قراءة في كتاب: أسطورة نقاء الحضارات، مقاربة في النقد الثقافي لكتاب:«أثينا السوداء» لمارتن برنال
د. مكي سعد الله
قراءة في كتاب: أسطورة نقاء الحضارات، مقاربة في النقد الثقافي لكتاب:
«أثينا السوداء» لمارتن برنال
إعداد: د. مكي سعد الله
جامعة تبسه – الجـــزائر
نشر هذا المقال في مجلة ذخائر، العدد الثالث عشر (13)، (التنزيل مجاني)
مقدمة:
يتوقف التأريخ الأوروبي لأصول حضارتهم عند اليونان والرومان([1]) ويتجاهلون تحت سلطة المركزية والتعصب المؤثرات الأجنبية في الحضارة اليونانية التي لو تكن صافية المنبع كما يعتقد مؤرخو الغرب، فالتجاهل والإنكار يُنجز وفق منهجية علمية، يتقدمها الإقرار بأن مبادئ العلوم والفلسفات كانت يونانية صرفة لم تدنسها أفكار الشعوب البدائية التي لم تكن مؤهلة للإنتاج العلمي والتفكير المنطقي، لتليها عمليات التشويه للآخر، في عمليات متنوعة ومتسلسلة حسب مقتضيات وضرورات الموقف، فالتجاهل والتجاوز والاحتقار والتقليل من القيمة والشأن.
لقد كانت الرهانات كبيرة لتحقيق نخبة أكاديمية تتبنَّى مواقف وآراء ورؤى تلتزم بوصف ثقافة الاختلاف وخاصة الشرقية والإفريقية بالدونية وإثبات تخلف نخبتها وعدم أهليتهم للبناء الحضاري، مع الإقرار بضعف القدرات العقلية في تقبل الحضارات المعاصرة للأمم غير الأوروبية لانتمائهم إلى مجتمعات بدائية، غرائزية ومتوحشة.
يرى الباحث الفرنسي جون فيليب اوموتوند (Jean-Philippe Omotunde) المنحدر من جزيرة الغوادلوب (Guadeloupe) في دراسته الموسومة ﺑــ «الأصول الزنجو- افريقية للمعرفة اليونانية» (L’origine négro-africaine du savoir grec) أن المركزية الاستعمارية الغربية كانت عائقا أمام التعريف بالدور الإفريقي في بناء الحضارة اليونانية من خلال عمليات التشويه والتحريف والسخرية على الرغم من «إن الخطاب الفلسفي والعلمي اليوناني كان تحت تأثير أفكار قدماء المصريين، وأن كبار المفكرين اليونانيين من أمثال (فيثاغور، أفلاطون، طاليس، اقليدس) ومعاصريهم قد قدَّموا لنا أدلة متعددة على أنهم تلقوا تعليمهم الفكري والروحي من إفريقيا، ولكن يستمر إخفاء وطمس الحقيقة التاريخية عن الجمهور»([2]).
أثار الباحث الكاميروني مفينغ انجلبرت ()(1930-1995) في كتابه الموسوم بــ» المصادر اليونانية للتاريخ الزنجو- إفريقي من هوميروس إلى سترابو « (Les sources grecques de l’histoire négro-africaine depuis Homère jusqu’à Strabon) وقد القى فيه الضوء بالتحليل والتأويل لتاريخ إفريقيا الزنجية ودورها المركزي في تشكيل الحضارة اليونانية، وخلص إلى الطمس المقصود والممنهج للتأثير الإفريقي من المؤرخين اليونانيين، ونفي الجذور الإثيوبية لحضارتهم وفكرهم.
أما أبحاث الشيخ انتا ديوف (Cheikh Anta Diop)(1923-1986) المؤرخ والانثربولوجي السينغالي، فقد تناولت بالدليل التاريخ مقاربات تتعلق بأصول الحضارة المصرية القديمة والتي تعود جذورها حسب رأيه إلى إفريقيا السوداء، ففي كتابه «الأمم الزنجية والثقافة، من العصور القديمة الزنجية المصرية إلى إفريقيا السوداء اليوم» (Nations nègres et culture: de l’Antiquité nègre égyptienne aux problèmes culturels de l’Afrique noire d’aujourd’hui) سنة 1954، يطرح مسالة تاريخية جدلية تتعلق بأصول الحضارات والتي ترجع منابعها وإلهامها إلى الشعوب الزنجية التي تعتبر مهد الحضارات القديمة كلها.
