منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ظاهرة التمدن في المغرب الأوسط الوسيط “تاهرت” الحاضرة الرستمية نموذجا

عبد الرحيم اليحياوي 

0

ظاهرة التمدن في المغرب الأوسط الوسيط

“تاهرت” الحاضرة الرستمية نموذجا

عبد الرحيم اليحياوي

باحث  في التاريخ الثقافي للمغارب

 

 

ملخص :

للحديث عن ظاهرة التمدن في المغرب الأوسط خلال زمنه الوسيط توجب النظر بعمق في محددات الثقافة المدنية لدى ساكنة المغارب ككل، فالانتقال من وضع معيشي إلى أخر يدفع الباحث لاستنباط أسباب هذا التحول المفاجئ للساكنة، لقد تعود البربر من ساكنة المغارب خلال أزمنتهم الغابرة وقبل ظهور الإسلام من التوطين في شعاب الجبال وإنشاء القرى و”المداشر” البسيطة التي كانت تفي بغرض العيش والانزواء نحو الطبيعة حماية لأنفسهم من أشكال الهجمات والسطو لكن بعدما استتبت اقدام الرومان وما تلاهم من البيزنطيين مكنهم الخط “الليميس” من عزل مناطقهم التي كانت قريبة من الشريط الساحلي وبفضله صارت المدن الحضارية ما بعد الجدار “الليميس” في واجهة البحر والهامش جنوبا وكانت لشبكة الطرق التجارية دور هام في عملية إنشاء الحواضر كذلك.

الكلمات المفاتيح: المغرب الأوسط- التمدن- تاهرت….

ABSTACL :

Pour discuter du phénomène d’urbanisation au Maghreb central au Moyen Âge, il est nécessaire d’examiner en profondeur les déterminants de la culture civile parmi les habitants du Maghreb dans son ensemble. Le passage d’une situation de vie à une autre pousse le chercheur à déduire les raisons de cette transformation soudaine de la population. Les habitants berbères du Maghreb, durant leurs temps anciens et avant l’avènement de l’Islam, avaient l’habitude de s’installer dans les vallées montagneuses et d’établir de simples villages et hameaux qui servaient à vivre et à s’isoler de la nature pour se protéger de toutes formes d’attaques et de vols. Cependant, après l’installation des Romains et des Byzantins qui leur ont succédé, la ligne du « limes » leur a permis d’isoler leurs zones proches de la bande côtière. Grâce à elle, les villes civilisées situées au-delà du mur du « limes » se sont retrouvées tournées vers la mer et la marge sud. Le réseau de routes commerciales a également joué un rôle important dans le processus d’établissement des villes.

Mots clés : Maghreb central – urbanisation – Tahert….

مقدمة:

إن الاهتمام الذي حضي به ولا يزال تاريخ الغرب الإسلامي ككل يعد من أكبر المجالات البحثية دراسة ونقدا وتنقيحا، فالغرب الإسلامي خاصة في الفترة الوسيطية قد شهد من الاحداث والظواهر التاريخية عدد لا يحصى من تلك الاحداث والظواهر، وقد برعت الأقلام التاريخية في تدوين ما تم جرده حسب اهتمامات المؤلفين، فالملفت للنظر هو أنه عكس التاريخ الأوربي في العصر الوسيط فقد تميزت هذه الفترة التاريخية في العالم الإسلامي بتداخل التاريخ الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي وكلها كانت تشكل مادة أولية لترسيم التحقيبات المعتمدة في المرحلة الوسيطية، ومن هنا جاء موضوعنا لاكتشاف ظاهرة إجتماعية يتداخل فيها الجانب السياسي والثقافي والاقتصادي فتاهرت برزت بخلاف المدن الإسلامية الأخرى لها خصوصيتها الثقافية والمذهبية المتفردة خلال الزمن الوسيط وعلى إثر ذلك سيرتبط الموضوع بمحددات منهجية عامة:

الإشكالية: ما هي أبرز مظاهر ثقافة التمدن الإسلامي خلال الزمن الوسيط وهل شكلت أحد تجليات تلك الثقافة؟

أهداف البحث: يهدف البحث الى إغناء النقاش حول الظواهر المدنية خلال الزمن الوسيط من خلال نموذج مدينة ظهرت معالمها  وطمست خلال نفس الفترة.

منهجية البحث: تم الاعتماد على المنهج الوصفي باعتباره وصفاً للظواهر الاجتماعية والسياسية التي تم من خلالها حصول الظاهرة الاجتماعية.

كم تم الاعتماد على المنهج التحليلي وهو منهج قد مكن من تحليل الظاهرة بناءاً على منطلقاتها الفكرية والثقافية ولا يمكن الاستغناء عن المنهج التاريخي في التعاطي لهذه المواضيع كونه ينبش في الماضي وينتقي مصداقية المصدر بدقة وتمحيص باعتباره “فن” من الفنون.

منهجية التوثيق: تم الاعتماد على المنهجية الكلاسيكية (APA).

 مدخل مفاهيمي:

التمدن (لغة):  تمدن في حالته الفعلية “الفعل تمدن ” يقصد به الانتقال من البداوة الى الحضارة فيقال :تَمَدَّنَ البَدْوُ بَعْدَما اسْتَقَرُّوا في الْمَدِينَةِ: عاشُوا عيشَةَ أَهْلِ الْمُدُنِ وَتَكَيَّفُوا مَعَ جَوِّها.

أما في حلته الاسمية فالمفهوم يقصد به ثقافة التجديد والانتقال من حال البداوة لتمدن الحضارة واكتساب عادة وحياة أهل المدينة كما يرها ابن خلدون[1] في مقدمته فيقال في شرح الدلالة اسميا في معجم المعاني، تَمَدُّنُ البَدْوِ : أي بمعنى صار  عَيْشُهُمْ عِيشَةَ أَهْلِ الْمُدنِ والتَّكَيُّفُ مَع جَوِّهِمْ[2].

