه وسلم أن يسأل ربَّهُ U أن يهديه للأذان دون إشارة أحد، لكنه المنهج التربوي الذي يهدف عليه الصلاة والسلام إليه من إحياء الإيجابية والمبادرة في نفوس أصحابه رضي الله عنهم وأتباعه من بعدهم، بل وحرصه على استقلالهم، وعدم تبعيتهم لغير المسلمين؛ تحقيقاً للهوية الإسلامية المميزة، وها هو بلال رضي الله عنه يزيد عبارة للأذان، فيقرها صلى الله عليه وسلم، ولم يعتبر ذلك ابتداعاً أو خروجاً عن النهج؛ وفي كل ذلك تشجيع للصحابة y على المسارعة لاستباق الخيرات، وكان هذا ممَّا ساعد الصحابة رضي الله عنهمفي مستقبلهم الدعوي والتطبيقي للشريعة الغراء على التفاعل مع الحياة، والنظر لها بإيجابيةٍ وتفاعلٍ وعطاءٍ، لا حربها ولعنها، واعتبار كل جديد بدعة أو ضلالة.

  1. ومن ذلك أيضاً: الثناء على من يأتي بجديد مفيد، أو يبادر فيكون بذلك سعيداً، وهاك هذين المثالين:

أ. عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ م: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَدَّثَهُمْ: “ أَنَّ عَبْداً مِنْ عِبَادِ اللَّهِ قَالَ: يَا رَبِّ لَكَ الْحَمْدُ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِكَ وَلِعَظِيمِ سُلْطَانِكَ، فَعَضَّلَتْ بِالْمَلَكَيْنِ، فَلَمْ يَدْرِيَا كَيْفَ يَكْتُبَانِهَا؟ فَصَعِدَا إِلَى السَّمَاءِ، وَقَالَا: يَا رَبَّنَا إِنَّ عَبْدَكَ قَدْ قَالَ مَقَالَةً لَا نَدْرِي كَيْفَ نَكْتُبُهَا؟ قَالَ اللَّهُ U ــ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا قَالَ عَبْدُهُ ــ: مَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ قَالَا: يَا رَبِّ، إِنَّهُ قَالَ: يَا رَبِّ لَكَ الْحَمْدُ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِكَ وَعَظِيمِ سُلْطَانِكَ، فَقَالَ اللَّهُ U لَهُمَا: اكْتُبَاهَا كَمَا قَالَ عَبْدِي حَتَّى يَلْقَانِي، فَأَجْزِيَهُ بِهَا([195]).

ب. وعن رفاعة بن رافع رضي الله عنه قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَعَطَسْتُ، فَقُلْتُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْداً كَثِيراً طَيِّباً مُبَارَكاً فِيهِ مُبَارَكاً عَلَيْهِ، كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم انْصَرَفَ، فَقَالَ: “ مَنْ الْمُتَكَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ؟ “، فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَهَا الثَّانِيَةَ: “ مَنْ الْمُتَكَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ؟“، فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ ثُمَّ قَالَهَا الثَّالِثَةَ: “ مَنْ الْمُتَكَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ؟ “، فَقَالَ رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعٍ بْن عَفْرَاءَ رضي الله عنه: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: “ كَيْفَ قُلْتَ؟ “، قَالَ قُلْتُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْداً كَثِيراً طَيِّباً مُبَارَكاً فِيهِ مُبَارَكاً عَلَيْهِ، كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: “ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ ابْتَدَرَهَا بِضْعَةٌ وَثَلَاثُونَ مَلَكاً، أَيُّهُمْ يَصْعَدُ بِهَا([196]).

وفيه من الفقه صحة صلاة من تكلَّم في الصلاة بما لا يخالف مضمونها؛ فقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم رفاعة على حمده لله في الصلاة، وبصيغة لم يأتِ بها النبي صلى الله عليه وسلم.

  1. ومن ذلك أيضاً: تعليمهم وتربيتهم على التعامل مع ما يأتي من عند غير المسلمين بحكمة، وحُسْن فهم، فلا كلُّ ما عندهم مقبول، ولا كلُّ ما عندهم مردود، فعن جُدَامةَ بنتِ وهب الأسدية ل: أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَن الغَيْلَةِ، حَتَّى ذَكَرْتُ أَنَّ الرُّومَ وَفَارِسَ يَصْنَعُونَ ذَلِكَ، فَلا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ ([197]).

والأحاديث غير هذا كثيرة جداً، وفي ذلك فتحُ بابٍ للمسلمين أن يستفيدوا من كلِّ ما تُنْتِجُه العقول البشرية، ممَّا يعزز القيم الإنسانية والإيجابية، بما لا يعود بالضرر على الشريعة؛ بل مما يدعمها، ويساعد على تطبيقها، ويزيل العقبات التي قد تعترضهم في بعض الظروف، ويبعدهم عن التحجر أمام كلِّ وافد من عند غير المسلمين، كما قد يفعل بعض المتفيهقين، ممن لم يفهم منهج النبي صلى الله عليه وسلم.

اعتراض ورد:

وقد يعترض بعض الناس هنا أن هذه الأمور قد أقرَّها النبي صلى الله عليه وسلم، واعتُبرت بالتالي سُنةً تقريريةً، ولا يصحُّ لأحدٍ بعد ذلك أن يأتي بجديد، بل إنَّ هذا من باب البدعة([198]) المؤدية إلى الضلالة، وهي في النار.

فأردُّ بـما قال القرطبـي:: ” كل بدعة صدرت من مـخلوقٍ، فلا يـخلو أن يكون لها

أصل في الشرع أَوْ لا:

  1. فإن كان لها أصل، كانت واقعةً تحت عموم ما ندب الله إليه، وحَضَّ رسوله صلى الله عليه وسلم عليه،

فهي في حَيِّزِ المدح، وإن لم يكن مثاله موجوداً؛ كنوعٍ من الجُود، والسخاء، وفعل المعروف، فهذا فِعله من الأفعال المحمودة، وإن لم يكن الفاعل قد سُبِقَ إليه، ويَعْضُد هذا قول عمر رضي الله عنه: نعمت البدعة هذه([199])؛ لمَّا كانت من أفعال الخير، وداخلةً في حَيِّزِ المدح؛ وهي وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد صلَّاها (أي التراويح)، إلا أنه تركها، ولم يحافظ عليها، ولا جمع الناس عليها، فمحافظةُ عمر رضي الله عنه عليها، وجَمْعُ النَّاسِ لها، ونَدْبُهم إليها، بدعةٌ؛ لكنها بدعة محمودة ممدوحة.

  1. وإن كانت في خلاف ما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم، فهي في حَيِّزِ الذَّمِّ والإنكار، قال معناه الخطابي:([200]). وغيره.

قلت (القرطبي): وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم في خطبته: ” وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ([201])، يريد ما لم يوافق كتاباً أو سنة، أو عمل الصحابة رضي الله عنهم، وقد بيَّن هذا بقوله: ” مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا، وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ([202])، وهذا إشارة إلى ما ابْتُدِع من قبيحٍ وحسن، وهو أصل هذا الباب، وبالله العصمة والتوفيق لا ربَّ غيره “([203]).

وأضيفُ إلى ذلك: أن التوسع في باب التبديع يؤدي إلى قتل التفكير والابتكار والمشاركة في تطوير الحياة، والرقي بها، ويؤدي إلى قتل الإبداع، وقد رأينا فيما سبق من أمثلةٍ كيف شارك الصحابة رضي الله عنهم في شؤون الحياة ــــ ومنها العبادات ــــ بشكل فاعل؛ لذا وجب تحديد مفهوم البدعة بدقة مع التضييق فيها؛ حتى لا تختلط الأمور، ويغلق المصلحون على أنفسهم أبواباً من الخير.

 المبحث الخامس: الحثُّ على التَّعَلُّمِ لكلِّ نافعٍ، وإعمالِ العقل، وتزكيةِ النفس

لعلَّ نظرةً سريعةً في كتاب الله تعالى، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرته، ترينا مدى العناية والرعاية التي نالها العلم والتربية؛ ولا عجب في هذا، فهاؤم اقرؤوا عشرة براهين على ذلك:

  1. كان أول ما أُنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم آياتٌ تُبَيِّن له الطريق التي ستعتمدها رسالته صلى الله عليه وسلم وتسلكها، فقد قال له تعالى: } اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ {([204]).

والملاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى ذكر كلمة } اقْرَأْ { مرتين، وكلمة } عَلَّمَ { كذلك مرتين، وذكر أداة التعلم } بِالْقَلَمِ {، كما ذكر كلمة } يَعْلَمْ {، وكل ذلك إشعاراً بأهمية القراءة والتعلم والكتابة، ودورها في حياة الأمة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وقد أُردف قوله: } اقْرَأْ { بـ } وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ {، إشارة إلى أن كرم الله تعالى منوط بكثرة العلم والقراءة؛ وقد سُمِّيَت سورةٌ باسم القلم إشعاراً بأهمية العلم ومكانته.

  1. بل إن الله تعالى لم يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بطلب الازدياد من شيء إلا من العلم([205])، فقال الله تعالى: } وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا {([206]).
  2. ضمَّ الله تعالى شهادة العلماء إلى شهادته لنفسه في أخطر قضية في الوجود، قضية التوحيد؛ إشعاراً بمكانة أهل العلم، حيث قال سبحانه: } شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ {([207]).

والعجب أنَّ الله تعالى لم يذكر الأنبياء والمرسلين في الآية، إنَّما أدرجهم ضمن العلماء، وفي ذلك رفعة لأهل العلم أَيُّ رفعةٍ!([208]).

  1. ولعلَّ من أوائل ما نزل عليه بعد ذلك أمره بالإبلاغ والتربية والتزكية لنفسه، ولمن يُبَلِّغهم، ومن أدلة ذلك:

أ. قوله تعالى: } يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ {([209]).

ب. وقال تعالى: } يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا {([210]).

ولم تكن هذه الدعوة، أو هذه التربية، أو هذه التزكية في ترتيب القرآن إلا بعد العلم، فالعلم قبل العمل.

  1. ولم يقسم الله على شيءٍ مثلما أقسم على تزكية النفس، حيثُ أقسم أحد عشر يميناً على ذلك، فقال سبحانه: } وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا{([211]).

والآيات في التربية والتعليم والتزكية كثيرة معلومة.

  1. عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ، أَنْ يُرْفَعَ العِلْمُ، وَيَثْبُتَ الجَهْلُ، وَيُشْرَبَ الخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَى([212]).

فقد قرن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين رفع العلم وانتشار الرذيلة والجريمة في المجتمع، مما يبين مكانة العلم، وارتباطه بتزكية النفس وتربيتها.

  1. عن أبي الدردراء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” مَنْ سَلَكَ طَرِيقَاً يَبْتَغِي فِيهِ عِلْمَاً، سَلَكَ اللهُ لَهُ طَرِيقَاً إِلَى الجَنَّةِ، وَإِنَّ المَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضَاءً لِطَالِبِ العِلْمِ، وَإِنَّ العَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ، وَمَنْ فِي الأَرْضِ حَتَّى الحِيتَانُ فِي المَاءِ، وَفَضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ، كَفَضْلِ القَمَرِ عَلَى سَائِرِ الكَوَاكِبِ؛ إِنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ؛ إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُواْ دِينَارَاً، وَلا دِرْهَمَاً إِنَّمَا وَرَّثُواْ العِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ، أَخَذَ بِحَظٍ وَافِرٍ([213]).
  2. ومن اهتمام الإسلام بالعلم جَعْلُ النبي صلى الله عليه وسلم طلبه فريضة؛ حيث قال فيما روى عنه أنس

ابن مالك رضي الله عنه: ” طَلَبُ العِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِ مُسْلِمٍ([214]).

  1. ومن منهجه صلى الله عليه وسلم في التعليم لكل نافع بيان المصير، وسبيل النجاة، فإنَّ مَن يعلم أنه غير مخلَّدٍ في هذه الأرض، إنَّما هو فيها ضيف سيرحل عمَّا قليل؛ وأنه سيحاسب بين يدي أحكم الحاكمين، فإنَّ تصرفاته وسلوكياته ستسير غالباً نحو الأفضل، طمعاً في الحصول على الثواب، وأم لاً في النجاة من العقاب، بل إنه سيبذل في سبيل ذلك كل ما أوتي من قوة ووسيلة لسلوك هذا السبيل([215])، ومن الشواهد على هذا المنهج هذه الأحاديث الثلاثة:

أ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “ أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟“، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: “ إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ ([216]).

ب. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “ سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ، اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى، حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِياً، فَفَاضَتْ عَيْنَاه ([217]).

ج. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَرضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “ اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ “، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: “ الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ([218]).

فقد ربط صلى الله عليه وسلم في هذه الأحاديث السلامة من العذاب، والنجاة يوم الحساب بأعمالٍ، هي

من صميم تطبيق الشريعة، وبيَّن كيف هلك من هلك بارتكابه لـموبقاتٍ، مـخالفةٍ لأحكام الشريعة.

وفي هذه الأحاديث من الفقه أن النبي صلى الله عليه وسلم استخدم عبارات ترغيب وترهيب، وتحفيز وتحذير، لا عبارات تحليل وتحريم، مع أنَّ التحليل والتحريم فيها واضحٌ جليٌّ؛ لأن النفوس تستجيب بالترغيب والتحفيز وضدهما أكثر من استجابتها لكلمات التحليل أو التحريم.

  1. ومن منهجه صلى الله عليه وسلم في تربية أصحابه y وتعليمهم، نهيه صلى الله عليه وسلم عن كثرة السؤال، فإن في كثرة السؤال إقحامَ النفس في الوسوسة، وتضييقاً عليها، ورفضاً لسكوت الشارع عن بعض القضايا رفقاً بالناس، ورحمة بهم غير نسيان ” فكثرة السؤال لمَّا كانت سبباً للتكليف بما يشق، فحقها أن تُجتنب”([219]). وفي هذا المنهج جاءت عدة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم محذِّرة ومبينة، منها هذه الأربعة:

أ. عن أبى هريرة رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: “ أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُم الحَجَّ فَحُجُّوا “، فقال رجل: أكُلُّ عامٍ يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً، فقال رسول الله r: “ لَو قُلْتُ: نَعَمْ. لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُم ” ثم قال: “ ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُم، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَان قَبْلَكُم بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ، وَاخْتِلافِهِم عَلَى أَنْبِيَائِهِم، فَإِذَا أَمَرْتُكُم بِشَيْءٍ، فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم، وَإِذَا نَهَيْتُكُم عَنْ شَيْءٍ، فَدَعُوهُ ([220]).

قال ابن حجر رحمه الله: ” والمراد بهذا الأمر ترك السؤال عن شيء لم يقع، خشية أن ينزل به وجوبه أو تحريمه؛ وعن كثرة السؤال؛ لما فيه غالباً من التعنُّتِ، وخشية أن تقع الإجابة بأمرٍ يُسْتَثْقل، فقد يؤدي لترك الامتثال، فتقع المخالفة “([221]).

ب. عن سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “ إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ جُرْماً، مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ، فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ ([222]).

ج. عَن أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم: “ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، فَهُوَ حَلالٌ، وَمَا حَرَّمَ، فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ، فَهُوَ عَفْوٌ، فَاقْبَلُوا مِنَ اللَّهِ عَافِيَتَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ لِيَنْسَى شَيْئاً “، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: } وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا{([223]).

د. بل ما يزال الأمر ببعض الناس من كثرة السؤال فيما لا يفيد، ولا يعني، حتى يصلوا إلى ما حذَّر منه r فيما رواه أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم “ لَنْ يَبْرَحَ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ، حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟”([224]).

قال ابن حجر رحمه الله: في حديث أنس رضي الله عنه الإشارة إلى ذَمِّ كثرة السؤال؛ لأنها تُفضي إلى المحذور، كالسؤال المذكور، فإنه لا ينشأ إلا عن جهلٍ مُفْرطٍ([225]).

ومما ينبغي التنويه له: أنَّ أمر التربية والتعليم شديد، إذ إنَّ التعلُّم لا يقتصر على اكتساب الحقائق والمعارف والمعلومات، إنما هو أوسع من ذلك، إذ يشمل اكتسابَ المهاراتِ الحركية، والعاداتِ السلوكية، والاتجاهاتِ الاجتماعية، والقيمِ الخُلُقية، والدوافعِ الثانوية([226]).

إنَّ استقامة النفوسِ وقُوَّتها هي التي بها تتميز أخلاق الأمم، فإنَّ العقولَ إذا انحرفت تُقوَّم وتستقيم، والقلوبَ إذا غشيتها غاشيات الضلال في نفوس ملتوية غير مستقيمة، فإنَّ الحق لا يصل إليها، إلا مَن رحم الله([227]).

وهذا يستدعي من الـمعلِّم الملاحقة والمواصلة لعملية التعليم يوماً بعد يوم؛ بل وربما ساعة بعد ساعة، وأن ينتهز الفرص لإلقاء المعلومات وتفسيرها وتكرارها، والمناقشة فيها، وتصحيح أخطاء المتعلمين عند استذكارها وتطبيقها، والثناء عليهم إذا أحسنوا استيعابها والعمل بها، وأنه لا يخليهم من ذلك كله إلا بعد أن يطمئن إلى أنَّ ما حصلوه رسخ لديهم على وجه مستقيم، وأصبحت لهم ملكة فيه قوية؛ وهكذا كان شأنه r مع أصحابه y([228])، فطبقوا الإسلام أفضل تطبيق.

أثر التربية والتعليم في تطبيق الشريعة:

من خلال ما سبق من مباحث يظهر مدى الأثر الذي تتركه التربية والتعليم على تطبيق الشريعة، وإليك سبعةً من آثار التربية والتعليم في تطبيق الشريعة:

  1. إنَّ الذي تربَّى على الثقة بقيادته والطاعة لها، سيلتزم أمرها حتى فيما يُخالف هواه؛ لأنَّه يعلم أنها على الخير، فلا يشرخ الصفَّ، ولا يلقي التُّهَمَ جُزافاً؛ و” حيث يكون التمرد هو الخطأ الأكبر، فالطاعة ــ بل الطاعة الصارمة ــ هي العصمة التي ليس من ورائها اعتصام “([229]).
  2. إنَّ الذي يتعلم كتاب الله تعالى، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ويفقه الواقع الذي يحياه، يعلم كيف يعطي كلَّ ظرفٍ حكمه المناسب له، بلا وَكْسٍ ولا شَطَطَ، مما يحفظ الشريعة من الضياع، والأمة من التشرذم والتفكك.
  3. صاحب التربية الحقة، والعلم المستنير، لا يتعصب لرأيٍ أو مذهبٍ؛ بل هو يأخذ من عند كلِّ قَوْمٍ أحسن ما عندهم، مما يخدم شريعة الله تعالى؛ بِغَضِّ النظر مَن وافق من الأئمة أو خالف؛ فهو ينظر إلى مقاصد الشريعة التي ترمي إلى تحقيقها، فيخرج عن داعية هواه، حتى يكون عبداً لله اختياراً، كما هو عبدٌ لله اضطراراً، ويحفظ نظام الأمة، فتبقي قوية مرهوبة الجانب، مطمئنة البال([230]).
  4. صاحب العلم والفهم يستفيد من كل جديد نافع، ويجيِّره لخدمة الدِّين وتطبيق الشريعة، حتى لو أتاه من عند غير المسلمين، مع حرصه على تحقيق الاكتفاء الذاتي للمسلمين، وأن يكون السبق لهم ما أمكن ذلك.
  5. صاحب التربية والعلم يعلم أن الله تعالى سيسأله عن دوره في تطبيق شرعه، وإرجاعه إلى قيادة الحياة، فهو لا يبخل بِأَيِّ فكرةٍ يلقيها الله تعالى في قلبه، ولا بأي خبرة يهبه إياها ربُّ العالمين؛ لأن مشروع الإسلام لديه أَهَمُّ من جيبه ومصلحته الخاصة، ” فمن علامات العظمة التي تحيي موات الأمم، أن تختص بقدرتين لا تعهدان في غيرها:

أولاهما: أن تبتعث كوامن الحياة، ودوافع العمل في الأمة بأسرها وفي رجالها الصالحين لخدمتها.

والأخرى: أن تنفذ ببصيرتها إلى أعماق النفوس، فتعرف بالبديهة الصائبة، والوحي الصادق فيمَ تكون عظمة العظيم، ولأي المواقف يصلح، وبأي الأعمال يضطلع، ومتى يحين أوانه، وتجب نُدبته، ومتى ينبغي التريث إلى حين “([231]).

  1. إن التربية القويمة، والعلم المستنير، والتزكية المستمرة، تعلِّم من يتحلى بهنَّ أنَّ ” العدل أساس الحكم، والشورى وسيلة هذا الحكم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي ضمان الحكم العادل السليم “([232])، وهذه كلها من أهم عوامل تطبيق الشريعة الغراء على أحسن وجه.
  2. وأخيراً، فإنَّ أوجز ما يقال في تلك الدعوة ــ دعوة الإسلام ــ: إنها خاطبت خير ما في الإنسان، فلبَّاها أمثال الصِّدّيق والفاروق م، وأقبل عليها الأقوياء المخلصون من كل طراز، فليست هي بالدعوة التي تخاطب الضعف والضَّعَة، ولا بالدعوة التي تخاطب الطمع والأَثَرة، ولا بالدعوة التي قوامها الترهيب والترغيب، ولكنها الدعوة التي يجيبها أكرم سامعيها، ويتخلَّف عنها أقلهم سعياً إلى الخير واقتدارهم عليه([233]).

هذا، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل في موطن التربية والتعليم أحياناً بوصف الرسالة والنبوة كما في حديث ” عَمْداً فَعَلْتُهُ يَا عُمَر([234])، وأحياناً بوصف المعلم والمربي كما في حديث ” أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟([235]).

الفصل الثالث: التـــدرج والتيسيـــر

وفيه مبحثان:

المبحث الأول: التدرج في التشريع والتطبيق.

المبحث الثاني: التيسير.

توطئة:

إنَّ من يريد تطبيق الشريعة الإسلامية، وإنزالها على مجتمع من المجتمعات، فلا بدَّ أن يراعي أن لهذه المجتمعات من العادات، والسلوكيات ما شبَّ عليه الصغير، وشاب عليه الكبير، وإنَّ مجابهة النَّاس بالتغيير دفعة واحدة مع التعنت في ذلك، سيؤدي حتماً إلى النفور من الشريعة الجديدة؛ فإنَّ النفوس تعادي ما تجهل، ولا تقبل التغيير المفاجئ، ولا التشديد أو التعنيف؛ لذا وجدنا النبي r يراعي هذه الأمور في تطبيقه للشريعة الإسلامية الغراء، ومخاطبته للناس، ويجعل من منهجه عليه الصلاة والسلام التدرج والتيسير، وهما ما أتناولهما في مبحثين من هذا الفصل.

المبحث الأول: مراعاة التدرج في التشريع والتطبيق.

المبحث الثاني: التيسير.

 المبحث الأول: التدرج في التشريع والتطبيق

جرت سنة الله تعالى أن يُسَيِّرَ الأمور على سنَنٍ قضاها سبحانه وقدرها، وكان من هذه السنن التدرج في الأمور، مع أنه سبحانه القادر على كل شيء } وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُون {([236])، لكنه سبحانه:

  1. } خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ{([237])، معلماً عباده ــ وهو سبحانه القوي القادر ــ الأناةَ وعدم العجلة، وفصَّل في ذلك، فقال: } خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ {([238])،} وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ... فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا {([239]).

يقول القرطبي رحمه الله: ” وذكر هذه المدة ـــ أيْ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ـــ ولو أراد خلقها في لحظة لفعل؛ إذْ هو القادر على أن يقول لها: كوني، فتكون، ولكنه أراد أن يعلِّم العباد الرفق، والتثبت في الأمور، ولتظهر قدرته للملائكة شيئاً بعد شيء “([240]).

  1. وعلى هذا السَّنَن خلق سبحانه خلقه، فإنه سبحانه لم يخلق الإنسان رجلاً أو امرأة مرة واحدة، بل جعل له أطواراً ينقله بينها، قال تعالى: }... خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ… {([241]).
  2. وهو سبحانه لم يُنزل القرآن الكريم على رسوله مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم أو يشرع شرائعه دفعة واحدة، بل قد حكى سبحانه قول قومٍ أرادوا إنزال القرآن جملة واحدة، وردَّ عليهم، فقال: } وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا {([242]).

وقد علق ابن القيم رحمه الله على تأخر فرض الصيام بقوله: ” وَلَمَّا كَانَ فَطْمُ النُّفُوسِ عَنْ مَأْلُوفَاتِهَا وَشَهَوَاتِهَا مِنْ أَشَقِّ الْأُمُورِ وَأَصْعَبِهَا، تَأَخَّرَ فَرْضُهُ إِلَى وَسَطِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، لَمَّا تَوَطَّنَتِ النُّفُوسُ عَلَى التَّوْحِيدِ وَالصَّلَاةِ، وَأَلِفَتْ أَوَامِرَ الْقُرْآنِ، فَنُقِلَتْ إِلَيْهِ بِالتَّدْرِيج “([243]).

وقد كان هذا هديه صلى الله عليه وسلم، يتدرج بالناس، ويستأني بهم فداه أبي وأمي، يقودهم إلى الله تعالى بسهولة ويسر، وفق منهج حدده ورسمه، فكان يدعوهم إلى الأهمِّ فالأقلِّ أهمية، ويبدأ بالإيمان وتصحيحه، قبل الأحكام التكليفية.

وقبل ضرب الأمثلة والشواهد على منهج النبي صلى الله عليه وسلم في التدرج، أُقدِّم بتعريف التدرج في اللغة والاصطلاح، فأقول:

(أ) التدرج في اللغة:

دَرَجَ من باب دخل، والدال والراء والجيم أصل واحد يدلُّ على مضيِّ الشيء، والمضي فيه، ومن ذلك قولهم: دَرَج الشيءُ، مشى ومضى لسبيله، وفي التنزيل العزيز: } سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُون {([244])، أي سنأْخُذُهم قليلاً قليلاً، ولا نُباغِتُهم، ودَرَّجْتُهُ إلى الأمر تَدْرِيجاً، فَتَدَرَّجَ، واسْتَدْرَجْتُهُ: أخذته قليلاً قليلاً، ودَرَّجْتُ العليل تَدْريجاً، إِذا أَطعمته شيئاً قليلاً، وذلك إِذا نَقِهَ، حتى يَتَدَرَّجَ إِلى غايةِ أَكله، كما كان قبل العلة دَرَجَةً درجةً([245]).

فنخلص إلى أن التدرج في اللغة يعني: الانتقال من الشيء إلى الشيء على مهل، قليلاً قليلاً، حسب الظرف والحال حتى يصل إلى غايته.

(ب) التدرج في الاصطلاح:

يمكنني تعريف التدرج بأنه: تنزيل الأحكام والتشريعات على النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً فشيئاً؛ ليطبقها على المجتمع ومكوناته حسب الظرف والحاجة شيئاً فشيئاً، حتى يكتمل التنزيل، ويعمَّ التطبيق جميع الأحكام.

وقد خصصت التعريف بالنبي صلى الله عليه وسلم باعتباره القدوة في ذلك؛ ولأنني أتحدث عن منهجه عليه الصلاة والسلام في تطبيق الشريعة، مع التأكيد على أن كل من أراد تطبيق شرعه، فعليه العمل بهديه والسير على سنته صلى الله عليه وسلم من التدرج في تطبيق الشريعة الإسلامية الغراء.

وأردتُ بقولي: على المجتمع ومكوناته، بيانَ الجهة المستهدفة من التطبيق، وهي جميع مكونات المجتمع: من حكومة، وجماعات، وأُسَرٍ، وأفراد.

وجعلتُ ذلك حسب الظرف والحاجة؛ للتأكيد على أن التطبيق لا بد فيه من مراعاة تغيُّر الظروف والأحوال، فما قد ينفع في ظرف أو حال أو زمان، قد لا ينفع في ظرفٍ، أو حالٍ، أو زمانٍ غيرها.

(ج) أنواع التدرج:

يظهر من التعريف أن للتدرج نوعين:

  • الأول: التدرج في التشريع: وهو إنزال الأحكام الشرعية على النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً فشيئاً، طوال

فترة بعثته، حسب الحال والحاجة، حتَّى اكتمل الدِّين، وتمَّت النعمة([246]).

وقد انتهى هذا النوع من التدرج باختتام الوحي على قلب رسول الله   ([247])  صلى الله عليه وسلم، ولعل من أبرز الأدلة على ذلك، قول الله تعالى: } الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا {([248]).

فقد بينتِ الآيةُ اكتمال الدِّين، وانتهاء التنزيل؛ لأنَّ الكمال لا يكون إلا بعد الشروع في

البناء، والسير فيه، حتى يصل إلى غايته([249])، ولو أنَّ التشريع لم يتم؛ لوجد الناس لأنفسهم حجةً في ترك تطبيقه، وإثارة الشبهات نحوه.

الثاني: التدرج في التطبيق: هو المرحلية في تنفيذ الأحكام الشرعية على المجتمع ومكوناته، شيئاً فشيئاً، حسب الظرف والحاجة([250]).

وهذا هو مقصود هذه الأطروحة، فالتدرج في التطبيق هو المطلوب الآن، فنصوص القرآن الكريـم والسنة النبوية بين أيدينا، وما علينا إلا أن نحسن فهمها، ثم فهم الواقع الذي نحياه، ومعرفة ما يجب فيه؛ لإسقاط أحدهما على الآخر.

فالتدرج ضرورة اقتضتها تلك التَّرِكة المثقلة بالهموم والغموم والضغوط، ولولاها لكان التطبيق السريع أمراً لازماً لا مفرَّ منه، ولا محيد عنه([251]).

وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الله تعالى على ضوء هذه السُّنَّة، بالحكمة والموعظة الحسنة، يسوس الناس سياسة الحليم المتأني، والصابر المحتسب، يقتلع جذور الأخطر فالأخطر من الخبائث، ويقيم صرح الأهم فالأهم من الفضائل، لا يستعجل الأمور قبل أوانها، ولا يُبطئ الخُطَا إلى الميسور منها، ويمشي بالقافلة على قدر ما تطيق([252]).

الأدلة على منهج النبي صلى الله عليه وسلم في التدرج والعمل به كثيرة أذكر منها ثمانيةً:

  1. وقوع التدرج في تشريع الأحكام الشرعية، بما يشمل الإجازة والمنع، ولو لم يكن التدرج في التطبيق مقصوداً، لنزل التشريع جملةً واحدة.

ومن ذلك التدرج في تحريم الخمر، وفي عقوبة الزنى، وفي تحريم الربا… وغيره كثير.