وفي أطروحته الثانية «أسبقية الحضارات الزنجية بين الأسطورة والحقيقة التاريخية « (Antériorité des civilisations nègres: mythe ou vérité historique) سنة 1967، يذهب إلى إثبات أقدمية الحضارات الإفريقية الزنجية عن جميع الحضارات القديمة، ابتداء من الحضارة المصرية القديمة إلى الحضارة اليونانية التي ورثت مؤثرات زنجية ومصرية واضحة وثابتة لا يمكن إنكارها، فقد نهلت هذه الحضارات من منابع وأصول إفريقيا.
ونظرا للجرأة وقوة الحجة والبرهان العقلي والأكاديمي فقد «أثارت أطروحة مفينغ (Mveng) (1972) وأعمال الشيخ انتا ديوف (Cheikh Anta Diop) (1954-1981) احتجاجات واعتراضات في الأوساط الجامعية والإعلام وفي منابر العالم الفرنكوفوني»([3]).
لقد مثلت الحركة الفرانكفونية بأطروحاتها المتعالية صورة وصدى للمركزية الأوروبية، فقد سخَّرت أقلامها وخطاباتها لتفنيد الأطروحات المناهضة للاستعمار وطمس التاريخ وأبحاث المراجعات التي أثبتت الأصول التاريخية لمنابع الحضارة اليونانية واستلهامها للفكر الإفريقي والمصري.
حاولت المركزية الغربية تقديم حجج واهية كردود على المقاربات العلمية التي أعادت فكرة التراكم الحضاري والاستثمار في المشترك الإنساني والبناء الكوني المشترك لجميع الأعراق في صناعة الحضارات وتطورها ضمن سنن التدافع الفطري والطبيعي، ولكنها فشلت باعتمادها على الأيديولوجيا كآلية لدحض وتفنيد المشاريع والأفكار، المهيكلة بالمناهج العلمية في الطرح والتحليل والتأويل والاستنتاج.
أسطورة أثينا البيضاء:
كانت الفلسفة اليونانية القديمة النواة الأساسية لبناء وصناعة المركزيات الأوروبية الحديثة بمختلف تمظهراتها وتجلياتها، سواء تلك المتعلقة بالعرق(Ethnocentrisme) أو بالعقل والثقافة (Egocentrique) أو تلك المتعلقة بالجغرافيا، وترتبط غالبًا بتصنيف البشر حسب المناطق والأقاليم الجغرافية لتشكيل صور نمطية، سطحية وسخيفة، لتبرير التدخلات الاستعمارية وتسويغ مظاهر الاحتلال تحت أقنعة التبشير والبعث الحضاري.
لقد فرَّخت فكرة النقاء الأخلاقي التي سادت الفلسفة الجمالية والمثالية، انبثاق ثقافة الغيرية ورؤية الآخر/المختلف، فأصَّلت لتصورات وتمثيلات تحدِّد جدلية المحلي والوافد، الأصيل والغريب، ووفق هذه المعادلات تأسَّست رؤية المغايرة فوُضعت المعايير والقواعد والضوابط التي تُهيكل العلاقات بين اليوناني الأصيل والبربري الغريب/الأجنبي، فتدرجت الأحكام والخصوصيات السوسيو- ثقافية في تصنيف بنية المجتمع وتركيبته البشرية، وامتدت من اللسان إلى الانتماء العرقي (اللون خاصة) فالبعد الانثربولوجي الشامل لعنصري العرق والدرجة الثقافية (التمييز بين المفكر، والحرفي، العامل العادي البسيط).
ذهب أرسطو في نظرية الكيوف إلى تقسيم العالم إلى مناطق وأقاليم، كتأطير طبيعي للتواجد البشري، والتوزيع الديمغرافي، ولكنه اخضع الطبائع والأخلاق والذكاء والاستعداد الحضاري لمميزات هذه المناطق، مما جانبه الصواب العلمي والعقلاني، وفتح له باب التأصيل والتأسيس للعنصرية الثقافية المتمركزة حول المناخ والأرض. فتحول «الأنا» الأثيني متمركزًا حول العقل والأصل والموقع الجغرافي وهذا ما ضمن له تصنيفًا وترتيبًا على هرم البناء الحضاري والتمدُّن بقيمة ونوعية المساهمات التي يقدمها للإنسانية.
وتخندق «الآخر» الأجنبي/الغريب في فلسفة الدونية، بعجزه عن عدم إتقانه للغة أثينا، مما حوَّله إلى مادة للسخرية، وموضوعا للدراسة وبراديغم للمكانة الاجتماعية والعلمية المتدنية، ونموذجا لسلبية الإنتاج الثقافي حجمًا ونوعًا، لأسباب تعود إلى أصوله العرقية أو موطنه وتأثير البيئة فيه.
