منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

فلسفة الاستهلاك في رمضان من منظور الاقتصاد الإسلامي

د. هيام سامي الزعبي

0

فلسفة الاستهلاك في رمضان من منظور الاقتصاد الإسلامي

د. هيام سامي الزعبي

استاذ مساعد في الاقتصاد والمصارف الإسلامية

قال تعالى: “شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ”،  شهر رمضان من أعظم الشهور لما يحمله من أهمية كبيرة  لدى المسلمين، وفيه تمارس فريضة الصوم فصوم رمضان ركن من أركان الإسلام الخمسة، ويحمل من صفات ونعم روحانية ميزها الله به، وله تأثير كبير على سلوك الإنسان سواء ما يتعلق بالأمور الدينية، والاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية، فيعتبر مدرسة اقتصادية متكاملة مليء بالدروس التي لها دور كبير في التربية الاقتصادية المتكاملة للإنسان

أولًا: مفهوم الاستهلاك

يُعرف بأنه كل عمليات الإشباع المتوالية للحاجات الإنسانية، والحاجة في التصور الإسلامي هي الشعور بالافتقار إلى شيء من مقومات الحياة الأساسية أو التكميلية المعتبرة شرعا، وبالتالي يوجد ارتباط سببي مع إشباع الحاجات يسمى سلعة.

ثانيًا: حكم الاستهلاك

يحتاج الانسان الاستهلاك بالفطرة، وحكم الاستهلاك في الشريعة الإسلامية بأنه فرض، والحكمة من ذلك حفظ وجود الانسان على هذه الأرض، والاستهلاك قد يأخذ حكم الندب والإباحة والكراهة والحرمة: على مقتضى حال المستهلك بما يتناسب مع مقاصد الشريعة الإسلامية في حفظ وجود الانسان.

ثالثًا: ضوابط الاستهلاك في الاقتصاد الإسلامي

هناك العديد من الضوابط التي تضبط عملية استهلاك الفرد، أهمها:

وظيفية الاستهلاك: الاستهلاك ليس غاية بذاته إنما هو وسيلة له وظيفة محددة شرعًا وهي إدامة وجود الانسان واستكمال طاقاته الجسدية والعقلية والروحية، التي تعين على القيام بمهمة إعمار الأرض.

وسطية الاستهلاك: يضبط الإسلام درجة الاستهلاك، فالإنسان مأمور بالاستهلاك إلى الحد الذي يؤمن كامل طاقته ومنهي عن الإسراف وتجاوز الحد الذي يستلزمه ذلك.

وحدة سلم الاستهلاك: أحكام الشريعة الإسلامية تؤكد على وجوب النظر إلى حاجات المجتمع ككل والسعي لإشباعها بحسب أهميتها، وليس رغبة الفرد بذاته والعمل بقاعدة “لا يراعي تحسيني اذا كان في مراعاته إخلال بحاجي ولا يراعي حاجي اذا كان في مراعاته إخلال بضروري”.

الدعوة إلى بذل الفضول: في القرآن الكريم والسنة النبوية توجيهات تحث على بذل الفضل، وهو التصدق بما يزيد عن حاجة الانسان ويحتاج إليه غيره.

الإنفاق الايثاري: البعد الإيثاري والأخروي يؤثر على سلوك المسلم حيث يجعل تحقيق المستهلك لمنفعته الخاصة تمر عبر إشباع حاجات الآخرين، والطمع في البعد الاخروي.

الدعوة إلى توطين الاستهلاك: بمعنى عدم توجيه الإنفاق الاستهلاكي للخارج من خلال الطلب على السلع المستوردة، حيث أن زيادة حجم المستوردات يؤدي إلى آثار سلبية كبيرة على اقتصاد الدول وأهمها البطالة والمديونية الخارجية.

الدعاية الاستهلاكية: التي أثبتت تأثيرها في صياغة الطلب الاستهلاكي ومن بعده الطلب الكلي، حيث تهدف إلى التأثير في خيارات المستهلك وحرفها اتجاه السلعة التي يروج لها الإعلان بهدف زيادة ربحية المنتج.