المغرب الأوسط: يعرف المغرب في الوظيفة البلاغية للغة:  فيقال مغارب: أي مكان غروب الشمس وجهتها ومكانها وزمنها،  مُغَرِّب: (إسم)

شأْوٌ مُغَرِّبٌ: بعيدٌ

وهل من مُغَرِّبةِ خَبَرٍ: هل من خبرٍ جديدٍ جاءَ من بلدٍ بعيد

مُغرِب: (اسم)

اسم فاعل من أغربَ

المُغْرِبُ : كل ما واراك وسترك

قالت العرب عنقاءُ مُغرِب: أي (الحيوان) طائر عظيم يبعد في طيرانه، وقيل إنّه طائر وهميّ يُضرَب به المثل في طلب المُحال الذي لا يُنال[3] ويعرف ابن خلدون مصطلح  “المغرب” لغويا بقوله : «إن لفظ المغرب في أصل وضعه اسم إضافي يدل على مكان من الأمكنة بإضافته إلى جهة المشرق، إلا أن العرب قد تخصص هذه الأسماء بجهات معينة وأقطار مخصوصة »[4] وقد ظهر مصطلح المغرب في العصر الإسلامي خلال النصف الأول من القرن الأول الهجري للدلالة على الجزء الغربي من الدولة الإسلامية[5]، ويتضمن الشام ومصر وما اتصل بهما في مقابل المشرق وأول من استعمل هذا اللفظ علي بن أبي طالب كرم الله وجهه سنة( 37هـ / 657م) حيث خطب في أنصاره قائلا: « تيسروا للمسير إلى عدوكم من أهل المغرب»[6]، ثم كتب إلى إبن عباس: «فإنا خرجنا إلى معسكرنا بالنخيلة»[7]، وقد أجمعنا على المسير إلى عدونا من أهل المغرب»[8]، كما كتب إلى الخوارج عندما إستتابوه قائلا لهم» ادفعوا إلى قتلة إخواني فأقتلهم، ثم أتارككم إلى أن أفرغ من قتال أهل المغرب»[9]، يقصد أهل الشام.

وقد أستعمل مصطلح المغرب كذلك ابن عبد الحكم عند ذكره فتح طرابلس وإفريقية حيث قال: “وأراد عمرو أن يوجه إلى المغرب، ثم يضيف : خرج إلى المغرب بعد عبد الله بن سعد، معاوية بن حديج سنة أربع وثلاثين”[10].

ولا يمكن تحديد مفهوم المغرب الأوسط في هذه الفترة اذ ان مجال المغرب الاوسط ظل رهينا ومرتبطا بحدود متغيره ما بين مد وجزر حسب حالة الجيران من القوة أو الضعف، وعلى العموم قام مجموعه من الجغرافيين خلال هذه الفترة بتحديد مفهوم المغرب الاوسط من بينهم النويري ابن خلدون والادريسي وصاحب الاستبصار الذي يحدد بدقه مجال المغرب الاوسط “من واد مجمع الى تازة في الطول ومن سواحل وهران ومليليه الى مدينه تيزيل”[11] ويمكن تقريب هذا المجال من الضبع على حدود بلاد الجريد مرورا ببسكرة والاوراس وبنى شرقا اما غربا فيصعب التحديد كون أن الفترة الوسيطة تميزت بتعاقب الدول القوية في المغرب الأقصى اما جنوبا فكان يمتد عبر الصحراء من فجيجل والساورة غربا الى بلد مصاب وورد الى بلادي سوف[12].

تاهرت:  هي ” تاهرت و تيهرت والمعصومة وعراق المغرب وتاهرت السفلى وتاهرت العليا  وتقدمت، يشرح معناها يا قوت الحموي بقوله: “تاهرت بفتح الهاء وسكون الراء، وتاء فوقها نقطتان اسم المدينتين متقابلتين بأقصى المغرب يقال لإحداهما تاهرت القديمة وللأخرى تاهرت المحدثة بينهما وبين المسيلة ست مراحل، وهي بين تلمسان وقلعة بني حماد كانت قديما تسعى عراق المغرب.”[13]

ويقصد بتاهرت في قاموس المعاني القبائلي – الفرنسي  ” الدف”[14] وهو ما يؤكده البكري في قوله : ” فنزلوا موضع تاهرت اليوم، وهو غيضة أشبة، ونزل عبد الرحمن منه موضعا مربعا لا شعراء فيه، فقالت البربر نزل تاهرت، تفسيره الدف لتربيعه”[15]

وقد أورد معنى اخر لتاهرت ويقصد به في معنى الكلمة البربرية ” اللبوة”[16]

1: الإطار الزمني والجغرافي “لتاهرت الرستمية”.

لتحديد الموضوع بدقة وربطه بعنوان البحث توجب تدقيق الإطار الزمني والمكاني المشار إليه عنوة من خلال المقدمة، “فتاهرت” المدينة كغيرها من المدن العريقة قد عرفت فترات احياء وانتهاء الى ان صارت “تاقدمت” خلال فترة الأمير الجزائري عبد القادر الذي إتخذها مدينة ضمن نفوذ سلطته، لقد كانت من ذي قبل العصر الوسيط مستوطنة رومانية بسبب وجود العوامل المساعدة للاستقرار بها وقبل هذا التواجد الروماني والبيزنطي كانت المدينة بمواقعها المختلفة موطنا للحضارات الانسية السالفة التي عرف بها الشمال الافريقي ككل، أما تاهرت الحاضرة الرستمية في الزمن الوسيط فيدقق موقعها الجغرافي الحميري بدقة:

…. وتاهرت الحديثة في قبلتها لواته وهوارة في قرارات وفي غربيها زواغة وبجنوبها مطماطة وزناتة ومكناسة، وفي شرقها حصن هو تاهرت القديمة …”[17]

  1-1: الموقع الجغرافي:

تقع مدينة تاهرت غرب التل الجزائري فهي تعد مدخل عنق قرفوطة، وهي من أبرز المدن الهضبية  الحالية (تيارت) بالجزائر بحيث تبعد عن العاصمة بحوالي 340 كلم، وهي محصورة ما بين 1000 -1200 م على مستوى سطح البحر  ويصف ياقوت الحموي موقعها الفلكي بدقة: تقع تاهرت في الإقليم الربع وعرضها ثمان وثلاثون درجة[18]، كما أن موقعها الجغرافي جاء متوسطا للمغربين، “فجعلها تتوسط المغرب الأقصى والادنى”[19].

 

مصدر الخريطة: عبد الرحمان محمد الجيلالي، تاريخ الجزائر العام، ج1،منشورات دار الحياة بيروت، ص234

 

أما ياقوت الحموي فيزيد في وصف مورفولوجيا المكان  قائلا: “… وهي مدينة مسورة لها أربعة أبواب باب الصفا، وباب المنازل وباب الأندلس، وباب المطاحن وهي على سفح جبل يقال له جزول، ولها قصبة مشرفة على السوق، تسمى المعصومة وهذه تاهرت الحديثة، وهي على خمسة أميال من تاهرت القديمة، ويقال أنهم لما أرادوا بناء تاهرت القديمة كانوا يبنون بالنهار فإذا جن الليل وفي… الصباح كانوا يجدون…… بنيانهم قد تهدم، فبنوا حينئذ تاهرت السفلى وهي الحديثة ..[20]

1_2: الخصائص الطبيعية:

  •  المناخ:

يتميز مناخ تاهرت برودة شديدة في فصل الشتاء وشدة الحرارة في فصل الصيف، ولم يتغير مستوى الرطوبة والحرارة بين الفترة الوسيطية والحالية اذ وصل معدل التساقطات في مرحلة التسعينات ل 14,44 درجة سنويا، ونسبة التساقطات من 100 الى 667 ملم سنويا[21]، والملاحظ أن الظاهرة المناخية المتعاقبة على المدينة صيفا وشتاء كانت معروفة في الفترة الوسيطية حيث وصف حرارتها أبو بكر محمد الصنهاجي:

ما أخشى البرد وريعانه          وأطراف الشمس بتاهرت

تبدو من الغيم اذا ما بدت     كأنها تنشر من تحت

فنحن في بحر بلا لجة        تجري بنا الرياح على السمت

نفرح بالشمس اذا ما بدت      كفرحة الدمي بالسبت[22]

فمحمد الصنهاجي يشعر ابياته مفاخر بخاصية الحرارة بتاهرت فهو لا يخشى سقيم بردها القارس اذا حلت الشمس الساطعة المانعة تحت الغيوم.