لعبت هذه الإرهاصات دورًا مركزيًا في تكريس فكرة تعالي الحضارة اليونانية عن الحضارات الأخرى «يعتبر الفاتحون الإغريق أن الحضارة الزنجو- إفريقية، هي حضارة متخلفة، وبالتالي فهي بربرية»([4])، فالمنظومة الفكرية اليونانية بمختلف مشاربها وتوجهاتها تؤمن بوجود حضارات وثقافات مختلفة ومتعددة لإثنيات متواجدة في الفضاءات الجغرافية ولكنها وبمعايير المركزية العقلية اليونانية ونقاء مصادرها، ضعيفة ومتدنية ووحشية بسبب مضامينها وتشريعاتها وفوضوياتها فهي ترقى لدرجات حضارة الأولمب (Olympe) التي تحميها الآلهة وتزكيها.
لا تخلو الفلسفة اليونانية من صناعة تصورات حول الإنسان، مستندة على مرجعية العلاقة بين الأسطورة والعرق، فتعتقد أن الحضور الإنساني ليس واحدًا فهو متنوِّع وفق تصنيفات إدراكية في الوعي «يشتمل المفهوم اليوناني للإنسان على عنصر تاريخي، فجوهر الإنسان ليس هو ذاته بين العبد والمواطن الحر، وبين اليوناني والبربري (الأجنبي)»([5]).
ولعل التحوُّل من العنصرية البيولوجية إلى عنصرية الطبع والخلق والجوهر والانا الباطنة، تجسيد للفعل الإقصائية وصناعة لأيديولوجيا الأنساق الثقافية المركزية، وتكريس للتعالي المعرفي.
ارتفعت وتيرة تصنيف «الآخر» الغريب، الأجنبي، الموسوب ﺑـ «البربري» إلى درجات الدونية، وشرعنت الفلسفة والنظريات الأخلاقية مبادئ وتعاليم تتسم بالتهويل والترهيب من خطورته، فوصل الاعتقاد بأنه خارج النوع البشري، فانتماؤه الجنسي والنوعي ضمن الكائنات الحيوانية التي تفتقد للعاطفة والعقل، وتتمتع بالغرائز دون غيرها مما يفقدها القدرة على التمييز واحترام القيم والأخلاق «يُصنَّف البرابرة مع الحيوانات، فالمعادلة الإنسانية تتشكَّل من اليونانيين والبرابرة، بمعنى الإنسان والحيوان فهم لا يختلفون عنه، ولذا وجب التعامل معهم معاملة الحيوان»([6]).
فتحت لفظة «الحيوان» باب التأويل أمام الفلاسفة والأدباء والسياسيين لتخيُّل أنظمة التعامل مع البرابرة، فذهب البعض إلى اقتراح تجريدهم من صفة المواطنة واعتبارهم من الكائنات الضالة، واتجه رأي آخر إلى إخراجهم من أثينا ونفيهم حتى يتأذَّى منهم المواطنين ويُلوِّثوا الحضارة بأفكارهم البدائية، وانحازت رؤى أخرى إلى وجوب معاملتهم معاملة الحيوان المتوحش، بإبادته وتخليص البشرية من سلبياته.
واعتبرت المركزية الغربية وجود البربري (الأجنبي) على أرضها وضمن فضائها الثقافي والاجتماعي من المخاوف الكبرى (Les grandes peurs) التي تعكر صفاء ونقاء حضارته وتهدد وجوده وكينونته، فهو عدو مزدوج للإنسان ولحضارة الإنسان المساهمة في أمنه وراحته والمنتجة لوسائل السعادة والرفاهية «يبقى البربري العدو الخارجي، فهو الغازي الحقيقي أو الرمزي، تُستحضر وتُفعَّل أصوله الجغرافية وهويته الإثنية وفق المستجدات التاريخية واحتياجات الوعي الذاتي والوطني»([7]).
ويربط ليونيل ريشار (Lionel Richard) (1938) الأستاذ والباحث بجامعة جيل فيرن (Jules-Verne) بيكارديه (Picardie) بفرنسا، بين ثقافة البرابرة والأيديولوجية النازية، من حيث الارتباط بالإقصاء والتشريد والإبادة، ويرى أن الحركات العنصرية والأدبيات الإقصائية انبثقت جميها من أصول ومنابع واحدة ترجع إلى جذور مفهوم البرابرة في الحضارة اليونانية « يجمع المتخصصون في البحث الاشتقاقي وعلم الدلالة على أن «الأجانب» كانوا يوصفون بالبرابرة في الحضارتين اليونانية والرومانية وتوحي الصورة ضمنيا إلى اللَّامتحضر، والعنيف واللاإنساني، وقد ورث المسيحيون هذه الصفات السلبية لتعميمها على الوثنيين وهم كل الأجانب الذين لم يعتنقوا دينهم»([8]).
