موقع منار الإسلام ينعى العلّامة الشيخ سلمان الحسيني الندوي
رحيل آخر الكبار من حراس المدرسة العلمية في شبه القارة الهندية
موقع منار الإسلام ينعى العلّامة الشيخ سلمان الحسيني الندوي
رحيل آخر الكبار من حراس المدرسة العلمية في شبه القارة الهندية
﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾
بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، وببالغ الحزن والأسى، تلقّت أسرة موقع منار الإسلام نبأ وفاة العلّامة المحدّث والمفكر الإسلامي الكبير، الشيخ سلمان الحسيني الندوي، الذي انتقل إلى جوار ربه بعد عمرٍ مبارك قضاه في خدمة القرآن الكريم والسنة النبوية، وتعليم الأجيال، وبناء المؤسسات العلمية، والدفاع عن رسالة العلم في زمن كثرت فيه التحديات، واشتدت فيه حاجة الأمة إلى العلماء الربانيين.
ولئن كان الموت حقًّا لا ينجو منه أحد، فإن بعض الرجال لا يُقاس رحيلهم بعدد السنين التي عاشوها، وإنما بما خلّفوه من أثر في العقول والقلوب والمؤسسات. ومن هذا الصنف كان الشيخ سلمان الحسيني الندوي؛ إذ لم يكن عالمًا من علماء عصره فحسب، بل كان مدرسةً علمية قائمة بذاتها، وامتدادًا أصيلًا لسلسلة العلماء الكبار الذين حملوا مشعل الإصلاح والعلم في شبه القارة الهندية، وحافظوا على أصالة العلوم الإسلامية، وربطوها بقضايا العصر وهموم الأمة.
لقد احتل الشيخ الندوي مكانة مرموقة بين علماء المسلمين في الشرق والغرب، بما جمعه من رسوخ في علوم الحديث، وإحاطة بعلوم الشريعة، وتمكن في اللغة العربية، وإنتاج علمي غزير، وحضور فاعل في المحافل العلمية والفكرية. وكان أحد أبرز الوجوه التي مثّلت المدرسة العلمية الهندية في العالم الإسلامي، وأسهم في التعريف بثرائها، ونقل جانب مهم من تراثها إلى القارئ العربي، حتى غدا بحق حلقة وصل بين المشرق العربي وشبه القارة الهندية، وجسرًا للتواصل العلمي والحضاري بينهما.
ولم تتوقف رسالته عند حدود التدريس والتأليف، بل آمن بأن العلم الذي لا يتحول إلى مؤسسات يبقى محدود الأثر؛ فأسهم في إنشاء الجامعات والكليات والمدارس، ورعى مشاريع تعليمية واجتماعية، وربّى أجيالًا من العلماء والدعاة والباحثين الذين يحملون اليوم رسالته في أنحاء متعددة من العالم الإسلامي. وكان مثالًا للعالم الذي جمع بين المعرفة والعمل، وبين الفكر والبناء، وبين الوفاء للتراث واستيعاب متطلبات العصر.
كما خلّف، رحمه الله، ثروة علمية كبيرة في علوم الحديث والفقه والتفسير والفكر الإسلامي، باللغتين العربية والأردية، امتازت بالتحقيق والدقة والاعتدال، وظلت شاهدة على عقلية موسوعية، وهمٍّ إصلاحي، وإيمان عميق برسالة العلم في نهضة الأمة. وسيبقى اسمه مقرونًا بجيلٍ من كبار العلماء الذين لم يكتفوا بإنتاج المعرفة، بل صنعوا المؤسسات، وأعدّوا الرجال، وأسهموا في حفظ هوية الأمة العلمية.
إن فقد الشيخ سلمان الحسيني الندوي ليس خسارة للهند وحدها، ولا للمؤسسات التي انتسب إليها، وإنما هو خسارة للثقافة الإسلامية المعاصرة، وللمدرسة العلمية التي مثّلها، وللأمة التي كانت ترى فيه صوتًا من أصوات الحكمة والاعتدال، وعالمًا جمع بين الأصالة والانفتاح، وبين العمق العلمي والرؤية الحضارية.
وإذ ينعى موقع منار الإسلام هذه القامة العلمية الكبيرة، فإنه يتقدم بأصدق مشاعر التعزية والمواساة إلى أسرته الكريمة، وإلى تلامذته ومحبيه، وإلى علماء الهند، وإلى الأسرة العلمية في العالم الإسلامي، سائلين المولى عز وجل أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته، وأن يرفع درجته في عليين، وأن يجعل علمه، ومؤلفاته، ومؤسساته، وتلامذته، صدقةً جاريةً لا ينقطع أجرها إلى يوم الدين.
رحم الله الشيخ سلمان الحسيني الندوي، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وألحقه بالصالحين، وجعل العلماء العاملين خير خلف لخير سلف.
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