قالت عائشة ل في بيان قَصْد هذا المنهج التدرجيِّ لتلقي الأحكام الشرعية عن اقتناع وإيمان وفَهْم:

إِنَّمَا نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ (أي القرآن)، سُورَةٌ مِنْ الْمُفَصَّلِ فِيهَا ذِكْرُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، حَتَّى إِذَا ثَابَ النَّاسُ إِلَى الإِسْلامِ نَزَلَ الْحَلالُ وَالْحَرَامُ، وَلَوْ نَزَلَ أَوَّلَ شَيْءٍ لا تَشْرَبُوا الْخَمْرَ لَقَالُوا: لا نَدَعُ الْخَمْرَ أَبَداً، وَلَوْ نَزَلَ لا تَزْنُوا لَقَالُوا: لا نَدَعُ الزنى أَبَداً. لَقَدْ نَزَلَ بِمَكَّةَ عَلَى مُحَمَّدٍ r وَإِنِّي لَجَارِيَةٌ أَلْعَبُ: } بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ {([253])، وَمَا نَزَلَتْ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ إِلا وَأَنَا عِنْدَهُ([254]).

يقول ابن حجر:: ” أشارت ل إلـى الـحكمة الإلـهية في ترتيب التنزيل، وأنَّ أوَّل ما نزل من القرآن الدعاء إلى التوحيد، والتبشير للمؤمن والمطيع بالجنة، وللكافر والعاصي بالنار، فلما اطمأنت النفوس على ذلك، أُنزلت الأحكام، ولهذا قالت: ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندعها؛ وذلك لـما طُبعت عليه النفوس من النفرة عن ترك الـمألوف”([255]).

  1. تجنب التفريع في وقت التشريع([256])؛ وهذا يظهر جلياً في العهدين المكي والمدني، ويرتبط بالتدرج ارتباطاً وثيقاً، فقد كان العهد المكي شبهَ خالٍ من التفريعات الفقهية، وكان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً فيه على التأصيل لأصول الإسلام من أصول العقيدة ومن ثم الحلال والحرام، على ما في حديث عائشة رضي الله عنها السابق؛ فلما وصل إلى المدينة بدأ التوسع في الفروع حسب الحاجة، مع الحرص على التأصيل للأحكام.

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية:: ” فالدِّين أول ما يبنى من أصوله، ويُكمَّل بفروعه، كما أنزل الله تعالى بمكة أصوله من التوحيد، والأمثال ـ التي هي المقاييس العقلية ـ والقصص، والوعد والوعيد، ثم أنزل بالمدينة ـ لمَّا صار له قوةً ـ فروعَهُ الظاهرة من الجمعة والجماعة، والأذان والإقامة، والجهاد والصيام، وتحريم الخمر والزنى والميسر، وغير ذلك من واجباته ومحرماته، فأصوله تُمِدُّ فروعَه وتُثَبِّتُها، وفروعُه تُكَمِّلُ أصولَه وتحفظها “([257]).

  1. الأدلة العامة الحاثة على التؤدة والرفق، والبعد عن التعجل والتسرع، ومنها:

حديث عبد الله بن عمرو بن العاص م قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إِنَّ هَذَا الدِّين مَتِينٌ فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ، وَلا تُبَغِّضْ إِلَى نَفْسِكَ عِبَادَةَ رَبِّكَ، فَإِنَّ المُنْبَتَّ لا سَفَراً قَطَعَ، ولا ظَهْراً أَبْقَى، فَاعْمَلْ عَمَلَ امْرِئٍ يَظُنُّ أَن لَنْ يَمُوتَ أَبَداً، واحْذَرْ حَذَراً تَخْشَى أَنْ تَمُوتَ غَداً ([258]).

وجه الدلالة: نصَّ الحديث على ضرورة الإيغال في الدين برفق، وذلك بأخذه شيئاً فشيئاً؛ حتى لا يشق على النفس، فتبغض عبادة الله تعالى، فتنقطع.

وهذا ما يحدث عند التعجل في التطبيق للشريعة على مـجتمعات لم تتهيأ بعدُ لذلك، فلا نـحن حافظنا على إنـجازاتنا، ولا حققنا ما نريده ونصبو إليه، فلا بدَّ من التؤدة، والرفق في التطبيق، مع النية الصادقة، والعمل الدؤوب، المؤدي إلى التطبيق الكامل للشريعة الغرّاء شيئاً فشيئاً.

  1. عَنْ عبد الله بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أن معاذاً t قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: “ إِنَّكَ تَأْتِي قَوْماً مِن أَهْلِ الكِتَابِ، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَة تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ([259]).

وجه الدلالة: الحديث صريحُ الدلالة في جواز التدرّج، حتى لو كان المدعوون أهلَ كتاب سابق، يجمع بين المسلمين وبينهم عواملُ مشتركةٌ في الديانة، فقد أمر النبيّ ثلى الله عليه وسلم معاذاً رضي الله عنه أن لا ينتقل إلى الركن أو الفريضة التالية إلا بعد تقرير الفريضة السابقة، فمن الأوجب أن يكون هذا التدرج ــ بل لو أمكن الزيادة عليه ــ مع غير أهل الكتاب؛ لعدم وجود القواسم الدِّينية المشتركة.

ومن الملاحظ أنَّ هذا الأمر بالتدرج، كان بعد تمام معظم أحكام الإسلام، والنبي صلى الله عليه وسلم في قُوَّةٍ وعَظَمةٍ، فقد أرسل رسول الله r معاذاً t إلى اليمن سنة عشر أو نهاية سنة تسع([260])، وفي هذا رَدٌّ على مَن يدَّعي انتهاء التدرج بتمام أحكام الشريعة بنزول القرآن، وفيه ما يؤكد أن التدرج في التطبيق مستمر حتى بعد اكتمال التشريع، وذلك حسب البيئة والظرف، والحال والأشخاص المراد تطبيق الشريعة الإسلامية الغراء عليهم.

وبالتأمل في الحديث يَرِدُ سؤالٌ مَفاده: هل الأمر والاشتراط والترتيب الواردة في الحديث على جهة الوجوب أم الاستحباب؟ حيث قال له صلى الله عليه وسلم: ” فَادْعُهُمْ ” و” فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ“.

إنَّ الظاهر من الأمر الوجوب، والظاهر من السياق، وترتيب الأمور بحرف التعقيب (الفاء)، أنَّ الأمر الثاني لا يصح تقديم الدعوة إليه قبل الأمر الأسبق منه، وهكذا، ولعل مما يؤكد ذلك ما ثبت في رواية أخرى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا بَعَثَ مُعَاذاً t عَلَى الْيَمَنِ قَالَ: “ إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ،…([261]).

وفي قول ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الرواية (على اليمن) أي والياً أو قاضياً([262])، ما يؤكد أن هذا الأمر كان متأخراً، وأنه واجبُ الولاة والقضاة في تطبيق شريعة الله، ودعوة الناس إليها أن يبدؤوا في الأهم فالأقل أهمية، وأن يرفقوا بالمدعوين، خاصة مع بُعد العهد بالشرع وكثرة المعيقات لتطبيقه.

  1. عَنْ وَهْبٍ قَالَ: سَأَلْتُ جَابِراً عَنْ شَأْنِ ثَقِيفٍ إِذْ بَايَعَتْ، قَالَ: اشْتَرَطَتْ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنْ لاَ صَدَقَةَ عَلَيْهَا وَلاَ جِهَادَ، وَأَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: “ سَيَتَصَدَّقُونَ وَيُجَاهِدُونَ إِذَا أَسْلَمُوا ([263]).

وجه الدلالة: الحديث واضح في قبول النبي صلى الله عليه وسلم شرط ثقيف ألا يتصدقوا ولا يجاهدوا، وذلك لعلمه صلى الله عليه وسلم أنهم إذا أسلموا، وتمكَّن الإيمانُ من قلوبهم، ستطيب أنفسهم بذلك، فهو صورة من صور التدرج في الدعوة، وفي امتثال أحكام الشريعة الإسلامية؛ ويُلاحظ أنَّ هذا التدرج وقع حال عزِّ الإسلام، وعلوِّ كلمته، وقوة سلطانه، فالحاجة إلى التدرج حال الاستضعاف من بابٍ أولى([264]).

وهذا من باب العمل بأهون الشرين وأخف الضررين، وفيه أن الإسلام يصح على الشرط الفاسد، ثم يُعَلَّم شرائع الإسلام كلها([265]).

  1. عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رضي الله عنها قَالَتْ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَرَأَ عَلَيْنَا: } أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا {([266])، وَنَهَانَا عَنْ النِّيَاحَةِ، فَقَبَضَتْ امْرَأَةٌ يَدَهَا، فَقَالَتْ: أَسْعَدَتْنِي فُلانَةُ، أُرِيدُ أَنْ أَجْزِيَهَا، فَمَا قَالَ لَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم شَيْئاً، فَانْطَلَقَتْ وَرَجَعَتْ فَبَايَعَهَا([267]).

وجه الدلالة: نص الحديث على تجاوز النبي صلى الله عليه وسلم عن المرأة التي أخَّرت المبايعة لحين، مكافأة تلك التي أسعدتها، ولا ريب أنَّ النياحة محرَّمة، وأنَّ المبادرة للبيعة واجبة، ومع ذلك تغاضى النبي صلى الله عليه وسلم عن تأخير هذا الواجب، وارتكاب ذلك المحرَّم؛ لمصلحة تأليف قلب هذه المرأة، وقلب المرأة الأخرى أيضاً، وهذا أدعى لأنْ تَثْبُت المرأة على بيعتها، ولا تستجيب فيما بعد لِمَا قد يَدْعُوها لنقضها لأيِّ سببٍ من الأسباب، وهذه هي حكمة التدرج.

  1. عَنْ عَائِشَةَ ل زَوْجِ النَّبِيِّ ثلى الله عليه وسلم: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهَا: “ أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ لَمَّا بَنَوْا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ ” فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟، قَالَ: “ لَوْلا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَفَعَلْتُ ([268]).

وفي رواية: ” لَنَقَضْتُ الكَعْبَةَ، وَلَجَعَلْتُهَا عَلَى أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَلأَنْفَقْتُ كَنْزَ الكَعْبَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَلَجَعَلْتُ بَابَهَا بِالأَرْضِ، وَلأَدْخَلْتُ فِيهَا مِن الحِجْرِ([269]).

وجه الدلالة: بين النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث السبب الذي منعه من هدم الكعبة، وإعادتها على قواعد إبراهيم، وهو حداثة عهدهم بالإسلام، وعدم استيعابهم لأمرٍ هو في نظرهم جدُّ خطير؛ وذلك على الرغم من كون الكلمة له، فكان لا بد من التدرج والأناة بهم، والوصول إلى إقناعهم؛ ليتم التغيير بلا خسائر.

قال ابن حجر رحمه الله: ” وفيه اجتنابُ وليِّ الأمر ما يتسرع الناس إلى إنكاره، وما يخشى منه تولد الضرر عليهم، في دينٍ أو دنيا، وتألف قلوبهم بما لا يُتْرك فيه أمرٌ واجبٌ، وفيه تقديم الأهم فالأهم من دفع المفسدة وجلب المصلحة، وأنهما إذا تعارضا بُدِئ بدفع المفسدة، وأنَّ المفسدة إذا أُمِن وقوعها عاد استحباب عمل المصلحة “([270]).

وقال ابن أبي العز الحنفي رحمه الله: ” فَالشَّارِعُ لَا يَنْظُرُ فِي الِاسْتِطَاعَةِ الشَّرْعِيَّةِ إِلَى مُجَرَّدِ إِمْكَانِ الْفِعْلِ، بَلْ يَنْظُرُ إِلَى لَوَازِمِ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ مُمْكِناً مَعَ الْمَفْسَدَةِ الرَّاجِحَةِ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ اسْتِطَاعَةٌ شَرْعِيَّةٌ “([271]).

ولعلَّ مـما يؤيد ذلك أنه لـمَّا بعُد العهد بالـجاهلية، وملك عبد الله بن الزبير م مكة، هدم الكعبة، وجعل لها بابين([272])، دون أن يـُمَهِّد ذلك للناس، ثـم لـمَّا غلبه الحجاج بن يوسف في سنة ثلاث وسبعين، هدم الحائط الشمالي للكعبة، وأخرج الحِجْر كما كان أولاً، وأدخل الـحجارة التي هدمها في جوف الكعبة، فرصَّها فيه، ورفع الباب، وسدَّ الباب الغربي، وذلك بأمر عبد الملك بن مروان([273])؛ وما ذلك إلا لعدم استيعابهم وهضمهم لفعل ابن الزبير المفاجئ لهم.

  1. عن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رضي الله عنه بَعَثَهُ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، يَوْمَ النَّحْرِ، فِي رَهْطٍ يُؤَذِّنُ فِي النَّاسِ ” أَلَا لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ([274]).

وجه الدلالة: نص الحديث على أن هذا النداء كان قبل حجة الوداع، وذلك في العام التاسع من الهجرة، ومعلوم أن النبي r قد فتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة في شهر رمضان، ويتضح من الحديث أنه ترك المشركين على عبادتهم وطوافهم بالكعبة يؤدون طقوسهم الشركية، ويطوفون عراة، ما يزيد عن عام وبضعة أشهر، وما ذلك منه صلى الله عليه وسلم إلا عملاً بالسُنَّةِ الإلهية في معالجة النفوس البشرية، وتغييرها بالتدرج، وإدخال الإسلام على من بقي من أهل الجزيرة على شركه بالإقناع؛ فإنَّ من يرى المسلمين طائفين مُلَبِّين مُوحِّدِين مُرْتَدِينَ ملابسهم، سيشعر بالفرق الظاهر بينهم وبين من يشرك بالله تعالى، ويطوف وسوءته بادية للآخرين؛ فهذا تعليم بالقدوة والتطبيق العملي لأحكام الشرع الحنيف، وذلك مع كون النبي r قادراً على التغيير بقوة السيف، وقد دانت له مكة ومعظم الجزيرة.

وفي تأكيد مبدأ التدرج يقول ابن عباس م: إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بَعَثَ نَبِيَّهُ مُحَمَّداً صلى الله عليه وسلم بِشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَلَمَّا صَدَّقُوا بِهَا زَادَهُمُ الصَّلَاةَ، فَلَمَّا صَدَّقُوا بِهَا زَادَهُمُ الصِّيَامَ، فَلَمَّا صَدَّقُوا بِهِ زَادَهُمُ الزَّكَاةَ، فَلَمَّا صَدَّقُوا بِهَا زَادَهُمُ الْحَجَّ، ثُمَّ أَكْمَلَ لَهُمْ دِينَهُم، فقال: } الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا{([275])…([276]).

والأدلة غير هذه أكثر من أن تـُحْصر؛ فَمَن مشى مع السنن أفلح، وَمَن صادمها خاب وخسر.

” فإذا كنَّا نريد حقاً أن يحالفنا التوفيق في إلباس هذه الفكرة ـــ تطبيق الشريعة ـــ حُلة العمل والتنفيذ، فلا ينبغي أن نُغفل قاعدةً للفطرة لا تقبل التغيير، هي أنه لا يحدث الانقلاب في الحياة الاجتماعية إلا بالتدرُّج، ولا بدَّ أن يكون كلُّ انقلابٍ بدداً غيرَ محكمٍ على قدر ما يكون فورياً متطرفاً، ولا بد لكلِّ نظامٍ راكزِ المبادئ والأصول أن يُجري تغييراً في كلِّ جهةٍ من جهات الحياة، وناحيةٍ من نواحيها باتِّزانٍ تام، حتى تُساند كلُّ ناحيةٍ منه نواحيَه الأخرى “([277]).

ولعل من الإشارات القرآنية التي لا تُحبذ التعجل، وتومئ إلى أنه قد يكون سبباً للفتنة، ما حصل مع موسى u، حين عَجِل عن قومه ابتغاء رضوان الله، فكان الحوار الذي قصه الله تعالى: } وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى (83) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (84) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (85) فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي {([278]).

إن التعجل في الأمور قبل اكتمال نضجها يقود إلى الفتنة، مهما كانت المغريات والمؤثرات، خاصة وأن بني إسرائيل لم يكن قد مضى عليهم سوى وقت يسير رأوا فيه كيف أهلك الله فرعون، ونجاهم من شره، وقد امتنَّ عليهم بما أوحى إلى موسى عليه السلام: } أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى {([279]).

وقد تلقَّى الرعيل الأول دين الله تعالى بالتدريج يوماً بعد يوم، وأخذوه على مهلٍ شيئاً بعد شيء، كلما جاءهم شيء فهموه، وكلما أُمروا بشيء طبَّقوه، وكلما نُهوا عن شيء تركوه، حتى اكتمل الدِّين، وتمَّ بناء الشرع، فالْتزموا به كُلاًّ لا يتجزأ، واستمروا عليه من غير نقص ولا تفريط([280]).

ولما كان من المعلوم أن البشر هم البشر في كل عصر، منهم المؤمن القوي، وصاحب العزيمة والإرادة، وفيهم المتوسط في الالتزام والتطبيق، وفيهم الضعيف المتثاقل، كان التدرج مطلوباً؛ مراعاةً لقدراتهم، بإعانة الضعيف، وترغيب المتوسط، وتشجيع التقي الصالح للمثابرة([281])، ” فإن الله تعالى لم يَدَعْ شيئاً من الكرامة والبر إلا أعطاه هذه الأمة، ومن كرامته وإحسانه أنه لم يوجب عليهم الشرائع دفعةً واحدةً، ولكن أوجب عليهم مرة بعد مرة “([282]).

وقد سار الصالحون على نفس المنهج، ومن أعظم شواهده ما كان يفعله عمر بن عبد العزيز رحمه الله، وقد ردَّ على ابنه عبد الملك وقد جاءه معاتباً يستعجله بردّ المظالم إلى أهلها، ويقول له: ما أنت قائلٌ لربك غداً إذا سألك، فقال: رأيتَ بدعة فلم تُمتها، أو سنة فلم تحيها؟، ومَا يَمْنَعُك أَنْ تمضي لِلَّذِي تُرِيدُ؟، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا أُبَالِي لَوْ غَلَتْ بِي وَبِكَ فِيهِ الْقُدُورُ.

فكان من قول عمر: له: يا بني، إن نفسي مطيَّتي، إن لم أرفق بها لم تُبَلِّغْنِي، إني لو أتعبت نفسي وأعواني لم يكن ذلك إلا قليلاً حتى أسقط ويسقطوا، وإني لأحتسب في نومتي الأجر مثل ما أحتسب الذي في يقظتي، إن الله لو أراد أن ينزل القرآن جملة لأنزله، لكنه أنزل الآية والآيتين حتى استكنَّ الإيمان في قلوبهم([283])، لا تعجل يا بني، فإنَّ الله ذمّ الخمر في القرآن مرَّتين، وحرمها في الثالثة، وأنا أخاف أن أحمل الناس على الـحق جملة، فيدفعوه، وتكون فتنة([284])، يَا بُنَي، لَوْ بَدَهْتُ النَّاسَ بِالَّذِي تَقُولُ، لَمْ آمَنْ أَنْ يُنْكِرُوهَا، فَإِذَا أَنْكَرُوهَا لَمْ أَجِدْ بُدّاً مِنَ السَّيْفِ، وَلاَ خَيْرَ فِي خَيْرٍ لاَ يَأْتِي إِلاَّ بِالسَّيْفِ، يَا بُنَي، إنِّي أُرَوِّضُ النَّاسَ رِيَاضَةَ الصَّعْبِ، فَإِنْ يَطُلْ بِي عُمْرٌ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُنْفِذَ اللَّهُ لِي شَيْئاً، وَإِنْ تَعْدُ عَلَيَّ مَنِيَّةٌ، فَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ الَّذِي أُرِيدُ([285])، يا بُني: إنَّ قومك قد شدّوا هذا الأمر عقدة عقدة، وعروة عروة، ومتى أردتُ مكابرتهم على انتزاع ما في أيدهم، لم آمن أن يفتقوا عليَّ فتقاً تكثر فيه الدماء؛ والله لزوال الدنيا أهون عليَّ من أن يراق بسببي محجمة من دم، أَوَما ترضى أن لا يأتي على أبيك يومٌ من أيَّام الدنيا إلا وهو يميت فيه بدعة، ويـحيي فيه سنة، حتى يحكم الله بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الحاكمين؟([286]).

وكانت كتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله كلها في إصلاح المجتمع فما كان يقدم على أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم كتاب من عمر إلا فيه رَدُّ مظلمة، أو إحياءُ سنة، أو إطفاءُ بدعة، أو قَسْمٌ، أو تقديرُ عطاءٍ أو خيرٌ، حتى خرج من الدنيا([287]).

إنَّ ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وطبَّقه من بعده عمر رحمه الله يُعلِّم من يريد تطبيق الشريعة أنَّ التدرج ليس شعاراً يُلاك على الألسنة؛ إنما هو خطة مرسومة، ومنهج واضح، ومراعاة أولويات وواقع، وانتقالٌ من أمرٍ إلى غيره، فهو صعودٌ وارتقاءٌ وتطوُّرٌ وتطبيقٌ لشيءٍ شيءٍ([288]) من أحكام الشرع الحنيف حتى يأتي عليه كله؛ فتُثمر ثمار الخير والبركة، فإن مرحلة التدرج التي طبقها عمر رحمه الله لم تستغرق إلا عامين، سطَّرت كثيراً من الإنجازات التي تؤكد على ضرورة الاستفادة من هذه المرحلة العطرة، وتطبيق هذا النهج الذي سار عليه.

ومن الأقوال المهمة في سياق التدرج، قول شيخ الإسلام ابن تيمية:: “… فالعالم في البيان والبلاغ، قد يؤخِّر البيانَ والبلاغ لأشياء إلى وقت التمكّن، كما أخرَّ الله سبحانه إنزال آياتٍ، وبيانَ أحكامٍ إلى وقت تمكّن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيانها، فإذا حصل من يقوم بالدِّين من العلماء أو الأمراء أو مجموعهما، كان بيانه لِمَا جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم شيئاً فشيئاً بمنزلة بيان الرسول صلى الله عليه وسلم لما بُعث به شيئاً فشيئاً، ومعلوم أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم لا يبلّغ إلا ما أمكن علمه والعمل به، ولم تأتِ الشريعة جملة، كما يقال: إذا أردت أن تطاع فأْمُر بما يستطاع. فكذلك المجدِّدُ لدينه، والمحيي لسنته لا يبلِّغ إلا ما أمكن علمه والعمل به، كما أنَّ الداخل في الإسلام لا يمكن حين دخوله أن يُلَقَّنَ جميع شرائعه، ويؤمر بها كلِّها، وكذلك التائب من الذنوب والمتعلم والمسترشد، لا يمكن في أول الأمر أن يُؤْمر بجميع الدِّين، ويُذْكر له جميع العلم، فإنه لا يطيق ذلك، وإذا لم يطقه لم يكن واجباً عليه في هذه الحال، وإذا لم يكن واجباً لم يكن للعالم والأمير أن يوجبه جميعه ابتداءً، بل يعفو عن الأمر والنهي بما لا يمكن علمه وعمله إلى وقت الإمكان، كما عفا الرسول صلى الله عليه وسلم عما عفا عنه إلى وقت بيانه، ولا يكون ذلك من باب إقرار المحرمات وترك الأمر بالواجبات؛ لأن الوجوب والتحريم مشروط بإمكان العلم والعمل، وقد فرضنا انتفاء هذا الشرط. فتدبر هذا الأصل، فإنه نافع.

ومن هنا يتبين سقوط كثير من هذه الأشياء، وإن كانت واجبة أو محرمة في الأصل؛ لعدم إمكان البلاغ الذي تقوم به حجة الله في الوجوب أو التحريم؛ فإنَّ العجز مسقطٌ للأمر والنهي، وإن كان واجباً في الأصل. والله أعلم “([289]).

ونأخذ من هذا الكلام أصلاً مهماً للتدرج، وهو أنَّ التدرج يكون في الحال الذي لا يتمكّن فيه الحاكم من تحكيم الشريعة وتطبيقها على وجه الكمال، فيلجأ إلى التدرّج في ذلك، أملاً في الوصول إلى الوضع التامّ.

عن جَرِيرٍ رضي الله عنه أَنَّ نَبِيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “ مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي، هُمْ أَعَزُّ وَأَكْثَرُ مِمَّنْ يَعْمَلُهُ، لَمْ يُغَيِّرُوهُ إِلَّا عَمَّهُمُ اللهُ بِعِقَابٍ ([290]).

ومما لا شك فيه أنَّ ظروف كلِّ بلد تُعَيِّنُ طبيعةَ التعامل مع الأحكام الشرعية من حيثُ البدء بها جملة واحدة، أو تأخيرُها حسب تَيَسُّر الحال، وتهيئة النفوس لتقبُّلها بدون فتنة.

وإن التعجلَ في التطبيق الكامل للشريعة على مجتمعات لم تتهيأ بعدُ لذلك مظنةُ التنفير وانعكاس النتائج، فلا نحن نجحنا في التطبيق، ولا نحن حافظنا على ما توصلنا إليه من إنجازات دعوية([291]).

أخيراً، فإن التدرج في تطبيق الشريعة الإسلامية الغراء ليس شعاراً يُرفع دون تخطيط ناضج، وعمل واضح، فما دمنا نقول: تدرج، فإن ذلك يفيد الانتقال من درجة إلى أخرى ومن مرحلة لأخرى حتى يتم الوصول إلى الغاية المرجوة، وهذا يدعو إلى:

  1. وجوب وضع الخطط لتطبيق الشريعة الغراء برؤى واضحة، وأهداف سليمة ناضجة، استراتيجية ومرحلية، مع وسائل متنوعة قابلة للتطبيق والتحقيق، يُراعى فيها تغير أحوال الناس وظروفهم.
  2. ضرورة الحذر من الصدام مع المجتمع أثناء التطبيق، وهذا يدعو إلى ضرورة تهيئة المجتمع قبل البدء بتنفيذ الخطة، بل يمكن القول: إن أول خطوة في الخطة هي تهيئة المجتمع لاستقبال الأفكار والأحكام الجديدة، شرط أن تكون هذه المدة محددة لا تزيد عن قدرها.
  3. الحرص على اغتنام جميع الوسائل التي تساهم في إيصال الأفكار والأحكام المراد العمل بها إلى المجتمع بسلاسة ووضوح، حتى يصبح ذلك ثقافة عامة، وذلك عبر استخدام وسائل التواصل كافة مقروءة ومرئية ومسموعة.
  4. الحرص على الانتقال من مرحلة إلى أخرى في المدة المرسومة لذلك، وعدم التباطؤ عن الانتقال إلى المرحلة التالية، وكذلك عدم التسرع في الانتقال إذا لم تنضج المرحلة الحالية وتكتمل، مع التأكيد على أن بعض الأمور قد يتم تحقيقها بالتوازي.

المبحث الثاني: التيسير

سنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لأمته منهج التيسير والتخفيف، هذا المنهج الذي استفاده من كتاب الله تعالى، ومن فهمه صلى الله عليه وسلم لطبيعة هذه الرسالة التي كُلِّف بتبليغها للناس.

والتيسير من اليَسْرِ بالفتح وتُحرَّك: اللِّين والانقياد، وتيسَّر تسهَّل، ويسَّره سهَّله([292]).

والتيسير من الأمور التي تُرغِّب الناسَ في الدِّين، وتقرِّبهم منه، وتحببه إليهم، فإنَّ النفس من طبيعتها الميل إلى التيسير والتخفيف، وتنفر من التعسير والتشديد.

إنَّ المستقرئ للأدلة الشرعية يلحظ اهتمامها بالتيسير ورفع الحرج عن العباد في التكاليف، فإنَّ الله لم يُرد التكليف بالشاق والإعنات فيه؛ لأنه سبحانه لم يجعل تعذيب النفوس سبباً للتقرب إليه، ولا لنيل ما عنده، فلم يجعل الشريعة التي أرادها عامة خالدة موقعة للناس في الحرج في شؤون دينهم، أو تضيق عليهم في دنياهم، أو تعجز عن مواجهة الجديد من أحوالهم([293])، ومن الأدلة على ذلك هذه الآيات الثلاثة:

  1. يقول الله تعالى: } يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ {([294]).
  2. ويقول تعالى: } لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا{([295]).
  3. ويقول تعالى: } وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ {([296]).

بل إن القرآن الكريم قد أنزله الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم ” على سبعة أحرف من قبائل العرب المجبولين على الفصاحة واللَّسَنِ، والكَيْس والبلاغة؛ لطفاً منه بهم؛ لكي يفهموه، ورِفقاً بهم؛ ليتلوه ويقرؤوه، وحجة عليهم؛ لئلا يجحدوه “([297])، فعن أُبَيِّ بن كَعْبٍ رضي الله عنه أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أَتَاهُ جِبْرِيلُ u فقال: “ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ الْقُرْآنَ على حَرْفٍ ” فقال: “ أَسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ، وَإِنَّ أُمَّتِي لَا تُطِيقُ ذلك ” ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ فقال: “ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ الْقُرْآنَ على حَرْفَيْنِ ” فقال: “ أَسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ، وَإِنَّ أُمَّتِي لَا تُطِيقُ ذلك “، ثُمَّ جَاءَهُ الثَّالِثَةَ فقال: “ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ الْقُرْآنَ على ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ “، فقال: “ أَسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ، وَإِنَّ أُمَّتِي لَا تُطِيقُ ذلك “، ثُمَّ جَاءَهُ الرَّابِعَةَ فقال: “ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ الْقُرْآنَ على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَأَيُّمَا حَرْفٍ قرأوا عليه، فَقَدْ أَصَابُوا([298]).

وأعطى سبحانه قاعدة عامة ليسر هذه الشريعة الغراء بتيسير كتابها للذِّكر، فقال سبحانه: } وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ {([299])، وفي هذا إشارة لسهولة التطبيق وتيسيره.

وقد عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم على إحياء منهج التيسير ونشره بطرق، منها هذه الخمس:

الأولى: تعزيز منهج التيسير بالقدوة من نفسه صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت في ذلك العديد من الأحاديث، أسوق منها هذه الأربعة:

  1. عَنْ عَائِشَةَ ل أَنَّهَا قَالَتْ: مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إِثْماً، فَإِنْ كَانَ إِثْماً كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْه([300]).

وجه الدلالة: الحديث نص في تخيُّر النبي صلى الله عليه وسلم للأيسر، خاصة أنه الأرفق بالناس، وفيه ترك التكلُّف، وطلب المُطاق([301]).

  1. عن أبي هريرة t قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ تَضَمَّنَ اللهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ، لا يُخْرِجُهُ إِلا جِهَاداً فِي سَبِيلِي، وَإِيمَاناً بِي، وَتَصْدِيقاً بِرُسُلِي، فَهُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ أَنْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أَوْ أُرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الذِي خَرَجَ مِنْهُ، نَائِلاً مَا نَالَ مِن أَجْرٍ، أَوْ غَنِيمَةٍ، وَالذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، مَا مِنْ كَلْمٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلا جَاءَ يَوْمُ القِيَامَةِ كَهَيْئَتِهِ حِينَ كُلِمَ، لَوْنُهُ لَوْنُ دَمٍ، وَرِيحُهُ مِسْكٌ، وَالذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْلا أَنْ يَشُقَّ عَلَى المُسْلِمِينَ مَا قَعَدْتُ خِلافَ سَرِيّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ أَبَداً، وَلَكِنْ لا أَجِدُ سَعةً فَأَحْمِلُهُم، وَلا يَجِدُونَ سَعةً، وَيَشُقُّ عَلَيْهِم أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَالذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوَدِدْتُ أَنِّي أَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ فَأُقْتَلْ، ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلْ، ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلْ([302]).