ويزيد من تأكيده على شدة الحرارة تلك مخاطبا الشمس لما رحل للحجاز: ” أحرقي ما شئت فو الله انك بتاهرت خير ذليل”[23].

 في برودتها :

يصف البكري برودتها  في فصلها البارد بقوله: ” شديدة البرد كثيرة الغيوم والثلج”[24]

  • التضاريس:

يغلب على مدينة تاهرت ( تاقدمت الحالية) المجال السهلي والجبلي وبين روافدها جبال متوسطة الارتفاع من ابرزها جبل سيدي عابد، وجبل الناضور الذي يلغ ارتفاع رأسه المسمى قرطاس 1530م[25]، وفي الجنوب نتاج لكثرة الالتواء بفعل الحركات التكتونية في الزمن الجيولوجي الثالث تكونت سلسلة جبال درنة المرتفعة بمقدار 1332م

وفي الجنوب تنتشر المساحة السهلية والاحواض(مابين 400 و500 متر مكعب)[26] فتمتد من الجنوب الغربي نحو الشمال الشرقي وتحصرها سلسة جبلية وهي الونشريس شملا والناظور جنوبا المحاذي لجبل كوجيلا والشلالة الممتد من الشرق نحو الغرب من بوغار لتيارت[27]

أما فيما يخص المياه فالمنطقة تعتبر من اغنى المناطق من حيث الموارد المائية على غرار واد المينا[28]  الذي يعبر مدينة غيلزان ويبلغ طوله 150 كلم[29] فالموقع يعرف انتشار مجاري مائية صغيرة مثل واد عيني زية واد زخنين، أما المصادر المائية الأخرى من العيون والسواقي : فهناك عين البيضاء والعزاب، عين نصور وعين لقبور، ويصف المقديسي جانبا من تضاريسها بقوله:

“… تاهرت اسم القصبة وهي بلح المغرب قد أحدق بها الأنهار والتفت بها الأشجار، وغابت في البساتين، وتبعت حولها الأعين وجل بها الإقليم، وانتعش فيها الغريب، واستطابها اللبيب يفضلونها على دمشق وأخطؤا وعلى قرطبة وما أظنهم أصابوا هو بلد كثير الخير رحب رفق طيب رشيق الأسواق غزير المياه جيد الأهل قديم الوضع محكم الوصف عجيب الوصف”[30].

1-3 الاطار الزمني (إشكالية التحقيب):

تحدد الفترة الوسيطة انطلاقا من سنة 476 م الى 1492م سقوط غرناطة وهو ما يخلق الاختلاف في تحديد زمن نهاية العصر الوسيط، ويوجد ثلاث محددات عامة لتأطير فترة العصر الوسيط منها ما هو اجتماعي: منها تدفق الشعوب على الامبراطورية الرومانية وما تلاه من اختلال البنية البشرية لروما وهو تحقيب بالحوادث عامة فسقوط روما منطلق الفترة الوسيطة لا تشكل اختلاف بالنسبة للمؤرخين، وهي نظرة للعودة لحادث الاستيطان الاجتماعي لقبائل الجرمان في روما ودعوة للاستفادة من انقلاب الحال من السيادة الى التبعية، وكذلك محدد سياسي حيث تغيرت الخارطة السياسية الرومانية وانقسمت لدويلات أما موضوع الإشكال فهو المحدد الذهني لنهاية العصر والذي يربطه الأوروبي بسيطرة الكنيسة ومن هنا يدعو الكثير من المؤرخين العرب وغيرهم الى إعادة صياغة إبستمولوجية ويعتبرون التقسيم الأوروبي للزمن تحقيب متذبذب وغير مضبوط كونه في نظر الكثير منهم يخدم الغاية المعرفية الإثنوأوروبية فقد كان المؤرخون العرب منذ القرن التاسع عشر يعتمدون على التحقيب الرباعي الذي انتجته المدرسة الفرنسية التي ضاقت ضرعا من التحقيب الثلاثي سابقا والذي يقسم الزمن الى قديم ووسيط وحديث وتمت إضافة الزمن المعاصر، وهو ما صاغ مجموعة من الإشكاليات من حيث تحديد الإطار الزمني الخاص بالعصر الوسيط، فنعلم أن هذا العصر في هويته الإسلامية عرف الكثير من الظواهر والاحداث والتواريخ وبالتالي يصعب تصنيف أي تحقيب يمكن الإثكال عليه مع وجود مجموعة من التقسيمات الزمنية المختلفة التي توافق الكم الهائل من الاحداث الهامة خلال الزمن الوسيط.

2: حول ظاهرة التمدن الإسلامي المحددات والشروط

ارتبط المسلمون بالمدينة والحضارة خلال الزمن الوسيط وهي ثقافتهم التي نقلتهم من معيشة البيداء إلى التحضر، فيمكن ربط بداية عملية التثقيف تلك بهجرة الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة الى المدينة، من هناك بدأت مراحل تشييد الحضارة بالمركز الإسلامي فكان أول ما فعله النبي هو بناء جامع كمرفق عمومي تحل فيه القضايا الاجتماعية والسياسية والعسكرية، وقد لازمت هذه العملية المسلمين من بعده فكلما كان يدخل أحد الصحابة بقعة أو مدينة فاتحا كان ينشئ بها مسجد وكلما توسع تابعي في رقعة خالية لا سلطان لها شيد بها جامعا كأول مؤسسة  تعبر عن هوية سلطة المدينة.

 2-1: بيان فقه العمارة في الإسلام.