الجنوح الاستهلاكي المفضي إلى الدين: حيث تفقد العلاقة المنطقية بين الاستهلاك والحاجة الحقيقية، والعلاقة الاعتمادية بين الاستهلاك والدخل.

خامسًا: ترشيد الاستهلاك في رمضان

      • رمضان شهر الإنفاق في سبيل الله

استعمال الجود بدل النفقة والعطاء، والجود هو إسراع بالنفقة قبل السؤال، وفي ذلك حث على المبادرة للنفقة والإسراع في تلبية احتياجات الفقراء قبل سؤالهم، والنفقة المطلوبة هي:

  • إنفاق عام: يشمل كل عمل صالح، كالعدل بين الناس، ومساعدة الضعيف، والحفاظ على البيئة، وحسن الخلق مع الناس، والرحمة بهم.
  • إنفاق خاص: تتعلق بالإنفاق بالمال تقربا إلى الله، ويشمل الصدقة الواجبة كزكاة الأموال، وزكاة الفطر التي تجب عل جميع الناس من الأغنياء والفقراء، كما يشمل صدقة التطوع تقربا لله، وطلبا لمرضاته.
  • الحض على التصدق: يجب الحث عليه لمن لا يمتلك القدرة عليه، والتوسط عند أصحاب الأموال للضعفاء والفقراء ممن لا يسألون الناس إلحافا.
      • الترويض الاستهلاكي

كتب الله تعالى الصوم على الأمة الإسلامية كما كتبه على الأمم من قبلها تحصيلا للتقوى، في الصوم ترويض استهلاكي يخرج الإنسان من عوائده ويحرره من نوازعه ويذكره بخضوعه لحاكمية الله.

      • السفه الاستهلاكي

تتزايد معدلات استهلاك الطعام في شهر رمضان إلى حد الإسراف والتبذير، على الرغم من كونه شهراً للصيام، وليس لزيادة الطعام، والإسراف في الاستهلاك يتعارض مع القيم السامية التي جاء بها شهر رمضان، وهو شهر البركة والخيرات، ولا بد من الحفاظ على هذه القيم التي تنبذ الإسراف في الطعام والشراب، وتحض على ترشيد الاستهلاك، فترشيد الإنفاق يحقق الكفاية للإنسان والتوازن المعيشي المجتمعي، فمصلحة المجتمع تُبنى على مبدأ توازن إنفاق أفراده ومدى اقتصادهم في ذلك

سادسًا: كيف نجعل رمضان فرصة للاقتصاد وترشيد الاستهلاك؟؟

من أهم المقاصد الشرعية من صوم رمضان الإحساس بأحوال الفقراء و المساكين، وتربية النفس على الإقلال من الطعام، وكبحها عما تحب من المباحات حتى لا تطغى ويصبح المؤمن عبدا لشهوات نفسه ونوازعها، ويعتبر  التوسط في الاستهلاك والإنفاق ، والبعد عن الإسراف والتبذير وعن الشح والبخل مطلبا شرعيا وسلوكا حضاريا، ورمضان دورة تدريبية لترشيد الاستهلاك والنفقات باتباع عدة قواعد أساسية:

  • رمضان هو شهر للصيام والعبادة والتقرب إلى الله، وليس موسما للإسراف في الطعام والشراب، (أن نحتاج مالا أقل وأن نستهلك أقل) من خلال تخصيص ميزانية أقل لشهر رمضانمقارنة بباقي أشهر السنة، وادخار الفرق المتبقي كاحتياط يلجأ المرء إليه عند الحاجة أو حدوث طارئ.
  • الإنفاق في حدود الدخل بعيدا عن متاهة الديون
  • منهج الوسطية والتوسط في الاستهلاك، له أبعاد صحية.
  • التخلص من العادات السيئة المتعلقة بالخلل في التعامل مع الزمن والغذاء ، كالسهر الذي يرافقه استهلاك أكثر للطعام والشراب واستخدام أكبر للكهرباء والأنترنت ..، بما يلحق ضررا بميزانية الأسرة.