بدأ مصطلح «بربري» و»برابرة» بمحمول دلالي سطحي يطلق على الأجنبي غير الناطق بلغة أثينا، لغة الحضارة والعلم والفلسفة، كمركزية إجرائية لولوج فضاءات المدنية والخروج من المرحلة البدائية وبداية التدرج في الهرم الحضاري، لينتقل مهاجرًا من دلالته على الغريب الذي يلحن في لغة الأصيل، إلى الأجنبي، المُجسِّد للمغايرة، موسوم ب «الآخر»، المتميِّز بهويته وخصوصياته الثقافية مختلفة في مرآة «الأنا» الوطنية التي تضع وتحدد معايير المحلي والوافد، الأصيل والمصطنع.
وضمن فضاء الهوية والاختلاف والتعدُّد تغيَّرت الشُّحنة الدلالية لتُعبِّر عن «يوظَّف معنى «البربري» في التداول والاستعمال في اللغات الأوروبية الحديثة، على صفة (adjectif)، بينما تستخدم «البربرية» كحكم على القيمة التحقيرية، فالبربري من كانت درجة حضارته أو ثقافته ضعيفة قياسا بالمعايير الأوروبية المركزية، ولهذا ليس كل متوحش بربري بالضرورة، إنها أحكام متعلقة بالقيم والنظام الأخلاقي، فالبربري هو من يسلك سلوكًا قاسيًا، ولا إنسانيًا»([9]).
أنتجت الرؤى والتصورات المختلفة حول الغيرية (L’altérité) وحضور «الآخر» الأجنبي في الفضاء الأثيني، والوسط الاجتماعي والثقافي والسياسي للحضارة اليونانية، ثقافة تؤسس للتمييز العنصري، والتأصيل لمفهوم الضيافة (L’Hospitalité) في المجتمع اليوناني، والذي يفرض على الأجنبي أن يبحث عن مُضيف يضمن وجوده ويوفر له حضانة وحماية، فهو لا يملك بطاقة هوية ماعدا لغته التي تكشف عن بربريته ([10]).
لعبت هذه المقاربات جميعها دورا مركزيا في نشأة وتكريس نظريتين يتكاملان منهجا ورؤية ووظيفة:
– أسطورة نقاء الحضارة اليونانية وهي الفكرة المتوهمة التي تعتقد بمركزية الإنتاج المعرفي اليوناني الخالص الذي لم يتأثر بالمؤثرات الأجنبية، وهو فعل واعتقاد ينافي سيرورة الطبيعة وفكرة التدافع البشري والمشترك الإنساني والتراكمات المعرفية للحضارات والثقافات القديمة، بصرف النظر عن نوع الحضارة وقيمتها.
فقد أثبتت التجارب التاريخية وتطور الحضارات أنها تتبادل التأثير والتأثر وفق مرجعيات وشروط ذاتية تضمن الاحتكاك الطبيعي والمنطقي الذي يؤهل المنظومة المحلية إلى الاطلاع على المنجز الأجنبي بمراعاة هوية محددة وخصوصيات ثقافية تشكل ثقافة الممانعة خوفا من الانصهار والتماهي، وفي نفس الآن إثبات استحالة العزلة الحضارية، ف»الأنا» تنعكس في مرآة الغيرية للتأثير والتأثر والتقييم والتقويم.
– التأصيل لنشأة المركزية(الغربية) الأوروبية(égocentrisme)
لقد كانت الحضارة اليونانية الإطار المرجعي للمركزية الغربية، ففي تربتها نمت الجذور الأولى ومع فلسفتها الحاضنة ظهرت مبادؤها وتمظهراتها وتياراتها، من مركزية حول العقل (Logocentrisme) أو تمركز حول الذات (Egocentrisme) أو تمركز حول العرق (Ethnocentrisme) وهي تهدف بجميع أشكالها إلى «نزوع جماعي ذو طبيعة مركزية للسلالات، فالتمركز الاثني يتناسب مع الأشكال المتنوعة التي تتبنى رفض التنوع والتعدد الثقافي… وتتجسد هذه المركزية في ثلاثة محاور، أولها التنصل والتنكر (عدم الاعتراف) من وجود ثقافات «للآخر»، وثانيها عدم وجود ثقافات مغايرة تستوعب الذات، وثالثها، انعدام وجود ثقافة مغايرة يمكنها مواكبة ثقافة «الأنا» ومحاكاتها»([11]).
