الربيع النبوي… ربيع الطفولة والإيمان
عزالدين صمبة
في هذا الربيع النبوي المبارك، نقف وقفة خاشعة عند سيرة المربي الأول والمعلم الأعظم، سيد الخلق ﷺ، الذي ما ترك جانب من جوانب الحياة إلا وأضاءه بنور هديه، وما غفل عن قلب صغير ولا عقل غض إلا ومسّه برحمته ولطفه. وإذا كان الناس يقفون عادة عند دعوته للكبار من الصحابة والوجهاء، فإن الحقيقة الناصعة أن دعوته انطلقت أيضاً إلى قلوب الصغار، فغرس فيهم بذور الإيمان، وروى أرواحهم بمعاني الرحمة، وأقام لهم في طفولتهم لبنات مستقبل مشرق: ﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً﴾ [التحريم: 6].
لقد علمنا رسول الله ﷺ أن الطفولة أرض خصبة للتربية، فتنوعت أساليبه بين الملاعبة والاحتضان، وبين التعليم بالموقف والتوجيه بالكلمة، وبين الرحمة في أحلك المواقف والعدل في أدق التفاصيل. وهذا التوجيه لاينفك عن مواقفه المؤثرة التي جسدت أسمى صور التربية.
ففي خطبته بين الناس، لم يمنعه المقام من أن يقطع حديثه ويحتضن الحسن والحسين رضي الله عنهما، قائلا: «صدق الله: ﴿إنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾، نظرت إلى هذين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي فحملتهما» (رواه أحمد). إنه مشهد بديع يعلم الأمة أن المنبر لا ينفصل عن الرحمة، وأن التربية بالفعل أبلغ من آلاف المواعظ. وكما كان هذا في مقام الخطبة، فقد ظهر أيضا في مقام العبادة.
ففي محراب الصلاة، أطال السجود حتى ظن الصحابة أن حدثا قد وقع، فلما فرغ قال: «إن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله» (رواه النسائي). فيتحول السجود – وهو قمة القرب من الله تعالى – إلى درس عملي في الرفق واللين، ليعلم الأمة أن العبادة لا تلغي الرحمة، بل تحتضنها. وعلى نحو متصل، كان تعليمه بالكلمة الموجزة يحمل أعظم الدروس.
فبالكلمة الرقيقة خاطب ابن عباس رضي الله عنهما وهو غلام: «يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك» (رواه الترمذي). إنها كلمات عظيمة تغرس العقيدة في قلب ناشئ صغير، فيشب وهو يستشعر معية الله. وهذا التعليم الموجّه لا ينفصل عن تربيته في تفاصيل الحياة اليومية.
حتى في الطعام، علّم عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه فقال: «يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك» (متفق عليه). فأدخل آداب المائدة في نسق التربية اليومية. وكما كان حريصا على التربية في صغائر الأمور، كان حاضرا أيضا في أعظم اللحظات عند مرض غلام يهودي كان يخدمه.
فلم يكتف ﷺ بالزيارة، بل جلس عند رأسه وقال: «أسلم» فأسلم الغلام قبل موته (رواه البخاري). هكذا جمعت رحمته بين زيارة المريض ودعوته إلى النجاة. وهذا الموقف الإنساني لا ينفصل عن ميزانه الدائم في التربية وهو العدل.
وكان العدل ميزان تربيته، كما في قوله لأبي النعمان بن بشير حين أراد أن يفضل ابنه بعطية: «فلا تشهدني إذا؛ فإني لا أشهد على جور» (رواه مسلم). ليغرس في النفوس أن العدل أساس التربية، وأن الميل يورث الحقد والبغضاء. وعلى نحو متصل، لم يغفل ﷺ الدعاء للأطفال والاستثمار في مستقبلهم.
فمن أروع أساليبه دعاؤه لهم، كما قال في ابن عباس: «اللهم علمه الكتاب» (رواه البخاري)، وفي رواية: «اللهم فقهه في الدين» (رواه مسلم). فكان دعاؤه استثمارا في مستقبل الأمة. وهكذا تتكامل مواقفه لتؤكد أن التربية النبوية ليست تنظيرا جامدا، بل حياة متدفقة بالرحمة والاحتضان، بالصبر والحلم، باللعب والهدايا، وبالقدوة الحية التي تسكن القلب قبل أن تسطر في الكتب.
وإن المناهج التربوية الحديثة، مهما زخرت بالتنظيرات والتجارب، تبقى عالة على المنهج النبوي، تستضيء بنوره وتقتبس من حكمته. ومن هنا فإن ربيع مولده ﷺ ينبغي أن يكون ربيعا لأطفالنا؛ نعلمهم فيه من هو رسول الله ﷺ، ونغرس فيهم حبه، ونربيهم على سيرته، لتزهر قلوبهم كما أزهرت الدنيا بنوره. فالاحتفاء بالربيع النبوي ليس شعارات ولا مواسم عابرة، بل هو انطلاقة تربوية تنزل هديه في أسرنا ومدارسنا ومؤسساتنا، لنصوغ أجيالا متوازنة تحمل رسالة الرحمة.
وفي الأخير، يا أحبة رسول الله، إن قلوبنا اليوم أحوج ما تكون أن تتصل بقلبه الرحيم، وأن تفيض على أطفالنا من ينابيع حنانه، لنصوغ لهم ربيعا لا يذبل. فلنجعل من ذكرى مولده ﷺ موعدا نجدد فيه العهد أن نكون له أتباعا بحق، وأن نربي أبناءنا على خطاه، حتى يظل نور قلبه متوهجا في قلوبنا وقلوبهم، فنهتدي جميعا بضيائه، ونلقى الله على سنته.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، واجعل فرحنا به طاعة لك، واقتداء بهديه، ونصرة لعبادك المستضعفين.