يقصد بفقه العمارة مجموعة قواعد شرعية نشأة نتيجة حركة العمران في الإسلام نتاج لاحتكاك الافراد الراغبين في العمارة، وما ينتج عنهم من تساؤلات عامة تستفز ذهنيات الفقهاء فيبحثون عن الإجابات التي ستصبح قواعد العمران ومن قواعد العمران الأولى هي احترام المجتمع لسلطته حتي يكتمل الاجتماع العمراني وتوجد أول إشارة لفتوى العمران الشرعي الإسلامي وهي “كتاب البيان”[31] لصاحبه عبد الله بن عبد الحكم الذي ورد ذكره في عدد من المصادر الفقهية ولم يتم العثور بعد على مخطوط منه وهي مؤشر دال على تبلور فكر العمران في الشريعة الإسلامية مبكرا عند الفقهاء وقد انقسم الباحثون في عمران المدن الى تيارين أولهما استشراقي يختلف في تحديد هوية المدينة هل هي إسلامية ام شرقية أو عربية، فلم يجد هذه المؤشرات الى في أزقتها وسكنها الذي يعتبرونه فوضويا غير منظم أما التيار الثاني فيبتعد عن النظرة السلبية للمدينة الإسلامية ويعتبرها تنظيم للمجال الحضري، يأخذ بعين الاعتبار الرغبات والحاجيات الحقيقية للإنسان في تناسق وتماسك جيد في بنية المجتمع والسكن غير المنظم هو يزيد من جماليتها الهندسية ويتساءل الأستاذ خالد عزاب سؤال يعد منطقيا : الم يكن يخطط للمدن الإسلامية قبل تشييدها؟

فغالب المدن الإسلامية الأولى التي اتخذها المسلمون مقرات لهم كانت قائمة بذاتها لكن ما فعله المسلمون هو  تقسيم المرافق الخاصة بالمدينة وصنفوها حسل التصميم التالي:

بناء مباح: مثل المساكن والدور فيحفظ مقصد الرعية حسب الشريعة بحفظ داره ومرفقه.

بناء مندوب: مثل بناء المنائر التي تدفع المؤمنين للأسلاع للصلاة وبناء الأسواق كي يتبضع الناس.

بناء واجب: كبناء المساجد والمعابد التي تقام فيها الصلوات وبناء الاسوار والقلاع والحصون.

بناء محظور: كبناء دور المنكرات مثل الخمارات ودور البغاء والقمار، وتشييد الدور على المقابر[32] .

وقد جاءت الشريعة الإسلامية بمجموعة من القواعد لتنظيم شؤون العمران منها قاعدتان فقهيتان مهمتان:

أولها الحق : بمعنى حق التملك وهو حق مادي مرتبط بملكية الافراد والحيازة اما المعنوي فهو مرتبط بحق الارتفاق المرور وغيرها.

ثانيها حيازة الضرر: تنطلق هذه القاعدة من مبدأ المجاورة الحسنة اقتداء بالحديث الشريف (لا ضرر ولا ضرار) فكل ساكن للمدينة الإسلامية عليه ان يحترم الحقوق العامة للمرتفقين، فلا يتعدى في بنائه لمسكن حق العامة، وبتالي يكون المشيد العمراني الجديد قائما على قاعدة احترام الضرر، فمثلا يتم تحديد وتطبيق القاعدة بعد تشيد كامل العمران وانطلاق من محددات الاستخدامات العامة للساكنة، فالطريق الذي يعرف كثرة المرة توجب على ساكنيه احترام بنيته وعدم تضييقه وضمانا في منفعة المسلمين أكثر يستحب توسيعه احسانا لا ارغاما.

2_2: محددات تشيد المدن في العصر الوسيط.

ان من محددات تشيد المدن الإسلامية في العصر الوسيط، ما يؤسس لها من معايير مرتبطة بالطبيعة والموقع وقد اتخذت تلك المعايير كأولوية لإنشاء مدن العصر الوسيط وتشييدها فعلى الرغم من وجود مدن إسلامية تم بنائها خلال الفترة الوسيطة  على حاجيات ومحددات أخرى الى أن عنصري  الطبيعة وما تجود به من خيرات واستراتيجية الموقع كانا يؤخذان بعين الاعتبار فأحسن المدن هي من جمعت خمسة أشياء هي الماء الجاري والمحرث الطيب والحطب القريب والسور الحصين وهي من ابرز محددات عملية تخطيط وتشيد المدن.

أ: المطلب العسكري.

لقد كان الهاجس العسكري من ابرز العوامل التي أدت لتشييد العمران فبعض المدن قامت على أساس ومطلب الحرب كمدينة المنصورة التي شيدها السلطان يعقوب المنصور بالقرب من تلمسان اثناء حصاره لها، فبنائها كان عكس ما يراه بعض الباحثين حينما ربطوها بأهداف تجارية واقتصادية[33] فبعدما استعصى على جيوش بنومرين دخول تلمسان ولطول المسافة بين العاصمة فاس وتلمسان أقيمت المدينة لغرض الفتح حيث ضرب عليها السلطان: “سياجا من  الاسوار محيطا بها، وفتح عليها بابا مداخل لحربها واختط لنزله الى جانب الاسوار مدينة سماها المنصورة، وأقام على ذلك سنين يغاديها بالقتال ويراوحها”[34]

ب: الهاجس الأمني- الدفاعي (بناء السور والحصون).

إن من أولويات تشييد الحواضر في الإسلام هي الامن وقد تم أخد هذا الاعتبار في الكثير الحواضر الإسلامية وكما يشير ابن خلدون في منظوره وهو فهم اتسمت به المرحلة ككل فتشييد المدن وعمرانها إنما لغرض “دفع ما يتوقع على الملك من أمر المنازعين والمشاغبين” فأهم شيء قبل تخطيط المدن وإنشائها توجب بناء السور فأهميته تكمل في كونه ” السور الحصين والسلطان القاهر به صلاح حالها وتأمين سبلها وكف جبابرتها”  كمدينة الفسطاط التي بناها عمر بنو العاص فلم يتخذ من حصن بابليون موقعا له لتأمينه بل بنى مدينة بموقع محصن طبيعياً تحميه التلال من الشرق والجنوب، ويحميه مجرى مائي وهو النيل الذي كانت له وضيفة مجالية أخرى وهي الوصل بين الشمال والجنوب ولم تكن المدينة مسورة بل شيدت عند خطة قبائلها منشئات سميت المحارس، وقد سمح بن العاص لإقامة بنو وهدان في الجانب الغربي للمدينة ومن المحتمل انه كان يهدف من وراء ذلك لزيادة حماية المدينة[35]

وقد كانت مثانة السور وقوته من ابرز معايير المفاخرة بين الجغرافيين والرحالة فكان يضرب مثال الحصانة للمدينة ومفاضلتها على الأخرى عن طريق معيار قوة السور كما هو الحال لمدينة تلمسان وسورها أما القلاع والحصون فلها نفس الدور الأمني والدفاعي في المدن الإسلامية فقد كانت اراء الفقهاء تدعم بناء هذه الحصون في توجيه نفقات الدولة “لسد مخاوف المسلمين من الحصون”

ت: مطلب اقتصادي وطبيعي.