ويعود المصطلح المنبثق من فلسفة الأجنبي (Le Barbare) في الحضارة اليونانية إلى عالم الاجتماع الأمريكي ويليام سومر(William Sumner)(1840-1910) والذي فسَّره بأنه «النظرة إلى الأشياء التي تجعل من ثقافتنا مركزًا لكل الأشياء وتُقيِّم «الآخرين» (المغايرة) وفق مركزيتها»([12]). وعلى الرغم من تنبيه كلود ليفي ستروس (-) (1908-2009) إلى نسبية الثقافة (relativisme culturel) واستحالة النقاء الثقافي والفكري في الإنتاج والُمنجز والمرجعية، محاولا تفنيد ثقافة البربرية (Les Barbares) التي أفرزتها الحضارة اليونانية لتحتويها وتتبنَّاها المركزية الأوروبية تحت قناع «المتوحش (Sauvage).
ولعل عبارة الشهيرة (البربري هومن يعتقد بالبربرية) ««Le barbare, c’est d’abord l’homme qui croit à la barbarie كانت صدمة لدعاة المركزية، ودعوة لنداء اليونسكو في التعددية والتنوع الثقافي، ورفض دعوات الانغلاق تحت أقنعة المحافظة على الهوية سواء من هيمنة البرابرة أو من تسويق النموذج الواحد الذي جاءت به ثقافة العولمة وعولمة الثقافة.
لقد أثبتت التجارب الثقافية والتاريخية أن الأمم تعيش ارقي مظاهر نهضتها بالتواصل مع المغايرة، ضمن استراتيجيات للمثاقفة تحترم الذات والآخر، وتؤطر وتهيكل جدلية الأنا والآخر في استثمار المشترك الإنساني الذي يحارب الإقصاء والانعزال والهيمنة.
يذهب معجم الأفكار ومفاهيم العلوم الاجتماعية (Dictionnaire des Idées & Notions en Sciences socials) إلى اعتبار المركزية الأوروبية مجرد تكرار للصور النمطية والأفكار المسبقة التي شكلتها المرويات الكبرى اليونانية عن «الآخر» وتوارثتها المنظومات الأدبية والفكرية الغربية دون نقد أو تمحيص، فهي عبارة عن أحكام مرتجلة، انفعالية، تعميمية تفتقد للموضوعية والمنهجية العلمية «المركزية هي حكم أو موقف يحتقر ولا يعترف دون أي تحقيق وبحث تحليلي، للسلوكيات ولقيم الثقافات الأجنبية التي يسعى لتقييمها. فمنطقه القيمي ينطلق من مركزية ذاتية، تخضع ثقافة «الآخر» لمعايير «الأنا» المتحيِّزة»([13]).
لعبت هذه الإرهاصات والأرضيات الثقافية جميعها دورًا مركزيًا وجوهريًا وأساسيًا في توريث فكرة التعالي العرقي، والنقاء الحضاري، ونظافة الأصول والمنابع إلى المنظومة الفكرية الغربية التي ورثت اليونان فلسفة وتشريعا، حيث شكل التداول والإعادة والتكرار وغياب النقد والتفكيك الفكرة إلى قناعات واعتقادات تؤمن بنقاء الموروث اليوناني، باعتبارها على خصوصياتها وأدواتها الذاتية ومجهوداتها الخاصة وإمكانات مفكريها وفلاسفتها.
انتقلت هذه الثقافة بالتوارث وفي غياب النقد التاريخي للحضارات، الذي يفكِّك ويُشرِّح المواقف والأحكام إلى أوروبا الغربية التي ورثت اليونان، وهيكلت نفسها ضمن أطره ومرجعياته المُتشبِّعة بالإقصاء والعنصرية والتعالي، والمؤمنة بالتفاوت بين الأعراق والثقافات والحضارات.
وجدت المركزية الأوروبية في الموروث العنصري اليوناني حاضنة ومهدا لتطوير منظومتها في جدلية الناظر والمنظور إليه، بحيث تتجدد المقاربة والاستراتيجية وفق المنفعة والظرف، فمن البربري إلى المتوحش إلى المتوحش الطيب إلى الاستعمار وتبريره باسم الفتح والبعث الحضاري وتلبية نداء الرب.
