“عزة المومن في زمن الخذلان: صبر وثبات وانتصار.”
بقلم: صلاح الدين المساوي
الحمد لله اللطيف الرؤوف المنان،الغني القوي السلطان الحليم، الكريم الرحيم الرحمان الرحيم ،الأول فلا شيئ قبله، والاخر فلا شئ بعده، والظاهر فلا شيئ فوقه، والباطن فلا شيئ دونه، يعلم ما كان ويكون وما لم يكون لو كان كيف يكون، أرسى الارض بالجبال في نواحيها وأرسل السحاب الثقال بماء يحييها ،ثم قضى بالفناء على جميع ساكنيها، ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى.
أحمده عز وجل وأشكره ومن سوء عملي أستغفره وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده و رسوله، عترته خير عترة وسيرته خير سيرة أرسله الله بشيرا ونذيرا وداعيا إليه بإذنه وسراجا منيرا.
وبعد:
فلقد دار الدهر دورته..، ومضت الأيام تلو الأيام..، وإذا بشهرنا تفيض أنواره.. وتبلى أستاره.. ويأفل نجمه بعد أن سطع..، ويظلم ليله بعد أن لمع..، ويخيم السكون على الكون.. بعدما كان الوجود كل الوجود يستعد، ويتأهب للقاء هذا الضيف الكريم..
أنا لا أدري وأنا أرقم هذه الجمل.. أأهنيكم بحلول عيد الفطر المبارك..، أم أعزيكم بفراق شهر العتق والغفران..
إن قلبي ليُملي على بناني عبارات الأسى واللوعة، فتكتب البنان بمداد المدامع لحن الخلود، وتأبى الكلمات أن تستلقي على صفحات دفاتري.. إلا حينما أعظها بواحدة.. حينما أعظها بأن الله قد جعل من سننه في هذه الحياة.. أن للشمل التمامٌ وافتراق…
انقضى رمضان.. ويا وَلهِي عليه.. انقضت أيامه ولياليه.. ذهب.. ليعود على من بقي..، وليودع من كان أجله قد حان.. نعم.. ذهبت يا رمضان.. فجرت المدامع..
يا راحلاً وجميل الصبر يتبعهُ * هل من سبيل إلى لقياك يتفق
ما أنصفتك دموعي وهي داميةٌ * ولا وفّى لك قلبي وهو يحترقُ
نعم إنقضى رمضان ولكن عمل المومن لا ينقضي أبدا بل يزيد رسوخا وتثبيتا وشعورا بالعزة للإنتماء إلى هذا الدين الحنيف…برغم ثخون الجراح والخذلان في زمن تداع الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها!!!
فماهي مقومات عزة المومن؟
أولا:- الاعتقاد الجازم بأن الله تعالى هو العزيز الذي لا يغلبه شيء. قال تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ﴾. واعتقاد أن الله تعالى هو مصدر العزة وواهبها. قال تعالى: ﴿ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [آل عمران: 26]. فلا نصر إلا بالله، ولا استئناس إلا مع الله، ولا نجاح إلا بتوفيق الله. قال تعالى: ﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ﴾ [آل عمران: 160]. وقال تعالى: ﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾ [آل عمران: 126]. وقال تعالى: ﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ [الحج: 40].
• في غزوة بدر، يقوم النبي – صلى الله عليه وسلم – بكل الترتيبات المادية التي يستطيعها القائد المحنك، فالرجال – على قلتهم – أشداء، وتنفيذ الأوامر القيادية مضمون، والخطة محكمة، لكن كل ذلك لا يجدي نفعا بغير الارتباط بواهب النصر – عز وجل -، ولذلك رفع يديه إلى ربه وقال مستغيثا: “اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد بعدها في الأرض، اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم نصرك”. ويرفع يديه إلى السماء حتى سقط رداؤه عن منكبيه، وجعل أبو بكر يلتزمه من ورائه، ويسوي عليه رداءه ويقول – مشفقا عليه من كثرة الابتهال -: “يا رسول الله، كفاك مناشدتك ربَّك، فإنه سينجز لك ما وعدك”. فأنزل الله عز وجل: ﴿ إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين ﴾ رواه مسلم.
• ولما اعتقد أبو سفيان في موقعة أُحُد أنه انتصر، أخذ يرتجز: “اُعلُ هُبل، اُعلُ هُبل”، قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: “ألا تجيبونه؟”. قالوا: “يا رسول الله، ما نقول؟”. قال: “قولوا: الله أعلى وأجل”. ولما قال أبو سفيان: “إن لنا العزى ولا عزى لكم”. فقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: “ألا تجيبونه؟”. قالوا: “يا رسول الله، ما نقول؟”. قال: “قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم” البخاري.
قال تعالى: ﴿ لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ ﴾. قال ابن عباس – رضي الله عنه -: “فيه شَرَفُكم”. وقال سفيان: ” فيه مكارم أخلاقكم، ومحاسنُ أعمالكم”.
ثانيا: الاعتقاد الجازم بأن سنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – هي المصدر الثاني للتشريع في ديننا، وأن كل تنكب عنها سبيل إلى الزيغ والضلال. قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: “تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض”.
* عن العرباض بن سارية – رضي الله عنه – قال :وعظنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – موعظة وجلت منها القلوب، وذَرَفت منها العيون. فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع فأوصنا. قال: “أوصيكم بتقوى الله – عز وجل -، والسمع والطاعة وإن تَأمَّر عليكم عبد، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة” صحيح سنن أبي داود.
