منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

فضائل الصيام في حـرّ الصيف.

فضائل الصيام في حـرّ الصيف/ الدكتور أحمد الإدريسي

0

فضائل الصيام في حـرّ الصيف.

بقـلم: الدكتور أحمد الإدريسي

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى ءاله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

من حوادث الدنيا ما يذكّر المؤمن بالجنة، ومنها ما يذكر المؤمن بالنار، والمؤمن يستفيد من هذه الأحوال والحوادث ويستثمر أيام الصيف في طاعة الله في زيادة الحسنات وتكفير السيئات، والإكثار من الذكر ومن الأعمال الصالحة، من خلال القيام ببعض الأعمال وأداء بعض العبادات في هذه الأوقات، ومنها: الصيام في حر الصيف. ومما ورد من حوادث الدنيا التي تُذكر المؤمن؛ عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “اشْتَكَتِ النَّارُ إلى رَبِّهَا، فَقالَتْ: يا رَبِّ أَكَلَ بَعضي بَعضًا، فأْذَنْ لي أتَنَفَّسْ، فأَذِنَ لَها بنَفَسينِ، نَفَسٍ في الشِّتاءِ، ونَفَسٍ في الصَّيفِ، فما وجَدْتُم مِن بَردٍ أو زَمْهَريرٍ فمِن نَفَسِ جَهَنَّم، وما وجَدْتُم مِن حَرٍّ أو حَرُورٍ فمِن نَفَسِ جَهَنَّمَ”[1].

1- حث النبي صلى الله عليه وسلم على الصيام في الصيف شديد الحر:

حث النبي صلى الله عليه وسلم على الإكثار من الصيام وخاصة أيام الحر الشديد، فقال عليه السلام: “إنَّ في الجَنةِ غُرَفاً يُرَى باطنُها مِنْ ظاهِرها، وظاهرُها مِنْ باطِنها، أَعَدَّها اللهُ لمِنْ أطْعَمَ الطَّعامَ، وأَلانَ الكلامَ، وتابَعَ الصيامَ، وقامَ بالليل والناسُ نِيامٌ”[2]

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على الصيام في أيام الحـرّ الشديد، وهو يُعلمنا فضل “ظمأ الهواجر” الذي يعظم فيه الأجر لما فيه من مشقة على النفس ومُغالبة الهَوى في اليومِ الشديد الحرارة، فقد أخرج البخاري ومسلم في الصحيحين عن أبي الدرداء قال: لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره في اليوم الحار الشديد الحر، وإن الرجل ليضع يده على رأسه من شدة الحر وما في القوم أحد صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعبد الله بن رواحة[3].

وعن حارثة بن مالك رضي الله عنه، أنه مر برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: كيف أصبحت يا حارثة؟ قال: “أصبحت مؤمنا حقا”. قال: “انظر ما تقول، فإن لكل شيء حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟” فقال: “قد عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرت لذلك ليلي، وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها”. فقال: “يا حارثة عرفت فالزم” قالها ثلاثا[4].

2- صيام الصحابة والصالحين في حـرّ في الصيف:

كانَ الصحابة والتابعون والصالحون في كلِّ زمان رضي الله عنهم يُنوعون من طاعةِ الله تعالى، ويجتَهدون في عبادة الله تعالى بكل أنواع الطاعاتِ في كل الأوقات ليزدادوا قُـربا منه سبحانه وطَمَعاً فيما عندَه ونيلِ رضاه، ومن الآثار الواردة عنهم:

– قال ابن رجب الحنبلي: وصى عمر رضي الله عنه عند موته ابنه عبد الله فقال له: “عليك بخصال الإيمان، وسمّى أولها: الصوم في شدة الحر في الصيف”[5].

– خرج ابن عمر في سفر معه أصحابه فوضعوا سفرة لهم فمر بهم راع فدعوه إلى أن يأكل معهم قال: إني صائم، فقال ابن عمر: في مثل هذا اليوم الشديد حره وأنت بين هذه الشعاب في آثار هذه الغنم وأنت صائم؟ فقال: أبادر أيامي الخالية[6].