وجه الدلالة: الحديث نصٌ على ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من الشفقة بالمسلمين، والرأفة بهم، وأنه كان يتـرك بعض ما يختـاره؛ للرفق بالمسلمين، وأنه إذا تعارضت المصالح بدأ بأهمِّها، وفيه مراعاة الرفق بالمسلمين، والسعي في زوال المكروه والمشقة عنهم([303]).

  1. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “ لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي ـ أَوْ عَلَى النَّاسِ ــ لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلاةٍ([304]).

وجه الدلالة: بيَّن الحديث ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الرفق بأمته صلى الله عليه وسلم، حيث امتنع من أمرهم بالسواك مع كل صلاة؛ لوجود المشقة بهم عند امتثالهم أمره؛ وهو يدل على أن السنن والفضائل ترتفع عن الناس، إذا خُشي منها الحرج عليهم([305]).

  1. عن عبد الله بن عمر م قال: مكثنا ذات ليلة ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة العشاء الآخرة، فخرج إلينا حين ذهب ثلث الليل أو بعده، فلا ندري أشيءٌ شغله في أهله، أو غير ذلك؟، فقال حين خرج: “ إِنَّكُم لَتَنْتَظِرُونَ صَلاةً مَا يَنْتَظِرُهَا أَهْلُ دِينٍ غَيْرُكُم، وَلَوْلا أَنْ يَثْقُلَ عَلَى أُمَّتِي لَصَلَّيْتُ بِهِم هَذِه السَّاعَةَ “، ثم أمر المؤذن، فأقام الصلاة، وصلى([306]).

وجه الدلالة: نص الحديث على ترك صلى الله عليه وسلم الأفضل في الوقت، وأخذ بالفاضل، مراعاةً للتخفيف عن الأمة، ورفع المشقة عنهم، فكان يُبكِّر بصلاة العشاء، ولا ينتظر ذهاب ثلث الليل.

الثانية: إعطاءُ مبادئَ عامةٍ تدعم منهج التيسير من مثل هذه الخمسة:

  1. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “ يَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلا تُنَفِّرُوا([307]).

وجه الدلالة: الحديث نصٌ في أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتيسير، ونهيه عن التعسير، وهذه معادلة واضحة، فالتيسير يقود إلى التبشير، والتعسير يقود إلى التنفير، وهو ما يخالف منهج النبي صلى الله عليه وسلم وهديه.

  1. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “ إِنَّ الدِّين يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّين أَحَدٌ إِلا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا([308]).

وجه الدلالة: الحديث نص في ابتناء الدين على اليسر، والتحذير من معاندته؛ لأن صاحبها سيبوء بالخسران، فلا بد من السداد والمقاربة، بمراعاة اليسر والعمل به.

  1. عَنِ ابْنِ عُمَرَ م قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ([309]).

وجه الدلالة: نص الحديث على محبة الله تعالى لليسر المتمثل بالعمل بالرخصة في وقتها، وقارن هذه المحبة بكرهه لإتيان المعاصي؛ تنبيهاً على أهمية التيسير على النفس، وبياناً لكون التعسير قد يقود إلى إتيان المعاصي في بعض الأحيان.

  1. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: “ أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُم الحَجَّ فَحُجُّوا ، فقال رجل: أكلّ عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ “، ثم قال: “ ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُم بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِم، وَاخْتِلافِهِم عَلَى أَنْبِيَائِهِم، فَإِذَا أَمَرْتُكُم بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم، وَإِذَا نَهَيْتُكُم عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ([310]).

وجه الدلالة: الحديث نص في النهي عن البحث عمَّا فيه تشديد على النفس وإثقال، وفيه طلب العمل بالنصوص وفق المنهج العامِّ للإسلام، من العمل باليسر وترك العسر.

  1. عن أبي ثعلبة الـخُشَنِيِّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ إِنَّ اللهَ حَدَّ حُدُوداً فَلا تَعْتَدُوهَا، وَفَرَضَ لَكُم فَرَائِضَ فَلا تُضَيِّعُوهَا، وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ فَلا تَنْتَهِكُوهَا، وَتَرَكَ أَشْيَاءَ مِن غَيْرِ نِسْيَانٍ مِن رَبِّكُم، وَلَكِن رَحْمةً مِنْهُ لَكُم، فَاقْبَلُوا وَلا تَبْحَثُوا فِيهَا ([311]).

وجه الدلالة: نص الحديث على منهج الإسلام الواضح، والذي بيَّن الله فيه الحدود التي لا ينبغي تجاوزها، والفرائض التي لا بد من المحافظة عليها ولزومها، والمحرمات التي يجب اجتنابها؛ وما عدا ذلك فقد سكت الشرع عنه رحمة بالناس، وهذا القسم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بعدم التنقيب عنه، عملاً بالرفق واليسر، وحتى لا يُحرم على الناس أو يُفرض شيء لم يكن ليُحرم أو يُفرض لولا السؤال، وهذا ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ” إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ جُرْماً، مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ، فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ ([312]).

الثالثة: رفض تشديد المرء على نفسه أو غيره، وردُّه  صلى الله عليه وسلم للعديد من تصرفات أصحابه y مما يخالف هذا المنهج والمبدأ، ومن ذلك هذه الروايات الثلاث:

  1. عن جابر رضي الله عنه قال: كان معاذ رضي الله عنه يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يأتي فيؤم قومه، فصلى ليلة مع النبي صلى الله عليه وسلم العشاء، ثم أتى قومه فأمَّهم، فافتتح بسورة البقرة، فانحرف رجل فسلم، ثم صلى وحده وانصرف، فقالوا له: أنافقت يا فلان؟ قال: لا والله، ولآتينَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأخبرنَّه، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنَّا أصحاب نواضح نعمل بالنهار، وإنَّ معاذاً صلى معك العشاء، ثم أتى فافتتح بسورة البقرة، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على معاذ، فقال: “ يَا مُعَاذ، أَفَتَّانٌ أَنْتَ؟ اقْرَأْ بِكَذَا، وَاقْرَأْ بِكَذَا([313]).

وجه الدلالة: الحديث نص في إنكاره صلى الله عليه وسلم على معاذ على الرغم من أنه في عبادة؛ لأنه أتي بما يسبب نفور الناس عن دينهم، ويصدهم عنه، ويضيق عليهم؛ لأن التطويل يكون سبباً لخروجهم من الصلاة، وللتكرُّه للصلاة في الجماعة؛ وقد قال عمررضي الله عنه: ” أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تُبَغِّضُوا اللهَ إِلَى عِبَادِهِ “، قَالُوا: وَكَيْفَ ذَاكَ أَصْلَحَكَ اللهُ؟، قَالَ: “ يَكُونُ أَحَدُكُمْ إِمَاماً، فَيُطَوِّلُ عَلَى الْقَوْمِ، حَتَّى يُبَغِّضَ إِلَيْهِمْ مَا هُم فِيهِ([314])، ففيه الإنكار على من ارتكب ما يُنهى

عنه، وإن كان مكروهاً غير محرم([315]).

  1. عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ t قال: جَاءَ ثَلاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ؟! قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَداً. وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلا أُفْطِرُ. وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ، فَلا أَتَزَوَّجُ أَبَداً. فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: ” أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي، فَلَيْسَ مِنِّي([316]).

وجه الدلالة: نص الحديث على إنكاره صلى الله عليه وسلم على هؤلاء الصحابة y اجتهادهم، وأنه عمل على إعادتهم إلى الجادة، وأرشدهم إلى الطريق القويم؛ حتى لا يخالفوا الفطرة، أو يعاندوها، فيصابوا بالانتكاس؛ وأفاد الحديث ” أنَّ من أراد الزيادة على سِير القدوات فهو مُفسد، فإن الأخذ بالتوسط، والقصد في العبادة أولى؛ حتى لا يعجز عن شيء منها، ولا ينقطع دونها “([317]).

  1. عن سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه قال: رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ رضي الله عنه التَّبَتُّلَ([318])، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لاخْتَصَيْنَا([319]).

وجه الدلالة: أفاد الحديث حرص النبي صلى الله عليه وسلم على بقاء أصحابه على الـجادة، وأنه لم يتركهم إلى هوى أنفسهم، فيتشددوا؛ فيقودهم ذلك إلى مخالفة الفطرة، وهو ما أفاده قول سعد رضي الله عنه: وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لاخْتَصَيْنَا.

الرابعة: أنه كان صلى الله عليه وسلم ينقل أصحابه رضي الله عنهم ـــ والناس من بعدهم ـــ من الأشد إلى الأخف، حسب ظروفهم وأحوالهم، ومن ذلك هاتان الروايتان:

  1. عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَتْ بـِي بَوَاسِيرُ، فَسَأَلْتُ النَّبِـيَّ صلى الله عليه وسلم عَنْ الصَّلاةِ، فَقَالَ: “ صَلِّ قَائِماً، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِداً، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ([320]).

وجه الدلالة: الحديث نصٌّ في حرص النبي صلى الله عليه وسلم على التخفيف عن عمران رضي الله عنه، فقد أرشده إلى العمل المشروع في مثل حالته، مما ييسر عليه الصلاة، دون عناء أو مشقة، وفي ذلك انتقال من الأشد إلى الأخف.

  1. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ م: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَفَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِمِنًى لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ، فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ، فَقَالَ: “ اذْبَحْ وَلا حَرَجَ“، فَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ، فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، قَالَ: “ ارْمِ وَلا حَرَجَ ، فَمَا سُئِلَ النَّبِيُّ r عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلا أُخِّرَ إِلا قَالَ: “ افْعَلْ وَلا حَرَجَ([321]).

وجه الدلالة: بين الحديث حرصه صلى الله عليه وسلم على التخفيف عن أمته، ورفع ما يوجب الحرج والمشقة عليهم، حتى لو كانت معنوية لا مادية.

الخامسة: حثه صلى الله عليه وسلم لأولي الأمر من بعده بالرفق بأمته، ومن خيرِ الرفقِ التيسيرُ:

عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: “ اللهُمَّ ارْفُقْ بِمَنْ رَفَقَ بِأُمَّتِي، وَشُقَّ عَلَى مَنْ يَشُقُّ عَلَيْهَا ([322]).

وجه الدلالة: إن هذا الدعاء يحمل في طياته الحث على الرفق بالأمة، رغبة في الحصول على بركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، والتحذير من المشقة عليها، حذراً من دعائه صلى الله عليه وسلم على فاعل ذلك؛ وكل هذا فيه تأصيل منهج التيسير، وتقديمه على التعسير.

وقد فهم السلف هذا من هديه r فحرصوا على الرفق والتيسير بالناس ومما جاء في ذلك هذان الأثران:

  1. كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه يَأْخُذُ فِي بَعْضِ أَوْقَاتِهِ بِالْأَيْسَرِ، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ تَخْفِيفٌ لِلْعِبَادَةِ، وَرِفْقٌ بِالنَّاسِ فِي اسْتِدَامَتِهَا([323])، فعن عبد الله بن عامر رحمه الله أن الناس مطروا على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فامتنع الناس من المصلى، فجمع عمر t الناس في المسجد، فصلى بهم، ثم قام على المنبر، فقال: يا أيها الناس، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج بالناس إلى المصلى يصلي بهم؛ لأنه أرفق بهم، وأوسع عليهم، وإن المسجد كان لا يسعهم؛ قال: فإذا كان هذا المطر، فالمسجد أرفق([324]).
  2. وعَنْ أَبِي الْمُعْتَمِرِ رحمه الله قَالَ: سَأَلْتُ الْحَسَنَ رحمه الله أَيَّ سَاعَةٍ أَقُومُ بِهِمْ؟ قَالَ: انْظُرْ أَرْفَقَ ذَلِكَ بِالْقَوْمِ([325]).

وقد استفاد العلماء رحمهم الله هذا المنهج من النبي صلى الله عليه وسلم، فوضعوا في ذلك القواعد، وجعلوا التخفيف والرفق سببَ فتواهم بشيءٍ غير المألوف، أو العمل بالضعيف من الآراء أحياناً؛ لأنه الأرفق بالناس، والأيسر بهم.

ومن القواعد التي وضعها العلماء في هذا الباب:

  1. المشقة تجلب التيسير([326]).
  2. إذا ضاق الأمر اتسع([327]).
  3. الضرورات تبيح المحظورات([328]).
  4. الحاجة تُنَزَّل منزلة الضرورة، خاصة كانت أو عامة([329]).
  5. الحرج مرفوع شرعاً([330]).

يقول الشاطبي:: إنَّ الأدلة على رفع الحرج في هذه الأمة بلغت مبلغ القطع([331]).

ومن العبارات التي كان العلماء يقولونها معلِّلين بها بعض الفتاوى:

  1. ما جاء عند الحنفية من تركهم الصحيح إلى مُقَابِلِ الصَّحِيحِ أَوْ الْأَصَحِّ معللين ذلك بقولهم: ” لأن مُقَابِلَ الصَّحِيحِ أَوْ الْأَصَحِّ وَنَحْوَهُ قَدْ يَكُونُ هُوَ الْمُفْتَى بِهِ؛ لِكَوْنِهِ هُوَ الْأَحْوَط، أَوْ الْأَرْفَق بِالنَّاسِ، أَوْ الْمُوَافِق لِتَعَامُلِهِمْ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَرَاهُ الْمُرَجِّحُونَ فِي الْمَذْهَبِ دَاعِياً إلَى الْإِفْتَاءِ بِهِ”([332]).
  2. وفي موضع آخر: ” لو أفتى مفتٍ بشيء من هذه الأقوال([333])، في مواضع الضرورة طلباً للتيسير كان حسناً “([334]).

وأخيراً، فإن مما ينبغي التنبيه عليه، أن التيسير لا يعني الترخُّص الزائد عن الحد، حتى الوصول إلى تمييع الدِّين، بل التيسير منهج قويم، يقوم على مراعاة نصوص الشرع وقواعده، ويقتبس من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ويضع كل شيء في موضعه الصحيح، مع الأخذ بعين الاعتبار الواقع الذي يحياه، والملابسات والظروف المحيطة به، ومدى استعداد الناس لِتَلَقِّي الأحكام الشرعية، ودرجات هذا الاستعداد والتلقِّي.

فحريٌ بمن يريد تطبيق شريعته صلى الله عليه وسلم الاقتداء به في هذا المنهج النبوي الأصيل، وألَّا يتَّبِع هوى نفسه من التشدد، أو الترخص الزائد، فالتيسير سبيل وسطي لا إفراط فيه ولا تفريط.

 الفصل الرابع : مراعاة المقاصد والأولويات والواقع

وفيه مبحثان:

المبحث الأول: مراعاة المقاصد والأولويات.

المبحث الثاني: مراعاة الواقع وتغيراته.

 المبحث الأول: مراعاة المقاصد والأولويات

قبل الحديث عن منهج النبي صلى الله عليه وسلم في مراعاته للمقاصد والألويات، أسوق تعريفاً موجزاً لكل منهما:

  • أولاً: مفهوم المقاصد:

(أ) المقاصد في اللغة([335]): جمعٌ مفرده مَقْصد، وهو مأخوذ من قَصَدَ، والقَصْد يأتي في اللغة لمعان، منها هذه الثلاثة:

  1. الاعتمادُ، والأَمُّ، وإتيان الشيء والتوجه إليه، ومنه قصدتُه إذا أممته وتوجَّهْتُ إليه.
  2. استقامة الطريق، ومنه قوله تعالى: } وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ {([336]).
  3. العدل والتوسط وعدم الإفراط، ومنه قوله تعالى: }وَاقْصِدْ فِي مَشْيِك {([337]).

ولعلَّ الـمعنى الأول هو أقربها للحديث عن مقاصد الشريعة([338])، وإنْ كانت الـمعاني الأخرى مندرجةً ضمناً، فالشريعة تسعى للطريق المستقيم، ومنهجها العدل والتوسط وعدم الإفراط.

(ب) المقاصد في الإصلاح:

تنوعت تعريفات العلماء للمقاصد تنوعاً شديداً، حتى لا يكاد أحدٌ يتكلَّم في مقاصد الشريعة إلا ويأتي بتعريفات مَنْ سبقه، ثم يقترح تعريفاً من عنده، وغالب هذه التعريفات متقارب ومتشابه، ومنها ما كان يركز على المقاصد بشكلٍ عامٍّ، ومنها ما كان ينظر إلى المقاصد الخاصة؛ بل نظر البعض إلى المقاصد الجزئية لكلِّ حكمٍ على حدة([339]).

ولعل أقرب تعريف للمقاصد ـ من وجهة نظري ـ ما عرَّفها به الشيخ القرضاوي حفظه الله؛ حيث قال عن المقاصد: هي الغايات التي تهدف إليها النصوص، من الأوامر والنواهي والإباحات، وتسعى الأحكام الجزئية إلى تحقيقها في حياة المكلفين أفراداً، وأسراً، وجماعاتٍ، وأمة([340]).

فشمل بذلك المقاصد بأنواعها: عامةً، أو خاصةً، أو جزئية.

وقال أيضاً: يمكن أن نُطلق على هذه المقاصد اسم: الحِكَم التي تُطلب من وراء تشريع الأحكام، سواء أكانت مقتضيةً أم مخيِّرَة([341])، إذْ وراء كلِّ حكم شرعه الله حِكمة، علمها من علمها، وجهلها من جهلها؛ لأن الله تعالى يتنزه أن يشرع شيئاً اعتباطاً أو عبثاً، أو يشرعه مضاداً للحكمة([342]).

  • ثانياً: مفهوم الأولويات:

(أ) الأوليات في اللغة: جمع أولوي، وهو مأخوذ من أَوْلَى، وهي تدل على سبق شيءٍ لغيره، باعتبار الأول يسبق مَن بعده؛ وتأتي أَوْلَى بمعنى أحق، ومنه قوله تعالى: } إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ{ ([343]).

وقوله تعالى: } أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى {([344])، هي عبارة تستعمل للتهديد، أي الشر أقرب إليك؛ وكذلك تقال للتحسر على فوت مرغوب فيه([345]).

قلت: وما كان هذا التهديد إلا لمَّا أخلَّ المهدَّد أو المتحسِّرُ بتقديم أحد أمرين تعارضا، فقدَّم ما فيه هلاكه على ما فيه نـجاته، وهو ما تشير إليه أسباب استعمال هذه الكلمة وأساليبها في اللغة([346]).

قال الراغب رحمه الله: وأكثر ما يُستعمل مكرراً، وكأنه حثٌّ على تأمُّلِ ما يئول إليه أمره؛ ليَتَنَبَّه للتحرز منه([347]).

قلت: ولا تكون الأولويات إلا بعد تأمل ما يؤول إليه الأمران اللذان يُراد تقديم أحدهما عند عدم إمكان العمل بهما جميعاً.

(ب) الأولويات في الاصطلاح: لم يستخدم فقهاؤنا القدماء مصطلح الأولويات، لكنهم جعلوا للأعمال مراتبَ ودرجاتٍ، فقدَّموا أعلاها، وأخَّروا ما بعد الأعلى، وظهر في كلامهم تقديم أعلى المصلحتين، وارتكاب أخفِّ الشرين دفعاً لأعلاهما.

وقد استخدم المعاصرون كلمة الأولويات، وكان من أفضل تعريفاتهم لها ما عرَّفها به الشيخ القرضاوي حفظه الله بأنها: وَضْعُ كلِّ شيء في مرتبته بالعدل، من الأحكام، والقيم، والأعمال، ثم يقدَّم الأولى فالأولى، بناء على معايير شرعية صحيحة، يهدي إليها نور الوحي، ونور العقل([348]).

وبناءً عليه: فلا يُقدَّم غير الأهم على الـمهم، ولا المرجوح على الراجح، ولا الـمفضول على الفاضل أو الأفضل، بل يُقدَّم ما حقُّه التقديـم، ويُؤخَّر ما حقُّه التأخير، ولا يُكبَّر الصغير، ولا يُهوَّن الـخطير، بل يُوضع كلُّ شيءٍ في موضعه بالقسطاس الـمستقيم، بلا طغيان ولا إخسار.

وأساس هذا: أنَّ القِيَم والأحكام، والأعمال والتكاليف، متفاوتة في نظر الشرع تفاوتاً بليغاً، وليست كلها في رتبة واحدة، فمنها الكبير ومنها الصغير، ومنها الأصلي، ومنها الفرعي، ومنها الأركان، ومنها المكملات، ومنها ما موضعه في الصُّلب، وما موضعه في الهامش، وفيها الأعلى، وفيها الأدنى، والفاضل والمفضول([349]).

  •  ثالثاً: مراعاة النبي صلى الله عليه وسلم للمقاصد والأولويات:

راعى النبي صلى الله عليه وسلم في تشريعه للأحكام وفي سائر دعوته، المقاصدَ والأولوياتِ أيَّما مراعاةٍ، وكان هذا المنهج واضحاً وجلياً لصحابته y، ويوضح ذلك الأمثلة الأحد عشر التالية:

  1. حديث عائشة ل: ” إِنَّمَا نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ، سُورَةٌ مِنْ الْمُفَصَّلِ فِيهَا ذِكْرُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، حَتَّى إِذَا ثَابَ النَّاسُ إِلَى الْإِسْلَامِ، نَزَلَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ، وَلَوْ نَزَلَ أَوَّلَ شَيْءٍ لَا تَشْرَبُوا الْخَمْرَ، لَقَالُوا: لَا نَدَعُ الْخَمْرَ أَبَداً، وَلَوْ نَزَلَ لَا تَزْنُوا، لَقَالُوا: لَا نَدَعُ الزنى أَبَداً؛ لَقَدْ نَزَلَ بِمَكَّةَ عَلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَإِنِّي لَجَارِيَةٌ أَلْعَبُ } بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ {([350]) وَمَا نَزَلَتْ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ إِلَّا وَأَنَا عِنْدَهُ([351]).

ومن هنا يظهر تأخُّر نزول الأحكام التفصيلية إلى العهد المدني؛ لأن الأولوية كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في بداية الرسالة إصلاح الأهمِّ عند الناس من العقائد والآداب، وأسس الأحكام، كالصلاة.

  1. بل من المعلوم أنه صلى الله عليه وسلم جعل الأولوية في بداية دعوته أن تكون سِرِّيّةً([352])؛ ليقوم باختيار القاعدة القوية المناسبة لحمل هذه الرسالة العظيمة، وسواء أكان ذلك باجتهاد منه، أم بوحي من الله تعالى، فقد كان هناك مقصد وأولوية.
  2. وبعد هجرته صلى الله عليه وسلم  إلى المدينة المنورة كانت أولويته تثبيتَ دعائم الدولة الناشئة، والاستعداد للمعركة القادمة حتماً مع قريش، والذي يتأمل ما اشترطه r على الأوس والخزرج في بيعة العقبة الثانية يرى أولويته واضحة عليه الصلاة والسلام([353])، ثم في مصالحته بين الأوس والخزرج أول هجرته، ومعاهدته مع اليهود بطوائفهم، وإخائه بين المهاجرين والأنصار، وبنائه مسجد قباء، ثم مسجده r يرى توضيحاً لطبيعة المرحلة الجديدة في الدعوة([354])؛ وبدء تنزل الأحكام التكليفية عليه r بصورة متتابعة وممنهجة ومتدرجة، كل ذلك يوضِّح الاهتمام بالمقاصد والأولويات عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.
  3. وكذلك كانت أولويته صلى الله عليه وسلم في إرسال دعاته وجيوشه إلى الآفاق نشرَ الدعوة الإسلامية، وفيها البدء بالدعوة إلى الإسلام، وإلَّا فالجزية، وهي تعبِّر عن علاقات جيدة بين الدولة الإسلامية والدولة المستهدفة بالدعوة (وليست الجزية في كلِّ حال)، ثم القتال إن رفضت الدولة السماح للدعاة بتبليغ رسالة الله تعالى، ووقف نظامها حائطَ صدٍّ بينهم وبين الناس؛ وعند احتدام القتال لا نقاتل إلا من يقاتل، فليس المقصد إراقة الدماء، ولا نشرَ الخراب والدمار والرعب بين الناس، بل المقصد إزاحة العوائق من طريق الدعوة إلى الله.
  4. وقد مضى حديث بُرَيْدَةَ t قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r إِذَا أَمَّرَ أَمِيراً عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْراً، ثُمَّ قَالَ: “ اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ، فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَمْثُلُوا وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيداً، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ أَوْ خِلَالٍ، فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ…“الحديث([355]).
  5. وفي صفة الصلاة حال الخوف نجد الصفة الطبيعية قد تُركت بحسب ميدان المعركة؛ لأنَّ الأولوية للقتال، والمقصد الارتباط بالله تعالى، وحفظ نفوس المجاهدين.

وقد قال الله تعالى: } حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (238) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ {([356])، وقال سبحانه: } وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (102) فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا {([357]).

ومما جاء من صفات صلاة الخوف عنه r ما روى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ م قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ r قِبَلَ نَجْدٍ، فَوَازَيْنَا الْعَدُوَّ، فَصَافَفْنَا لَهُمْ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ r يُصَلِّي لَنَا، فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ تُصَلِّي، وَأَقْبَلَتْ طَائِفَةٌ عَلَى الْعَدُوِّ، وَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ r بِمَنْ مَعَهُ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفُوا مَكَانَ الطَّائِفَةِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ، فَجَاءُوا، فَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ r بِهِمْ رَكْعَةً، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ رَكْعَةً، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ([358]).

  1. وكذلك من مراعاته صلى الله عليه وسلم للمقاصد والأولويات، تصرُّفه في صلح الحديبية، حيثُ كان مقصده صلى الله عليه وسلم تعريةَ قريش، وإظهارَ صلفها وإجرامها أمام العرب، الذين كانوا يعظِّمون البيت الحرام، ويعتبرون صدَّ الناس عنه من الموبقات العظيمة؛ فتمَّتْ تعريتُهم بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإعلانه عن عزمه لأداء العمرة؛ وكذلك كان من مقصده صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية تنحية قريش عن ساحة المعركة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ للتفرغ لجبهات أخرى، وللعودة إلى تفعيل الدعوة في سائر المناطق؛ فإن الانشغال بالقتال المستمر والإعداد، يشغل الدعاة عن مقصد الإسلام، وهدفه من هداية الناس، كذلك تفرغه للجبهات الأقلِّ خطورة من قريش؛ مثل خيبر، فقدَّم صلى الله عليه وسلم هذا الصلح على أداء العمرة، وعلى إخراج أسرى المسلمين وتحريرهم من أيدي قريش، بل والرضا بإرجاعهم إلى قريش إنْ هم هربوا، بل وأكثر من ذلك التنازل الظاهر عن كتابة ” الرحمن الرحيم ” وعن كتابة ” رسول الله “، في وثيقة الصلح.

عَنْ الْبَرَاءِ t قَالَ: لَمَّا اعْتَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي ذِي الْقَعْدَةِ، فَأَبَى أَهْلُ مَكَّةَ أَنْ يَدَعُوهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ، حَتَّى قَاضَاهُمْ عَلَى أَنْ يُقِيمَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَتَبُوا الْكِتَابَ، كَتَبُوا: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، قَالُوا: لَا نُقِرُّ لَكَ بِهَذَا، لَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا مَنَعْنَاكَ شَيْئاً، وَلَكِنْ أَنْتَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: “ أَنَا رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ “، ثُمَّ قَالَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ t: امْحُ رَسُولَ اللَّهِ ” قَالَ عَلِيٌّ: لَا وَاللَّهِ، لَا أَمْحُوكَ أَبَداً، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ r الْكِتَابَ، وَلَيْسَ يُحْسِنُ يَكْتُبُ([359])، فَكَتَبَ([360]): “ هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، لَا يُدْخِلُ مَكَّةَ السِّلَاحَ إِلَّا السَّيْفَ فِي الْقِرَابِ، وَأَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ أَهْلِهَا بِأَحَدٍ إِنْ أَرَادَ أَنْ يَتْبَعَهُ، وَأَنْ لَا يَمْنَعَ مِنْ أَصْحَابِهِ أَحَداً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ بِهَا “… الحديث([361]).

  1. ومن الأمثلة أيضاً على منهجه صلى الله عليه وسلم في رعاية المقاصد والأولويات: أمره للمجاهدين بالإفطار، فعن أبي سعيد الخدري t قال: سافرنا مع رسول الله r إلى مكة، ونحن صيام، قال: فنزلنا منزلاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ، وَالفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ “، فكانت رخصة، فمنا من صام، ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلاً آخر، فقال: “ إِنَّكُمْ مُصَبِّحُو عَدُوِّكُمْ، وَالفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ، فَأَفْطِرُوا “، وكانت عَزْمَةً، فأفطرنا([362]).

يقول ابن القيم: معلقاً: ” تنبيه الشارع وحكمته، يقتضي أنَّ الفطر لأجل الجهاد أولى منه لمجرد السفر، فكيف وقد أشار إلى العلة ونبَّه عليها، وصرَّح بحكمها، وعزم عليهم بأن يفطروا لأجلها “([363]).

وكذلك إفطاره صلى الله عليه و سلم بعد العصر؛ رعاية لحال الناس، كأولوية للفطر على الصوم، فعن جابر بن عبد الله م: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كراع الغميم([364])، فصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء، فرفعه حتى نظر الناس إليه، ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام، فقال: “ أُولَئِكَ العُصَاةُ، أُولَئِكَ العُصَاةُ “، وزاد في رواية: فقيل له: إن النَّاس قد شقَّ عليهم الصيام، وإنما ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر([365]).

وكذلك من مراعاته صلى الله عليه وسلم للمقاصد والأولويات في المدينة: صبره على المنافقين، وقد فصلتُ القول فيها في المبحث التالي.

  1. ومن رعايته صلى الله عليه و سلم للواقع والأولويات أنه لم يكن يولي العمل إلا من كان أهلاً له، ولا يلتفت إلى عواطف بعض الصحابة y في رغبتهم في الولاية ومما جاء في ذلك هذان الحديثان:

أ. عن أَبي ذَرٍّ رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: ” يَا أَبَا ذَر إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وإِنَّهَا أَمَانَةٌ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ، وَنَدَامَةٌ، إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا([366]).

ب. عَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه  قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَا وَرَجُلَانِ مِنْ قَوْمِي، فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ: أَمِّرْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَقَالَ الْآخَرُ مِثْلَهُ، فَقَالَ: إِنَّا لَا نُوَلِّي هَذَا مَنْ سَأَلَهُ، وَلَا مَنْ حَرَصَ عَلَيْهِ([367]).