* وقال النبي – صلى الله عليه وسلم – وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ الْمُخَضْرَمَةِ بِعَرَفَاتٍ: “أَلاَ وَإِنَّ أَمْوَالَكُمْ، وَدِمَاءَكُمْ، عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي يَوْمِكُمْ هَذَا. أَلاَ وَإِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ (الشفيع لكم)، وَأُكَاثِرُ بِكُمُ الأُمَمَ، فَلاَ تُسَوِّدُوا وَجْهِي (بالمعاصي). أَلاَ وَإِنِّي مُسْتَنْقِذٌ أُنَاسًا، وَمُسْتَنْقَذٌ مِنِّى أُنَاسٌ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، أُصَيْحَابِي. فَيَقُولُ: إِنَّكَ لاَ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ” صحيح سنن ابن ماجة.
3- الاعتقاد الجازم بأن عزة الظالمين المستكبرين إلى زوال، لأنها عزة بنيت على المظاهر البراقة، وأسست على أهواء الذات الفانية، لا على الضوابط والركائز الباقية. والقرآن الكريم يحدثنا عن حضارات كانت – في وقتها – متحكمة في عجلة التاريخ، ثم أبادها الله تعالى بسبب ظلمها وجبروتها. قال تعالى: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ﴾.
وأين ما شاده شدّادُ في إرمٍ
وأين ما ساسه في الفرس ساسانُ
وأين ما حازه قارون من ذهب
وأين عادٌ وشادٌ وقحطان
4- صدق الانتماء لهذا الدين، والإحساس بالفخر والاعتزاز بالإسلام، ولو في مرحلة الاستضعاف، واعتقاد أن العاقبة للمتقين. يقول تعالى: ﴿ وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾. ويقول النبي – صلى الله عليه وسلم -: “لَيَبلغن هذا الأمرُ ما بلغ الليلُ والنهار، ولا يترك اللهُ بيتَ مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بغز عزيز أو بذل ذليل، عزا يعز الله به الإسلام، وذلا يذل الله به الكفر” رواه أحمد .
* إن صدق الانتماء لهذا الدين، هو الذي جعل خالد بن الوليد يستبسل في نصرة الإسلام والدفاع عنه بكل يقين واطمئنان. فقد حاصر يوما من الأيام أعداءه في حصن من الحصون، وطال الحصار، وأبدى الأعداء قوة وجَلَدا، فكتب إليهم قائلا: “والله لو كنتم في السماء،لأصعدنا الله إليكم، أو أمطركم علينا”. فأُسقط في أيديهم، وخرجوا مستسلمين صاغرين.
* وصدق الانتماء لهذا الدين هو الذي جعل المسلمين يبنون حضارة إنسانية تستمد خصائصها من القرآن الكريم حيث الاهتمام بالعلم والعمل و محاربة النوم والكسل، وحيث العدل والإحسان في بناء قدرات الإنسان المادية والمعنوية. وحيث الإنجاز والنجاح في شتى ميادين الحياة.
لغة البطولة من خصائص أمتي ♦♦♦ عنا رواها الآخرون وترجموا
إنه صدق الانتماء الخالص، الذي يدفع صاحبه إلى الثبات على دينه، لا تهزه العواصف، ولا تحركه الزلازل، فأين المسلمون من مثل هذه المعاني والحقائق؟
الخطبة الثانية:
وإذا كان غالبية حال الأمة اليوم الشتات والضياع والهوان فإن الله يصنع منها طائفة مومنة تسعى لإعادة المجد لأمتها ولتحقيق العمران الأخوي بين أحرار العالم جميعا. ومن صفات هذه الطائفة التشبث بالصبر كقوة روحية وكعامل أساسي لتنزيل النصر والثبات في الميدان.
والصبر قوة وهو من خصائص رجال أهل الإيمان والإحسان والكمال. قال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم “فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ ۚ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ ۚ بَلَاغٌ ۚ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ ” (الأحقاف/35)
وقال له :”وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ۚ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ، إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ “(النحل/127).
وقد مدح الله عبده أيوب عليه السلام لصبره فقال جلت عظمته “إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِّعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ” (ص/ 44)
وأحب الله الصابرين كما يحب المحسنين فقال ” والله يحب الصابرين ” (آل عمران /146.)
الصبر عدة المجاهدين لأنه يقتضي معية الله عز وجل، قال المجاهدون مع نبيهم الذين يجزمون بلقاء الله ” قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ” (البقرة/ (249)
وقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم المثل لأصحابه بصبر من كان قبلهم في موقف كا ن الثبات والتحمل هما كلمة الساعه، فعن أبي عبد الله خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: “قد كان مَن قبلكم يُؤخذ الرجل فيُحفر له في الأرض، فيُجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه، واللهِ ليتمنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئبَ على غنمه، ولكنكم تستعجلون”رواه البخاري وفي رواية: “وهو متوسد بردة، وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة”.
وقال الله :”وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ “(الأنعام/34.)
والجادة النبوية جهاد، وصبر على بلاء مخالطة الناس، ومجالدة الأعداء من الوَقِحين والمنافقين، ومساهمة في بناء كيان الأمة مساهمة تخدم بإخلاصها وسمو مرماها، وتوجهها الدائم بالنية والدعاء والذكر، قضية مصيري الأخروي، وقضية عروجي القلبي، وقضية صفائي الروحي.
قال عبد القادر الجيلاني قدس الله سره ” الصبر سبب الرفعة والنصرة والمعزة. اللهم إنا نسألك الصبر،ونسألك التقوى والكفاية والفراغ من الكل والاشتغال بك ورفع الحجب بيننا وبينك.”
اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.