يفضل ابن رضوان في وضع المدن ان تكون جالبة للمنافع ورادة للضرر، وفي المجال الطبيعي يفضل ابن رضوان ما تحدث عنه ابن خلدون من الضروريات الطبيعية ” ودفعه باختيار المواضع الطيبة الهواء كون أن المناخ يؤثر في السكان كما وقع لأهالي الفسفاط فقد سبب ركود الهواء تغيرا في طبعهم وعاداتهم حتى اتسمت بالجبن وقلة الكرم[36]

ويحدد ابن الأزرق[37] مجموعة من المحددات الاقتصادية والطبيعية لإنشاء المدن منها توفر الماء في البلد سواء مجرى مائي أو عيون عذبة وهي من الأولويات ثم وجود المراعي لانتجاع الدواب والماشية وقرب المزارع وأيضا قربه من الغابات كي يسهل الاحتطاب والبحر من أجل الحاجيات القصدية من الاقتصاد الخاص بالمدينة.

2-3: أساليب معمارية متفردة في التمدن الإسلامي.

شكلت العمارة الإسلامية مجالا بحثيا بارزا لدى مجموعة من الباحثين ولتبان ما تميزت به من خصوصيات متفردة في بنياتها توجب استحضار كل الجوانب الاجتماعية والثقافية والفكرية والسياسية والعسكرية التي ميزت البناية الإسلامية عن غيرها فانفتاح الإسلام على مجموعة من الأمم جعل الدولة تكتسب مهارات غنية من أبرزها التخطيط الحضري.

أ: التصميم والتخطيط الإسلامي:

تعتبر مرحلة التخطيط في فكر العمارة الإسلامية مرحلة تجريبية وتطبيقية حيث يكثر المصممون التجارب والتمارين اليومية حتى يتسنى لهم اخراج مخطط وتصميم جيد للمدينة الإسلامية يتماشى مع النظرة الجمالية والفلسفية للعمارة الإسلامية وتتبع جل التصاميم الإسلامية مجموعة من النقط من أجل إتمام التخطيط:

1: التفكير الجمالي الإسلامي والتقيد به المستمد من الشريعة الإسلامية ومن أفكار الفلاسفة والمحدثين والتقيد بالآية الكريمة: (أفَمَن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين)[38]

2: التقيد بالوظيفة سواء كانت هذه الوظيفة دينية أو مدنية، ولقد عرفت العمارة الإسلامية بتوافقها وتطابقها مع الوظيفة والمنفعة المبتغاة من المنشأة.

3: تحقيق الأمن والسلامة والاستقرار، وهي شروط عامة، ولكن مراعاة الشروط الخاصة بالعمارة الإسلامية. العادات والتقاليد الإسلامية والبيئة المناخية والاجتماعية تبقى من دراسة اقتصادية التصميم كي تتوافق مع الوضع الاقتصادي ومع ميزانية المشروع[39].

  1. مراعاة النواحي الصحية، والاستفادة من أنظمة التهوية التقليدية “الباد غير ” أي الملاقف” الهوائية الرطبة. وتأمين العزل الحراري، وتوفير الطاقة الكهربائية، والإفادة من الطاقة الشمسية، ومن المواد العازلة التقليدية، وتحاشي الإسمنت إلا في الحالات الضرورية بسبب ناقليته للحرارة والبرودة الخارجية على عكس الطين والخشب.

6 تطبيق التقنيات الحديثة بما لا يؤثر على الطابع الأصيل للعمارة، وبما لا يزيد من الكلفة، ويعقد عمليات الصيانة والتشغيل.

  1. تحقيق التناسق مع البيئة العمرانية، من أبنية وفراغات وحدائق وشوارع عادية او جسريه.

8: دراسة العمارة الداخلية ضمن حدود المفهوم الجمالي التقليدي، مع إفساح المجال واسعاً للإبداع والتجديد، واستعمال المواد المستحدثة والمساعدة لتحقيق العمارة الداخلية الحديثة، بما يتناسب مع الحياة العصرية، ضمن حدود التهوية التراثية.

  1. العودة ما أمكن إلى مبدا الجوانية في العمارة الإسلامية، والاهتمام بالفناء الداخلي والإيوان والطزرات والعتبات المساعدة في حماية المناخ الداخلي.

ب:  إشارات حول تخطيط المدينة الإباضية من خلال كتاب فقه العمران الإباضي.

تكشف بعض النصوص الواردة في كتاب أصول الأرضين عن جانب مهم من خبرة الفرسطائي في المجالات العمرانية، يتجلّى في رؤيته لتخطيط المدن، خاصة شبكات الطرق في المستقرات السكنية، سواء تعلّق الأمر بمدينة أو بكيان عمراني آخر. ويبدو من هذا الطرح أن الأمر لا يقتصر على رؤية فقهية، بل يمتد إلى تصوّر تخطيطي متكامل لا يصدر إلا عن خبير له دراية عميقة بالتخطيط العمراني والهندسة المعمارية ويُبرز الفرسطائي في تناوله لموضوع “القصر” تصورًا معماريًا مخصوصًا، حيث يقدّمه كنوع من المنشآت التحصينية المندمجة ضمن النسيج العمراني للمستقر السكني. ويختلف هذا المفهوم عن الدلالة العامة للقصر بوصفه نموذجًا من نماذج المستقرات السكنية كالمنازل والقرى والمدن، حيث يغلب عليه طابع التحصين والدفاع، مما يُضفي عليه وظيفة مغايرة تتجاوز مجرد السكن.

وتؤكّد هذه الرؤية، المتجلّية في عنايته بتفاصيل المنشآت وكشف أساسات جدرانها وإعادة بنائها بذات المواد والمقاييس، فالفرسطائي لم يكن فقيهًا فقط، بل أيضًا ذا خبرة تقنية تناظر خبرة المهندس المتخصص ويعزّز هذا المعطى ما نعرفه عن الشيخ فرج بن نصر النفوسي، المعروف بنفاث، والذي كان واسع المعرفة بالهندسة والبناء، ما يدل على أن الفقهاء في البيئة الإباضية، كانت لهم ثقافة موسوعية شملت النواحي العمرانية والمعمارية، وهذا ما يتجلّى بوضوح في فتاوى الفرسطائي التي تُعالج قضايا تخطيط الطرق وإنشاء المنشآت ضمن منظور شرعي وعمراني متكامل[40].

ت: نماذج من التخطيط الحضري المقبول والمنبوذ لبعض الطرق في الفكر الاباضي.

3: تاهرت الحاضرة من التأسيس الى النهاية.

