المولد النبوي بين الفرح الحق والجدل العقيم
بقلم: ذ.عز الدين صمبة
الفرح برسول الله ﷺ ليس طقسا عابرا ولا موسما يستهل بالشعارات وينقضي، بل هو موقف قلب وعقل ومنهج حياة. هو إشراق في الضمير وطمأنينة في الروح وانقياد صادق للطريق الذي أضاءه النبي ﷺ بنور الوحي. فرحنا به يثمر اتباعا صادقا، ويورق محبة خالصة، ويزهر عملا صالحا يبرهن أن ذكرى الحبيب الأعظم لا تختزل في أهازيج، بل تتجسد في أخلاق تحيي القلوب، وتربية تقيم المجتمعات، ورسالة تنشر الرحمة في العالمين. كيف لا نفرح وقد قال تعالى: ﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا﴾ [يونس:58]، وكان ﷺ رحمة مهداة للعالمين كما وصفه ربه: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ [الأنبياء:107]. إن الفرح به فرح بالهدى بعد الضلال، وبالبصيرة بعد التيه، وبالإنسانية حين تبعث من جديد على يد معلمها الأول في مكارم الأخلاق، إذ قال ﷺ: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» أخرجه البيهقي وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه.
إن الفرح برسول الله ﷺ ليس فرحا بولادة جسد فحسب، بل هو فرح بولادة رسالة أشرقت بها الدنيا بعد عتمة، وفرح ببعث إنسانية كادت تطمر تحت ركام الجاهلية، فإذا بها تنتفض حيّة على يد معلمها الأول في مكارم الأخلاق. فكيف لا تبتهج الأرواح بميلاد من أُرسل ليكمّل الفضيلة ويشيّد صروح الكرامة ويقيم للعدل ميزانه وللرحمة سلطانها؟ وكيف لا تشرق القلوب سرورا بقدوم من أخرج الناس من عبادة الهوى إلى عبادة رب الأرض والسماء، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة؟
ومع ذلك، ما إن تحل ذكرى مولده ﷺ حتى ينبري بعض الناس بالسؤال المكرور: هل احتفل النبي ﷺ بمولده؟ وهل فعل الصحابة ذلك؟ فيختزل المقام العظيم في جدل شكلي بارد، وتُحاكم المشاعر الصادقة بدل أن تستثمر في عمل نافع. وكأن القضية كلها تختصر في مظاهر عابرة، بينما المقصد الأعظم هو: كيف نفرح بالنبي ﷺ على طريقته هو؟ وكيف نجعل من ذكرى مولده تجديدا للعهد مع قيمه ومقاصده، لا سجالا لا ينتهي حول المظاهر والطقوس؟
ومن هنا يبرز سؤال أعمق: هل اعتراض هؤلاء غيرة صادقة على السنة، أم هي غيرة موسمية تستدعى عند الجدال وتغيب عند الامتحان؟ فإن كانت غيرة صادقة، فلتقاس بمقدار الحرص على الفرائض قبل النوافل، وعلى المقاصد قبل الجزئيات، وعلى القضايا الكبرى قبل التفاصيل الثانوية. وقد قال ﷺ: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده» [رواه مسلم]. وأي وسيلة مشروعة تزيد الناس حبا برسول الله ﷺ وتقرّبهم من سنته فهي خير محض.
لكن إن لم تكن الغيرة حقيقية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه: ما الذي يحرك هذه الأصوات؟ أهو استعراض للذات؟ أم صراع هويات؟ أم رغبة في إثبات وجود عبر معارك جانبية لا تكلف أصحابها ثمنا ولا تعرّضهم لمواجهة استبداد أو ظلم؟ ويزداد السؤال حدة: لماذا ترفع الأصوات في مثل هذه المسائل الجزئية، بينما تخرس عند القضايا الكبرى؟ لماذا لا نجد إنكارا صريحا عند هدر المال العام أو السهرات الصاخبة؟ ولماذا يعلو الصوت عند اجتماع الناس على قراءة السيرة ومدح المصطفى ﷺ بينما يغيب عند أحداث جسام كغزة الجريحة أو مظالم تمزق أوصال الأمة؟
أليس في ذلك دلالة على خلل في فقه الأولويات، وانحراف في بوصلة الغيرة، واستسهال لمعركة الهوامش بدل مواجهة لبّ القضايا؟ أليس من العجيب أن يستسهل النهي عن اجتماع على الذكر والسيرة، بينما يستصعب إنكار الفساد المستشري والظلم المتجذر؟ كأنما تحولت الغيرة عند بعضهم إلى قوس مشدود نحو الصغائر ومرتخ أمام الكبائر.
الاحتفال بميلاد النبي ﷺ ليس في جوهره سوى مناسبة لتجديد العهد معه، ولغرس الحب في القلوب، ولتذكير الأجيال برسالة حملت الإنسانية من ظلمات الجهل إلى أنوار الإيمان. فمن رام الاعتراض فالأجدر به أن يعترض على هجر القرآن الكريم قبل أن يعترض على تلاوته في مجلس مولد، وعلى تفريط الناس في الصلاة قبل أن يعترض على اجتماعهم لمدح من أمر بالصلاة. تلك الموازين العادلة تظهر صدق الغيرة من زخرف الادعاء.
وللتخلص من الجدل العقيم، علينا أن نقيس فرحنا بالنبي ﷺ على مواقفه وسنته في الحياة. إذا كان بعضهم يحصر الاتباع في مظاهر واحتفالات، فلنعد إلى الأسئلة الجوهرية: هل سكت رسول الله عن الظلم؟ كلا، بل قال: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر» [رواه النسائي]. هل والى أعداء الله على حساب دينه؟ هل ترك الجهاد؟ كلا، لقد ربى ﷺ الرجال على التضحية وجعل الجهاد ذروة الدين. بهذا يظهر أن جوهر الفرح بالنبي ﷺ لا يكمن في جدل حول يوم أو مظهر، وإنما في التعلق به تعلقا شاملا: في عباداته وأخلاقه، في جهاده وصبره، في عدله ورحمته، في صدقه وتواضعه، كما قال ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» [رواه البخاري].
فلنترجم فرحنا بمولده ﷺ في حياتنا اليومية صدقا وعدلا ورحمة ونصرة للمظلومين، ولنجعل ربيع الأول موعدا لعهد جديد: أن يولد فينا خلقه، ويزهر فينا نوره، ونشهد برسالته للعالمين شهادة حال ومقال.
لتكن ذكرى المولد محطة للتقرب من الله بالاقتداء برسول الله ﷺ، وغرس محبته في القلوب، والانخراط في أعمال الخير، وتجديد العهد على الالتزام بسنته، وتعليم الأطفال قيمه وأخلاقه، ومواجهة الظلم أينما كان، واعتبار الاحتفال وسيلة لإحياء الأخلاق والرحمة لا مجرد مناسبة شكلية.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، واجعل فرحنا به طاعة لك، واقتداء بهديه، ونصرة لعبادك المستضعفين.
#محمد_قدوتنا_فلسطين_قضيتنا