فالبرابرة قادمون وهم يهددون نقاء الجنس الأوروبي المتفوق، بثقافتهم المتوحشة والسلبية التي تفسد وتهدد الوجود الحضاري للانا المتضخمة التي تستهجن «الآخر»، وتُنتج في هذا الإطار تحيُّزات أيديولوجية خطابية وحجاجية تسعى للإقناع والتنفير والترهيب من حضور الأجنبي في الفضاء الأوروبي وهي جملة الرؤى التي انبثقت من أفكار أرثور دي غوبينو (Arthur de Gobineau)(1816-1882) التي كتب في التفاوت بين الأعراق والاستعداد الحضاري للرجل الأبيض ووحشية المجتمعات غير الأوروبية، ووصف ثقافات الشعوب غير الأوروبية بأنها « عادات همجية تستجيب للغرائز العرقية فلا تقهر ولا تُروَّض، فهي لم تتعرض مطلقا للاختلاط والانفتاح، وليست لها القابلية والاستعداد للتغيير، وخطرها كبربريات همجية يُهدِّد العالم والحضارات» ([14]).
وعلى الرغم من ظهور فكرة «الموت» في الفكر الأوروبي الحديث، من موت الإله (نيتشه) إلى موت المؤلف (بارث) وفكرة النهايات، نهاية التاريخ (فوكوياما) ونهاية الأيديولوجيا (سيمور مارتن) ونهاية الجغرافيا وبروز نظرية الحكومة الإلكترونية والقرية الواحدة وغيرها من مفاهيم فتوحات التقنية وثورة الاتصالات والعولمة الثقافية، فإن منظومة الموت لم تلامس ولم تتقاطع مع المركزية الغربية ولم ترق إلى تفكيك أصولها وتقويض سلطانها وسلطتها.
فشلت أيضا تنبؤات دراسات المستقبليات والاستشراف التي نادت بنهاية «الغرب» وزوال نفوذه مع استقلال أغلب المستعمرات، فقد زادت قوة المركزية واتسعت ميادين وحقول نفوذها، لتستغل وعاء العولمة الثقافية لتعميم نموذجها الثقافي والحضاري وإنشاء معجم إعلامي يتحكَّم في المفاهيم والمصطلحات ويسخرها لخدمة مصالحة في نموذج للبراغماتية المتوحشة.
رؤية أكاديمية أخرى لم تتمكن من تفكيك الصور النمطية ومنظومة التحيُّزات المعرفية، رغم اجتهاداتها وجرأتها، وهي مقاربات حركات الحداثة وما بعدها، وأبحاث ودراسات ما بعد الكولونيالية (Postcolonialisme) ودراسات التابع () التي تحاول بأكاديمية وموضوعية خلخلة المفاهيم المشوهة التي صنعها الاستشراق والفكر الاستعماري حول «الشرق» وعوالم الاختلاف عامة وشعوب المستعمرات خاصة.
تصطدم دائما هذه الدراسات بنظريات الاستعلاء العرقي والتشويه العلمي([15]) والقوة المعرفية التي تشكِّل هوية الغرب الثقافي ومستفيدًا من تشظي «الآخر» وضعفه وقابليته للتبعية وهيمنة الفكر الخرافي والأسطوري على مُنجزه العلمي وإقراره بمحدودية قدراته التي تلقى صداها في السياسات البحثية الفاشلة وفي مراكز البحث الخاضعة للمركزية الأوروبية.
مؤشرات أخرى ساهمت أيضا في الترويج والتسويق لثقافة المركزية، الفجوة المعرفية الكبيرة بين المركز والهامش، وبين المنتج (الأنا) والمستهلك (الآخر) والفوارق المادية في آليات إنتاج مجتمع المعرفة وجودة التعليم وتحقيق الديمقراطية.
– المدونة:
اعتبرت بعض الدراسات أن أطروحة مارتن برنال (Martin Bernal) لا تستند على دليل علمي وعقلاني خاصة في القسم المتعلق بزنوجة الحضارة المصرية القديمة، أما مسألة التأثيرات فهي إشكاليات معلومة من حيث التبادل الثقافي بين الثقافات المتوسطية، وأن انتشار النظرية الإفريقية لأصول الحضارة اليونانية يعود إلى العرق الزنجي الأمريكي الذي رأى في الأطروحة والمقاربة إعادة اعتبار لجذوره التاريخية ونفي صفة الوحشية والبربرية التي ارتبطت بجنسه منذ إقرار قوانين العبودية.([16])
كما تم تصنيف أبحاثه أيضا ضمن القضايا الشخصية والمنازعات الخاصة والحسابات الأكاديمية الشخصية التي قادها برنال (Bernal) ضد النموذج الآري (modèle aryen) مع تشكيلة من الفلاسفة الألمان التي تسعى لتمجيد النموذج القديم (modèle ancien)([17]).