3-1: التأسيس

يتم ربط مدينة تاهرت وانشائها للدولة الرستمية التي قامت باتخاذها كعاصمة ويورد عدد من المؤرخين امتداد المذهب الإباضي الذي كان سببا في نشوء تاهرت كما أن الساكنة الأوائل لتاهرت لم يريدوا مجاورة الاباضين في البداية حيث أنهم كانوا يهدمون ما بنوه نهارا باليل، وعموما فان تاهرت الوسيطة ذات ارتباط بالدولة الرستمية فهي حاضرتها.

3-2: إمامة بني رستم (160هـ – 269هـ / 776م – 883م)

تُعد إمامة بني رستم من أبرز الدول الإسلامية ذات التوجه الإباضي في المغرب الأوسط، وقد تأسست بمدينة تاهرت، التي أصبحت مركزًا دينيًا وسياسيًا للإباضية[42] أسسها عبد الرحمن بن رستم، وهو أول أئمتها، وانتهت بسقوطها على يد أبي عبد الله الشيعي، مؤسس الدولة الفاطمية، الذي قضى على آخر أئمتها أبي اليقظان سنة 269هـ.

النظام السياسي والديني:

اعتمد الرستميون على مبادئ المذهب الإباضي الذي يرى أن الإمامة لا تُورث ولا تقتصر على قريش، بل تُمنح للأكفّاء بناء على الشورى والبيعة. ومع ذلك، ساد نوع من التوريث العملي داخل الأسرة الرستمية وكان الإمام يُنتخب نظريًا، إلا أن الواقع أظهر استمرار الحكم ضمن السلالة نفسها.

أدار الأئمة الدولة من خلال جهاز إداري متكامل، ضم مستشارين وقضاة وشرطة وجيش، كما كان لهم ديوان وبيت مال يموَّل من *الخراج والزكاة والجزية، إضافة إلى تبرعات من أنصارهم في المشرق، خاصة خلال فترات التأسيس. وكان الفائض من بيت المال يُوزَّع على الفقراء والمساكين.

الثقافة واللغة

اعتمدت الدولة العربية كلغة رسمية، لكن *اللغة المحلية الأمازيغية* كانت حاضرة في التخاطب اليومي، وتمت ترجمة بعض النصوص الدينية إليها، وهو ما يعكس سياسة دمج ثقافي وديني بين العناصر السكانية المتنوعة

العملة والسيادة

سكّ الرستميون عملة خاصة بهم تحمل رموز دولتهم، وهو ما يدل على استقلالهم السياسي والاقتصادي عن الخلافة العباسية والسنية عمومًا[43].

3-3: العلاقات السياسية الخارجية لتاهرت: بين التوتر العقائدي والتبادل الثقافي

تميّزت علاقة تاهرت بالخلافة العباسية بطابع من التوتر السياسي والعقائدي. فتاهرت، بوصفها تمثل المذهب الإباضي، شكّلت تهديدًا أيديولوجيًا وسياسيًا لحكم العباسيين الذين اعتبروا المغرب الأقصى امتدادًا شرعيًا لنفوذهم. هذا التوتر تفاقم نتيجة العداء التقليدي بين السنة والإباضية، مما دفع العباسيين إلى محاولة القضاء على تاهرت، ومن ذلك اعتقال أبي اليقظان بن أفلح أثناء أدائه مناسك الحج بمكة.

ورغم هذه التوترات، لم تنقطع الصلات الثقافية والفكرية بين تاهرت ومراكز المشرق خاصة بغداد والبصرة، حيث استمرت الروابط العلمية والدينية، وتوافد بعض الأئمة من تاهرت على بغداد، بينما ظلت البصرة منبعًا مهمًا للفكر الإباضي.

أما بالنسبة لعلاقتها بمصر، فقد اتسمت بالانفتاح والتقارب، نظرًا للوجود الإباضي القوي بها، ودورها كجسر حضاري وتجاري بين المشرق والمغرب. ساهمت مصر في نقل المعرفة والحضارة الإسلامية إلى تاهرت، مما عزز مكانة تاهرت ثقافيًا وحضاريًا في المنطقة المغاربية.

في سنة 605هـ / 1208م، هزم يحيى بن غانية، والي الموحدين على تلمسان، الشيخ أبا عمران بن موسى بن يوسف بن عبد المؤمن، أثناء خروجه إلى بلاد زناتة، فقتله واستباح تاهرت، ما شكّل لحظة فاصلة في تاريخ المدينة، إذ يُعد هذا الحدث بداية النهاية لعمرانها وازدهارها. ويؤكد محقق كتاب وصف إفريقيا أن الخراب الفعلي لتاهرت بدأ مع هذه الغارة، واستمر في سياق التمردات المتكررة التي قادتها قبائل زناتة والأعراب ضد السلطة المركزية في مراكش وتلمسان، إلى أن أصبحت المدينة في حدود سنة 620هـ / 1223م مجرد أطلال. وقد دفعت تاهرت، بهذا المعنى، ثمن موقعها وتاريخها، فقد نقلت المصادر، في إطار ما دأبت عليه من إضفاء مسحة حدسية على أقوال بعض الشخصيات المؤسسة، أن عبد الرحمن بن رستم، وهو بصدد تأسيس عاصمته، قال: “هذا بلد لا يفارقه سفك دم ولا حرب أبداً”. وتُثبت وقائع التاريخ أن الموقع الجغرافي لتاهرت جعل منها ساحة لصراعات مستمرة، خاصة بين قبائل صنهاجة وزناتة، وكانت كذلك محورًا في المراسلات السياسية بين القوى المتنافسة في الغرب الإسلامي خلال العصر الوسيط، وخصوصًا في سياق الصراع الفاطمي–الأموي.

ويُستشف من إحدى رسائل أحد أمراء زناتة إلى الخليفة الناصر الأموي، أن تاهرت لم تكن تحظى بمكانة رمزية أو عاطفية في وجدان النخبة الزناتية، رغم وقوعها ضمن مجالهم القبلي فقد وصفها الأمير الزناتي، لتبعيتها للفاطميين، بأنها “دار المشركين ومأوى الملحدين”[44] وهذا الموقف يتناقض مع نظرتهم إلى مدن أخرى مثل القيروان وفاس، التي حظيت بتقدير خاص، حتى في فترات خضوعها لخصومهم، إذ نجد في المصادر تعابير من قبيل: “ردّها الله” و “فك الله أسرها”. ويصعب فصل هذا البرود العاطفي تجاه تاهرت عن خلفيتها المذهبية الإباضية، التي شكّلت عنصرًا خلافيا في الذاكرة السياسية المغربية الوسيطة.

لقد مثّلت تاهرت في نظر زناتة قاعدة فاطمية مشبوهة ضمن مجالاتهم القبلية. وعندما كان الفاطميون يعجزون عن اختراق نواحي تلمسان وفاس، كانوا يتراجعون إلى تاهرت، معتبرين إياها قاعدة خلفية لا يُفرّط فيها، بل وأمامية لمراقبة تحركات زناتة. ويقدم لنا ابن حيان، من خلال روايته لصراع عبد الله بن خزر، شقيق محمد بن خزر، ضد علي الأندلسي عامل المسيلة، مثالاً حيًا على الثمن الذي كانت تدفعه المدينة جراء هذه التوترات المستمرة[45].