سابعًا: اقتصاديات شهر رمضان

      • الصيام والصحة

ومن منظور اقتصادي: تحسين الجانب الصحي يترتب عليه تخفيض النفقات والأموال التي ينفقها الفرد على علاج الأمراض مما يعد توفيرا لهذه الأموال وإنفاقها في سلع استهلاكية أو استثمارية أخرى مما ينعش الأسواق وينمي الاقتصاد، كما يخفض من إنفاق الدولة على الصحة وتوجيه هذه الأموال لمجالات أخرى.

      • رمضان وإعادة التوزيع

إعادة توزيع الثروة في المفهوم الاقتصادي الإسلامي تعني: اقتطاع جزء من أموال الأغنياء وردها إلى الفقراء، وقد شرع الإسلام أحكام مالية متعلقة بالصوم بقصد إعادة توزيع الثروات والدخول بين أفراد المجتمع، ومنها فدية العجز عن الصوم، وصدقة الفطر، وبعض الكفارات، إضافة إلى الجود والكرم والصدقات التطوعية التي توجه لصالح الفقراء والمحتاجين

      • ترشيد الاستهلاك

الأصل في الإنسان أنه رشيد عقلاني في استهلاكه، فلا يستهلك إلا قدر حاجته، مبتعداً عن التبذير والإسراف، والترشيد يؤدي إلى التوسعة في العيش لجميع فئات المجتمع وخاصة الفقيرة منها، وفلسفة ذلك اقتصادياً: أن الانخفاض في كمية الاستهلاك يحافظ على الأسعار الطبيعية للحاجات، والزيادة في كمية الاستهلاك يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، ومن ثمَّ إلى تركز الثروة.

      • زيادة الأعمال الخيرية
  • يتعلم الإنسان في شهر رمضان المبارك المعنى الاقتصادي للبركة والذي يدفعه إلى مضاعفة الحسنات والمسابقة في الخيرات.
  • الحكمة الأساسية من فرض الصيام تتمثل في الوصول إلى التقوى.
  • الصوم يكون سببا في استجلاب الرزق بمعناه المادي والبركة بمعناها الروحي والمعنوي
  • توجه هذه البركة والزيادة في الرزق إلى الادخار والبر.
      • تنمية الموارد البشرية

العنصر البشري من أهم عناصر الإنتاج الاقتصادي ويجب الحفاظ عليها وتنميتها، من خلال تنمية قدرات الإنسان، وطاقاته البدنية والعقلية والنفسية والروحية، وشهر رمضان يمنح الفرصة لتدريب العنصر البشري على ضبط النفس وحسن التعامل مع الآخرين وتحسين المزاج الانفعالي وطيب الأخلاق، كما أن التزام الصائم بهذه الأخلاقيات له أثر إيجابي على المجتمع:

– يعزز الترابط بين أفراد المجتمع.

– تحسين بيئة العمل وسيادة الأخلاق داخل مؤسسات الدولة.

      • زيادة الانتاج وتحسين كفاءته
  • ثمرة الصيام التقوى وهو خير وسيلة للتربية على الرقابة الذاتية التي تدفعه إلى بذل المزيد في عمله واستغلال وقته بطريقة مثالية، فالصيام يدرب المؤمن على التحمل والصبر، وقد ارتبط بالعمل والإنتاج وكثير من الإنجازات والانتصارات لم تتحقق إلا في رمضان.
  • وتتحسن نوعية الانتاج، كون البعد الروحي للصوم يدفع المسلم لمزيد من الإتقان والأمانة والرغبة في تحري الحلال والابتعاد عن كل مظاهر الحرام كالربا والغش والتدليس وأكل أموال الناس بالباطل وهذا ما له أثر ايجابي على العملية الإنتاجية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.