– كانت بعض الصالحات تتوخى أشد الأيام حراً فتصومه، فيقال لها في ذلك، فتقول: “إن السعر إذا رخص اشتراه كل أحد، تشير إلى أنها لا تؤثر إلا العمل الذي لا يقدر عليه إلا قليل من الناس لشدته عليهم”[7].

– قال أبو الدرداء: “طريق القيامة أبعد ما تريدون، فخذوا منه ما يصلحكم، قالوا: وما يصلحنا؟ قال: حجوا حجة لعظام الأمور، ‌صوموا ‌يوماً ‌شديداً حره لطول النشور، صلوا ركعتين في سواد الليل لوحشة القبور”[8].

– عن ابن عباس، نَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بعث أبا موسى على سريةٍ في البحرِ، فبينما هم ذلك قد رفعوا الشراعَ في ليلةٍ مظلمةٍ إذا هاتفٌ فوقهم يهتفُ: يا أهلَ السفينةِ قفوا أخبرْكم بقضاءٍ قضاه اللهُ على نفسِه، فقال أبو موسى: أخبرْنا إن كنتَ مخبرًا قال: إنَّ اللهَ تعالى قضى على نفسِه: أنه من أعطش نفسَه له في يومٍ صائفٍ سقاه اللهُ يومَ العطشِ[9].

زاد المنذري: “فكان أبو موسى يتوخى اليوم الشديد الحر الذي يكاد الإنسان ينسلخ فيه حراً فيصومه”[10].

– قال ابن رجب الحنبلي: نزل الحجّاج في بعض أسفاره بماء بين مكة والمدينة فدعا بغدائه ورأى أعرابياً فدعاه إلى الغداء معه فقال: دعاني من هو خير منك فأجبته قال: ومن هو؟ قال: الله تعالى دعاني إلى الصيام فصمت قال: في هذا الحر الشديد؟ قال: نعم صمت ليوم أشد منه حراً، قال: فافطر وصم غداً، قال: إن ضمنت لي البقاء إلى غد، قال: ليس ذلك إليَّ قال: فكيف تسألني عاجلاً بآجل لا تقدر عليه.

خاتمة:

إذا كان في الصيام مشقة لطول اليوم وشدة الحر، فإنّ أجره وثوابه يكون أعظم، والأجر على قدر المشقة، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنَّ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم قَال لها فِي عُمْرَتِهَا: “‌إِنَّ ‌لَكِ ‌مِنَ ‌الْأَجْرِ ‌قَدْرَ ‌نَصَبِكِ ‌وَنَفَقَتِكِ”[11].

قال ابن رجب الحنبلي: ورد أن بعض السلف قال: بلغنا أنه يوضع للصوّام مائدة يأكلون عليها والناس في الحساب فيقولون: يا رب نحن نحاسب وهم يأكلون، فيقال: إنهم طالما صاموا وأفطرتم وقاموا ونمتم.


[1]– رواه الإمام البخاري في صحيحة، حديث رقم:3260، والإمام مسلم، في صحيحة، حديث رقم:617.

[2]– رواه الإمام أحمد في مسنده والطبراني في الكبير.

[3]– رواه الإمام البخاري في صحيحة، حديث رقم:1945، والإمام مسلم، في صحيحة، حديث رقم:1122

[4]– أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، ج:3/ص:267. حديث رقم:3367.

[5]– لطائف المعارف، الصفحة: 322.

[6]– لطائف المعارف، الصفحة: 323.

[7]– لطائف المعارف، الصفحة: 322.

[8]– حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، أبو نعيم الأصبهاني، ج:1/ص:165.

[9]– أخرجه البزار، حديث رقم:4974.

[10]– الترغيب والترهيب، للمنذري. ص:578.

[11]– رواه الإمام البخاري والإمام مسلم في صحيحيهما.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.