  1. وكذلك تأخير حجه صلى الله عليه وسلم إلى العام العاشر للهجرة، حيث آثر ـــ كأولوية ـــ تأليفَ قلوب الناس، وتركهم يحجون بالبيت على عادتهم مشركين وعراة، للعامين الثامن والتاسع للهجرة، كوسيلة فقهية دعوية، يُفهم من خلالها أن المجتمع المسلم عند إرادته تطبيق الشريعة لا بدَّ له من سعة أفق، ورحابة صدر؛ لمراعاة أحوال الناس وعاداتهم التي كانوا يعيشون عليها، وألَّا يستعجل؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان صاحب السيادة على مكة بعد فتحها؛ إلا أنَّه لم يستغلَّ قوَّته أو سطوته لفرض ما يريد، بل حرص أن يتغاضى قليلاً؛ حتى يقتنع الناس من أنفسهم بجمال الدِّين وروعته، ولو كان ذلك على حساب بعض المحظورات؛ كدخول المشركين البيت الحرام، أو انكشاف العورات بطواف العراة حول الكعبة، فإنَّ كلَّ عاقل من هؤلاء حين يرى عفة المسلمين وأدبهم، وتوحيدهم لله، سيراجع نفسه، ويعود إلى رشده؛ وبعد إعطاء الفرصة لعامين، تمَّ حسم الموضوع كما يحبُّ الإسلام، وهذا مما يشدُّ الانتباه أن الذين شهدوا فتح مكة كانوا عشرة آلاف، والذين شهدوا حجة الوداع بعد عامين كانوا أكثر من مائة ألف.

وقد سبق أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل أبا بكر وعلياً م، فنادوا في الناس بأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم: “ لا يَحُجَّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وَلا يَطُوفَ بِالبَيْتُ عُرْيَان ([368]).

  1. والشيء نفسه يقال في تركه صلى الله عليه وسلم الكعبة على ما هي عليه، مع وجود النقص في بنيانها؛ مراعاة لحال الناس([369]).

وكل هذا فيه من الفقه للسياسي المسلم، والفقيه المسلم، والقائد المسلم ما يوسِّع أفقه في التعامل مع الواقع الذي يعيشه، وأن يَعَضَّ في بعض الأوقات على شيء من الآلام والجراح؛ لتحقيق مقصدٍ أسمى، وهدفٍ أهمَّ للدولة المسلمة، أو الجماعة المسلمة، وعدم شَغل النفس بقضايا تتأخر في مقصدها رتبةً عن غيرها.

وما جهل قوم هذه الحقائق والمقاصد إلَّا بسبب جهلهم، أو قلة فقههم، يقول الشاطبي رحمه الله: ” اعلم أن الله تعالى إذا نفى الفقه أو العلم عن قوم، فذلك لوقوفهم مع ظاهر الأمر، وعدم اعتبارهم للمراد منه، وإذا أثبت ذلك، فهو لفهمهم مراد الله من خطابه، وهو باطنه “([370]).

ثم قال: ” وعلى الجملة، فكل مَن زاغ ومال عن الصراط المستقيم، فبمقدار ما فاته من باطن القرآن فهماً وعلماً، وكل من أصاب الحق وصادف الصواب، فعلى مقدار ما حصل له من فهم باطنه “([371]).

والأمثلة غير ما سبق كثيرة، بل لا أبالغ إنْ قلتُ: إنَّ حياة النبي صلى الله عليه وسلم الدعوية، والتشريعية، والسياسية، والجهادية كانت كلها أولويات ومقاصد.

المبحث الثاني: مراعاة الواقع وتغيراته

إنَّ واقع الناس متغير متبدِّل؛ نظراً لتنوع ظروفهم وعاداتهم، وأحوالهم وتربيتهم، وما نشؤوا عليه، وما يتنوع في الواقع من ثقافات وديانات، وما يحيط بالدولة أو القبيلة من دول أو قبائل قد يكون لها أثر في حياة الدولة أو القبيلة.

وقد كان صلى الله عليه و سلم على إدراكٍ تامٍّ لهذه الحقيقة، فراعى تغُّيراتِ الواقع في دعوته، وتشريعه، وسياسته، وعلَّمنا ضرورة الانتباه للواقع وتغيُّراتِه، والظروف والملابسات المؤثرة فيه.

ومراعاة الواقع له ارتباط وثيق بمسألة التدرج في الدعوة والتشريع، حيثُ كانت النصوص القرآنية تتنزل على النبي صلى الله عليه و سلم في كثير من الأوقات حسب الواقع الذي يـحياه، وكثيرٌ من التشريعات تعامل معها النبي صلى الله عليه وسلم حسب الواقع الذي كان فيه، وهاك اثنا عشر مثالاً منها:

  1. لعل من أوضح الأمثلة على ذلك أنَّ واقع مكة المكرمة في بداية الدعوة لم يكن يستوعب نزول أحكام تشريعية تمنعه من بعض سلوكياته وتصرفاته، ولعل حديث عائشة ل السابق([372]) من أوضح الأدلة على ذلك، فإنَّ من يعيش على عشق الخمر والزنى، وأكل المال بالباطل، لن ينتهي عنه في يوم وليلة، أو دون تغيير قناعاته وأفكاره، حتى يترك ما كان مألوفاً لديه.
  2. ولعل من مراعاة الواقع أيضاً عدم المجابهة مع الكفار في مكةَ المكرمة، فإنَّ واقع المسلمين لم يكن مهيأً لإحداث حرب مع قريش؛ حفاظاً على سمعة الدعوة أولاً، ومراعاةً لضعف عدد المسلمين وقلة عُدَّتهم ثانياً، حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرح لأصحابه y حين كانوا يطلبون المواجهة المسلحة قائلاً: ” اصْبِرُوا، فَإِنِّي لَمْ أُومَرْ بِالقِتَالِ([373]).

” فلا بد أن يكون للمؤمنين بهذه العقيدة من سلطانٍ على أنفسهم وعلى مجتمعهم، ما يكفل تنفيذ النظام والشرائع في هذا المجتمع؛ حتى يكون للنظام هيبته، ويكون للشريعة جديتها، فوق ما يكون لحياة هذا المجتمع من واقعيةٍ تقتضي الأنظمة والشرائع من فورها؛ والمسلمون في مكة لم يكن لهم سلطان على أنفسهم ولا على مجتمعهم؛ وما كانت لهم حياة واقعية مستقلة هم الذين ينظمونها بشريعة الله، ومن ثَم لم ينزِّل الله لهم في هذه الفترة تنظيمات وشرائع، وإنما نزَّل لهم عقيدة، وخُلقاً منبثقاً من هذه العقيدة بعد استقرارها في الأعماق البعيدة، فلمَّا أنْ صارت لهم دولة في المدينة ذات سلطان، تنزلت عليهم الشرائع، وتقرر لهم النظام الذي يواجه حاجات المجتمع المسلم الواقعية، والذي تَكْفل له الدولة بسلطاتها الجدية: النفاذ “([374]).

  1. ومن مراعاته r للواقع، أنَّه لم يحجَّ حجة الإسلام أو يعتمر في مدة المرحلة المكية، ولو تأمَّل الإنسان ذلك لعلم مدى سياسته وحنكته وفهمه r ومراعاته للواقع، فإنه لو حجَّ صلى الله عليه وسلم لوقعت مفاسد منها هذه الثلاثة:

أ. لكان تحت وصاية المشركين في الحج ومسئوليتهم، وتبعاً لهم، وهو أمر يصعب فيه المتابعة في قضية عبادية، هم فيها على غير حق.

ب. وَلَظَهر r هو ودعوته في صورة منبوذة في أعين القبائل، خاصةً أن القبائل تعظِّم قريشاً؛ لكونهم سدنة البيت، فإن رأوا مخالفة النبي r؛ لها لقالت القبائل عنه: إنه ابن شُؤْمٍ على قبيلته، وإن دعوته منبوذة؛ لمخالفتها المعهود لديهم.

ج. ولاعْتَقَد بعض الناس أنَّه صلى الله عليه وسلم يعبد الأصنام، فهو كقومه يطوف حول البيت، ولقالوا ما قالت السحرة عن موسى u وأخيه: } قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى {([375]).

  1. ومن مراعاته صلى الله عليه وسلم للواقع في مكة في مرحلة الاستضعاف، أنه عمل بقانون الجوار، ولم يعتمد صلى الله عليه و سلم على خصوصية النبوة، وما حباه الله به من استجابة للدعاء؛ حتى يتعلم أتباعه مِنْ بَعْده صلى الله عليه وسلم كيف يصنعون في حال الضعف؛ فقد دخل في جوار المطعم بن عدي عند عودته r من الطائف، ولم يكن ذلك قدحاً في توكله أو اعتماده على الله تعالى([376]).
  2. وكذلك استفاد صلى الله عليه وسلم من قانون القبيلة، وتحالَف مع عمِّه أبي طالب في شِعْب أبي طالب، والذي ضمَّ المسلمين ومن ساندهم من المشركين، وهذا يفيدنا أنه صلى الله عليه وسلم لم يتعامل بالمفاصلة مع جميع الكفار؛ بل استفاد ممن استفاد منه في نصرة الدعوة، وفاصَل مَن عاندها، وجاهَر بعدائه واستهدافه لها([377]).
  3. ومن مراعاة الواقع أيضاً إقرار النبي صلى الله عليه وسلم للنجاشي بقاءه على ملكه، كاتماً للإسلام، ولم يطلب منه الهجرة إليه، أو الإعلان بإسلامه؛ مراعاة لحال قومه، والمصلحة المرجوة من بقائه ملكاً عليهم.

يقول ابن تيمية رحمه الله: ” والنجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن، فإنَّ قومه لا يُقرونه على ذلك، وكثيراً ما يتولى الرجل بين المسلمين والتتار قاضياً، بل وإماماً، وفي نفسه أمور من العدل يريد أن يعمل بها، فلا يمكنه ذلك، بل هناك من يمنعه ذلك، ولا يكلِّف الله نفساً إلا وسعها، وعمر بن عبد العزيز: أوذي على بعض ما أقامه من العدل، وقيل: إنه سُمَّ على ذلك، فالنجاشي وأمثاله سعداء في الجنة، وإن كانوا لم يلتزموا من شرائع الإسلام ما لا يقدرون على التزامه، بل كانوا يحكمون بالأحكام التي يمكنهم الحكم بها “([378]).

  1. وعندما أراد النبي صلى الله عليه وسلم تغيير واقعه بأمر من الله تعالى، وأراد الهجرة إلى المدينة، رسم معالم المرحلة الجديدة بناءً على الواقع الجديد، والانتقالة الجديدة للدعوة الإسلامية، فكان خطابه مع الأوس والخزرج مبنياً على طبيعتهم الحربية، والوضع الجديد للدعوة([379]).

وقد ذكرتُ في مبحث المقاصد والأوليات كيف كانت أولوية النبي صلى الله عليه وسلم في استقرار الوضع الداخلي للمدينة، وما ذلك إلا بسبب الواقع الذي كانت تحياه يثرب من صراعات وحروب وعدم استقرار، ففرض الواقعُ البدءَ بالمصالحة بين الأوس والخزرج، والمعاهدات مع يهود المدينة، والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار.

  1. وبدأ في المدينة نزول الأحكام التكليفية متدرجاً، فإنَّ الواقع كان ملائماً لذلك، بخلاف مكة، ولعل السبب في ذلك أنَّ أهل المدينة عاشوا بين اليهود، وهم أصحاب ديانة سماوية، وكان عندهم من الأحكام الدِّينية ما يُظهرونه أمام الناس، بخلاف مكة، فإنَّ الوثنية كانت قائمةً فيهم أكثرَ من غيرهم، واختلاطهم بأصحاب الديانات السماوية ليس كأهل المدينة.
  2. وقد استوقفني هذا الحديث الصحيح العجيب عن أبى سعيد الخدري t قال: سمعت رسول الله r يـخطب بالـمدينة قال: ” يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ تَعَالـَى يُعَرِّضُ بِالخَمْرِ، وَلَعَلَّ اللهَ سَيُنْزِلُ فِيهَا أَمْراً، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ، فَلْيَبِعْهُ، وَلْيَنْتَفِعْ بِهِ “، قال: فما لبثنا إلا يسيراً حتى قال النبي r: ” إِنَّ اللهَ تَعَالَى حَرَّمَ الخَمْرَ، فَمَنْ أَدْرَكَتْهُ هَذِهِ الآيةُ، وَعِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ، فَلَا يَشْرَبْ وَلَا يَبِعْ “، قال: فاستقبل الناس بما كان عندهم منها في طريق المدينة فسفكوها([380]).

إنه r يرشدهم في أمرٍ عَلِم من طبيعة هذا الدِّين، ومن خلال ما أُوحي إليه من قرآن أنه سيُحَرّم، فكأنه قال لهم: أدرِكُوا أنفسكم، وانتفعوا قبل التحريم؛ فبدلاً من ضياع هذا المال ــ في حينه ـــــــ اغتنِموه بالبيع والانتفاع.

فينبغي على من يريد تطبيق الشريعة أنْ يكون واسع الأفق ناصحاً، فمن أسلم مثلاً حديثاً، ولديه خمر، خارج بلاد المسلمين، ولم يتعلَّم بَعْدُ أحكامَ الإسلام، فمن المحتمل حسب الحديث أنه يُنصَح بالانتفاع بما عنده منها، قبل أن تقوم عليه حجة التحريم، وفي هذا تأليف لقلبه، وحفظ لماله، يعينه على الثبات على الإسلام.

  1. ومن مراعاته r لواقع الناس، وترغيبهم في الدخول في الإسلام، إقرار غير المسلمين على أنكحتهم التي سبقت دخولـهم الإسلام، فلم يُنْقل أنَّه جُدِّدَتْ عقود أنكحتهم، ولـم يَسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شروط النكاح، ولا كيفيته، وهذا أمرٌ عُلِم بالتواتر والضرورة، فكان يقيناً([381]).
  2. ومن أمثلة ذلك أيضاً، أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يراعي في تعامله مع الناس واقعهم الذي يحيَوْن فيه، ويغلِّب لغة العقل على لغة العاطفة، ولعلَّ من أوضح الأمثلة على ذلك: موقفه من تصرفات عبد الله بن أُبَيّ بن سلول رأس النفاق، فإنه كان يؤذي رسول الله r بأقواله وأفعاله؛ حسداً وحقداً على رسول الله r، فكان النبي صلى الله عليه و سلم يداريه، ويترفَّق به؛ ليتألَّفه، وصبر عليه صلى الله عليه وسلم؛ مراعاة لـحاله، حيث كان قومه يهيئون له الأمر، حتى يكون ملكاً عليهم([382])؛ وحدث في غزوة بني الـمصطلق أنْ قال عبد الله بنُ أُبـَيّ: لئن رجعنا إلى الـمدينة، ليخرجنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ، فبلغ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقال عمر  رضي الله عنه للنبـي صلى الله عليه وسلم: دَعْنـِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: “ دَعْهُ، لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُـحَمَّداً يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ([383])، فجاءه ابنه عبد الله بن عبد الله بن أُبـَيّ، فقال: يا رسول الله، بلغنـي أنك تريد قتل عبد الله بن أُبـَيّ، فإنْ كنتَ فاعلاً، فمرنـي به، فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد عَلِمَتِ الخزرجُ ما كان فيها رجل أبرّ بوالده مِنِّي، وإنـِّي أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعنـي نفسي أنْ أنظر إلى قاتل عبد الله بن أُبَيّ يمشي في الناس، فأقتله، فأقتل مؤمناً بكافر، فأدخل النار، فقال صلى الله عليه وسلم: ” بَلْ نَتَرَفَّقُ بِهِ، وَنُحْسِنُ صُحْبَتَهُ مَا بَقِيَ مَعَنَا “، فكان أصحاب عبد الله بن أُبيّ بعد ذلك إذا أحدثَ الحدث، هُم الذين يعاتبونه، ويُعنِّفُونه ويتوعدونه، فقال رسول الله r لعمر بن الخطاب t حين بلغه ذلك من شأنهم: ” كَيْفَ تَرَى يَا عُمَر؟ أَمَا وَاللهِ لَوْ قَتَلْتُهُ يَوْمَ قُلْتَ لِي، لأُرْعِدَتْ لَهُ آنُفٌ، لَوْ أَمَرْتُهَا اليَوْمَ بِقَتْلِهِ لَقَتَلَتْهُ “، فقال عمر t: قد والله علمتُ لَأَمْرُ رسول الله صلى الله عليه و سلم أعظم بركةً من أمري([384]).

وفي هذا دليل على إرجاء تطبيق بعض الأحكام مراعاة للواقع، فابن أُبيّ كان يستحق القتل يوم استأذن عمرُ t بقتله، إلا أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أخّر تطبيق الحكم وأرجأه؛ لما يترتب على ذلك من المصالح، ولما يترتب على تطبيقه من المفاسد، كما ظهر من الحديث.

ويستوقفني هنا وصف النبي r لعبد الله بن أُبيّ أنَّه من أصحابه، وهو يعلم علم اليقين أنه كافر بالله؛ ولعل السبب الواضح في ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لم ينظر إلى علمه هو وأصحابه عن ابن سلول، بل كان صلى الله عليه وسلم يراعي الواقع المحيطَ بالمدينة النبوية، في زمن كثُرت فيه الإشاعات والتشويه للدعوة الإسلامية؛ فإنَّ ابن سلول كان في نظر الناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فنتعلم هنا عندما نريد تطبيق الشريعة في زماننا أن لا يغيب عنا واقع الناس الذي عاشوه، ثم نظرة العالم إلينا من الخارج؛ لنخرج بصورة مشرقة عن الإسلام والجماعة المسلمة.

ولعل من الأمثلة على ذلك مراعاة الحركة الإسلامية في غزة لواقع حركة فتح ومنظمة التحرير بعد الانتخابات التي كُتب فيها الفوز للحركة الإسلامية، فقامت بالعرض على حركة فتح أن تشارك معها في تشكيل الحكومة، مراعاة للظرف التاريخي لحركة فتح، والتي كانت تقود منظمة التحرير الفلسطينية، والتي كانت المتوَّجة في نظر الشعب والناس للحديث باسم الشعب وحكمه، بغضِّ النظر عن مدى شرعية ذلك، شرعاً وقانوناً وسياسة.

لكنهم رفضوا ذلك، وعندما تجاوزت الأمور نصابها، وكادت الفوضى أن تعم البلد، وبدأ الكفر البواح يظهر هنا وهناك([385])، والحرب على الدِّين تزداد توحُّشاً، كان لا بدَّ من حسم هذه الظاهرة بالقوة، وقد نظر الناسُ خارجَ غزة إلى أن الإخوة اقتتلوا، وأنَّ الأشِقَّاء رفعوا في وجوه بعضهم السلاح، وما زلنا إلى اليوم نعاني من تلك النظرة اللائمة للحركة الإسلامية في بعض البلدان، مع أنَّ ما قامت به لا يخالف ما تقوم به أكبر دول الدنيا لحفظ أمنها ونظامها، مع أنه ــ بفضل الله تعالى ــ لم تكثر الدماء، ولم يكن القتل متعمداً لأحد، بل قد شهد التاريخ سماحة الحركة الإسلامية عندما تمكَّنَت من اعتقال بعض القيادات المخالفة، بإطلاق سراحها وإبلاغها مأمنها.

  1. وأضرب أيضاً مثلاً إضافياً في مراعاة الواقع بالعقوبات؛ حيث إنه صلى الله عليه و سلم لم ينفِّذ العقوبات على المخالفين من أوَّل وصوله المدينة، بل استمر r في التربية والتوجيه، ثم بدأ العقوبات حسب ما كان يوحي إليه ربُّه سبحانه شيئاً فشيئاً، ويعالج الأخطاء التي تَجَذَّرَتْ في قلوب الناس شيئاً فشيئاً، مع دعوته للستر، وعدم تتبع العورات، وعدم التنقيب عن الأخطاء من قِبَل الأفراد، فاستجاب له الناس أيَّمَا استجابة، ورضوا بإيقاع العقاب حتى لو على نفوسهم، وخبر ماعز والغامدية م أشهر من أن يُذكر.

وهنا أضرب مثالين؛ لِأَصِلَ إلى سؤالٍ مهم:

المثال الأول: تدرُّج التحريم للخمر؛ مراعاة لظروف الناس، وواقع عشقهم لها:

حيث تنزلت الآيات على النبي صلى الله عليه وسلم بطريقة رائعة تعلِّمنا كيف نطبِّق الشريعة، وكيف نعالج السلوك المتجذر لدى الناس، مما ينبغي التخلص منه، وذلك على النحو التالي:

أ. قول الله تعالى: } وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ{([386]).

فقد عملت الآية على التفرقة بين السَّكَر والرزق الحسن، مما يوحي لشارب الخمر أنها ليست من الرزق الحسن، فتتهيأ نفسه لِلَفْظِها والتخلص منها([387]).

ب. قول الله تعالى: } يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا {([388]).

فقد ظهر بشكل واضح أن الصحابة y بدأت تتهيأ نفوسهم لاستقبال تحريم الخمر، خاصة وأنهم هم الذين بادروا بالسؤال عنها كما تفيد الآية الكريمة.

والذي يظهر هنا أن الله تعالى لم يقطع بحرمة الخمر؛ بل أبان لهم أن فيها بعض المنافع وإن كان ضررها أكثرَ من نفعها؛ ولم يبتَّ التحريم، فما زالت نفوسٌ تريد الخمر وتعشقها.

ج. قول الله تعالى: } يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ {([389]).

أما هذه الآية، فقد بدأ فيها التقنين العملي لشرب الخمر، والحدِّ منه، من حيث تقليص وقت شربها؛ وإبعاده عن أوقات الصلاة، ومعلوم أن الناس في نهارهم يكونون في العمل، وغالباً فإن من يريد شرب الخمر لن يقدر على ذلك إلا بعد العِشاء؛ وهو في الأصل سيخلد إلى النوم، فيكون الشارب لها قد تركها عملياً في الغالب.

د. قول الله تعالى: } يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ {([390]).

أما هاتان الآيتان، فقد جاء فيهما التحريم القطعي للخمر بطريقة هي قمة في الروعة والأداء، وفيها العبرة والعظة لمن يريد تغيير سلوكٍ سيّءٍ متجذِّرٍ لدى الناس، وهي نفس الطريقة التي كان يعتمدها صلى الله عليه وسلم في علاج أمور الناس.

فقد خاطبتهم الآية أولاً بلفظ الإيمان، لا بلفظ السُّكر أو الفسوق والعصيان، وفي ذلك ترغيب للمؤمنين أيُّ ترغيب.

ثم قرن بين الخمر وبين بعض الأعمال التي تنفر منها النفوس من الميسر والأنصاب والأزلام، وكلها قد عاناها الصحابة y أيام الجاهلية، وعلموا شرها، فعندما تقترن الخمر بهذه الأشاء، يزداد نفور النفس منها.

ثم بيَّن لهم أنها رجس، وهو القذر الذي تعافه النفوس؛ ثم أخبرهم أنها من عمل عدوهم الشيطان الذي خبروه لا يريد لهم الخير، بل يسوقهم إلى ما فيه هلاكها.

ثم أمرهم باجتنابه؛ وهو أبلغ في التعبير من عدم شربه؛ لأن الاجتناب بُعدٌ عن كل ما يتَّصل بالخمرِ من شرب أو صنع أو حمل… الخ.

ثم وعدهم إن هم تركوها بالفلاح مطلقاً، مما يشمل فلاح الدنيا والآخرة.

ثم أخذ يبين لهم بعض مضار الخمر التي يسعى الشيطان لتحقيقها من إيقاع العداوة والبغضاء بينهم، والتي لطالما أراقت من دماء الناس ما أراقت، مما شاهده المسلمون أيام الجاهلية، وكذلك يريد أن يصدهم عن ذكر الله، الذي فيه راحتهم وأنسهم وطمأنينة قلوبهم، وكذا يريد أن يصدهم عن الصلاة، التي تنهاهم عن الفحشاء والمنكر، وتقربهم من ربهم أيما قرب.

وأخيراً، خاطبهم بهذه العبارة الرقراقة الشفيفة } فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ {، فأيُّ خطابٍ أجمل وأرق من هذا، وهو سبحانه يقول لهم: هل بعد هذه المضار والآفات للخمر، يبقى لذي لبّ مبرر أن يشربها؟.

وقد استغرق هذا الأمر من بداية النبوة المحمدية إلى نزول آخر آية في التحريم قرابة عشرين عاماً، فالذي يريد تطبيق شريعته عليه الصلاة والسلام عليه أن يسلك هديه في تربية الناس، وإقناعهم، وإيصالهم إلى التطبيق عن رغبة ومحبة، وأن يصبر على ذلك الصبر الطويل.

المثال الثاني: عقوبة الزنى، ومراعاة واقع الناس، وقد تدرجت في ثلاث مراحل:

أ. قول الله تعالى: } وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (15) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا {([391]).

ب. قول الله تعالى: } الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ {([392]).

ج. عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه و سلمقال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: “ خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً، البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِاْئَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِاْئَةٍ وَالرَّجْمُ([393]).

فقد تدرجت عقوبة الزنى شيئاً فشيئاً، حتى وصلت إلى الرجم للثيب، والجلد مائة مع تغريب عام للبكر؛ وطلبت الآية أنْ يشهد هذا العذابَ طائفةٌ من المؤمنين، لا كُلُّهم عدا عن بقية الناس، حتى لا يقع نفورٌ، أو كُره للدين، أو لبعض أحكامه عند من لم تخالط بشاشةُ الإيمان قلبَه، فضلاً عن الزجر للحاضرين والسامعين، ولما فيه من تعزير المجلود نفسياً برؤية الناس له ساعة الجلْد.

وهنا يأتي سؤال: هل من الممكن السكوت عن المنكر، ونحن نراه بأمِّ أعيننا، كخطوةٍ من خطوات العلاج؟.

والسؤال بطريقة أخرى: هل من الممكن العمل على تطبيق الأحكام حسب ما كان يتنزل على رسول الله r؟

وهو ما ينشئ سؤالاً آخر، وهو: كيف نجيب على من يقول بأن الآيات الأولى من التشريعات المتدرجة قد نُسخت، وأنه لا يجوز العمل بها؟.

إنَّ مَن يتأمل طبيعة هذا الدِّين يعلم أنَّ أعداءه لن يقفوا أمامه صامتين؛ بل إنهم سيبذلون كل ما يستطيعون للقضاء عليه أو على الأقل تأخير تقدُّمه، أو شلّ حركته؛ مما يفيدنا أن الاستقرار التشريعي لن يدوم، وهو ما أشار إليه صلى الله عليه وسلم في حديث العرباض بن سارية t وقد جاء فيه: ” فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ، يَرَى بَعْدِي اخْتِلَافاً كَثِيراً([394]).

بل إنَّ بعض ذلك قد حصل في وقتٍ مبكرٍ من حياة هذه الأمة، فعَنْ حُذَيْفَةَ t قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ r، فَقَالَ: ” أَحْصُوا لِي كَمْ يَلْفِظُ الْإِسْلَامَ “، قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَـخَافُ عَلَيْنَا، وَنَـحْنُ مَا بَيْنَ السِّتِّمِائَةٍ إِلَى السَّبْعِمِائةٍ؟، قَالَ: ” إِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ، لَعَلَّكُمْ أَنْ تُبْتَلَوْا “، قَالَ: فَابْتُلِيَنَا، حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ مِنَّا لَا يُصَلِّي إِلَّا سِرّاً ([395]).

ومن هذا المنطلق، فإنَّ أعداء الله وصل بهم الحال إلى التحكم بكلِّ ما لدى الـمسلمين، حتى في مناهج تعليمهم، وما يأخذون من كتاب الله تعالـى وما يَدَعون… الخ ما هو معلوم في واقع المسلمين اليوم؛ وإن التوسع في القول بالنسخ([396]) بلا ضوابط ولا روابط، يؤدي إلى التضييق على من يريدون العودة إلى تحكيم الشرع، والعودة بالإسلام إلى الصدارة، خاصة وأن العلماء في مسألة النسخ ما بين موسع ومضيق؛ وهذا بخلاف من يقلل من القول بالنسخ، ويعتبر الآيات الواردة في الموضوع الواحد تمثلُّ تغيُّراً في الأحوال والظروف والملابسات، فكأنها تقول: مَن كان واقعه هكذا، فهذه الآية أو الآيات تناسبه، ومن كان واقعه هكذا، فتلك الآية أو الآيات تناسبه، فيكون هناك من التوسعة على المصلحين والمجددين الشيء الكثير.

ويصدق هنا قول ابن تيمية: في تزاحم الواجبات ــ بل هو أولى ـــ: ” فإذا ازْدَحَمَ وَاجِبَانِ لا يُمْكِنُ جَمْعُهُمَا فَقُدِّمَ أَوْكَدُهُمَا، لَمْ يَكُنْ الآخَرُ فِي هَذِهِ الْحَالِ وَاجِباً، وَلَمْ يَكُنْ تَارِكُهُ لأَجْلِ فِعْلِ الأَوْكَدِ تَارِكَ وَاجِبٍ فِي الْحَقِيقَةِ، وَكَذَلِكَ إذَا اجْتَمَعَ مُحَرَّمَانِ لا يُمْكِنُ تَرْكُ أَعْظَمِهِمَا إلا بِفِعْلِ أَدْنَاهُمَا، لَمْ يَكُنْ فِعْلُ الأَدْنَى فِي هَذِهِ الْحَالِ مُحَرَّماً فِي الْحَقِيقَةِ، وَإِنْ سُمِّيَ ذَلِكَ تَرْك وَاجِبٍ، وَسُمِّيَ هَذَا فِعْل مُحَرَّمٍ بِاعْتِبَارِ الإِطْلَاقِ، لَمْ يَضُرَّ، وَيُقَالُ فِي مِثْلِ هَذَا: تَرْكُ الْوَاجِبِ لِعُذْرٍ، وَفِعْلُ الْمُحَرَّمِ لِلْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ، أَوْ لِلضَّرُورَةِ؛ أَوْ لِدَفْعِ مَا هُوَ أحرم “([397]).

ومن هنا كانت المراعاة للواقع مسألة في غاية الأهمية، مع الجمع بينه والمقاصد والأولويات والتدرج، فكلها أمور لا تنفك عن بعضها، وأخذها بشمولها ــ مع سائر منهج النبي صلى الله عليه و سلم ـــ يفتح آفاقاً لمن يريد تطبيق الشريعة كثيرة، وتعينه على إيجاد حلولٍ لكل المشاكل الطارئة في مجتمع الناس أياً كان نوعها، وحاديه في ذلك الحرص على هداية الناس، والتيسير المنضبط في شتى أمورهم، مسترشداً بهدي رسول الله r، وكفى به أسوةً.

 الفصل الخامس: معالجة القضايا الناجمة عن التشريع وتحقيق السلم المجتمعي

وفيه ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: إيجاد حلول لقضايا الناس الناجمة عن التشريع الجديد.

المبحث الثاني: تحقيق السلم المجتمعي (تهيئة الأجواء لتطبيق الشريعة)

المبحث الثالث: استيعاب غير المسلمين في المجتمع المسلم.

المبحث الأول: إيجاد حلول لقضايا الناس الناجمة عن التشريع الجديد

من البدهيات أنَّ الإتيان بالجديد لا بدَّ وأن يتعارض مع بعض عوائد الناس، وتعاملاتهم، وقوانينهم؛ لذا كان من المسلَّم به ــ وقد جاء الإسلام بتشريعات جديدة على المجتمع ــ أنْ يأتيهم بحلول للمشاكل التي قد تنجم عن هذا التشريع الجديد، الذي يُقوِّم فطرة الناس، ويأخذ بأيديهم إلى الفطرة السوية.

