منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

صلاة التراويح في الفلبين

صلاة التراويح في الفلبين/عادل زروق

0
صلاة التراويح في الفلبين

بقلم: عادل زروق

سافرت من جزيرة بالي وأدركت أيام رمضان في بلاد الفلبين، بدأت رحلتي من العاصمة مانيلا نحو شمال البلاد من أجل اكتشاف جزيرة كورون، ومعروف أنه كلما صعدت شمالا في خريطة الفلبين كلما قل عدد المسلمين، وقل طبعا عدد المساجد. وكغيري من عموم المسلمين، لا يكتمل فرحي في هذا الشهر العظيم إلا بالصيام والقرآن وبوجبة السحور وصلاة التراويح ولقاء الأحبة في المساجد.

كل الأعمال في هذا الشهر المبارك لها طعم خاص، حتى السفر له خصوصية في رمضان، ناهيك عن لذة وجبة الإفطار والسحور والنوم والمشي والقراءة في شهر الصيام، وكأن زمن رمضان يبارك في الأعمال جميعها ويضفي عليها نكهة رمضانية خالصة، ويا سعد من فاز في يوم الصيام بالذكر والأعمال الصالحات.
بعد يوم طويل وشمس محرقة في جزيرة “إل نيدو” رجعت إلى غرفتي في الفندق، وضعت غنيمتي لوجبت الإفطار، طبق من الأرز، وفخض دجاج (حلال) وكأس عصير من المانجو، والبيض والماء والموز.
بعد صلاة المغرب تناولت وجبة الفطور، أتممتها بشرب قهوة على عجل، كانت باردة، والقهوة لا تشرب باردة إلا في الفلبين، وحتى الشاي الأخضر لا يحلو في هذا الحر إلا دافئا، ومنهم من يبالغ فيضعه في الثلاجة، وهذه عند قوم من قلة الذوق وقلة الأدب مع الشاي.
ذهبت إلى الشارع العام أبحث عن صاحب دراجة نارية يقلني إلى المسجد الوحيد في هذه الجزيرة، هذا المسجد المخفي وسط الغابة يسمونه المسجد الأخضر، ولا أعرف ما سر تسمية المساجد عندهم بالألوان.. ولا أذكر أنني عرفت مسجدا بمثل هذا الاسم من قبل، وأشهر أسماء المساجد استعمالا عندنا هو مسجد المحسنين، لأنه لولا المحسنين لما تم بناء تلك المساجد.
لم أبحث طويلا حتى تيسر النقل رفقة سائق كاثوليكي ضريف، سألني ماذا ستفعل في المسجد ؟ أخبرته أنني سأصلي، فابتسم مسرورا وأسرع بدراجته النارية كأنه يخاف أن تفوتني صلاة الجماعة، وماهي إلا دقائق حتى دخلت المسجد الأخضر قبل إقامة صلاة العشاء.
كالعادة وجدت صحن المسجد عامرا بأهله، وكأنهم عائلة يعرف بعضهم بعضا. المسجد نظيف مرتب، وكل شيء على ما يرام، اللهم بعض الحشرات والسحالي التي تتسلق في الجدران. وإذا قلت السحالي في الفلبين فهي موجودة بوفرة، هذه الكائنات تجدها في كل مكان تقريبا، مختلفة الأحجام والألوان، ولا أنكر أنني جربت الصلاة والنوم والاستحمام قرب هذه المخلوقات، ولم تعجبني التجربة، وخصوصا تلك السحالي السمينة، أجد لها هيبة وكاريزما خاصة، وعزائي أنني لست الوحيد الذي يتجنبها.
كنت أقول قبل إقامة الصلاة كيف لي بإتمام التراويح حتى الختام قرب هذه الزواحف، وعدد ركعات التراويح في الفلبين عشرون ركعة، عشرون كاملة، يقرأ فيها الإمام حزبين من القرآن الكريم، وهم يعتبرونها واجبة كأنها فرض، ولذلك لا ينسحبون من المسجد أفواجا بعد كل ركعتين. الحمد لله هذه الظاهرة التي تملأ مساجدنا لا يعرفونها في الفلبين.
أغلب المصلين في المسجد الأخضر كانوا شبابا، وبينهم أطفال يغلب عليهم الهدوء والسكينة، إلا طفل واحد، كان اسمه جبريل.. وكانوا ينادونه اختصارا “جيب”. كان جبريل يبتسم ويركض في المسجد طولا وعرضا ماشاء الله، وكانوا جميعا يعرفونه، اهدأ ياجيب، توقف با جيب، تعال يا جيب، اترك الميكروفون يا جيب.
فرحت بجبريل وبوجوده في المسجد، وفرحت أكثر لحال المصلين الذين لا ينزعجون، والأطفال في المسجد عنوان الرحمة، وبشارة خير للجيل القادم، ولا خير في من يكره الأطفال أو ينفرهم من بيوت الله، خصوصا في هذا البلد الذي يشكل المسلمون فيه أقلية، ومن أجمل عاداتهم في هذه الجزيرة حرصهم الجميل على تعليم الأطفال سورة الفاتحة، يحتفلون بهذا الحدث ويجعلون له وليمة تجتمع عليها العائلة والجيران، أما الإمام الحافظ عندهم فله مكانة وأي مكانة.
كانت الإنارة في المسجد تذهب وتجيء مرارا، وظاهرة انقطاع الكهرباء معتادة في هذه الجزيرة، وأحيانا ينقطع التيار لساعات، فتنقطع معه كثير من الخدمات في الجزيرة، وأغلب الفنادق والمتاجر هنا تستعمل خزانات كهربائية، وفي الفنادق عادة يخبرونك بموعد انقطاع الكهرباء قبل ساعة واحدة، وأحيانا يتركونك لتعيش الأمر الواقع.