خاتمة:

لقد كان للعمران الإسلامي خلال العصر الوسيط ظاهرته المتفردة التي تعبر عن ثقافة وهوية اتسمت بها المدينة الاسلامية تلك الفترة، فتاهرت المدينة الوسيطة كانت حاضرة كعمران يعبر عن مذهب ساكنيه، قبل أن يصير ساكانها خليطا متعددا من البربر والفرس والعرب وبدالك صارت تاهرت مجرد أطلال ورماد فأصل الاجتماع عقيدة وتصور وفهم مشترك وهي روح التوطين ومبدأه ، فكلما توافق الذهنيات صارت مسألة الاجتماع ايسر وهو ما شهدته ودل عليه تاهرت فقد اختلفت الذهنيات وكثرت المذاهب ودخلها الغريب فانهارت وطمست الى أن بنيت تاقدمت في العصر الحديث من قبل الأمير عبد القادر بجنباتها.


لائحة المصادر والمراجع:

  • ابن خلدون، المقدمة، المطبعة البهرية : الازهر مصر : بدون تاريخ.
  • الدكتور سعيد الجبيلي، المجم المفصل في المعاني والانشاء، دار الكتب العلمية، بيروت 1981.
  • الطبري – تاريخ الأمم والملوك – دار الكتب العلمية بيروت: مج5 ، ط2،- 1988 .
  • ياقوت الحموي – معجم البلدان – تحقيق محمد عبد الرحمن المرعشلي – دار إحياء التراث العربي – بيروت – مج 4- 2008 .
  • ابن الأثير – الكامل في التاريخ بعناية محمد العرب المكتبة العصرية – بيروت 2009 .
  • المسعودي – مروج الذهب ومعادن الجوهر – شرح وضبط عليف نايف حاطوم – دار صادر – بيروت- ط1- ج2 – 2005.
  • ابن عبد الحكم – فتوح إفريقية والأندلس – تحقيق وتقديم عبد الله أنيس الطباع – دار الكتاب اللبناني – بيروت،2004 .
  • مجهول، كتاب الاستبصار في عجائب الامصار وصف مكة والمدينة وبلاد مصر، نشر وتعليق الدكتور سعد زغلول عبد الحميد، دار النشر المغربية الدار البيضاء 1985.
  • سوف الرمال الدقيقة مجال بلا عمران فيما يورده صاحب الاستبصار، ص 150، انظر أيضا: إبراهيم مياسي، من تاريخ واد سوف، مجلة الثقافة العدد 117 ، (1996).
  • ابو عبيد البكري المغرب في ذكر بلاد الفريقية والمغرب، نشر دوسلان، الجزائر، 1957.
  • قوزية سعاد بوجلابة، “تاريخ مدينة تيهرت الاثرية”، مقال منشور بالمجلة المغاربية للدراسات التاريخية والاجتماعية، الرابط: https://www.asjp.cerist.dz/en/submission/334
  • عبد المنعم الحميري محمد، “روض المعطار في خير الأقطار”، تح، احسان عباس، ط2، مكتبة لبنان بيروت ، 1984.
  • مختار الحساني، موسوعة تاريخ وثقافة المدن الجزائرية، جزء 4، مدن المغرب، دار الحكمة، 2007.
  • أحمد توفيق المدني، جغرافية الجزائر للناشئة الإسلامية، مطبعة الجزائر 1948.
  • أبو عبد الله محمد الصنهاجي ابن حماد، أخبار ملوك بني عبيد وسيرهم، تحقيق وتعليق جلول أحمد البدوي، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر 1984.
  • بوعناني العربي، المقاومة الشعبية في منطقة تيارت1830_1908 وموقف الزعامات القبلية و الدينية من الاستعمار الفرنسي، رسالة مقدمة لنيل شهادة الدكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر 2018_2019.
  • إسماعيل العربي، المدن المغربية، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر،1984.
  • خالد عزاب ، العمارة الإسلامية من الصين الى الاندلس، دار الصدى ، دبي ، 2010.
  • وليد منيس، التفسير الشرعي للتمدن، الجمعية الجغرافية الكويتية، كلية الآداب، جامعة الكويت سلسلة رسائل جغرافية، 1984.
  • حميد تيتاو، الحرب والمجتمع بالمغرب خلال العصر المريني، مؤسسة الملك عبد العزيز الدار البيضاء، 2008.
  • ابن خلدون، العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الاكبر، ج 7،دار الفكر بيروت،ط2، 1988.
  • أسامة عبد النعيم، اسوار صلاح الدين واثارها في امتداد القاهرة حتى عصر المماليك، رسالة ماجستير بكلية الاثار، جامعة القاهرة، 1998.
  • خالد مصطفى عزاب، تخطيط وعمارة المدن الإسلامية، سلسلة كتاب الامة، رقم 58، سنة 1998.
  • ابن الأزرق أبو عبد الله محمد الاندلسي، بدائع السلك في طبائع الملك، تحقيق محمد عبد الكريم، الدار العربية للكتاب، ج2، 1998.
  • عفيف البهنسي، فنون العمارة الإسلامية وخصائصها في مناهج التدريس، منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة إسيسكو، 2003.
  • محمد عبد الستار عثمان، فقه العمران الاباضي حتي نهاية القرن 7 هجرية، اشراف الشيخ عبد الله الساطي، وزارة الاوقاف والشؤون الدينية طبعة 1، عمان 2014.
  • أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي من الفتح الإسلامي الى نهاية القرن 19، السلسة الأولى، ج1، عالم المعرفة للنشر والتوزيع الجزائر 2015.
  • عبد الرحمان بن محمد الجيلالي، تاريخ الجزائر العام، ج1، مكتبة الشركة الجزائرية الجزائر، منشورات دار مكتبة الحياة- بيروت، 1975.
  1. Patorni, L’émir el Hadge Abdelkader, règlementmilitaire avec appendice, Alger, 1889.

[1] ابن خلدون، المقدمة، المطبعة البهرية : الازهر  مصر : بدون تاريخ، ص 119_120.

[2] الدكتور سعيد الجبيلي، المجم المفصل في المعاني والانشاء، دار الكتب العلمية، بيروت 1981، ص 115.

[3] معجم المعاني، “دلالة المغرب”، الرابط: www.almany.com   تم الاطلاع يوم: 18/4/2025.

[4]  ابن خلدون، المقدمة مصدر سابق، مج 2، ص 1830.