وهذه السُّنَّة العامة في التشريع الإسلامي؛ فقد حرم الله الربا، وأحلَّ البيع، وحرم السفاح، وأباح النكاح… الخ.

إنَّ الشريعة الإسلامية ” قد وَسِعَتِ العالمَ الإسلامي كُلَّه على تنائي أطرافه وتعدد أجناسه، وتنوع بيئاته الحضارية، وتجدد مشكلاته الزمانية، فما ضاق ذرعها بجديد، ولا قعدت عن الوفاء بمطلب، بل كان عندها لكل شيء علاج، ولكل حادثة حديث “([398])، وستبقى كذلك إلى أنْ يرث الله الأرض ومَن عليها.

وقد تكاثرت الأمثلة على قضية إيجاد الحلول للمسائل الناجمة عن التشريع في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وأسوق منها النماذج الستة التالية:

  1. عندما جاء الإسلام بتحريم التبنِّي، ودعا إلى نسبة الأبناء إلى آبائهم الحقيقيين؛ نجم عن ذلك قضيةٌ لدى سهلة بنت سهيل بن عمرو رضي الله عنهما.

فعن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما، أنَّ أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شـمس رضي الله عنه كان تبنَّى سالـماً رضي الله عنه، وأنكحه ابنة أخيه هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهو مولى لامرأة من الأنصار، كما تبنَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم زيداً ـ أي ابن حارثة ـ، وكان مَن تبنَّى رجلاً في الـجاهلية دعاه الناس إليه، وورث ميراثه، حتى أنزل الله نعالى في ذلك: } ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ { إلى قوله: } فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ {([399])، فرُدُّوا إلى آبائهم، فمن لم يُعلم له أبٌ، كان مولـىً وأخاً في الدِّين، فجاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو القرشـي ثـم العامري رضـي الله عنهما ــ وهى امرأة أبى حذيفة t ـ فقالت: يا رسول الله، إنا كنَّا نرى سالـماً ولداً، وكان يأوي معي ومع أبى حذيفة في بيتٍ واحد، ويراني فُضُلاً، وقد أنزل الله تعالى فيهم ما قد علمت، فكيف ترى فيه؟ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : ” أَرْضِعِيهِ([400])، فأرضعته خمس رضعات، فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة؛ فبذلك كانت عائشة رضي الله عنها تأمر بنات أخواتها وبنات إخوتها أن يرضعن من أحبت عائشة أن يراها ويدخل عليها ــ رفعاً للحرج، وإن كان كبيراً ــ خمس رضعات، ثم يدخل عليها، وأبت أم سلمة وسائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يُدخلن عليهن بتلك الرضاعة أحداً من الناس، حتى يرضع في المهد، وقلن لعائشة: والله ما ندري لعلَّها كانت رخصة من النبي صلى الله عليه وسلم لسالم دون الناس([401]).

فقد عمل النبي صلى الله عليه وسلم على إيجاد حلٍّ لهذه المشكلة، التي نجمت بسبب تشريع حكمٍ جديد؛ وفي اعتقادي أنه خاصٌ بهذه الحالة؛ ويمكن أن يعُمَّ شبيهاتها فقط، دون توسع في رضاع الكبير، فهو في غير ما يشبه حالة سالم رضي الله عنه ـــ من وجهة نظري ـــ مردود.

  1. قضية الاستحاضة والصلاة، فإنَّ المستحاضة التي يثجُّ عليها الدم ثجّا،ً قد يختلط عليها الحيض بالاستحاضة، ومعلوم أن للحيض أحكامَه الخاصة من ترك الصلاة، والصوم، والمعاشرة الزوجية مدة الحيض، فهل تدع الصلاة والصوم والمعاشرة أم تفعلها؟.

عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها: أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهَرَاقُ الدَّمَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، اسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: “ لِتَنْظُرْ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُ مِنْ الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا، فَلْتَتْرُكْ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنْ الشَّهْرِ، فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ، فَلْتَغْتَسِلْ، ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ بِالثَّوْبِ، ثُمَّ لِتُصَلِّ([402]).

فالملاحظ في الحديث أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أحالها إلى العدد لا إلى الوقت، وفي ذلك توسعة عليها في اختيار الوقت الذي ستصلي فيه وتصوم… الخ.

وأصرح من ذلك ما روت حمنة بنت جحش رضي الله عنها قالت: كُنْتُ أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَسْتَفْتِيهِ وَأُخْبِرُهُ، فَوَجَدْتُهُ فِي بَيْتِ أُخْتِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ رضي الله عنها، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً، فَمَا تَأْمُرُنِي فِيهَا؟ قَدْ مَنَعَتْنِي الصِّيَامَ وَالصَّلَاةَ، قَالَ: “ أَنْعَتُ لَكِ الْكُرْسُفَ، فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الدَّمَ ” قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: “ فَتَلَجَّمِي “، قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: “ فَاتَّخِذِي ثَوْباً ” قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، إِنَّمَا أَثُجُّ ثَجّاً، فَقَالَ النَّبِيُّ r: “ سَآمُرُكِ بِأَمْرَيْنِ أَيّهُمَا صَنَعْتِ أَجْزَأَ عَنْكِ، فَإِنْ قَوِيتِ عَلَيْهِمَا فَأَنْتِ أَعْلَمُ “، فَقَالَ: “ إِنَّمَا هِيَ رَكْضَةٌ مِنْ الشَّيْطَانِ، فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فِي عِلْمِ اللَّهِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي، فَإِذَا رَأَيْتِ أَنَّكِ قَدْ طَهُرْتِ وَاسْتَنْقَأْتِ، فَصَلِّي أَرْبَعاً وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، أَوْ ثَلَاثاً وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَأَيَّامَهَا، وَصُومِي وَصَلِّي، فَإِنَّ ذَلِكِ يُجْزِئُكِ، وَكَذَلِكِ فَافْعَلِي كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ، وَكَمَا يَطْهُرْنَ لِمِيقَاتِ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ، فَإِنْ قَوِيتِ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِي الْعَصْرَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ حِينَ تَطْهُرِينَ، وَتُصَلِّينَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعاً، ثُمَّ تُؤَخِّرِينَ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلِينَ الْعِشَاءَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، فَافْعَلِي، وَتَغْتَسِلِينَ مَعَ الصُّبْحِ وَتُصَلِّينَ، وَكَذَلِكِ فَافْعَلِي وَصُومِي إِنْ قَوِيتِ عَلَى ذَلِكَ “، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: “ وَهُوَ أَعْجَبُ الْأَمْرَيْنِ إِلَيَّ([403]).

فتأمل كيف عالج صلى الله عليه وسلم حالتها الطارئة، ونصحها، وأحال الأمر لها بأن تتحيض قدرَ ما كانت تحيض قبل أن يحدث معها ما حدث، وعليه، فإنها قد تصلي في أيامٍ وتصوم وهي على غير طهر حقيقي، وقد تترك الصلاة والصيام وهي على طهر حقيقي، ولم يعتبر ذلك صلى الله عليه وسلم خروجاً على الشرع؛ بل هو في نظري داخل في قوله تعالى: } لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا {([404]).

  1. شرع الإسلام صلاة الجماعة، وحثَّ عليها الجميع رجالاً ونساءً وأطفالاً، وإن كانت في حقِّ الرجال آكد، لكنه لم يمنع النساء منها عند خوف الفتنة، بل كان ما روى سهل بن سعد رضي الله عنه قال: لقد رأيتُ الرجال عاقدي أُزُرِهم في أعناقهم مثل الصبيان، من ضيق الأزر، خلف النبي صلى الله عليه وسلم، فقال قائل: يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ لا تَرْفَعْنَ رُءُوسَكُنَّ حَتَّى يَرْفَعَ الرِّجَالُ([405]).

والذي يؤكد أنَّ هذا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ما روته أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: “ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، مَنْ كَانَ مِنْكُنَّ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلَا تَرْفَعْ رَأْسَهَا، حَتَّى يَرْفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ ” مِنْ ضِيقِ ثِيَابِ الرِّجَالِ([406]).

فالملاحظ في الحديث أنه لم يمنع النساء من الصلاة في الجماعة، ولم يطلب من الرجال الكون في الصفوف المتقدمة إلزاماً، ولم يعتمد منهج المنع الذي يعتمده ـ للأسف ـ كثير من المحسوبين على العلم الشرعي، حيثُ يعتبرون المنع أسهل من وَضْعِ الحلول؛ بل كان المنهج هو التعليم والتوجيه والتربيةَ والحثَّ، دون التحريم والزجر، والمنع والهروب.

ويؤكِّد هذه المنهجية لمعالجة الأمر، ما روى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: “ خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ الْمُقَدَّمُ، وَشَرُّهَا الْمُؤَخَّرُ، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ الْمُؤَخَّرُ، وَشَرُّهَا الْمُقَدَّمُ، يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ إِذَا سَجَدَ الرِّجَالُ، فَاغْضُضْنَ أَبْصَارَكُنَّ، لَا تَرَيْنَ عَوْرَاتِ الرِّجَالِ مِنْ ضِيقِ الْأُزُرِ ([407]).

  1. جرت عادة الناس في عهد النبي صلى الله عليه وسلم على بيع التمر الرديء بالجيد مع الفرق في الوزن أو الكيل، فأوجد لهم النبي صلى الله عليه وسلم الحلَّ الشرعي لذلك؛ حتى لا يقع الناس في الربا، أو يتحايلوا على ذلك، وحتى لا يستغلَّ التجار حاجة الناس، وخاصة الفقراء، فعن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اسْتَعْمَلَ رَجُلاً عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “ أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ “، قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “ لَا تَفْعَلْ، بِعْ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيباً([408]).

وعن سَعْد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُسْأَلُ عَنْ اشْتِرَاءِ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ؟ فَقَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ: “ أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟“، قَالُوا: نَعَمْ؛ فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ([409]).

فالنبي r يقصد من هذا الحكم ـ إضافة إلى تحقيق حاجة الناس للتمر الجيد ـ، تخليص المشتري من قيد البائع واستغلاله، فأمر المشتري أن يبيع ما عنده من تمر، وفي ذلك فرصة للحصول على أفضل الأسعار، ومن ثم يجتهد في الشراء، فيحرص كذلك على أفضل الأسعار، فيكون فَرْق الاجتهاد في البيع والشراء أفضلَ للمشتري، بخلاف ما لو سلَّم المشتري رقبته للبائع، يتحكم في فَرْقِ البَدَلِ كيف يشاء.

  1. حفظ النبي صلى الله عليه وسلم للناس طرقهم، وأراد سلامة القصد لهم، وطمأنينة السَّيْر في الطرقات، وكان بعض الصحابة y على عادة لهم بالـجلوس على الطرقات، فلم يـحرِّم r ذلك؛ بل سمح لهم بالـجلوس بشروط وآداب لا بدَّ من مراعاتـها، وذلك ما رواه أَبو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “ إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ “، فَقَالُوا: مَا لَنَا بُدٌّ، إِنَّمَا هِيَ مَجَالِسُنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا، قَالَ: “ فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجَالِسَ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا “، قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ؟ قَالَ: “ غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الْأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ([410]).

فالواضح أنه صلى الله عليه وسلم لم يعتمد منهج المنع والإغلاق لكلِّ شيء، بل طالما كان العلاج ممكناً مع بعض الشروط، اعتمد التوسعة على الناس، مع التزامهم بالشروط والآداب التي حدَّدها لهم؛ بل إنه صلى الله عليه وسلم احترم إرادة أصحابه رضي الله عنهم، ولم يعتبرهم مخالفين لأمره ولا من العاصين.

  1. هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فوجد الصحابة رضي الله عنهم يتعاملون ببيوع ظاهرها المنع؛ لأنها بيع معدوم؛ لكنه وجدهم في حاجة إلى هذه البيوع؛ فما كان منه صلى الله عليه وسلم إلا أن اعتمد تعاملهم مع بعض القيود والشروط، وذلك ما رواه ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ بِالتَّمْرِ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ، فَقَالَ: “ مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ، فَفِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ ([411]).

فعلى الرغم من أن بيع السلم شكل من أشكال بيع المعدوم؛ والأصل في بيع المعدوم المنع؛ إلا أنَّ الحاجة الراجحة جعلته r يُبِيح لهم التعامل بهذه الصورة من البيوع (السَّلَم)، لكن مع وضع الضوابط المانعة من حدوث المنازعة بين المتعاقدين خاصة أنَّ بيع المعدوم حُرِّم سداً لذريعة الوقوع في النزاع أو الربا ” وما حرم سدا للذريعة أُبيح للمصلحة الراجحة… فإنَّ حكمة الشارع اقتضت رفع الضرر عن المكلفين ما أمكن “([412]).

والأمثلة غير ذلك كثيرة، تدلُّ على أنَّ إيجاد الحلول لقضايا المجتمع منهج أصيل في الإسلام، ومن هنا وجب على من يريد تطبيق الشريعة أن يُوجد حلولاً لمشاكل الناس التي قد تنجم عند العودة بالناس إلى التشريع القويم، وتَفَهُّمِ أحوالهم، وإيجاد البدائل لهم؛ ولْيحذر من إغلاق الأبواب في وجوههم، فإنَّ ذلك سيؤدي إلى نُفرتهم عن الحق، وتجريئهم على فعل معصية، أو ترك طاعة؛ ولا يعني هذا التلاعبَ بالأحكام، بل هذا من صميم منهج النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى من يريد تطبيق شرعه، فليعتمد منهجه، ولْيَسْلُكْ بالناس طريق التدريج، حتى يصل بهم إلى أعلى المقامات، وخير المنازل.

 المبحث الثاني: تحقيق السلم المجتمعي (تهيئة الأجواء لتطبيق الشريعة)

حتَّى يطبق الناس منهجاً أو فكراً؛ فلا بد من تهيئة الأجواء المناسبة، وإيجاد الأرض الخصبة؛ ليتم التطبيق على أفضل وجه، ولعل بيئة السِّلْم هي أفضل بيئة لتطبيق الإسلام وخاصة في بدايات ذلك، وهو ما حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم  على إيجاده، وقد سلك في سبيل ذلك كل سبيل ممكن، لدرجة أنه من رغبته r في السِّلم ونفرته من الحرب قام بأمور منها:

  1. تغييره صلى الله عليه وسلم  لبعض الأسماء التي تدل على الحرب والصعوبة والصرامة، ومن أمثلة ذلك هتان الروايتان:

أ. عن أبي وهب الجشمي رضي الله عنه ـــ وكانت له صحبة ـــ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ تَسَموا بِأَسَمْاءِ الأَنْبِيَاءِ، وَأَحَبُّ الأَسْمَاءِ إِلَى اللهِ عَبْدُ اللهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمَّامٌ، وَأَقْبَحُهَا حَرْبٌ وَمُرَّة ([413]).

ب. وعن سعيد بن المسيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: “ مَا اسْمُكَ؟“، قال: حزن، قال: “ أَنْتَ سَهْلٌ “، قال: لا، السهل يُوطأ ويُمتهن. قال سعيد رحمه الله: فظننتُ أنَّه سيصيبُنا بعده حُزونة.

قال أبو داود رحـمه الله بعد حديث سعيد: وغيَّر النبي صلى الله عليه وسلم اسمَ العاصِ وعزيز، وعتلة وشيطان، والـحكم، وغراب، وحباب، وشهاب، فسماه هشاماً، وسمّى حرباً سِلْماً، وسمَّى المضطجعَ، المنبعثَ، وأرضاً تُسمى عَفرة، سمّاها خَضِرة، وشعبَ الضلالةِ، سمَّاه شعبَ الهُدَى، وبَنو الزّنْية، سمَّاهم بني الرّشْدَة، وسمَّى بني مغوية، بني رشدة. قال أبو داود رحمه الله: تركت أسانيدها للاختصار([414]).

  1. تفاؤله صلى الله عليه وسلم أثناء مفاوضاته مع العدو باسم المفاوض، ومن ذلك:

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فاوض قريشاً عام الحديبية وواجه صلفها وتعنتها، أرسلت قريش آخر الأمر سهيل بن عمرو، فقال صلى الله عليه وسلم لما رآه: ” سَهُلَ أَمْرُكُمْ([415]).

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً على تحقيق السلم في جميع النواحي؛ ليتمكن من تطبيق الشريعة بسهولة ويسر، ويمكن لي تقسيم ما قام به صلى الله عليه وسلم إلى قسمين:

أ. تحقيق السلم الداخلي.

ب. تحقيق السلم الخارجي.

  • أولاً: تحقيق السلم الداخلي:

وقد كان من أولى الأولويات لرسول الله صلى الله عليه وسلم تحقيق السلم داخل المدينة النبوية؛ حتى يستطيع الدعوة إلى الله، وتطبيق شرعه تعالى، فمن المعلوم أن القلاقل والبلابل إنْ وقعت في بلد صعب على أهله الدعوة إلى الله، وتطبيق شرعه على الوجه الأكمل؛ وذلك للانشغال بإخماد البلابل القائمة.

وقد كثرت الأمثلة والنماذج في حياة النبي صلى الله عليه وسلم لتحقيق هذا الغرض، وأسوق لذلك الأمثلة الأربعة التالية:

  1. الصلح بين الأوس والخزرج: فقد كانت الحرب بينهما سجالاً، يشعلها يهود بينهم كلما خمدت نارها، وقد أكلت هذه الحروب منهم الكثير، خاصة يوم بُعاث، الذي قُتل فيه مَن قُتل من ساداتهم، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم برسالة الحقِّ، واتبعه طوائف من القبيلتين، خمدت تلك الحروب وألَّف الله بين قلوبهم([416]).
  2. المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وفيها هاتان الروايتان:

أ. عَنْ أَنَسٍ قَالَ: حَالَفَ رَسُولُ اللهِ r بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فِي دَارِنَا. قَالَ سُفْيَانُ رحمه الله: كَأَنَّهُ يَقُولُ: آخَى([417]).

ب. وعن إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ t قَالَ: لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ آخَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ رضي الله عنهما، قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: إِنِّي أَكْثَرُ الْأَنْصَارِ مَالاً، فَأَقْسِمُ مَالـِي نِصْفَيْنِ، وَلـِي امْرَأَتَانِ، فَانْظُرْ أَعْجَبَهُمَا إِلَيْكَ فَسَمِّهَا لـِي، أُطَلِّقْهَا، فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَتَزَوَّجْهَا، قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، أَيْنَ سُوقُكُمْ؟ فَدَلُّوهُ عَلَى سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ، فَمَا انْقَلَبَ إِلَّا وَمَعَهُ فَضْلٌ مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنٍ، ثُمَّ تَابَعَ الْغُدُوَّ، ثُمَّ جَاءَ يَوْماً وَبِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ” مَهْيَمْ “، قَالَ: تَزَوَّجْتُ، قَالَ: ” كَمْ سُقْتَ إِلَيْهَا؟ “، قَالَ: نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ([418]).

  1. توقيع معاهدة مع اليهود في المدينة:

فقد وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وفيها ثلاث قبائل من اليهود: بنو قريظة، وبنو النضير، وبنو قينقاع؛ وكانوا يعملون على إشعال الفتن بين الأوس والخزرج، كلما خمدت فتنة أشعلوا غيرها؛ حتى يبقى المجتمع في تقاتلٍ وتناحر، وتبقى السيادة لهم؛ فعمل صلى الله عليه وسلم على تجميد نشاطهم في إشعال الفتن، كما عمل على استيعابهم وتحييدهم عن مجابهته وقتاله، على الأقل في بداية تكوين الدولة المسلمة، ” وَكَتَبَ رَسُولُ اللّهِ r كِتَاباً بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَادَعَ فِيهِ يَهُودَ وَعَاهَدَهُمْ، وَأَقَرّهُمْ عَلَى دِينِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَشَرَطَ لَهُمْ، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ([419]).

  1. القضاء على أي فتنة قد تنشأ في المجتمع قبل تفاقمها، ومن ذلك هذه الروايات الثلاث:

أ. قتل كعب بن الأشرف:

فقد كان كعب بن الأشرف يؤذي المسلمين، ويحرِّض عليهم، فأمر r بقتله، فعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ م قال: قَالَ رَسُولُ اللّه صلى الله عليه وسلم: “ مَنْ لِكَعْبِ ابْنِ الْأَشْرَفِ، فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟” فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ t، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ قَالَ:” نَعَمْ “، قَالَ: فَأْذَنْ لِي أَنْ أَقُولَ شَيْئاً، قَالَ: “ قُلْ “، فَأَتَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ سَأَلَنَا صَدَقَةً، وَإِنَّهُ قَدْ عَنَّانَا، وَإِنِّي قَدْ أَتَيْتُكَ أَسْتَسْلِفُك، قَالَ: وَأَيْضاً، وَاللَّهِ لَتَمَلُّنَّهُ، قَالَ: إِنَّا قَدْ اتَّبَعْنَاهُ، فَلَا نُحِبُّ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ يَصِيرُ شَأْنُهُ، وَقَدْ أَرَدْنَا أَنْ تُسْلِفَنَا وَسْقا اًوْ وَسْقَيْنِ، فَقَالَ: نَعَمِ، ارْهَنُونِي، قَالُوا: أَيَّ شَيْءٍ تُرِيدُ؟ قَالَ: ارْهَنُونِي نِسَاءَكُمْ، قَالُوا: كَيْفَ نَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا وَأَنْتَ أَجْمَلُ الْعَرَبِ؟ قَالَ: فَارْهَنُونِي أَبْنَاءَكُم، قَالُوا: كَيْفَ نَرْهَنُكَ أَبْنَاءَنَا، فَيُسَبُّ أَحَدُهُمْ، فَيُقَالُ: رُهِنَ بِوَسْقٍ أَوْ وَسْقَيْنِ؟ هَذَا عَارٌ عَلَيْنَا؛ وَلَكِنَّا نَرْهَنُكَ اللَّأْمَةَ؛ فَوَاعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ، فَجَاءَهُ لَيْلاً، وَمَعَهُ أَبُو نَائِلَةَ، وَهُوَ أَخُو كَعْبٍ مِنْ الرَّضَاعَة، فَدَعَاهُمْ إِلَى الْحِصْنِ، فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: أَيْنَ تَخْرُجُ هَذِهِ السَّاعَةَ؟ أَسْمَعُ صَوْتاً كَأَنَّهُ يَقْطُرُ مِنْهُ الدَّمُ، فَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَأَخِي أَبُو نَائِلَةَ، إِنَّ الْكَرِيمَ لَوْ دُعِيَ إِلَى طَعْنَةٍ بِلَيْلٍ لَأَجَابَ، قَالَ: وَيُدْخِلُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ مَعَهُ أَبُو عَبْسِ بْنُ جَبْرٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ أَوْسٍ، وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ؛ فَقَالَ: إِذَا مَا جَاءَ فَإِنِّي قَائِلٌ بِشَعَرِهِ فَأَشَمُّهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمُونِي اسْتَمْكَنْتُ مِنْ رَأْسِهِ، فَدُونَكُمْ فَاضْرِبُوهُ؛ فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ مُتَوَشِّحاً، وَهُوَ يَنْفَحُ مِنْهُ رِيحُ الطِّيبِ، فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ رِيحاً، أَيْ أَطْيَبَ، قَالَ: عِنْدِي أَعْطَرُ نِسَاءِ الْعَرَبِ، وَأَكْمَلُ الْعَرَبِ؛ فَقَالَ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَشُمَّ رَأْسَك؟ قَالَ: نَعَمْ؛ فَشَمَّهُ ثُمَّ أَشَمَّ أَصْحَابَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَتَأْذَنُ لِي؟ قَالَ: نَعَمْ؛ فَلَمَّا اسْتَمْكَنَ مِنْهُ، قَالَ: دُونَكُمْ؛ فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ أَتَوْا النَّبِيَّ r فَأَخْبَرُوهُ([420]).

ب. عدم قتل عبد الله بن أبي بن سلول:

وكما قتل صلى الله عليه وسلم كعب بن الأشرف تحقيقاً للسلم، فإنه ترك قتل عبد الله بن أبي بن سلول رأس النفاق؛ تحقيقاً للسلم أيضاً، وقد مرَّ بنا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب t، وقد كان عمر طلب من النبي صلى الله عليه وسلم قتل ابن سلول: ” كَيْفَ تَرَى يَا عُمَر؟ أَمَا وَاللهِ لَوْ قَتَلْتُهُ يَوْمَ قُلْتَ لِي، لأُرْعِدَتْ لَهُ آنُفٌ، لَوْ أَمَرْتُهَا اليَوْمَ بِقَتْلِهِ لَقَتَلَتْهُ “. فقال عمر t: قد والله علمت لَأَمْرُ رسول الله r أعظم بركةً من أمري([421]).

ج. فتنة شاس بن قيس:

لما انتهت الضغينة والبغضاء بين الأوس والخرج، مَرّ شَاسُ بْنُ قَيْسٍ، ـــ وَكَانَ شَيْخاً قَدْعَسَا([422])، عَظِيمَ الْكُفْرِ، شَدِيدَ الضّغَنِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، شَدِيدَ الْحَسَدِ لَهُمْ ـــ، عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ r مِنْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، فِي مَجْلِسٍ قَدْ جَمَعَهُمْ يَتَحَدّثُونَ فِيهِ، فَغَاظَهُ مَا رَأَى مِنْ أُلْفَتِهِمْ وَجَمَاعَتِهِمْ، وَصَلَاحِ ذَاتِ بَيْنِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، بَعْدَ الّذِي كَانَ بَيْنَهُمْ مِنْ الْعَدَاوَةِ فِي الْجَاهِلِيّةِ، فَقَالَ: قَدْ اجْتَمَعَ مَلَأُ بَنِي قَيْلَةَ([423]) بِهَذِهِ الْبِلَادِ، لَا وَاَللّهِ مَا لَنَا مَعَهُمْ إذَا اجْتَمَعَ مَلَؤُهُمْ بِهَا مِنْ قَرَارٍ، فَأَمَرَ فَتىً شَابّاً مِنْ يَهُودَ كَانَ مَعَهُمْ، فَقَالَ: اعْمِدْ إلَيْهِمْ، فَاجْلِسْ مَعَهُمْ، ثُمّ اُذْكُرْ يَوْمَ بُعَاثَ، وَمَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنْشِدْهُمْ بَعْضَ مَا كَانُوا تَقَاوَلُوا فِيهِ مِنْ الْأَشْعَارِ… فَفَعَلَ، فَتَكَلّمَ الْقَوْمُ عِنْدَ ذَلِكَ وَتَنَازَعُوا، وَتَفَاخَرُوا حَتّى تَوَاثَبَ رَجُلَانِ مِنْ الْحَيّيْنِ عَلَى الرّكْبِ، أَوْسُ بْنُ قَيْظِيّ، أَحَدُ بَنِي حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ مِنْ الْأَوْسِ، وَجَبّارُ بْنُ صَخْرٍ، أَحَدُ بَنِي سَلَمَةَ مِنْ الْخَزْرَجِ، فَتَقَاوَلَا، ثُمّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: إنْ شِئْتُمْ رَدَدْنَاهَا الْآنَ جَذَعَةً، فَغَضِبَ الْفَرِيقَانِ جَمِيعاً، وَقَالُوا: قَدْ فَعَلْنَا، مَوْعِدُكُمْ الظّاهِرَةُ ـــ وَالظّاهِرَةُ الْحرّةُ ـــ السّلَاحَ السّلَاحَ، فَخَرَجُوا إلَيْهَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللّهِ r، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فِيمَنْ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ الْمُهَاجِرِينَ، حَتّى جَاءَهُمْ، فَقَالَ: ” يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، اللّهَ اللّه،َ أَبِدَعْوَى الْجَاهِلِيّةِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، بَعْدَ أَنْ هَدَاكُمْ اللّهُ لِلْإِسْلَامِ، وَأَكْرَمَكُمْ بِهِ، وَقَطَعَ بِهِ عَنْكُمْ أَمْرَ الْجَاهِلِيّةِ، وَاسْتَنْقَذَكُمْ بِهِ مِنْ الْكُفْرِ، وَأَلّفَ بِهِ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ؟“، فَعَرَفَ الْقَوْمُ أَنّهَا نَزْغَةٌ مِنْ الشّيْطَانِ، وَكَيْدٌ مِنْ عَدُوّهِمْ، فَبَكَوْا، وَعَانَقَ الرّجَالُ مِنْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ بَعْضُهُمْ بَعْضاً، ثُمّ انْصَرَفُوا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم سَامِعِينَ مُطِيعِينَ، قَدْ أَطْفَأَ اللّهُ عَنْهُمْ كَيْدَ عَدُوّ اللّهِ شَأْسِ بْنِ قَيْس([424]).

وكما يلاحظ من هذه الأمثلة، فإنَّ تحقيق السلم لا يعني الموادعة والتساهل، بل قد يكون باستخدام القوة في وقتها المناسب، كما يكون باستخدام اللِّين في وقته المناسب.

  •  ثانياً: تحقيق السلم الخارجي:

وكما كان صلى الله عليه وسلم حريصاً على سلم المجتمع داخلياً، حرص كذلك على تحقيق سلمه خارجياً، وفي ذلك تأكيد للأمن الداخلي.

وقد سلك صلى الله عليه وسلم في ذلك ثلاث طرق:

أ. طريق الموادعة لبعض القبائل.                       ب. أو الردع لبعض آخر من القبائل.

ج. المصالحة مع قريش.

  • أولاً: طريق الموادعة لبعض القبائل، وهاك هذين النموذجين:

أ. فقد وَادَعَ النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الأبواء مخشي بن عمرو الضمري، وَكَانَ سَيِّدَ بَنِي ضَمْرَةَ فِي زَمَانِهِ، عَلَى أَلَّا يَغْزُو بَنِي ضَمْرَةَ، وَلَا يَغْزُوهُ، وَلَا أَنْ يُكَثِّرُوا عَلَيْهِ جَمْعاً، وَلَا يُعِينُوا عَلَيْهِ عَدُوّاً، وَكَتَبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ كِتَاباً([425]).

ب. كما وادع في غزوة العُشَيْرة بني مدلج، وكانت بعد أربعة أشهر من غزوة الأبواء([426]).

  • ثانياً: الردع لبعض آخر من القبائل:

فكما كان يوادع بعض القبائل، فإنه صلى الله عليه وسلم كان في المقابل يبغت، ويفجأ، ويُبَيِّتُ بعض القبائل التي تحاول العبث بأمن المدينة ومن ذلك هاتان الروايتان:

أ. سرية أبي سلمة بن عبد الأسد إلى قَطن، حيث أمره صلى الله عليه وسلم أن يُغِيرَ عليهم قبل أن تَلَاقى عليه جـموعهم، وأوصاه ومن معه بتقوى اللَّه، وكان الّذي هيّج هذا أنَّ رجلاً من طـيِّء ـــ يقال له: الوليد بن زهير بن طريف ـــ قدم الـمدينة، وأخبر أن طليحة وسلمة ابنـي خويلد تركهما قد سارا في قومهما ومن أطاعهما، لـحرب رسول اللَّه، فلما بلغ رسول اللَّه r ذلك، بعث أبا سلمة([427]).