وتعتقد دراسات نقدية أخرى أن هذه المقاربات تأتي ضمن سلسلة أبحاث المراجعات، التي ظهرت مع تطور المناهج النقدية المعاصرة، التي اتخذت من تفكيك خطاب المركزيات والأصوليات والمرويات الكبرى أرضية لإعادة قراءة التاريخ وتأويل مواقفه ومشاهده، بالإضافة إلى محاولات تصحيح وتصويب الصور النمطية (Stéréotypes) والأفكار المسبقة (Préjugés) التي أنتجتها خطابات الأدلجة السياسية والتاريخية، والمنظومات المعرفية المتحيزة التي شوهت وحرفت العلاقات التواصلية بين الحضارات والثقافات.
وتستند أغلب هذه الدراسات على مراجعة المُنتج التاريخي اليوناني ذاته، فقد ذكر هوميروس (Homère) في الأوديسة، مصر ودورها ودياناتها، وتحدث هيرودوت(Hérodote) في كتابه الثاني (Livre II) عن مصر ودلتا النيل تحت شروحات قساوسة ومترجمين مؤهلين، فتحوا له أبواب وأفاق المقارنة بين تشريعات المصريين ونظيراتها في المجتمع اليوناني، مما دفع بالمعتدلين في التاريخ الحضاري إلى اعتبار الحضارات القديمة منجزات هجينة (métissage) اشترك في بنائها شعوب وأعراق مختلفة ومتعددة.
تزخر بيبليوغرافيات التأثير والتأثر التاريخي بالعديد من الدراسات التي تثبت تأثير مصر القديمة في حضارة اليونان، وتستعرض مختلف مجالات التأثير والتبادلات الثقافية وحجمها لدرجة تصل إلى الاقتباس والمحاكاة وإعادة التشكيل، يقول هيرودوت «تقع فائدة الحضارة المصرية في القمة، فبُعدها كبير جدا، وأهميتها عميقة وقيمتها عجيبة»([18]).
اتسعت رقعة التأثيرات المصرية في المشهد الثقافي والحضاري اليوناني لتشمل العديد من الميادين والمجالات والحقول ابتداء من الفكر والفلسفة إلى اللغة والزراعة ووصولا إلى آلهة البحار، ولعل إقرار واعتراف مؤرخها هيرودوت (Hérodote) بهذا الحجم الهائل من التأثيرات هو جعل «النقد القديم في العصر الإسكندري ينعته ويصفه بـ «صديق البرابرة» «L’Ami des Barbares»»([19]).
عجزت نظريات التلقي والتفكيك والاستقبال والانفتاح على ثقافة الاختلاف والغيرية من زعزعة وخلخلة قناعات المركزية الأوروبية التي توظف الإمكانات المادية والمنابر الأكاديمية لطمس وتفنيد جميع المقاربات والرؤى لأبحاث المراجعات التاريخية التي تحاول إثبات نظريات التراكمات المعرفية والتعاون الإنساني في حقل البناء الحضاري «إن المركزية الأوروبية العقائدية لها نظامها الخاص في التصنيف الحضاري، الذي يضرنا نسبيا، فكل التجارب التاريخية الأوروبية تصبح علامة إنسانية وتتحوَّل إلى مرجع للإتباع والاقتداء. بينما تبقي تجارب الأجداد الأفارقة مُهمَّشة وغير مدروسة على المستوى الاثنولوجي. وبهذا المنطق المركزي الأوروبي تصبح إفريقيا أوروبا، وهذا أكبر إهانة للذكاء الإنساني»([20]).
إن الإقرار بتأثيرات حضارة مصر القديمة وحضارة الزنوجة الإفريقية لن تُقلِّل أو تُنقص أو تُقوِّض من سلطة وهيبة حضارة علمية وفكرية وفلسفية، شكَّلت أرضيتها مشروعًا للحداثة والتقنية المعاصرة وما زالت حركات التنوير تستلهم منها وتستثمر من نتائجها وجدلياتها ومقارباتها في النظرة للإنسان والكون.
لقد كانت انتقادات المركزية الأوروبية للأبحاث الأكاديمية المرتبطة بالأصول الحضارة اليونانية ومنابعها، مرتجلة وغير مؤسسة ولا تؤصل لأطروحات علمية، موضوعية، فقد كانت عبارة عن حالات انفعالية وتحيُّزات أيديولوجية وانتماءات إثنية، ترفض «الآخر» وتعجز عن تقدير منجزاتها ومساهماته في الموروث الإنساني والبناء الحضاري للبشرية.