بينما كان أغلب الحاضرين في المسجد يذكر الله انتظارا للصلاة، كنت مشغولا بالإنارة التي تنطفئ، وأنظر بدهشة إلى أكبر سحلية في سقف المسجد، وأقول سبحان الله تبارك الخالق، اللهم سلم سلم.
كانت الإنارة تنطفئ، وكلما رجعت كنت أظهر بين الفلبينيين بوضوح، مثل العنصر الدخيل الغريب على اللوحة الفنية، أو كالنغمة المشينة في المعزوفة الموسيقية، وكان أحد الحاضرين كلما أنار مصباح المسجد التفت إلي دون أن يبتسم، كأنه يتأكد أنني باق في نفس المكان لم أغادر، وكنت مثله مشاركا في لعبة الظلام والضوء، كلما أنارت أبحث في الحائط أين وصلت أقرب سحلية، وأين ذهبت أكبر سحلية تلك التي وصفتها بالسمينة، كنت أنظر إليها كذلك دون أن أبتسم، وتمنيت من كل قلبي لو أن الإنارة في المسجد تستوي على حال واحد، إما أن تبقى منيرة حتى يشبع صاحبي من فضول النظر إلي، أو أن تذهب فأنعم بستر الظلام الجميل وأنسى موضوع السحلية، سواء القريبة مني، أو تلك السمينة على السقف.
بفارغ الشوق كنت أنتظر لحظة إقامة الصلاة حتى تذوب جميع أفكاري، وتذوب فوارق اللغة والعرق واللون ولا يبقي إلا شعار العبودية لله الواحد سبحانه.
أقيمت الصلاة وتقدم شاب دون العشرين نحو المحراب يجهز المقرأة، وضع عليها مصحفا بحروف عربية، رتب قميصه الجميل وعدل طاقيته على رأسه، نظر إلى الأرض ثم قال “استووا”، قالها بنغمة ولحن هادئ أعجبني، وكانت كلمة “استووا” حلوة على السمع كأنني أسمعها أول مرة، تردد صداها في المسجد، وساد حال جميل من الصمت، حتى جبريل التزم الصمت في هذه اللحظة.
بدأ الإمام سورة الفاتحة وما إن قال “بسم الله الرحمان الرحيم” حتى اقشعر جلدي، هنالك ذكرت بشارة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم حين قال:
ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك اللهُ بيت مَدَر ولا وَبَر إلا أدخله الله هذا الدين، بعِزِّ عزيز أو بذُلِّ ذليل.
صدق الصادق الوعد الأمين.
بدأ الإمام يقرأ من المصحف بصوته الجميل، ورغم أنه كان يتهجى بعض الكلمات، متلعثما في بعض الحروف، مخطئا في أحيان أخرى، ولكن الركعات التي صليتها خلفه كانت بالنسبة لي بألف موعظة.
صليت ثماني ركعات كاملة وجبريل يجري بين الصفوف وأحيانا يطوف حول الإمام، ثم يتعلق في قميص والده، ومن حظي الجميل أنني صليت قرب والده، وكلما سلم الإمام كنت أنظر إلى الزواحف، وخصوصا تلك السمينة التي في سقف المسجد، هل تحافظ على مكانها، وكان وسواس نفسي يخبرني أنها ستسقط على رأسي مباشرة، وأرجوك لا تحدثني عن الخشوع في هذه الظروف.
ومع كل هذه الفتن، لا أنكر أن للتراويح في الفلبين روحا خاصة، وهي تذكرني بتاريخ بداية الإسلام، ودار الأرقم وضعف المسلمين، وكذلك الحال هنا، المسلمون في قلة وضعف، ومن حافظ منهم على دينه يجد في محيطه عقبات وتحديات كثيرة، وخصوصا أن الاستعمار الاسباني زرع الفتنة بعد إبادته المسلمين.
استمتعت بقراءة جولة بن بطوطة في هذه البلاد، وكانت دهشتي كبيرة حين قرأت في كتب التاريخ أن الفلبين وصلها الدعاة في أواخر القرن الرابع عشر، وأصبحت خلال القرن الخامس عشر بلدا إسلاميا في عمومه، دخل الإسلام إلى هذه الأرض وانتشر قبل المسيحية، كان ذلك مع قوافل التجار المسلمين، وبفضلهم دخل السكان الأصليون في دين الله أفواجا، كما هو الحال مع جيرانها اندونسيا وماليزيا، وكانت عاصمة هذه البلاد الإسلامية حينها مدينة “أمان الله”، يطلقون عليها اليوم مدينة مانيلا.
تغيرت أحوال مجتمع الفلبين قديما بعد الهجمات الإسبانية الصليبية ، وحال الفلبين في رأيي كحال الأندلس، كانت في أمان الله حتى هدمت فيها المساجد وأقيمت الكنائس وتغيرت صفحات التاريخ، وتغير اسم البلاد لتحمل اسم الملك الاسباني فيليب الثاني سنة 1568، وسموها دولة الفلبين، وكما يقولون : “التاريخ يكتبه من غلب”.
تشعر بالمرارة حين تعرف أن المسلمين في الفلبين عرفوا قديما حروب إبادة، ولأن سنة التدافع تقتضي الأخذ بالأسباب، من الجميل إعادة غرس المساجد في هذه البلاد، ومع المساجد غرس جيل جديد يحمل مشعل الدعوة، ونرفع الأيادي لله تعالى في هذا الشهر المبارك أن يبارك ويفتح القلوب، ليدخلوا في دين الله أفواجا كما دخلوه أول مرة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
آمين يارب العالمين.
أعتذر على الإطالة، ولكن أحببت أن أقتسم معكم هذه اللحظات الغالية.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.