 ب. سرية عبد الله بن أُنيس رضي الله عنه  وحده إلى خالد الهذلي:

عَنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُنَيْسٍ رضي الله عنه قَالَ: دَعَانِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: ” إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ خَالِدَ بْنَ سُفْيَانَ بْنِ نُبَيْحٍ الْهُذَلِيَّ يَجْمَعُ لِي النَّاسَ؛ لِيَغْزُوَنِي، وَهُوَ بِعُرَنَةَ، فَأْتِهِ فَاقْتُلْهُ “، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، انْعَتْهُ لِي حَتَّى أَعْرِفَهُ، قَالَ: ” إِذَا رَأَيْتَهُ وَجَدْتَ لَهُ إِقْشَعْرِيَرَةً “، قَالَ: فَخَرَجْتُ مُتَوَشِّحاً بِسَيْفِي حَتَّى وَقَعْتُ عَلَيْهِ، وَهُوَ بِعُرَنَةَ مَعَ ظُعُنٍ([428]) يَرْتَادُ لَهُنَّ مَنْزِلاً، وَحِينَ كَانَ وَقْتُ الْعَصْرِ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ وَجَدْتُ مَا وَصَفَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْإِقْشَعْرِيرَةِ، فَأَقْبَلْتُ نَحْوَهُ، وَخَشِيتُ أَنْ يَكُونَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مُحَاوَلَةٌ تَشْغَلُنِي عَنِ الصَّلَاةِ، فَصَلَّيْتُ وَأَنَا أَمْشِي نَحْوَهُ، أُومِئُ بِرَأْسِي الرُّكُوع وَالسُّجُودَ، فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَيْهِ، قَالَ: مَنِ الرَّجُلُ؟ قُلْتُ: رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ سَمِعَ بِكَ، وَبِجَمْعِكَ لِهَذَا الرَّجُلِ، فَجَاءَكَ لِهَذَا، قَالَ: أَجَلْ أَنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ: فَمَشَيْتُ مَعَهُ شَيْئاً، حَتَّى إِذَا أَمْكَنَنِي حَمَلْتُ عَلَيْهِ السَّيْفَ، حَتَّى قَتَلْتُهُ، ثُمَّ خَرَجْتُ، وَتَرَكْتُ ظَعَائِنَهُ مُكِبَّاتٍ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ r فَرَآنِي فَقَالَ: ” أَفْلَحَ الْوَجْهُ “… الحديث([429]).

  • ثالثاً: المصالحة مع قريش:

فقد حرص صلى الله عليه وسلم على المصالحة مع قريش العدوِّ الأول ـــ كما سبق ـــ تحييداً لها، وتفرغاً لمهام أخرى، على رأسها الدعوة إلى الإسلام، وتطبيق شرع الله تعالى.

يقول ابن القيم رحـمه الله: ” مُصَالَـحَة الْمُشْرِكِينَ بِبَعْضِ مَا فِيهِ ضَيْمٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ جَائِزَةٌ؛ لِلْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ، وَدَفْعِ مَا هُوَ شَرٌّ مِنْهُ، فَفِيهِ دَفْعُ أَعْلَى الْمَفْسَدَتَيْنِ بِاحْتِمَالِ أَدْنَاهُمَا([430]).

والحديث في هذا الباب يطول، وأكتفي بهذا القدر؛ لأنه جزء من غرض الأطروحة، يبين ضرورة الاستقرار لتطبيق الشريعة على الوجه الأفضل، والتفرغ لتعليم الناس وتوجيههم.

وإنَّ ما رأيناه في غزة من مكر أعداء الله في شغل الحركة الإسلامية في معارك متنوعة اقتصادية وسياسية، وفكرية وعسكرية، وغيرها؛ لِشَغْلِها عن دورها الرئيسي في دعوة الناس، وتربيتهم على الشرع القويم، وإرجاعهم إلى الفطرة السوية، من أكبر الأدلة على ضرورة قيام الحركة الإسلامية على العمل المتوازي، بحيث لا يطغى جانب على جانب؛ وبحيثُ نُفوِّت الفرصة على أعداء الله في تحقيقهم لغرضهم، من تعطيل الناس عن العودة إلى الإسلام النقيِّ الكامل؛ وهذا يدعو قيادات الحركات الإسلامية للعمل على تفريغ الدعاة والمعلمين والمربين من الجنسين، وتطويرهم، وفتح الآفاق أمامهم؛ للقيام بدورهم؛ في حين يقوم المجاهدون، والسياسيون، والاقتصاديون بدورهم أيضاً، فلا يتعطل شيء على حساب شيء آخر، وقد قال الله تعالى: } وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون {([431]).

يقول الإمام محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله: ” وَإِذْ قَدْ كَانَ مِنْ مَقَاصِدِ الْإِسْلَامِ بَثُّ عُلُومِهِ وَآدَابِهِ بَيْنَ الْأُمَّةِ، وَتَكْوِينُ جَمَاعَاتٍ قَائِمَةٍ بِعِلْمِ الدِّينِ، وَتَثْقِيفِ أَذْهَانِ الْمُسْلِمِينَ؛ كَيْ تَصْلُحَ سِيَاسَةُ الْأُمَّةِ عَلَى مَا قَصَدَهُ الدِّينُ مِنْهَا، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ عَقبَ التَّحْرِيض عَلَى الْجِهَادِ بِمَا يُبَيِّنُ أَنْ لَيْسَ مِنَ الْمَصْلَحَةِ تَمَحُّضُ الْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ لِأَنْ يَكُونُوا غُزَاةً أَوْ جُنْداً، وَأَنْ لَيْسَ حَظُّ الْقَائِمِ بِوَاجِبِ التَّعْلِيمِ دُونَ حَظِّ الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مِنْ حَيْثُ إِنَّ كِلَيْهِمَا يَقُومُ بِعَمَلٍ لِتَأْيِيدِ الدِّينِ، فَهَذَا يُؤَيِّدُهُ بِتَوَسُّعِ سُلْطَانِهِ، وَتَكْثِيرِ أَتْبَاعِهِ، وَالْآخَرُ يُؤَيِّدُهُ بِتَثْبِيتِ ذَلِكَ السُّلْطَانِ وَإِعْدَادِهِ لِأَنْ يَصْدُرَ عَنْهُ مَا يَضْمَنُ انْتِظَامَ أَمْرِهِ وَطُولَ دَوَامِهِ؛ فَإِنَّ اتِّسَاعَ الْفُتُوحِ، وَبَسَالَةَ الْأُمَّةِ، لَا يَكْفِيَانِ لِاسْتِبْقَاءِ سُلْطَانِهَا، إِذَا هِيَ خَلَتْ مِنْ جَمَاعَةٍ صَالِحَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَالسَّاسَةِ، وَأُولِي الرَّأْيِ الْمُهْتَمِّينَ بِتَدْبِيرِ ذَلِكَ السُّلْطَانِ “([432]).

 المبحث الثالث: استيعاب غير المسلمين في المجتمع المسلم

لمَّا كانت الدنيا تحوي المسلمين وغيرهم، كان لا بدَّ أن يظهر منهج النبي صلى الله عليه وسلم  في بيان علاقة المسلمين مع غير المسلمين.

وقد أوضح الإمام ابن القيم: خلاصة هذه العلاقة، حيثُ قال: ” فاستقرَّ أمرُ الكفار معه r بعد نزول “براءة” ـــ أي سورة التوبة ـــ على ثلاثة أقسام: محاربينَ له، وأهلِ عهد، وأهلِ ذِمة، ثم آلت حالُ أهل العهد والصلح إلى الإسلام، فصاروا معه قسمين: محاربين، وأهل ذِمة، والمحاربون له خائفون منه، فصار أهلُ الأرض معه ثلاثة أقسام: مسلم مؤمِن به، ومسالم له آمن، وخائف محارب([433])، وهاك أدلةٌ على ذلك:

  • أولاً: من القرآن الكريم:

قَسَّم القرآن الكريم غير المسلمين إلى مسالمين ومحاربين، وبيَّن طبيعة التعامل مع الطرفين، وهاك ثلاثة أمثلة على ذلك:

  1. لعل أوضح آيتين في ذلك قوله تعالى: } لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ {([434]).
  2. بل إنه سبحانه دعانا إلى مجادلتهم بالتي هي أحسن، وأوجب على المسلمين اختيار الأفضل في ذلك ـــ لغير الذين ظلموا منهم ـــ، وأرشدنا إلى تذكيرهم بقضايا نلتقي بها نحن وهم، فقال: } وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُون {([435]).
  3. بل أكثر من ذلك أنه أباح طعام أهل الكتاب، ونكاح العفيفات الطاهرات منهم، فقال في ذلك I: } الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ {([436]).

فقد أباح الله للمسلم في هذه الآية أن يرتبط بأهل الكتاب (اليهود والنصارى) عن طريق المصاهرة، فيتزوجَ منهم، ويكونوا أخوالاً لأبنائه، ويكون لزوجته الكتابية من الحقوق والواجبات نفس الحقوق والواجبات المقررة للزوجة المسلمة، من تبادل المحبة والودِّ بين الزوجين، والصلة مع أهلها، وما يجب عليهم من صلة رحم، وغيرها من حقوق؛ ويكون لها كذلك الحق الكامل، والحرية التامة في البقاء على عقيدتها، والقيام بفروض عبادتها، والذهاب إلى كنيستها لأداء طقوسها، ما دامت مقتنعة من تلقاء نفسها بها([437]).

  • ثانياً: من السُّنَّة المطهرة:

وقد مرَّ بنا أنَّ النبي r عقد معاهدة مع يهود المدينة؛ لينظم العلاقة بينهما([438])، وقد تكاثرت الأحاديث التي تحدثت عن علاقته r مع غير المسلمين في المجتمع المسلم، مما يوضح منهجه في العلاقة مع غير المسلمين، وأسوق ثلاثةً منها:

  1. عَنْ أَنَسٍ t قَالَ: كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: “ أَسْلِمْ “، فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ، وَهُوَ عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ صلى الله عليه وسلم، فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ يَقُولُ: “ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنْ النَّارِ([439]).

ومعلوم ما في خدمة اليهودي لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الـمخاطرة؛ لكنه صلى الله عليه وسلم يريد لغير الـمسلمين أن يروه عن قُرب، فيتحقق ما حصل مع هذا الخادم، من الدخول في دين الله عن رغبة واقتناع؛ وفي هذا تعليم للأمة أنَّ من تطبيق الشريعة حُسْنَ العهد مع غير الـمسلمين من الـمسالمين، والاستفادة منهم فيما يحسنون، وعيادتهم… الخ من طرق التطبيق للشرع الحكيم، والدعوة إلى الدِّين القويم.

  1. عن عدةٍ من أبناء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آبائهم رضي الله عنهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ أَلا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِداً، أَو انْتَقَصَهُ، أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أَو أَخَذَ مِنْهُ شَيْئاً بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ، فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ([440]).

وما أعظمه من حديث يؤصل للعدالة في المجتمع، وحفظ الحقوق حتى للمخالفين في الِّدين، ويكون المدافع عن حقوقهم يوم العرض على الله هو الرسول r، وكأنه يقول للمسلم: احذر أن تظلم مَن خالفك في الدِّين بهذه الحجة، وتستضعفه لأجلها؛ فإنك إنْ فعلت ذلك، فأنا حجيجك دونه يوم القيامة، وأي حجة ستكون للظالم!

وهذا من أعظم التطبيق للشرع أن يخرج المسلم عن داعية هواه حتى يكون عبداً لله، يفعل ما يؤمر به، ويسمع، ويطيع.

  1. وعَنْ عَائِشَةَ ل قَالَتْ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم، وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ، بِثَلَاثِينَ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ([441]).

أفاد الحديث حُسن العهد والتصرف منه صلى الله عليه وسلم، والتوسعة على المسلمين في التعامل مع غير المسلمين، والخروج عن دائرة المسلمين إلى غيرهم ـــ شريطة أن يكونوا مسالمين ــــ فقد كان بإمكانه صلى الله عليه وسلم أن يستدين من أصحابه y، وكان العديد منهم أغنياء، وعلى رأسهم أبو بكر الصِّدِّيق t، وزوج ابنتيه عثمان بن عفان رضي الله عنه، وعديله عبد الرحمن بن عوف t([442])، وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم.

وفي هذا الحديث رد على من يقول: إنَّ آيات الموادعة والمسالمة وأحاديثها لغير المسلمين نُسخت بما يسمونه آية السيف؛ فإنَّ موت النبي صلى الله عليه وسلم ودرعُه مرهونة عند يهودي، دليل على استمرار الموادعة والمسالمة، وحسن المعاملة إلى حين وفاته r، ومعلوم أن النسخ انتهى بموته صلى الله عليه وسلم فلا نسخ بعد موته؛ لأن النسخ لا يكون إلا بشرع، وبموته صلى الله عليه وسلم انتهى التشريع([443]).

إن الإسلام لا يرى أن مجرد المخالفة في الدِّين تُبيح العداوة والبغضاء، وتمنع المسالمة والتعاون على شؤون الحياة العامة، فضلاً عن أن تبيح القتال لأجل تلك المخالفة؛ إنَّ علاقة المسلمين بأتباع الأديان الأخرى تدور على محور واحد: عرض مبادئ الإسلام بوضوح، وردّ الشبهات بأدب، وإعطاء فرصة للتأمل والحكم المتأني، فلا استعجال ولا استغلال، إنه البلاغ الخالي من الإكراه، الذي يخلِّي بين كل امرئ وضميره، فإن شاء أسلم، وإن شاء بقي حيث هو، وحسابه إلى الله، فالتطبيق الحق للدين وشريعته هو ما جاء عن إقناع وترغيب وطواعية؛ وقد وصى الله الإنسان بوالديه حُسْناً، وأن يصاحبهما في الدنيا بالمعروف، ولو كانا مشركين، وجاهداه على أن يشرك بالله مثلهما، وقد استمر أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم على شركه إلى أن مات، ومع ذلك كان طول حياته سفير صلح بينه وبين خصومه، وكان قوةً تحميه من أذاهم، والإسلام في ظل هذا المبدأ يبيح للمسلم أن يعقد مع مخالفيه في الدِّين ما شاء من أنواع المعاهدات التي لا تمس أصلاً من أصول الدِّين، ولا تضر بمصلحة دعوته أو أمته، فالتوسع الإسلامي لا يعتمد على القهر، وحروب العدوان؛ بل العملة المتداولة في ميدان الدعوة الإسلامية هي الفكر الحر([444]).

وأخيراً، أذكِّرُ بأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ـــ مع حرصه الشديد على كسب غير المسلمين، والإحسان إليهم ـــ لم يكن ليسمح لغير المسلمين في الدولة المسلمة من النيل من المسلمين، أو أذيتهم بأيِّ شكل من أشكال الأذى، وقد مضى الحديث عن قتل كعب بن الأشرف عند الحديث عن منهج النبي صلى الله عليه وسلم في تحقيق الأمن الداخلي للدولة المسلمة.


([1]) استللت هذا الموضوع من أطروحتي للدكتوراه وعنوانها فقه تطبيق الشريعة في واقعنا المعاصر دراسة تأصيلية مستوحاة من هدي النبي r، وقد استللتها سريعاً دون مراجعة مشاركة فيما يقدم من جهود في خدمة النبي صلى الله عليه وسلم.

([2]) سورة النساء: من الآية (165).

([3]) كادعائهم بأن الشريعة لا تصلح لهذا الزمان، وحديثهم عن مكانة المرأة في الإسلام، واتهامهم للإسلام بتقييد حريتها وإنقاص قدرها، وزعمهم أيضاً أن عقوبات الإسلام قاسية لا تتناسب مع الجريمة ولا مع طبيعة الناس، … الخ.

([4]) أخرجه أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني في مسنده (مسند أُبي بن كعب t 35/144 ح 21220)، وقوَّى محققو المسند إسناده، مؤسسة الرسالة، ط 1، 1421 ه، تحقيق شعيب الأرنؤوط وآخرون.

([5]) الرسالة: أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي (ص 73)، تحقيق العلامة أحمد محمد شاكر (بدون بيانات أخرى).

([6]) المرجع السابق (ص 13).

([7]) مجموع الفتاوى: ابن تيمية (1/44).

([8]) التراتيب الإدارية: الكتاني (ص 19).

([9]) أخرج الطبراني سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي في المعجم الأوسط (8/301 ح 8697)، دار الحرمين، القاهرة، 1415 تحقيق طار محمد وعبد المحسن الحسيني، وحسنه الهيثمي في مجمع الزوائد (9/17).

([10]) أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدِّينوري وقيل: المروزي، النحوي اللغوي، كان فاضلاً ثقة، سكن بغداد وحدَّث بها، له تصانيف مفيدة كثيرة منها: أدب الكاتب، وغريب القرآن الكريم، وغريب الحديث، وعيون الأخبار وغيرها، توفي (276ه) على أصح الأقوال، نسبته إلى دِينَوَر من بلاد الجبل عند قرميسين في بلاد فارس (إيران). انظر: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان: أبو العباس أحمد بن محمد بن إبراهيم بن خلكان (3/31)، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 1419 ه، حققه يوسف علي طويل ومريم قاسم طويل، تاريخ بغداد أو مدينة السلام: أبو بكر أحمد بن علي الخطيب بالبغدادي (10/168)، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط2، 1425 ه، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا.

([11]) تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم بالإمامة وصلتها بالتشريع الإسلامي: أحمد يوسف (ص 4)، كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، قسم الشريعة الإسلامية، (بدون معلومات أخرى).

قلت: تناول الإمام الشافعي رحمه الله في رسالته الحديث عن السنة النبوية بكلام كثير وجميل، وهو يجعل ما سنَّه رسول الله r من غير المنصوص عليه، فبأمر الله سنَّه؛ لكنَّ تناولَه وتقسيمَه لم يكن بالطريقة التي عرضها الإمام ابن قتيبة، ولا بالتقسيم الذي تناوله، من حيث ارتباطها بالتشريع، والمتأمل في كلام ابن قتيبة يجد اقتباسات كثيرة عامة من الرسالة. انظر: الرسالة: الشافعي (ص 33، 73، 83، وغيرها).

([12]) شهاب الدِّين أبو العباس أحمد بن إدريس القرافي الصنهاجي المصري، وحيد دهره، وفريد عصره، شيخ الشيوخ وعمدة أهل التحقيق والرسوخ، ومصنفاته شاهدة له بالبراعة والفضل، أخذ عن جمال الدِّين بن الحاجب والعز بن عبد السلام وغيرهما، ألّف التآليف البديعة، منها الذخيرة، والفروق، والأحكام في الفرق بين الفتاوى والأحكام به فوائد غزيرة، وغير ذلك. توفي في جمادى الآخرة سنة 684 ه. انظر: شجرة النور الزكية في طبقات المالكية: محمد بن محمد بن عمر بن علي ابن سالم مخلوف (1/270)، دار الكتب العلمية، لبنان، ط 1، 1424 ه، علق عليه: عبد المجيد خيال.

([13]) محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حريز الزرعي الدمشقي شمس الدِّين ابن قيم الجوزية، كان جريء الجنان، واسع العلم، عارفاً بالخلاف ومذاهب السلف، وغلب عليه حب ابن تيمية حتى كان لا يخرج عن شيء من أقواله، بل ينتصر له في جميع ذلك، وهو الذى هذب كتبه، ونشر علمه، وكان له حظ عند الأمراء المصريين، واعتُقل مع ابن تيمية بالقلعة بعد أن أُهين، وطِيف به على جمل، مضروباً بالدرة، كان ملازماً للاشتغال ليلاً ونهاراً، كثير الصلاة والتلاوة، حَسَن الخُلُق كثير التودد، لا يحسد ولا يحقد، له العديد من المصنفات، من أشهرها: إعلام الموقعين، زاد المعاد، وبدائع الفوائد، وغيرها (توفي 751 ه)، انظر: الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة: شهاب الدِّين أبي الفضل أحمد بن علي بن محمد العسقلاني (3/243)، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 1418 ه، ضبطه عبد الوارث علي.

([14]) الشاه ولي الله أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي الهندي، كان هذا الرجل من أفراد المتأخرين علماً وعملاً وشهرة، أحيا الله به وبأولاده وأولاد بنته وتلاميذهم الحديث والسنة بالهند بعد مواتهما، وعلى كتبه وأسانيده المدار في تلك الديار، وهو والله جدير بكل إكبار واعتبار، له مصنفات من أشهرها حجة الله البالغة، توفي بدهلي (1176 ه)، انظر: فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات: عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني (1/178)، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط2، 1402 ه، تحقيق إحسان عباس.

([15]) بعد انتهائي من جمع نقول العلماء وجدت الشيخ القرضاوي حفظه الله قد تحدث باستفاضة حول هذا الموضوع، وذكر ما ذكرتُه من نقول، فلم أر حاجة لإعادة كلامه، طالما عدنا إلى الأصل، ومن أحب مراجعة كلامه ففي كتابه: السنة مصدراً للمعرفة والحضارة: يوسف عبد الله القرضاوي (ص 12-81)، دار الشروق، القاهرة، ط3، 1423 ه.

([16]) أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب النكاح، باب تحريـم الـجمع بين المرأة وعمتها ص 378 ح 1408) (ألفا).

([17]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الشهادات، باب الشهادة على الأنساب والرضاع ص 315 ح 2645).

([18]) انظر: صحيح البخاري (كتاب الجهاد والسير، باب الحرير في الحرب ص 354 ح 2919).

([19]) الإِذْخِر: بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، حَشِيشَةٌ طَيِّبَةُ الرَّائِحَةِ، تُسَقَّفُ بِهَا الْبُيُوتُ فَوْقَ الْخَشَبِ. النهاية في غريب الحديث: ابن الأثير (1/33).

([20]) القيون: جمع قين، وهو الحدَّاد والصانع. لسان العرب: ابن منظور (11/376).

([21]) انظر: صحيح البخاري (كتاب جزاء الصيد، باب لا يحل القتال بمكة ص 219 ح 1834).

([22]) أخرجه الترمذي في سننه (كتاب الأطعمة، باب ما جاء في أكل لحوم الجلالة وألبانها ص 421 ح 1824)، من حديث ابن عمر t وقال: حسن غريب، أخرج نحوه من حديث ابن عباس رضي الله عنه، وقال: حسن صحيح.

([23]) سورة النساء: من الآية (101).

([24]) انظر: صحيح مسلم (كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها ص 184 ح 686). (ألفا)

([25]) تأويل مختلف الحديث: أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدِّينوري (ص 196-199) باختصار، دار الجيل، بيروت، 1393 ه، تحقيق: محمد زهري النجار.

([26]) وذكر نحوه في الفروق (أنوار البروق في أنوا الفروق): أبو العباس أحمد بن إدريس الصنهاجي القرافي (1/357-358) في الفرق السادس والثلاثين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1418 ه، تحقيق خليل المنصور، ومعه إدرار الشروق على أنواء الفروق، للإمام أبي القاسم قاسم بن عبد الله ابن الشاط، وبحاشية الكتابين تهذيب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية لمحمد علي بن حسين المكي.

وقد أضفتُ على كلامه العناوين والتقاسيم؛ زيادة في الترتيب والتوضيح، فاقتضى التنويه.

([27]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الشهادات، باب من أقام البينة بعد اليمين ص 320 ح 2680)، وأخرجه أبو عبد الله مالك بن أنس الأصبحي في الموطأ (كتاب الأقضية، باب الترغيب في القضاء بالحق ص 438 ح 1391)، واللفظ له، شركة القدس للنشر، القاهرة، 2006، تحقيق طه عبد الرؤوف سعد.

([28]) سورة العلق: الآيتان (1، 2).

([29]) سورة الأعراف: من الآية (158).

([30]) الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام: أبو العباس أحمد بن إدريس القرافي (ص 99-109) ببعض الاختصار، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، ط 2، 1416 ه، اعتنى به عبد الفتاح أبو غدة.

([31]) أخرجه أبو داود في سننه (كتاب البيوع، باب في زرع الأرض بغير إذن صاحبها ص 520 ح 3403)، والترمذي في سننه (كتاب الأحكام عن رسول الله r، باب فيمن زرع في أرض قوم بغير إذنهم ص 322 ح 1366)، وقال حسن غريب والعمل على هذا عند بعض أهل العلم.

([32]) أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ص 487 ح 1718). (ألفا)

([33]) أخرجه أحمد في مسنده (مسند عبد الله بن العباس بن عبد المطلب 5/68 ح 2886)، وقال محققوه: إسناده صحيح على شرط مسلم.

([34]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب النفقات، باب إذا لم ينفق الرجل فللمرأة أن تأخذ بغير علمه ص 665 ح 5364).

([35]) أخرجه أحمد بن الحسين بن علي البيهقي في السنن الكبرى (كتاب قسم الفيء، باب السلب للقاتل 6/584 ح 12763)، دار الحديث، القاهرة، 1429 ه، تحقيق إسلام عبد الحميد، وأخرجه البخاري في صحيحه (كتاب المغازي، باب من لم يخمس الأسلاب ص 518 ح 4321)، بلفظ:” مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، فَلَهُ سَلَبُهُ “.

([36]) أخرجه أبو داود في سننه (كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في إحياء الموات ص 471 ح 3073)، وذكره البخاري في صحيحه (كتاب المزارعة، باب من أحيا أرضاً مواتاً ص 276)، معلقاً موقوفاً على عمر رضي الله عنه.

([37]) زاد المعاد: ابن القيم (3/489-491).

([38]) سورة الحشر: من الآية (7).

([39]) أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الفضائل، باب وجوب امتثال ما قاله شرعاً دون ما ذكره r من معايش الدنيا على سبيل الرأي ص 667 ح 2362). (ألفا).

([40]) لم أجده بهذا اللفظ، لكن وجدته بلفظ: ” خَيْرُ الْخَيْلِ الْأَدْهَمُ الْأَقْرَحُ “، أخرجه أحمد في مسنده (37/253 ح 22561)، وحسنه محققو المسند. والأَدْهَمُ: الأَسْود يكون في الخيل والإبل. لسان العرب: ابن منظور (4/430)، والأقرح: هو ما كان في جَبْهتَه قُرْحة بالضم، وهي بياض يَسيرٌ في وَجْه الفَرس دون الغُرّة. النهاية في غريب الحديث: ابن الأثير (4/36).

([41]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب النكاح، باب حسن المعاشرة مع الأهل ص 644 ح 5189).

([42]) حجة الله البالغة: أحمد شاه ولي الله ابن عبد الرحيم الدهلوي (1/240-241)، باختصار، دار الكتب العلمية، بيروت، 1421 ه، ضبطه ووضع حواشيه محمد سالم هاشم.

([43]) مقاصد الشريعة الإسلامية: محمد الطاهر بن عاشور (ص 212 – 230)، دار النفائس، الأردن، ط2، 1421 ه، تحقيق محمد الطاهر الميساوي.

([44]) أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الفضائل، باب وجوب امتثال ما قاله شرعاً دون ما ذكره صلى الله عليه و سلم من معايش الدنيا على سبيل الرأي ص 667 ح 2363). (ألفا)، الشيص: رديء التمر، يقال للتمر الذي لا يشتد نواه ويقوى، وقد لا يكون له نوى أصلاً، وإنما شُيِّص إذا لم يُلقح. انظر: لسان العرب: ابن منظور (7/256).

([45]) السيرة النبوية: ابن هشام (2/210).

([46]) الغيلة: أن يجامع امرأته وهي مرضع، قال العلماء: سبب همه صلى الله عليه وسلم بالنهي عنها أنه يخاف منه ضرر الولد الرضيع، قالوا: والأطباء يقولون: إن ذلك اللبن داء، والعرب تكرهه وتتقيه، وفي الحديث جواز الغيلة، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يَنْهَ عنها، وبيَّن سبب ترك النهى. المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج: أبو زكريا محيي الدِّين يحيى بن شرف النووي (10/16)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط2، 1392ه.

([47]) أخرجه مسلم صحيحه (كتاب النكاح، باب جواز الغيلة، وهي وطء المرضع ص 391 ح 1442). (ألفا)

([48]) هي البئر. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (3/463).

([49]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب التمني، باب كتاب الحاكم إلى عماله ص 857 ح 7192).

([50]) أي عظيمهما، انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر: ابن الأثير (2/15).

([51]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب التفسير، باب وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِين ص 580 ح 4747).

([52]) انظر: خاتم النبيين: محمد أبو زهرة (1/20)، دار الفكر العربي، مصر، (بدون معلومات أخرى)، ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده: القرضاوي (ص 11، 30)، مكتبة وهبة، 1413 ه، (بدون معلومات أخرى)، وجوب تطبيق الشرعة الإسلامية في كل عصر: صالح السدلان (ص 51)، قواعد البناء في المجتمع الإسلامي: محمد السيد الوكيل (ص 9)، دار الوفاء، المنصورة، ط 1، 1407 ه.

([53]) سورة الإسراء: من الآية (15).

([54]) سورة الشورى: من الآية (13).

([55]) سورة الأنعام: من الآية (90).

([56]) سورة المؤمنون: الآيات (84-89).

([57]) سورة العنكبوت: الآية (61).

([58]) أخرجه الترمذي في سننه (كتاب الدعوات، بابٌ ص 791 ح 3483)، وقال: حسن غريب

([59]) سورة الأنعام: الآيات (162-165).

([60]) قواعد البناء في المجتمع الإسلامي: أحمد السيد الوكيل (ص 15).

([61]) سورة الأعراف: من الآية (138).

([62]) أخرجه أحمد في مسنده (حديث أبي واقد الليثي 36/226 ح 21897)، وقال محققوه: إسناده صحيح على شرط الشيخين.

([63]) أخرجه الحافظ أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد التميمي البستي الشهير بابن حبان في صحيحه المسند الصحيح على التقاسيم والأنواع (ذكر رؤية المصطفى r في النار ابن قمعة يعذب فيها 4/27 ح 2993)، دار ابن حزم، ط 1، 1433ه، تحقيق محمد سونمز، وخالص آي دمير؛ وحسنه شعيب الأرنؤوط في تحقيقه لصحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، الأمير علاء الدين علي بن بلبان الفارسي (16/535 ح 7490)، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2، 1414 ه، حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه شعيب الأرنؤوط.

([64]) السيرة النبوية: ابن هشام (1/56).

([65]) ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده: القرضاوي (ص 14).

([66]) سورة الأنعام: من الآية (14).

([67]) ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده: القرضاوي (ص 15-16).

([68]) سورة الزمر: الآيات (38-40).

([69]) سورة الأنبياء: الآيات (21-24).

([70]) سورة المؤمنون: الآية (91).

([71]) سورة الأحقاف: الآية (9).

([72]) سورة الزخرف: الآيتان (30، 3).

([73]) سورة البقرة: الآية (89).

([74]) سورة البقرة: الآية (101).

([75]) سورة البقرة: من الآية (109).

([76]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب المغازي، باب عمرة القضاء ص 511 ح 4251).

([77]) أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الجهاد والسير، باب صلح الحديبية ص 507 ح 1783). (ألفا)

([78]) أي فرسانِ مُعدَّان للسباق، فهما في تنافس شديد للوصل إلى غاية، انظر: لسان العرب: ابن منظور (10/221).

([79]) السيرة النبوية: ابن هشام (1/202).

([80]) سورة يس: الآيات (77-79).