[5] مصطلح المغرب هنا لا يقصد به المغرب الحالي وقد تم توظيفه لتبيان سياق ظهور المصطلح في العالم الإسلامي على يد علي ابن ابي طاب كرم الله وجهه.

[6] الطبري – تاريخ الأمم والملوك – دار الكتب العلمية بيروت ، ط2،- 1988 – مج 5 ص 117.

[7]  النخيلة – تصغير نخلة، موضع قرب الكوفة على سمت الشام، والنخيلة أيضا ماء عن يمين الطريق قرب المغيلة العقبة على 7 أميال، انظر: ياقوت الحموي – معجم البلدان – تحقيق محمد عبد الرحمن المرعشلي – دار إحياء التراث العربي – بيروت – 1- 2008 مع 4 ص 382.

[8]  ابن الأثير – الكامل في التاريخ بعناية محمد العرب المكتبة العصرية – بيروت 2009 ،ج 2 ،ص 596.

[9] المسعودي – مروج الذهب ومعادن الجوهر – شرح وضبط عليف نايف حاطوم – دار صادر – بيروت- ط1- – 2005- ج 2 ص237.

[10] ابن عبد الحكم – فتوح إفريقية والأندلس – تحقيق وتقديم عبد الله أنيس الطباع – دار الكتاب اللبناني – بيروت – ص 46

[11] مجهول، كتاب الاستبصار في عجائب الامصار وصف مكة والمدينة وبلاد مصر، نشر وتعليق الدكتور سعد زغلول عبد الحميد، دار النشر المغربية الدار البيضاء 1985،ص 176.

[12]  سوف الرمال الدقيقة مجال بلا عمران فيما يورده صاحب الاستبصار، ص 150، انظر أيضا: إبراهيم مياسي، من تاريخ واد سوف، مجلة الثقافة العدد 117 ، (1996)، ص 189_228.

[13] ياقوت الحموي، معجم البلدان ، ج2،دار صادر بيروت لبنان 1997، ص88.

[14] F. Patorni, L’émir el Hadge Abdelkader, règlementmilitaire avec appendice, Alger, 1889, P29

[15] ابو عبيد البكري المغرب في ذكر بلاد الفريقية والمغرب، نشر دوسلان، الجزائر، 1957 ص 74.

[16] د.قوزية سعاد بوجلابة، “تاريخ مدينة تيهرت الاثرية”، مقال منشور بالمجلة المغاربية للدراسات التاريخية والاجتماعية، الرابط:   https://www.asjp.cerist.dz/en/submission/334

[17] عبد المنعم الحميري محمد، “روض المعطار في خير الأقطار”، تح، احسان عباس، ط2، مكتبة لبنان بيروت ، 1984، ص143.

[18] ياقوت الحموي، معجم البلدان، مرجع سابق ،ص 08.

[19] مختار الحساني، موسوعة تاريخ وثقافة المدن الجزائرية، جزء 4، مدن المغرب، دار الحكمة، 2007، ص 286.

[20] ياقوت الحموي، معجم البلدان ، ج2،دار صادر بيروت لبنان 1997، ص88

[21] أحمد توفيق المدني، جغرافية الجزائر للناشئة الإسلامية، مطبعة الجزائر 1948، ص28.

[22] أبو عبد الله محمد الصنهاجي ابن حماد، أخبار ملوك بني عبيد وسيرهم، تحقيق وتعليق جلول أحمد البدوي، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر 1984، ص40.

[23] ياقوت الحموي، معجم البلدان، مصدر سابق، ص8.

[24] أبو عبيد الله البكري المصدر السابق، ص 74.

[25] بوعناني العربي، المقاومة الشعبية في منطقة تيارت1830_1908 وموقف الزعامات القبلية و الدينية من الاستعمار الفرنسي، رسالة مقدمة لنيل شهادة الدكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر 2018_2019،ص13.

[26]أحمد توفيق المدني، جغرافية الجزائر، مرجع سابق،ص35.

[27] Perrin – René le berson , étude de géographie hurnaine . In Méditerranée. Jere année. N °2-3 1960.P63.

[28] Ibid.35.

[29] بوعنابي العربي، مرجع سابق، ص15.

[30] إسماعيل العربي، المدن المغربية، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر،1984،ص 143.

[31] خالد عزاب ، العمارة الإسلامية من الصين الى الاندلس ،ص 15.

[32] وليد منيس، التفسير الشرعي للتمدن، الجمعية الجغرافية الكويتية، كلية الآداب، جامعة الكويت سلسلة رسائل جغرافية، 1984،ص 22.

[33] حميد تيتاو، الحرب والمجتمع بالمغرب خلال العصر المريني، مؤسسة الملك عبد العزيز الدار البيضاء، 2008، ص 514.

[34] ابن خلدون، العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الاكبر، ج 7،دار الفكر بيروت،ط2، 1988،ص 127.

[35] أسامة عبد النعيم، اسوار صلاح الدين واثارها في امتداد القاهرة حتى عصر المماليك، رسالة ماجستير بكلية الاثار، جامعة القاهرة، 1998، ص 4_7.

[36] خالد مصطفى عزب، تخطيط وعمارة المدن الإسلامية، سلسلة كتاب الامة، رقم 58، سنة 1998، ص71.

[37] أبن الأزرق أبو عبد الله محمد الاندلسي، بدائع السلك في طبائع الملك،  تحقيق محمد عبد الكريم، الدار العربية للكتاب، 1998، ج 2، ص 873_877.

[38] سورة التوبة، الآية: 109.

[39] عفيف البهنسي، فنون العمارة الإسلامية وخصائصها في مناهج التدريس، منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة إسيسكو، 2003،ص65.

[40] محمد عبد الستار عثمان، فقه العمران الاباضي حتي نهاية القرن 7 هجرية، اشراف الشيخ عبد الله الساطي، وزارة الاوقاف والشؤون الدينية طبعة 1، 2014،عمان ، ص 43.

[41] محمد عبد الستار عثمان، فقه العمارة الاباضي، المرجع السابق، ص 345_346.

[42] أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي من الفتح الإسلامي الى نهاية القرن 19، السلسة الأولى، ج1، عالم المعرفة للنشر والتوزيع الجزائر 2015، ص 162-163.

[43] عبد الرحمان بن محمد الجيلالي، تاريخ الجدزائر العام، ج1، مكتبة الشركة الجزائرية الجزائر، منشورات دار مكتبة الحياة- بيروت، 1975، ص 223.

[44] عبد الرحمان بن محمد الجيلالي، تاريخ الجدزائر، مصدر سابق، ص 270.

[45]   عبد الرحمان بن محمد الجيلالي، تاريخ الجدزائر العام، ج1، مكتبة الشركة الجزائرية الجزائر، منشورات دار مكتبة الحياة- بيروت، 1975، ص 250.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.