رحيل شيخ محظرة التيسير ولد أحمدو الخديم
منار الاسلام
﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾
بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، وببالغ الحزن والأسى، تلقّت أسرة موقع منار الإسلام نبأ وفاة أحد أعلام المحظرة الموريتانية وعلماء بلاد شنقيط، شيخ محظرة التيسير العلامة محمد الحسن ولد أحمدو الخديم رحمه الله تعالى رحمة واسعة وأسكنه فسيح الجنان وألهم ذويه الصبر والسلوان، حيث وافاه الأجل مساء يوم الأربعاء 20 ربيع الأول 1448 هجرية الموافق 2 شتنبر 2026 ميلادية عن عمر قارب 90 سنة، بعد مسيرة حافلة بالتدريس والتأليف وخدمة العلوم والمعارف التي اشتهرت بها المحاظر الشنقيطية، فقد أفنى الفقيد رحمه الله تعالى عمره في خدمة القرآن الكريم والعلوم الشرعية، وتعليم طلاب العلم وتربيتهم، وترك أثرًا علميًا وتربويًا امتد من موريتانيا إلى عدد من بلدان العالم الإسلامي، فلم تكن أهمية الشيخ في كثرة ما كتب فقط، ولا في عدد من جلسوا إليه، وإنما في مدرسة علمية امتد أثرها من قرية صغيرة قرب تكند إلى أماكن بعيدة في موريتانيا وغرب إفريقيا والعالم الإسلامي، إنها محظرة التيسير في ولاية الترارزة التي غدت منارةً للعلم والتربية، وتخرّج فيها أجيال من الأئمة والمدرسين والقضاة والدعاة من داخل موريتانيا وخارجها، كما خلّف تراثًا علميًا واسعًا تجاوز عدد مؤلفاته ورسائله المائة، شملت الفقه وأصوله والحديث والسيرة والعقيدة واللغة والتربية والتزكية.
وجدير بالتذكير بأن محمد الحسن ولد أحمدو الخديم ولد سنة 1357 هـ الموافق سنة 1937م في ضواحي مقاطعة واد الناقة بولاية اترارزه، في أسرة ارتبطت بالعلم والتدين، حيث تلقى تعليمه الأول في محيطه الأسري حتى أتم حفظ القرآن الكريم ؛ ثم انتقل بين علوم القرآن والفقه وأصوله والحديث والسيرة والنحو والأدب، وحفظ المتون التي كانت أساس التعليم التقليدي في المحاظر، وتتلمذ على يد العديد من الشيوخ الأفاضل من قبيل العلامة محمد مولود بن أحمد فال، والعلامة محمد سالم ولد المختار ولد ألما، قبل أن يبدأ في مسيرة التعليم والتربية والتسليك فهو الفقيه والعالم الرباني وأحد كبار مشايخ الطريقة التيجانية في غرب أفريقيا.
وخلف الشيخ رحمه الله تعالى مؤلفات عديدة في علوم القرآن والحديث، والأصول، والفقه وعلوم اللغة والتزكية، من أبرزها “سقاية الظمآن، من آداب تلاوة القرآن”، و“الجامع المحرر، بشرح نظم الدرر”، و“مرام المجتدي، من شرح كفاف المبتدي”، و“دليل الناسك، لما يخفی من المناسك”، و“هداية السعادة، إلى معرفة النحاة”، و“المسعد، بشرح آداب المسجد”، و“إعانة المتفهم، بشرح آداب المتعلم”، و“الفوائد الكفيلة، بمعرفة الوسيلة”، و“نخبة المطلوب، من شرح مطهرة القلوب”، و“سلم المطالع، لدرك الكوكب الساطع”، و“اللآلئ الحسان، على محارم اللسان”، وغيرها، ولم تكن هذه الكتب مشروعا منفصلاً عن التدريس، بل جاءت في كثير منها شرحاً للمتون وتقريباً لمسائلها، وهو ما جعلها امتداداً للمجلس التعليمي الذي كان يعقده الشيخ كل يوم.
لكل ذلك سيظل أثر العلامة الجليل الشيخ محمَّد الحسن ولد أحمد الخدِيم الشنقيطي رحمه الله باقيًا فيمن تعلموا على يديه وانتفعوا بعلمه، وستظل مواقفه البطولية في وجه السلاطين الظلمة شاهدة على ثبات العلماء العاملين في مدافعة المستبدين والمفسدين، فرحم الله الشيخ محمد الحسن ولد أحمدو الخديم، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وألحقه بالصالحين، وجعل ذريته وتلامذته خير خلف لخير سلف.
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