([81]) سورة فاطر: الآية (9).

([82]) سورة الأعراف: الآية (57).

([83]) أخرجه أحمد في مسنده (حديث مولى لرسول الله r 24/430 ح 15662)، وقال محققوه: حديث صحيح، رجاله ثقات رجال الصحيح، والمولى الذي لم يُسمَّ، هو أبو سلمى راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

([84]) سورة آل عمران: الآيات (2-4).

([85]) سورة الأحقاف: الآيات (29-31).

([86]) سورة البقرة: الآية (117).

([87]) سورة الأنعام: الآية (73).

([88]) سورة يس: الآية (82).

([89]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب التوحيد باب قول الله تعالى } وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ { ص 890 ح 7481). والآية من سورة سبأ من الآية (23).

([90]) أنصح هنا بقراءة الكتاب الماتع النفيس: (دراسات قرآنية) لمحمد قطب، نشر دار الشروق، بيروت، ط 3، 1402 ه، حيث تحدث فيه عن منهج القرآن الكريم في غرس العقيدة في نفوس المؤمنين.

([91]) سورة الأنعام: من الآية (114).

([92]) تحكيم الشريعة ودعاوى الخصوم: صلاح الصاوي (ص 5، 6)، دار الإعلام، القاهرة، ط1، 1414 ه.

([93]) سورة النساء: الآية (60).

([94]) سورة النساء: الآية (65).

([95]) سورة المائدة: من الآية (44).

([96]) سورة المائدة: الآيتان (49، 50).

([97]) ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده: القرضاوي (ص 17)، باختصار.

([98]) ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده: القرضاوي (ص 25).

([99]) قصة أبي بكر في سنن الترمذي (كتاب المناقب، باب في مناقب أبي بكر وعمر ص 834 ح 3675)، وقال: حسن صحيح.

([100]) وفيهم يقول الله تعالى: } لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ { سورة الحشر: الآية (8).

([101]) السيرة الحلبية المعروف بـ (إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون): أبو الفرج علي بن إبراهيم بن أحمد الحلبي (2/232)، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 2، 1427 ه.

([102]) السيرة النبوية: ابن هشام (3/187)، إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع: أحمد ابن علي بن عبد القادر، تقي الدِّين المقريزي (1/209)، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1 1420 ه، تحقيق محمد عبد الحميد النميسي، وستأتي قصته من رواية البخاري (ص 170).

([103]) سورة البقرة: الآية (60).

([104]) سورة آل عمران: من الآية (37).

([105]) سورة آل عمران: الآيتان (39، 40).

([106]) السيرة الحلبية: الحلبي (2/210).

([107]) سورة التوبة: من الآية (40).

([108]) الفوائد: محمد بن أبي بكر بن سعد الزرعي ابن القيم (ص 58)، دار إحياء الكتب العربية، تحقيق طه سعد.

([109]) عبقرية محمد ثلى الله عليه و سلم: عباس محمود العقاد (ص 148)، دار اليقين، مصر، ط 1، 1436 ه.

([110]) خاتم النبيين r: محمد أبو زهرة (1/18).

([111]) كانت الحرب الأولى 27/12/2008، واستمرت واحداً وعشرين يوماً، ثم حرب حجارة السجيل، وكانت في 14/11/2012 م، واستمرت ثمانية أيام، ثم كانت الحرب الأشد والأشرس والأطول، حرب العصف المأكول 7/7/2014م في شهر رمضان المبارك، واستمرت واحداً وخمسين يوماً، ورأينا فيها من آيات الله ما رأينا.

وقد جريتُ في تسمية المناطق على ما هو مشهور لا على ما هو الصحيح، فلا مكان لليهود في بلادنا بإذن الله تعالى.

([112]) تحكيم الشريعة ودعاوى الخصوم: الصاوي (ص 6).

([113]) عبقرية محمد صلى الله عليه وسلم: عباس محمود العقاد (ص 149).

([114]) الصيام والتمدن (2): محمد رشيد رضا (2/695)، مقال ضمن مجلة المنار: مجموعة من الكُتَّاب (بدون معلومات أخرى).

([115]) سورة العنكبوت: الآية (29).

([116]) انظر: ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده: القرضاوي (ص 122).

([117]) سورة البقرة: من الآيتين (30، 31).

([118]) سورة سبأ: الآية (2).

([119]) انظر: منهج التربية والتعليم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم: عبد الوهاب الحاجي (ص 7)، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 2011 م، نقلاً عن: نحو التربية الإسلامية الحرة في الحكومات والبلاد الإسلامية: أبو الحسن علي الحسني الندوي (ص 22).

([120]) انظر: خاتم النبيين r: محمد أبو زهرة (1/45).

([121]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب التفسير، باب لا تبديل لخلق الله ص 587 ح 4775).

([122]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب القدر، باب الله أعلم بما كانوا عاملين ص 790 ح 6599).

([123]) أخرجه أحمد في مسنده (حديث الأسود بن سريع 26/227 ح 16299)، وقال محققوه: حديث صحيح لغيره.

([124]) سورة الروم: الآيتان (30، 31).

([125]) انظر: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: للقاضي أبي محمد عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (4/336)، دار الكتب العلمية، ط 1، 1422 ه، تحقيق عبد السلام عبد الشافي محمد، التحرير والتنوير: ابن عاشور (21/90)، مقاصد الشريعة الإسلامية: ابن عاشور (ص 259).

([126]) أصول النظام الاجتماعي في الإسلام: محمد الطاهر بن عاشور (ص 44)، دار النفائس، عمان، ط 1، 1421 ه، خرج أحاديثه محمد الطاهر الميساوي، الفكر الإسلامي وقضايانا السياسية: أحمد الريسوني (ص 65).

([127]) الجريمة: محمد أبو زهرة (ص 50)، دار الفكر العربي، القاهرة، 1998 م.

([128]) أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله r إلى السموات ص 52 ح 164). (الرشد)

([129]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الدعوات، باب إذا بات طاهراً ص 760 ح 6311).

([130]) أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الطهارة، باب خصال الفطرة ص 75 ح 261)، (الرشد) والبَرَاجِم: جمع بُرجُمة وهي عقد الأصابع ومفاصلها كلها؛ وانتقاص الماء هو: نضح الفرج بماء قليل بعد الوضوء لينفي عنه الوسواس، شرح صحيح مسلم: النووي (2/140).

([131]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب اللباس، باب قص الشارب ص 718 ح 5889).

([132]) أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الصلاة، باب الإمساك عن الإغارة على قوم في دار الكفر إذا سمع فيهم الأذان ص 97 ح 382)، (الرشد).

([133]) أخرجه أحمد في مسنده (مسند عبد الله بن مسعود t 6/408 ح 3861)، وقال محققوه: إسناده صحيح على شرط مسلم.

([134]) أخرجه أحمد في مسنده (حديث أبي أيوب الأنصاري t 38/555 ح 23582)، وقال محققوه: حسن.

([135]) سورة الأحزاب: الآية (21).

([136]) السيرة النبوية: ابن هشام (1/122).

([137]) سبق تخريجه، وهو صحيح.

([138]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الأدب، باب حسن الخلق والسخاء وما يكره من البخل ص 731 ح 6033)

([139]) أخرجه أحمد في مسنده (حديث بريدة الأسلمي 38/134 ح 23029)، وقال محققوه: إسناد صحيح على شرط مسلم.

([140]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الرقاق، باب في الأمل وطوله ص 772 ح 6417).

([141]) أخرجه أحمد في مسنده (مسند عبد الله بن مسعود t 7/207 ح 4142)، وحسن محققوه إسناده. والآية من سورة الأنعام: الآية (153).

([142]) أخرجه أحمد في مسنده (حديث أبي أمامة الباهلي 36/545 ح 22211)، وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح.

([143]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب بدء الخلق، باب خير مال المسلم غنم تبع بها شعف الجبال ص 399 ح 3305)، ومسلم في صحيحه (كتاب الزهد والرقائق، باب في الفأر وأنه مسخ ص 838 ح 2997)، واللفظ له. (ألفا)

([144]) أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب صفات المنافقين، باب مثل المؤمن مثل النخلة ص 791 ح 2811). (ألفا)

([145]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب العلم، باب الحياء في العلم ص 26 ح 131).

([146]) أخرجه أحمد في مسنده (حديث رجل من بني غفار 39/92 ح 23687)، وقال محققوه: إسناده ضعيف، وأخرجه أبو داود في سننه (كتاب العلم، باب التوقي في الفتيا ص 553 ح 3656)، واللفظ فيهما: ” الغلوطات ” وليس الأغلوطات.

قال الخطابي رحمه الله: ” الغلوطات: جمع غلوطة: وهي المسألة التي يعيا بها المسؤول، فيغلط فيها، كره صلى الله عليه وسلم أن يعترض بها العلماء، فيغالَطوا ليُسْتَزلوا ويُسْتسقط رأيهم فيها. يقال: مسألة غلوط إذا كان يغلط فيها، كما يقال: شاة حلوب، وفرس ركوب، إذا كانت تُركب وتُحلب، فإذا جعلَتها اسماً زدتَ فيها الهاء، فقلت: غلوطة، كما يقال: ركوبة وحلوبة، وتُجمع على الغلوطات، كما تجمع الحلوبة على الحلوبات … والأغلوطة أفعولة من الغلط، كالأحدوثة، والأحموقة، ونحوهما “. غريب الحديث: الخطابي (1/354).

([147]) فتح الباري: ابن حجر (1/198).

([148]) أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم ودلالتها على الأحكام: محمد سليمان الأشقر (1/41)، مؤسسة الرسالة، ط6، 1424 ه.

([149]) أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ص ح 2487).

([150]) سبق تخريجه، وهو صحيح.

([151]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب العلم، باب من جعل لأهل العلم أياماً مخصوصة ص 19 ح 70).

([152]) أخرجه أحمد في مسنده (سند جابر بن عبد الله م 23/234 ح 14983)، وقال محققوه: إسناده صحيح على شرط مسلم، والضياع: العيال. شرح صحيح مسلم: النووي (3/384).

([153]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الاستسقاء، باب الاستسقاء في المسجد الجامع ص 123 ح 1013)، والآكام: جمع أكمة، التراب المجتمع، أو ما اجتمع من الحجارة في مكان واحد. والظِّراب: جمع ظَرِب، وهي الرابية الصغيرة، والآجام: جمع أجمة، وهي الشجر الملتف. انظر: فتح الباري: ابن حجر (3/196)، المصباح المنير: أحمد بن محمد بن علي الفيومي (ص 3، 7، 145)، مكتبة لبنان، 1990، طبعة الجيب.

([154]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الطلاق، باب اللعان ص 658 ح 5301).

([155]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الأدب، باب عقوق الوالدِّين من الكبائر ص 726 ح 5976).

([156]) سورة البقرة: من الآية (159).

([157]) الموافقات: أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الخمي الشاطبي (4/125)، دار ابن عفان، ط1، 1417 ه، ضبطه عولق عليه مشهور بن حسن آل سلمان.

([158]) معالم في الطريق: سيد قطب (ص 12).

([159]) انظر: السيرة الحلبية: الحلبي (1/472)، المنهج الحركي للسيرة النبوية: منير محمد الغضبان (1/49)، مكتبة المنار، الزرقا، الأردن، ط 6، 1411 ه.

([160]) أخرجه أحمد في مسنده (مسند أنس بن مالك رضي الله عنه 20/182 ح 12784)، وقال محققوه: حديث صحيح.

([161]) أخرجه أحمد في مسنده (مسند أنس بن مالك  21/81رضي الله عنه ح 13380)، وقال محققوه: حديث صحيح.

([162]) سبق تخريجه، وهو صحيح.

([163]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الأطعمة، باب التسمية على الطعام والأكل بيمينه ص 666 ح 5376).

([164]) أخرجه أحمد في مسنده (مسند عبد الله بن العباس t 5/19 ح 2803)، وقال محققوه: حديث صحيح.

([165]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الوضوء، باب وضع الماء عند الخلاء ص 28 ح 143).

([166]) إمتاع الأسماع: المقريزي (1/119).

([167]) معوقات تطبيق الشريعة: مناع القطان (ص 62).

([168]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب زيد بن حارثة ص 451 ح 3730).

([169]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب فرض الخمس، باب من لم يخمس الأسلاب ص 380 ح 3141).

([170]) أخرجه أحمد في مسنده (مسند أنس بن مالك رضي لله عنه 19/185 ح 12137) قال محققوه إسناده على شرط الشيخين

([171]) أخرجه أحمد في مسنده (مسند أنس بن مالك  20/282رضي لله عنه ح 12957)، وقال محققوه: إسناده على شرط الشيخين.

تنويه: عدلتُ عن ذكر رواية البخاري لهذا الحديث؛ لأن رواية المسند تخدم الفكرة التي أريدها من مداعبة الأطفال والمزاح معهم بصورة أفضل من رواية البخاري. والنُغير: بالتصغير طير صغير يُشبه العصفور. انظر فتح الباري: ابن حجر (10/503).

([172]) منهج الرسول r في غرس روح الجهاد في نفوس أصحابه: السيد محمد نوح (ص 55)، دار الوفاء، المنصورة، ط3، 1414 ه.

([173]) مدخل لدراسة القانون وتطبيق الشريعة الإسلامية: عبد الناصر توفيق العطار (ص 6، 7).

([174]) سورة المؤمنون: الآيتان (115، 116).

([175]) سورة البقرة: من الآية (30).

([176]) سورة النور: من الآية (55).

([177]) سورة التوبة: الآية (71).

([178]) سورة آل عمران: الآية (104).

([179]) سورة التوبة: الآية (122).

([180]) أخرجه الترمذي في سننه (كتاب الفتن عن رسول الله r، باب ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص 490 ح 2169)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن.

([181]) سورة آل عمران: من الآية (159).

([182]) يقول القرطبي رحمه الله: ” قوله تعالى: } وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ { يدل على جواز الاجتهاد في الأمور، والأخذ بالظنون مع إمكان الوحي، فإن الله أذن لرسوله r في ذلك … روي عن الحسن البصري والضحاك رحمهما الله قالا: ما أمر الله تعالى نبيه بالمشاورة لحاجة منه إلى رأيهم، وإنما أراد أن يعلمهم ما في المشاورة من الفضل، ولتقتدي به أمته من بعده “، الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (2/598).

([183]) سورة الشورى: الآيتان (37، 38).

([184]) أخرجه أحمد في مسنده (حديث المسور بن مخرمة 31/244 ح 18928)، وقال محققو المسند: إسناده صحيح.

([185]) قلت: ليس هذا القول من النبي r إذناً في قتل الذراري والنساء، فقد جاء النهي صريحاً عن قتلهم في أحاديث عديدة؛ لكنه ـــ كما يبدو من سياق القصة ورواياتها ـــ أنه r ذكر هذا الخيار كأحد الخيارات التي تدور في خلد الصحابة y، فهو r يعدده مع خيارات أخرى؛ ليتم استثناؤه، خاصة أنه لا يليق بأمة ذات رسالة رحيمة وهدفٍ سامٍ أن تقتل هذه الفئة عمداً وقصداً واختياراً من غير ضرورة راجحة.

([186]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية ص 504 ح 4178، 4179).

([187]) معناه عابوا أهلي أو اتهموا أهلي، ورموهم بالقبيح. فتح الباري: ابن حجر (9/410).

([188]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب التفسير، باب } إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ { ص 583 ح 4757).

([189]) السيرة النبوية: ابن هشام (2/210).

= قلت: فهم الصحابة y هذا المبدأ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ: قَالَ: جَاءَتْ الْجَدَّةُ أُمُّ الْأُمِّ وَأُمُّ الْأَبِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رضي لله عنه، فَقَالَتْ: إِنَّ ابْنَ ابْنِي أَوْ ابْنَ بِنْتِي مَاتَ، وَقَدْ أُخْبِرْتُ أَنَّ لِي فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقّاً، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي لله عنه: مَا أَجِدُ لَكِ فِي الْكِتَابِ مِنْ حَقٍّ، وَمَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r قَضَى لَكِ بِشَيْءٍ، وَسَأَسْأَلُ النَّاسَ. قَالَ: فَسَأَلَ النَّاسَ، فَشَهِدَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ t أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَعْطَاهَا السُّدُسَ، قَالَ: وَمَنْ سَمِعَ ذَلِكَ مَعَكَ؟ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَة رضي لله عنه. قَالَ: فَأَعْطَاهَا السُّدُسَ، ثُمَّ جَاءَتْ الْجَدَّةُ الْأُخْرَى الَّتِي تُخَالِفُهَا إِلَى عُمَرَ رضي لله عنه. قَالَ سُفْيَانُ: وَزَادَنِي فِيهِ مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَلَمْ أَحْفَظْهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَلَكِنْ حَفِظْتُهُ مِنْ مَعْمَر:ٍ أَنَّ عُمَرَ رضي لله عنه قَالَ: إِنْ اجْتَمَعْتُمَا فَهُوَ لَكُمَا، وَأَيَّتُكُمَا انْفَرَدَتْ بِهِ فَهُوَ لَهَا. أخرجه مالك في موطئه (كتاب الفرائض، باب ميراث الجدة 2/513 ح 1076)، والترمذي في سننه (كتاب الفرائض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في ميراث الجدة ص 473 ح 2100)، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ لِثِقَةِ رِجَالِهِ إلَّا أَنَّ صُورَتَهُ مُرْسَلٌ، فَإِنَّ قَبِيصَةَ لَا يَصِحُّ لَهُ سَمَاعٌ مِنْ الصِّدِّيقِ رضي لله عنه، التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير: أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (3/186 ح 1349)، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1419هـ.

([190]) سورة النساء: الآية (1).

([191]) سورة الحشر: من الآية (18).

([192]) أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة ص 241 ح 1691). (الرشد)

([193]) أخرجه ابن ماجه أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني في سننه (كتاب الأذان والسنة فيها، باب بدء الأذان ص 136 ح 707)، مكتبة المعارف، الرياض، ط1، حكم على أحاديث محمد ناصر الدين الألباني، اعتنى به مشهور بن حسن آل سلمان؛ ويفيد كلام ابن الملقن سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد في البدر المنير في تخريج الأحاديث والأثار الواقعة في الشرح الكبير (3/359)، دار الهجرة، الرياض، 1425 ه، تحقيق مصطفى أبو الغيط، وآخرون، إلى قبول الحديث.

([194]) أخرجه أبو داود في سننه (كتاب الصلاة، باب بدء الأذان ص 82 ح 498)، وحسنه الألباني.

([195]) أخرجه ابن ماجه في سننه (كتاب الأدب، باب فضل الحامدين ص 627 ح 3801)، وضعفه الألباني.

([196]) أخرجه الترمذي في سننه (كتاب مواقيت الصلاة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم، باب ما جاء في الرجل يعطس في الصلاة ص

109 ح 404)، وقال: حديث حسن، وَكَأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ فِي التَّطَوُّعِ؛ لِأَنَّ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ التَّابِعِينَ قَالُوا: إِذَا عَطَسَ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ إِنَّمَا يَحْمَدُ اللَّهَ فِي نَفْسِهِ، وَلَمْ يُوَسِّعُوا فِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِك.                                      =

= قلت: لكنَّ ظاهر الحديث يوحي بأن ذلك كان في الفريضة، فإنه يظهر منهم كونهم في جماعة، فقد قال: صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ r، فَعَطَسْتُ؛ والله أعلم. والحديث أصله في البخاري (كتاب الأذان، بابٌ ص 99 ح 799) بنحوه. وقال ابن حجر في الفتح (12/246) على حديث الترمذي: وسنده لا بأس به، وأن الصلاة المذكورة هي المغرب.

([197]) سبق تخريجه، وهو صحيح.

([198]) البدعة: طَرِيقَة فِي الدِّين مُخْتَرَعَة، تُضَاهِي الشَّرْعِيَّةَ، يُقْصَدُ بِالسُّلُوكِ عَلَيْهَا الْمُبَالَغَةُ فِي التَّعَبُّدِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ.

وَإِنَّمَا قُيِّدَتْ بِالدِّين؛ لِأَنَّهَا فِيهِ تُخْتَرَعُ، وَإِلَيْهِ يُضِيفُهَا صَاحِبُهَا، وَأَيْضاً فَلَوْ كَانَتْ طَرِيقَةً مُخْتَرَعَةً فِي الدُّنْيَا عَلَى الْخُصُوصِ، لَمْ تُسَمَّ بِدْعَةً؛ كَإِحْدَاثِ الصَّنَائِعِ وَالْبُلْدَانِ الَّتِي لَا عَهْدَ بِهَا فِيمَا تَقَدَّمَ.

وَلَمَّا كَانَتِ الطَّرَائِقُ فِي الدِّين تَنْقَسِمُ، فَمِنْهَا مَا لَهُ أَصْلٌ فِي الشَّرِيعَةِ، وَمِنْهَا مَا لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِيهَا، خُصَّ مِنْهَا مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْحَدِّ، وَهُوَ الْقِسْمُ الْمُخْتَرَعُ، أَيْ: طَرِيقَةٌ ابْتُدِعَتْ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ تَقَدَّمَهَا مِنَ الشَّارِعِ، إِذِ الْبِدْعَةُ إِنَّمَا خَاصَّتُهَا أَنَّهَا خَارِجَةٌ عَمَّا رَسَمَهُ الشَّارِعُ. الاعتصام: إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي (1/25)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، أعد فهارسها رياض عبد الهادي.

([199]) يقصد ما كان من جمع عمر t الناس لصلاة التراويح في جماعة.

([200]) وذلك قوله رحمه الله: ” وقوله:” كُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ “، فإنَّ هذا خاص في بعض الأمور دون بعض؛ وكلُّ شيء أُحدث على غير أصلٍ من أصول الدِّين، وعلى غير عياره وقياسه، وأما ما كان منها مبنياً على قواعد الأصول، ومردوداً إليها، فليس ببدعة ولا ضلالة، والله أعلم “. معالم السنن: الخطابي (4/278).

([201]) أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة ص 227 ح 866)، ألفا.

([202]) سبق تخريجه، وهو صحيح.

([203]) الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (1/501-502).

([204]) سورة العلق: الآيات (1-5).

([205]) ابن حجر: فتح الباري (1/170).

([206]) سورة طه: من الآية (114)، قلت: يدل سياق الآيات على أن العلم المراد الازدياد منه، ما يحقق التقوى، ويُحدث الذِّكر، وتعظيم الله تعالى، وكل ذلك متوافر في القرآن الكريم } وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (113) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا { سورة طه: الآيتان (١١٣ – ١١٤)، ” وهذا هو العلم الباقي الذي ينفع ولا يضيع، ويثمر ولا يخيب “، في ظلال القرآن: سيد قطب (4/2353).

([207]) سورة آل عمران: الآية (18).

([208]) أربعون حديثاً من أصح الصحيح في حق الحق سبحانه، وحق الخلق: محمد سالم بن أحمد مود الجكني (ص 31)، مكتبة الرشد، ط1، 1433 ه.

([209]) سورة المدثر: الآيات (1-7).

([210]) سورة المزمل: الآيات (1-6).

([211]) سورة الشمس: الآيات (1-10).

([212]) أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب العلم، باب رفع العلم، وقبضه، وظهور الجهل، والفتن ص 751 ح 2671) ألفا.

([213]) أخرجه الترمذي في سننه (كتاب العلم، باب ما جاء في فضل العلم على العبادة ص 604 ح 2682)، والحديث إسناده حسنه يوسف القرضاوي في المنتقى من الترغيب والترهيب (1/124 الهامش 1)، المكتب الإسلامي، بيروت، ط3، 1421 ه.

([214]) أخرجه ابن ماجه في سننه (باب فضل العلماء، والحث على طلب العلم ص 56 ح 224)، والحديث حسنه بشواهده أبو الأشبال الزهيري في تحقيق كتاب جامع بيان العلم وفضله: أبو عمر يوسف بن عبد الله ابن عبد البر (1/23 الهامش)، دار ابن الجوزي، السعودية، ط 1، 1414 ه.

([215]) منهج الرسول r في غرس روح الجهاد في نفوس أصحابه: السيد محمد نوح (ص 31).

([216]) أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الطهارة، باب فضل إسباغ الوضوء على المكاره ص 83 ح 369). ألفا

([217]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الأذان، باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة ص 84 ح 660).

([218]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الوصايا، باب قول الله تعالى: } إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً { ص 336 ح 2766).

([219]) فتح الباري: ابن حجر (13/266).

([220]) سبق تخريجه وهو صحيح.

([221]) فتح الباري: ابن حجر (13/260).

([222]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يُكره من كثرة السؤال ومن تكلف ما لا يعنيه ص 868 ح 7289).

([223]) أخرجه أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق بن خلاد بن عبيد الله العتكي المعروف بالبزار في مسنده المشهور بالبحر الزخار (10/26)، وقال: إسناده صالح. مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، ط1، 2009، حققه محفوظ الرحمن زين الله، وعادل بن سعد، وصبري عبد الخالق. وجزء الآية من سورة مريم: من الآية (64).

([224]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يُكره من كثرة السؤال ومن تكلف ما لا يعنيه ص 868 ح 7296).

([225]) فتح الباري: ابن حجر (13/373). نسب ابن حجر رحمه الله هذه المقولة لابن بطال رحمه الله، لكنْ عند الرجوع إلى شرح ابن بطال على البخاري وجدتُ قوله فقط: ” هذا من السؤال الذي لا يحل “، لذا عزوتها في المتن لابن حجر. انظر: شرح صحيح البخاري: ابن بطال أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك (10/342)، مكتبة الرشد الرياض، ط 2، 1423 ه، تحقيق ياسر بن إبراهيم.

([226]) أفعال الرسول r: الأشقر (1/40)، نقلاً عن المدرس في المدرسة والمجتمع: أبو الفتوح رضوان (ص 106، 107).

([227]) خاتم النبيين r: محمد أبو زهرة (1/43).

([228]) أفعال الرسول r: الأشقر (1/40).

([229]) عبقرية الصديق t: عباس محمود العقاد (ص 120)، دار اليقين، ط 1، 1436 ه.

([230]) الموافقات: الشاطبي (4/391)، مقاصد الشريعة: محمد الطاهر بن عاشور (ص 405).

([231]) عبقرية عمر t: عباس محمود العقاد (ص 10)، دار اليقين، ط 1، 1436 ه.

([232]) مدخل لدراسة القانون: العطار (ص 8).

([233]) عبقرية الصديق t: عباس العقاد (ص 86).

([234]) سبق تخريجه، وهو صحيح.

([235]) سبق تخريجه، وهو صحيح.

([236]) سورة البقرة: من الآية (117).

([237]) سورة الأعراف: من الآية (54).

([238]) سورة فصلت: من الآية (9).

([239]) سورة فصلت: من الآيتين (10، 11).

([240]) الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (4/192).

([241]) سورة الحج من الآية (5).

([242]) سورة الفرقان: الآية (32).

([243]) زاد المعاد: ابن القيم (2/29).

([244]) سورة الأعراف: من الآية (182).

([245]) مقاييس اللغة: ابن فارس (ص 291)، الصحاح: أبي نصر إسماعيل بن حماد الجوهري (ص 366)، دار الحديث، القاهرة، 1430 ه، اعتنى به محمد تامر وأنس الشامي وزكريا أحمد، المصباح المنير: الفيومي (ص 73)، لسان العرب: ابن منظور (4/319).

([246]) عرفه قريباً من هذا د. محمد مصطفى الزحيلي في التدرج في التشريع والتطبيق في الشريعة الإسلامية (ص 28)، إدارة البحوث والدراسات، ط 1، 1420 ه، طبعة خاصة باللجنة الاستشارية العليا.

([247]) المرجع السابق (ص 30).

([248]) سورة المائدة: من الآية (3).

([249]) التدرج في التشريع والتطبيق: محمد الزحيلي (ص 32)، معوقات تطبيق الشريعة الإسلامية: البيانوني (ص 41).

([250]) ذهب د. محمد الزحيلي إلى أنه يُقصد بالتدرج في التطبيق أمران:

الأول: بيان الأحكام الشرعية للناس شيئاً فشيئاً؛ لتتم معرفتهم بها واستيعابهم لها، وإدراكهم لحقيقتها، والتدرج فيها من الأيسر إلى ما يليه، ومن السهل إلى الأشد، ومن القريب إلى أذهانهم إلى ما بعُد عنهم، حتى ينخرطوا في دين الله وشرعه، ويقتنعوا به، ويلتزموا بأحكامه فكراً وسلوكاً.

الثاني: وضع الأحكام الشرعية في أنظمة وقوانين للانتقال بالأمة والمجتمع والدولة من الأنظمة والقوانين الوضعية والمطبقة عملياً، إلى الأنظمة والقوانين المستمدة من الشريعة السمحة؛ ليسود دين الله وشرعه في التعامل وسائر شؤون الحياة. التدرج في التشريع والتطبيق: محمد الزحيلي (ص 28-29). وكما هو ملاحظ، فالتعريف وصفي فيه تطويل وحشو.

وقد عرف العلامة عبد الرحمن الميداني التدرج في التطبيق بقوله: تجزئة العمل المادي أو المعنوي إلى أجزاء متعددات، بحسب نسبة المسافة بين البدء والغاية، وبحسب قدرة العامل من عملِه منجزاً له، مُسَهَّلٍ ومُوَطَّئٍ للانتقال إلى ما بعده في الترتيب الطبيعي، بغية عمله، حتى إنجازه واجتناء ثمرته، ويكون العمل فيه ميسراً سهلاً. الشريعة الإسلامية بين التدرج في التشريع والتدرج في التطبيق: عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني (ص 11)، ط 1، 1420 ه، طبعة خاصة باللجنة الاستشارية العليا للعمل على استكمال تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية.

([251]) التدرج في التشريع والتطبيق: محمد الزحيلي (ص 7) من مقدمة إدارة البحوث والدراسات للكتاب.

([252]) المرجع السابق (ص 5-6) من مقدمة إدارة البحوث والدراسات للكتاب.

([253]) سورة القمر: الآية (46).

([254]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب فضائل القرآن، باب تأليف القرآن ص 623 ح 4993).

([255]) فتح الباري: ابن حجر (10/48).

([256]) انظر مقصد الشريعة تجنب التفريع وقت التشريع، في مقاصد الشريعة: الطاهر ابن عاشور (ص 401).

([257]) مجموع الفتاوى: ابن تيمية (10/187).

([258]) أخرجه أحمد بن الحسين بن علي بن موسى، أبو بكر البيهقي في شعب الإيمان (6/387 ح 3603)، الدار السلفية، بومباي، لهند، 1429 ه، إصدار إدارة الشؤون الإسلامية بوزارة الأوقاف، قطر، حققه عبد العلي عبد الحميد حامد؛ وصحح ابن حجر في الفتح (13/87) وقفه على عبد الله بن عمرو t.

والمنبت هو: الذي انقطع في سفره، وعطبت راحلته، فشبَّه المجتهد في العبادة حتى يحسر، بالذي يُتعب نفسه في السير بلا فتور حتى تعطب دابته، فيبقى مُنبتاً منقطعاً، لم يقض سفره، وقد أعطب ظهره؛ وقد قال الحسن:: إن دين الله وُضِع فوق التقصير ودون الغلو. شرح السنة: أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي (2/471)، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 2، 1424 ه، تحقيق علي معوض وعادل عبد الموجود.

([259]) أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام ص 22 ح 29) (ألفا).

([260]) فتح الباري: ابن حجر (4/127).

([261]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الزكاة، باب لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة ص 177 ح 1458).

فائدة: نقل ابن حجر رحمه الله في الفتح (4/130) عن شيخه البُلقيني رحمه الله تعليقه على عدم ذكر الصوم والحج في الحديث؛ فقال: ” إذا كان الكلام في بيان الأركان، لم يُخِلَّ الشارعُ منه بشيء، كحديث ابن عمر t: ” بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ “، فإذا كان في الدعاء إلى الإسلام، اكتفى بالأركان الثلاثة: الشهادة، والصلاة، والزكاة؛ ولو كان بعد وجود فرض الصوم والحج، كقوله تعالى: } فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاة { (سورة التوبة: من الآية (5)، والآية (11)) = في موضعين من براءة، مع أن نزولها بعد فرض الصوم والحج قطعاً، وحديث ابن عمر t أيضاً: ” أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهَ، وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ “، وغير ذلك من الأحاديث.

قال: والحكمة في ذلك: أن الأركان الخمسة اعتقاديٌ، وهو الشهادة، وبدنيٌ، وهو الصلاة، وماليٌ، وهو الزكاة؛ اقتصر في الدعاء إلى الإسلام عليها؛ لتفرُّع الركنين الأخيرين عليها، فإنَّ الصوم بدني محض، والحج بدني مالي؛ وأيضاً، فكلمة الإسلام هي الأصل، وهي شاقة على الكفار، والصلوات شاقة؛ لتكررها، والزكاة شاقة؛ لما في جِبِلَّة الإنسان من حُب المال، فإذا أذعن المرء لهذه الثلاثة، كان ما سواها أسهلَ عليه بالنسبة إليها، والله أعلم ” اه.

([262]) ذكر ابن حجر في الفتح (4/127) خلافاً في ذلك، وليس له كبير أثر في تطبيق الشريعة، فالوالي أو القاضي كلاهما صاحب سلطة.

([263]) أخرجه أبو داود في سننه (كتاب الخراج، باب ما جاء في خبر الطائف ص 463 ح 3025)، وصححه الألباني.

([264]) فقه التدرج في تطبيق الاقتصاد الإسلامي: سامي بن إبراهيم السويلم (ص 12)، النسخة الثانية، 1428 ه، الشريعة الإسلامية وفقه التطبيق: أبو الحسن رشيد البليدي (ص 77)، دار الأندلس، 1437 ه.

([265]) جامع العلوم والحكم شرح خمسين حديثاً من جوامع الكلم: زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن شهاب الدين البغدادي الشهير بابن رجب (1/229)، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 7، 1421 ه، تحقيق شعيب الأرناؤوط وإبراهيم باجس.

([266]) سورة الممتحنة: من الآية (12).

([267]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب التفسير، باب إذا جاء المؤمنات يبايعنك ص 605 ح 4892). والإسعاد هو نياحة المرأة مع أخرى تساعدها عليه. فتح الباري: ابن حجر (8/637-638)، وجزء الآية من سورة الممتحنة (12).

([268]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الحج، باب فضل مكة وبنيانها ص 192 ح 1583).

([269]) أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الحج، باب نقض الكعبة وبنائها ص 367 ح 1333). (ألفا)

([270]) فتح الباري: ابن حجر (4/242).

([271]) شرح العقيدة الطحاوية: صدر الدين محمد بن علاء الدين عليّ بن محمد ابن أبي العز الحنفي (2/638)، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 10، 1417هـ، تحقيق شعيب الأرنؤوط، عبد الله بن المحسن التركي.

([272]) أخرجه الترمذي في سننه (كتاب الحج عن رسول الله r، باب ما جاء في كسر الكعبة ص 212 ح 875)، وقال: حسن صحيح.

([273]) البداية والنهاية: ابن كثير (8/250).

([274]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الحج، باب لا يطوف بالبيت عريان ص 196 ح 1622).

([275]) سورة المائدة: من الآية (3).

([276]) سبق تخريجه.

([277]) حول تطبيق الشريعة في العصر الحاضر: أبو الأعلى المودودي (ص 37)، مكتبة الرشد، الرياض، 1403 ه ترجمة خليل الحامدي.

([278]) سورة طه: الآيات (83-86).

([279]) سورة طه: من الآية (77).

([280]) التدرج في التشريع والتطبيق: محمد الزحيلي (ص 6) من مقدمة إدارة البحوث والدراسات للكتاب.

([281]) التدرج في التشريع والتطبيق: محمد الزحيلي (ص 32).

([282]) الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (2/49).

([283]) انظر: سيرة عمر بن عبد العزيز على ما رواه الإمام مالك بن أنس وأصحابه: أبي محمد عبد الله بن عبد الحكم (ص 51)، عالم الكتب، بيروت، 1404 ه، تحقيق أحمد عبيد، العقد الفريد: أبو عمر شهاب الدِّين أحمد بن محمد بن عبد ربه ابن حبيب ابن حدير المعروف بابن عبد ربه الأندلسي (8/90)، دار الكتب العلمية، بيروت، 1404 ه.

([284]) العقد الفريد: ابن عبد ربه (1/39)، الموافقات: الشاطبي (4/186).

([285]) أخرجه ابن أبي شيبة أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة العبسي الكوفي في مصنفه (19/337 ح 36239)، دار القبلة، تحقيق محمد عوامة.

([286]) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني (5/283)، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1409 ه، عمر بن عبد العزيز شخيصته وعصره: علي محمد الصلابي (ص 46)، مكتبة الإيمان، ط1، 2006م.

([287]) الطبقات الكبرى: محمد بن سعد بن منيع أبو عبدالله البصري الزهري (5/342)، دار صادر، بيروت.

([288]) لا أريد (بشيء) الأمر الواحد؛ بل قد يُطبق الحاكم أو العالم أو الفرد … الخ أكثر من شيء في وقت واحد، لكن المعيار والضابط إمكان التطبيق، وعدم إحداث فوضى تؤدي إلى النفور أو الصدام.

([289]) مجموع الفتاوى: ابن تيمية (20/59 – 61(.

([290]) أخرجه أحمد في مسنده (ومن حديث جرير بن عبد الله 31/557 ح 19230)، وحسنه محققو المسند.

([291]) الشريعة الإسلامية وفقه التطبيق: رشيد البليدي (ص 88).

([292]) لسان العرب: ابن منظور (15/446)، القاموس المحيط: مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي (ص 450)، دار الفكر، بيروت، 1415 ه، ضبط وتوثيق يوسف البقاعي.

([293]) وجوب تطبيق الشريعة الإسلامية في كل عصر: صالح السدلان (ص 100).

([294]) سورة البقرة: من الآية (185).

([295]) سورة البقرة: من الآية (286).

([296]) سورة الحج: من الآية (78).

([297]) تيسير البيان لأحكام القرآن: محمد بن علي بن عبد الله ابن الخطيب اليمني الموزَعي (1/10)، إدارة الثقافة الإسلامية، ط 1، 1433 ه، بعناية عبد المعين الحرش.

([298]) أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب بيان أن القرآن على سبعة أحرف ص 195 ح 821). الرشد.

([299]) تكررت الآية في سورة القمر أربع مرات في الآيات (17، 22، 32، 40).

([300]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب المناقب، باب صفة النبي r ص 430 ح 3560).

([301]) انظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم: القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي (7/291)، دار الوفاء، مصر، ط 1، 1419 ه، تحقيق يحيى إسماعيل.

([302]) سبق تخريجه، وهو صحيح.

([303]) شرح صحيح مسلم: النووي (7/23).

([304]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الجمعة، باب السواك يوم الجمعة ص 108 ح 887).

([305]) شرح صحيح البخاري: ابن بطال (2/564)، شرح صحيح مسلم: النووي (2/134).

([306]) أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب وقت العشاء وتأخيرها ص 169 ح 639). ألفا

([307]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الإيمان، باب ما كان النبي صلى الله عليه و سلم يتخولهم بالموعظة ص 19 ح 69).

([308]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الإيمان، باب الصلاة من الإيمان ص 14 ح 39).

([309]) أخرجه أحمد في مسنده (مسند ابن عمر 10/107 ح 5866)، وقال محققو المسند: صحيح.

([310]) سبق تخريجه، وهو صحيح.

([311]) أخرجه الحاكم في المستدرك (4/129 ح 7114)، وسكت عنه الذهبي في التلخيص. وحسنه النووي، انظر: شرح الأربعين النووية: أبو زكريا يحيى بن شرف النووي (ص 47)، مكتبة الصفا، القاهرة، ط1، 1422ه، تقديم علي الطهطاوي

([312]) سبق تخريجه، وهو صحيح.

([313]) سبق تخريجه، وهو صحيح.

([314]) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (12/178 ح 7788)، وصححه ابن حجر في فتح الباري (2/428).

([315]) انظر: شرح صحيح مسلم: النووي (2/393)، فتح الباري: ابن حجر (2/428).

([316]) سبق تخريجه، وهو صحيح.

([317]) شرح صحيح البخاري: ابن بطال (7/127).

([318]) أراد بالتبتل: الانقطاع عن النساء، وترك النكاح انقطاعاً إلى عبادة الله تعالى. شرح صحيح مسلم: النووي (5/170).

([319]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب النكاح، باب ما يكره من التبتل والخصاء ص 631 ح 5073)، ومسلم في صحيحه (كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنه ص 343 ح 1402). (الرشد)

([320]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب تقصير الصلاة، باب إذا لم يطق قاعداً صلى ص 136 ح 1117).

([321]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب العلم، باب الفتيا وهو واقف على الدابة وغيرها ص 20 ح 83)، ومسلم في صحيحه (كتاب الحج، باب من حلق قبل النحر أو نحر قبل الرمي ص 359 ح 1306). (ألفا)

([322]) أخرجه أحمد في مسنده (مسند الصديقة عائشة ب رضي الله عنها 43/288 ح 26237)، وصححه محققوه.

([323]) المنتقى شرح الموطأ: أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث الباجي (1/346)، مطبعة السعادة، مصر، ط1، 1132 ه.

([324]) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (كتاب صلاة العيدين، باب صلاة العيد في المسجد إذا كان عذر من مطر أو غيره 3/748 ح 6258)، وضعفه محقق الكتاب.

([325]) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (5/231 ح 7792).

([326]) الأشباه والنظائر على مذهب أبي حنيفة النعمان: زين الدِّين بن إبراهيم ابن نجيم (1/77)، مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة، ط2، 1418 ه، الأشباه والنظائر: السيوطي (1/157).

([327]) الأشباه والنظائر: ابن نجيم (1/85)، شرح القواعد الفقهية: أحمد محمد الزرقا (ص 163)، دار القلم، دمشق، ط5، 1419 ه، تعليق مصطفى أحمد الزرقا.

([328]) شرح المنهج المنتخب إلى قواعد المذهب: المنجور أحمد بن علي المنجور (ص 493)، دار عبد الله الشنقيطي، دراسة وتحقيق محمد الشيخ محمد الأمين (بدون معلومات أخرى)، شرح القواعد الفقهية: الزرقا (ص 185).

([329]) القواعد الفقهية الكبرى وما تفرع عنها: صالح بن غانم السدلان (ص 286)، دار بلنسية، الرياض، ط2، 1420ه

([330]) الموافقات: الشاطبي (2/233).

([331]) المرجع السابق (1/520).

([332]) رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار: محمد أمين بن عمر الشهير بابن عابدين (1/174)، مع تكملة ابن عابدين لنجل المؤلف، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط2، 1424 ه، تحقيق عادل عبد الموجود وعلي معوض.

([333]) أي الأقوال الضعيفة في مسألة ألوان الدماء التي تراها المرأة.

([334]) رد المحتار: ابن عابدين (1/176).

([335]) انظر: مقاييس اللغة: ابن فارس (ص 777)، الصحاح: الجوهري (ص 944)، المفردات: الراغب (ص 405).

([336]) سورة النحل: من الآية (9).

([337]) سورة لقمان: من الآية (19).

([338]) مقاصد الشريعة الإسلامية: اليوبي (ص 30).

([339]) انظر على سبيل المثال: مقاصد الشريعة: محمد الطاهر بن عاشور (ص 183)، مدخل إلى مقاصد الشريعة: أحمد الريسوني (ص 12)، دار الكلمة، ط1، 2009 م، مقاصد الشريعة الإسلامية: اليوبي (ص 38)، وغيرها كثير، وهذا عدا عن تعريفات العلماء السابقين وخاصة شيخ المقاصد الشاطبي، ومن قبله إمام الحرمين الجويني ومن بعده الغزالي؛ وقد أفرد وصفي عاشور أبو زيد أطروحته للدكتوراه عن المقاصد الجزئية ضوابطها حجيتها وظائفها أثرها في الاستدلال الفقهي.

([340]) دراسة في فقه مقاصد الشريعة بين المقاصد الكلية والنصوص الجزئية: يوسف القرضاوي (ص 20)، دار الشروق، ط2، 2007 م.

([341]) المراد بالاقتضاء: الطلب، سواء أكان طلب الفعل (وجوباً أو ندباً) أم طلب الكف عن الفعل (تحريماً أو كراهة)، والمراد بالتخيير: الإباحة؛ فيشمل بذلك الأحكام التكليفية الخمسة.

([342]) دراسة في مقاصد الشريعة: القرضاوي (ص 20-21).

([343]) سورة آل عمران: من الآية (68)، ونفس المعنى في المواطن التي كُررت فيها الكلمة من سور النساء (135)، والأنفال (75)، ومريم (70)، والأحزاب (6).

([344]) سورة القيامة: الآية (34).

([345]) لسان العرب: ابن منظور (15/404).

([346]) ذكر ابن منظور في اللسان (15/405)، العديد من هذه الاستعمالات وأساليبها.

([347]) المفردات: الراغب (ص 41).

([348]) في فقه الأولويات دراسة جديدة في ضوء القرآن والسنة: يوسف القرضاوي (ص 9)، مؤسسة الرسالة، ط1، 1420ه.

([349]) المرجع السابق (ص 9، 10).

([350]) سورة القمر: الآية (46).

([351]) سبق تخريجه، وهو صحيح.

([352]) السيرة النبوية: ابن هشام (1/159).

([353]) السيرة النبوية: ابن هشام (2/67)، فقد قال لهم: ” أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم “، وفي هذا إشارة إلى تغير الأولوية من الدعوة المجردة إلى الاستعداد للمواجهة.

([354]) السيرة النبوية: ابن هشام (2/107، 116، 122).

([355]) سبق تخريجه، وهو صحيح.

([356]) سورة البقرة: الآيتان (238، 239).

([357]) سورة النساء: الآيتان (102، 103).

([358]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب صلاة الخوف، أبواب صلاة الخوف ص 114 ح 942).

([359]) أي ليمحو رسول الله بعد رفض علي رضي الله عنه لذلك.

([360]) أي علي رضي لله عنه كما يفيده السياق والتصريح بأن النبي صلى الله عليه و سلم لا يحسن الكتابة.

([361]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب المغازي، باب عمرة القضاء ص 511 ح 4251).

([362]) أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الصيام، باب أجر المفطر في السفر إذا تولى العمل ص 303 ح 1120)، ألفا.

([363]) زاد المعاد: ابن القيم (2/54).

([364]) تقع جنوب عسفان ب 16 كيلومتراً على الجادة إلى مكة، أي على 64 كيلومتراً من مكة على طريق المدينة، وتعرف اليوم ببرقاء الغميم، ذلك أنها برقاء في تكوينها.

والبرقاء والأبرق والبرقة: مرتفع تختلط فيه الحجارة بالرمل. انظر: موقع الإسلام الدعوي والإرشادي إشراف الشيخ صالح ابن عبد العزيز آل الشيخ. http://sirah.al-islam.com/Loader.aspx?pageid

([365]) أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الصيام، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية ص 301 ح 1114)، ألفا.

([366]) أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الإمارة، باب كراهة الإمارة بغير ضرورة ص 481 ح 1825)، الرشد.

([367]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الأحكام باب ما يكره من الحرص على الإمارة ص 852 ح 7149).

([368]) سبق تخريجه، وهو صحيح.

([369]) سبق أن ذكرتُ عدة روايات للقصة، وكلها صحيحة.

([370]) الموافقات: الشاطبي (4/214).

([371]) المرجع السابق (4/223).

([372]) سبق تخريجه، وهو صحيح.

([373]) المواهب اللدنية بالمنح المحمدية: أحمد بن محمد بن أبى بكر بن عبد الملك القسطلاني القتيبي المصري (1/199)، المكتبة التوقيفية، مصر، بدون طبعة ولا تاريخ، السيرة الحلبية: الحلبي (2/170).

([374]) معالم في الطريق: سيد قطب (ص 34).

([375]) سورة طه: الآية (63).

([376]) انظر خبر ذهابه r إلى ثقيف في الطائف، ودخوله مكة في جوار المطعم، السيرة النبوية: ابن هشام (2/51).

([377]) انظر خبر الصحيفة ودخوله r في شعب أبي طالب، السيرة النبوية: ابن هشام (2/3).

([378]) مجموع الفتاوى: ابن تيمية (19/104).

([379]) انظر خبر ذلك في الحديث عن بيعة العقبة الثانية: السيرة النبوية: ابن هشام (2/67).

([380]) أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب المساقاة، باب تحريم بيع الخمر ص 403 ح 1578) (الرشد).

([381]) انظر: التمهيد: ابن عبد البر (1/377)، فتح الباري: ابن حجر (10/528)، المغني على مختصر أبي القاسم عمر بن الحسين الخرقي: موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد ابن قدامة المقدسي (9/343)، دار الحديث، القاهرة، 1425 ه، تحقيق محمد شرف الدين خطاب، والسيد محمد السيد.

([382]) تثبيت دلائل النبوة: القاضي عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمذاني الأسد أبادي (2/459)، دار المصطفى، القاهرة، تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس: حسين بن محمد بن الحسن الدِّيار بَكْري (2/140)، دار صادر، بيروت.

([383]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب التفسير، بَاب قَوْلُهُ: } سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ { ص 607 ح 4905).

([384]) البداية والنهاية: أبو الفداء الحافظ ابن كثير (4/158).

([385]) حيثُ كان العديد من أبناء الأجهزة الأمنية السابقة يتلفظون بسبِّ الذات الإلهية، وسبِّ الدِّين، وغير ذلك من الأمور المخرجة لصاحبها من ملة الإسلام، وكان ذلك أخف على أفواههم من إساغة الماء، والعياذ بالله.

([386]) سورة النحل: الآية (67).

([387]) انظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (5/480).

([388]) سورة البقرة: من الآية (219).

([389]) سورة النساء: من الآية (43).

([390]) سورة المائدة: الآيتان (90، 91).

([391]) سورة النساء: الآيتان (15، 16).

([392]) سرة النور: الآية (2).

([393]) أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الحدود، باب حد الزنى ص 439 ح 1690). (الرشد)

([394]) أخرجه أحمد في مسنده (حديث العرباض بن سارية t 28/373 ح 17144)، وصححه محققو المسند.

([395]) أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الإيمان، باب الاستسرار بالإيمان للخائف ص 46 ح 149). (الرشد)

([396]) للتوسع في موضوع النسخ وآراء العلماء فيه يمكن الرجوع إلى كتب أصول الفقه وعلوم القرآن، وأحيل القارئ على سبيل المثال إلى: كشف الأسرار: البزدوي (3/232-295)، الاستعداد لرتبة الاجتهاد: محمد بن علي بن الخطيب الموزعي، ابن نور الدين (2/772-812)، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 1، 142 ه، تحقيق محمد بركات، المقدمات الأساسية في علوم القرآن: عبد الله بن يوسف الجديع (ص 207-267)، مؤسسة الريان، ليدز، بريطانيا، ط2، 1424ه.

([397]) ابن تيمية: مجموع الفتاوى (20/54-57).

([398]) وجوب تطبيق الشريعة الإسلامية في كل عصر: صالح السدلان (ص 99).

([399]) سورة الأحزاب: من الآية (5).

([400]) وفي رواية مسلم قالت: وكيف أرضعه وهو رجل كبير؟ (وفي لفظ له: إن سالماً قد بلغ ما يبلغ الرجال، وعقل ما عقلوا، وإنه يدخل علينا)، فتبسم رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال: ” قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ رَجُلٌ كَبِيرٌ ” أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الرضاع، باب رضاعة الكبير ص 361، 362 ح 1453، 1454). (الرشد).

([401]) أخرجه أبو داود في سننه (كتاب النكاح، باب فيمن حرم به ص 313 ح 2061)، وأخرجه النسائي أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي في سننه (كتاب النكاح، باب رضاع الكبير ص 513 ح 3319-3325) وصححه الألباني، مكتبة المعارف، الرياض، ط1، حكم على أحاديث محمد ناصر الدين الألباني، اعتنى به مشهور بن حسن آل سلمان.

([402]) أخرجه النسائي في سننه (كتاب الحيض، باب المرأة يكون لها أيام معلومة تحيضها ص 63 ح 355)، وصححه الألباني.

وقوله: ” لتستثفر “: أَيْ تَشُدُّ فَرْجَهَا بِخِرْقَةٍ بَعْدَ أَنْ تَحْتَشِيَ قُطْناً، وَتُوثِقُ طَرَفَيِ الْخِرْقَةِ فِي شَيْءٍ تَشُدُّهُ عَلَى وَسَطِهَا، فَيَمْنَعُ ذَلِكَ سَيْلَ الدَّمِ، مَأْخُوذٌ مِنْ ثَفَرِ الدَّابَّةِ، بِفَتْحِ الْفَاءِ، الَّذِي يُجْعَلُ تَحْتَ ذَنَبِهَا. عون المعبود شرح سنن أبي داود: أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم أبادي (1/304)، دار الحديث، القاهرة، 1426 ه، خرجه عصام الدين الصبابطي.

([403]) أخرجه الترمذي في سننه (كتاب الطهارة عن رسول اللهصلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في المستحاضة أنها تجمع بين الصلاتين بغسل واحد ص 41 ح 128)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، … وسألت محمداً عن هذا الحديث فقال: هو حديث حسن، وهكذا قال أحمد بن حنبل: هو حديث حسن صحيح.

وأخرجه أحمد في مسنده (حديث حمنة بنت جحش 45/121 ح 27144)، وقال محققوه: ضعيف.

وانظر: التلخيص الحبير: ابن حجر (1/425)، حيثُ ذكر مَن حَسَّن الحديثَ من العلماء، ومَن ضَعَّفَه، ولم يرجح بينهما؛ وقد اعتمدتُ تحسين الترمذي له، ومن نقل عنهم من ساداتنا العلماء.

وقوله: ” فَتَلَجَّمِي ” أَيْ شُدِّي اللِّجَامَ، يَعْنِي خِرْقَةً عَلَى هَيْئَةِ اللِّجَامِ، كَالِاسْتِثْفَارِ. تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: أبو العلا محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري (1/416)، دار إحياء التراث العربي، مؤسسة التاريخ العربي، بيروت، ط 3، 1422 ه، اعتنى بها علي معوض وعادل عبد الموجود.

([404]) سورة البقرة: من الآية (233).

اعترض ابن المنذر رحمه الله على هذا الاستنباط، اعتماداً منه على ضعف الرواية، الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف: أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري (2/222 ح 812)، ط 1، 1405 هـ، دار طيبة، الرياض، تحقيق: أبو حماد صغير أحمد بن محمد حنيف. لكن قد علمتَ أني اعتمدتُ تحسين العلماء لهذه الرواية، مثل الترمذي والبخاري وأحمد بن حنبل رحمهم الله، ولم أرغب الخوض في نقاش الفقهاء؛ لأن حديثي هنا عن منهج النبي r في إيجاد الحلول، ولكلٍ وجهة في الاستنباط والاستدلال هو موليها؛ مع التأكيد أني لم أبلغ شأو هؤلاء الكبار رحمهم الله، وإن كان الله قد يفتح للصغير بعض ما يغفل عنه الكبير.

([405]) أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الصلاة، باب أمر النساء المصليات وراء الرجال أن لا يرفعن رؤوسهن ص 124 ح 441). ألفا.

([406]) أخرجه أحمد في مسنده (مسند أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما 44/515 ح 26952)، وقال محققوه: صحيح لغيره.

([407]) أخرجه أحمد في مسنده (مسند جابر بن عبد الله رضي الله عنهما 23/353 ح 15161)، وقال محققوه: صحيح لغيره.

([408]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب البيوع، باب إذا أراد بيع تمر بتمر مثله ص 259 ح 2202).

([409]) أخرجه الترمذي في سننه (كتاب البيوع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في النهي عن المحاقلة والمزابنة ص 291 ح 1225)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم.

([410]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب المظالم، باب أفنية الدور والجلوس فيها والجلوس على الصعدات ص 292 ح 2465).

([411]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب السلم، باب السلم في وزن معلوم ص 263 ح 2240).

([412]) إعلام الموقعين: ابن القيم (2/350، 381).

([413]) أخرجه أبو داود في سننه (كتاب الأدب، باب في تغيير الأسماء ص 742 ح 4950)، وقال الألباني: صحيح دون قوله تسمو بأسماء الأنبياء.

([414]) أخرجه أبو داود في سننه (كتاب الأدب، باب في تغيير الاسم القبيح ص 742 ح 4956)، وقال الألباني: صحيح.

([415]) زاد المعاد: ابن القيم (3/305)، وقد بحثت عن الرواية في كتب السنة فلم أجدها، والعجب أن الشيخين عبد القادر وشعيب الأرنؤوط رحمهما الله لم يعلقا عليها بشيء.

([416]) انظر في خبر الأوس والخزرج: السيرة النبوية: ابن هشام (1/287، 539)، السيرة الحلبية: الحلبي (2/9)، دلائل النبوة: البيهقي (2/294).

([417]) أخرجه أحمد في مسنده (مسند أنس بن مالك t 19/142 ح 12089)، وقال محققوه: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وانظر في خبر المؤاخاة: السيرة النبوية: ابن هشام (1/504).

([418]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب مناقب الأنصار y،باب إخاء النبي r بين المهاجرين والأنصار y ص 455 ح 3780).

وقوله: ” مهيم ” أي ما شأنك؟ أو ما هذا؟. ونواة الذهب فيها خلاف كثير، لكنَّ الأغلب على أنها تساوي خمسة دراهم. انظر: فتح الباري: ابن حجر (9/234).

([419]) السيرة النبوية: ابن هشام (1/501).

([420]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب المغازي، باب قتل كعب بن الأشرف ص 486 ح 4037)، وقد ذكرتُ القصة بطولها لما فيها من الفهم والمبادرة والذكاء … الخ لدى الصحابة y. واللأمة: الدرع، وتُطلق أيضاً ويُراد بها السلاح. انظر فتح الباري: ابن حجر (8/79).

([421]) انظر تمام القصة (ص 176) من هذه الرسالة.

([422]) أي أسنَّ. انظر: المصباح المنير: الفيومي (ص 156).

([423]) هي قَيْلَةُ بِنْتُ كَاهِلِ بْنِ عُذْرَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ لَيْثِ بْنِ سُودِ بْنِ أَسْلَمَ بْنِ الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ، أُمّ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ. السيرة النبوية: ابن هشام (1/144).

([424]) السيرة النبوية: ابن هشام (2/158)، زاد المعاد: ابن القيم (3/148)، إمتاع الأسماع: المقريزي (1/73).

هذه الرواية توضح جلياً أن اليهود لا مُقام لهم ولا مكان في مجتمعٍ انتشر فيه السِّلم، فهم لا يستطيعون العيش إلا في ظل الفتن والحروب، وهذه دعوة للمسلمين أن يُذهبوا عنهم نزغات الشياطين الإنسية والجنية، حتى يعيشوا بسلام، ويُطبقوا شرع ربهم بفهم وهمة وأخوة وعطاء.

([425]) السيرة النبوية: ابن هشام (2/187).

وَالأبواء: يُقَالُ لَهَا أيضاً: وَدَّانُ، وَهِيَ أَوَّلُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا بِنَفْسِهِ، وَكَانَتْ فِي صَفَرٍ عَلَى رَأْسِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مُهَاجَرِهِ، انظر: أيضاً: زاد المعاد: ابن القيم (3/148).

([426]) زاد المعاد: ابن القيم (3/149).

([427]) إمتاع الأسماع: المقريزي (1/181).

([428]) الظُّعُن: جمع ظعينة، وهي المرأة، سميت بذلك؛ لأَنها تَظْعَنُ ــ ترتحل ـــ مَعَ زَوْجِهَا، وَتُقِيمُ بإِقامته. انظر: لسان العرب: ابن منظور (8/254).

([429]) أخرجه أحمد في مسنده (حديث عبد الله بن أنيس 25/442 ح 16047)، وقال محققوه: رجال ثقات غير ابن عبد الله بن أنيس وثقه ابن حبان، وغير محمد بن إسحاق روى له البخاري تعليقاً، ومسلم متابعة، وقد صرح بالتحديث. وأخرجه أبو داود في سننه (كتاب الصلاة، باب صلاة الطالب ص 195 ح 1249) مختصراً وضعفه الألباني، إلا أن الحافظ ابن حجر حسن إسناده في فتح الباري (7/380)، وهو عمدتي. والاقشعريرة هي الرِّعْدة. لسان العرب: ابن منظور (5/95).

([430]) زاد المعاد: ابن القيم (3/272).

([431]) سورة التوبة: الآية (122).

([432]) التحرير والتنوير: ابن عاشور (11/59).

([433]) زاد المعاد: ابن القيم (3/160).

([434]) سورة الممتحنة: الآيتان (8، 9).

([435]) سورة العنكبوت: الآية (46).

([436]) سورة المائدة: من الآية (5).

([437]) الإسلام عقيدة وشريعة: محمود شلتوت (ص 46)، غير المسلمين في المجتمع المسلم: يوسف القرضاوي (ص 6)، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 6، 1415 ه.

([438]) انظر (ص 174).

([439]) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يُصلى عليه؟ ص 163 ح 1356).

([440]) أخرجه أبو داود في سننه كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في تعشير أهل الذمة إذا اختلفوا بالتجارات ص 467 ح 3052)، وصححه الألباني.

([441]) سبق تخريجه، وهو صحيح.

([442]) فقد كان عبد الرحمن رضي لله عنه زوج حمنة بنت جحش أخت زينب رضي لله عنها.

([443]) انظر: إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول: محمد بن علي الشوكاني (ص 792)، دار الفضيلة، ط 1، 1421 ه، تحقيق سامي بن العربي، قدم له عبد الله السعد، وسعد الشثري.

([444]) انظر: الإسلام عقيدة وشريعة: محمود شلتوت (ص 45)، جهاد الدعوة بين عجز الداخل وكيد الخارج: محمد الغزالي (ص 16، 34)، دار القلم، دمشق، ط 2، 1420 ه، الفكر الإسلامي وقضايانا السياسية: أحمد الريسوني (ص 108).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.