فقد أعابت المركزية الأوروبية الأعمال المنجزة وانتقدتها من زاويتها ورؤيتها حيث ركَّزت المنظومة خطابها على تفنيد وتشويه كل بحث يثبت عدم نقاء الحضارة اليونانية بوجود عناصر أجنبية فيها، فهي حضارة اعتمدت على إمكاناتها الذاتية في بناء مجدها. ولم ينج من النقد والاستهجان والتسفيه حتى مؤرخي اليونان أنفسهم، فقد وضعت لهذه الغاية استراتيجية تمثلت في «أولاً طمس كل النصوص اليونانية التي تثبت التأثيرات، وثانيا انتقاد المؤرخيْن هيروديوت (Hérodote) وديودور (Diodore) لإثبات ضعف رؤيتهم وإدراكهم خاصة فيما تعلَّق بالزنوج، وقالوا: إن هيرودوت لم ير أجساد المصريين جيدًا، وقد أخطأ حين وصفهم بالسواد وهو يقصد أنهم سمرٌ»([21]).
ينأى البحث عن المحاكمة العلمية لأطروحات برنال، ويتجنَّب أيضًا تتبع الآراء المتعاقبة والمتناقضة والتي تنوَّعت حجمًا ومنهجًا حول فكرة الأصول الإفريقية والمصرية للحضارة اليونانية، كما يتجاوز أيضا التُّهم والتأويلات التي ارتبطت بدوافع التأليف والتخصُّص العلمي للمؤلف والتوجهات السياسية أو الموضوعية التي تقاطعت مع صدور الكتاب في أجزائه الثلاثة.
فقد أحدث الكتاب عند صدوره موجات مثيرة من ردود الأفعال تنوَّعت بين الانفعالات الآنية، والقناعات الإيديولوجية والمراجعات التاريخية العلمية، ومن الصعوبة المنهجية استعراضها جميعا، لذلك سوف يعتمد البحث على التركيز على فكرتين أساسيتين هما:
1- هيمنة المركزية الأوروبية بمقارباتها ومنظوماتها الفكرية والمعرفية وبآلياتها المادية في مناوئة ومحاربة كل الأفكار أو الأطروحات التي تخالف توجهاتها وتُهدِّد وجودها ونفوذها، فكما سفهت وهمشت دراسات ما بعد الكولونيالية، فهي تقف أيضًا أما فكر المراجعات، مُرجَّحة ثقافة المؤامرة على البحث العلمي والاجتهاد في قراءة التاريخ وإعادة تفسيره وتأويله. فمازالت فكرة دونية «الآخر» مهيمنة على القناعات ومسيطرة على التوجهات، فلا بدَّ من بقاء الهامش في فضائه يتطلع لتزكية المركز، مُنتظرًا دوره في تصحيح صوره النمطية وترتيبه ضمن الأعراق البشرية والحضارات التي تُحدِّد معاييرها الترتيبية والتصنيفية المركزية الغربية.
2- نفي أسطورة ووهم فكرة النقاء الحضاري ونظافة العرق، وهي ثقافة عنصرية اقصائية تتناقض مع سنن التدافع الحضاري، الذي يعتمد على الاستثمار في التراكمات المعرفية لمختلف الأمم بحيث تتواصل عمليات التبادل المعرفي في جدلية طبيعية ومنطقية ومعادلة معلومة هي الآخذ والعطاء.
فالحضارة هي مجموع الثقافة والمدنية، وإن كانت المدنية تقنيات ومنتجات علمية لتسهيل الحياة وتيسيرها، فإن الثقافة هي الأفكار والرؤى والجدليات والإشكالات والتعليم والإعلام والعادات والتقاليد وغيرها، وهي محاور التأثير والتأثر والمد والجزر، فعمليات التلاقي والتلاقح والصراع والصدام متواصلة بين الحضارات مع استحالة العزلة والانكفاء على الذات والادعاء بالفردية في الإبداع والإنجاز، فسنن البناء تستوجب استفادة السابق من اللاحق باستثمار نتائجه بالتطوير والنقد والإضافة والحذف.
لقد ترك الجداليون موضوع «التراكمات» و»نقاء الحضارات» والنوع البشري، وركزوا مجهوداتهم حول إشكالات تبدو شكلية وسطحية من الناحية المنهجية ويعد البحث فيها ترفا فكريا وايديولوجيا، وهدرا للجهد والطاقة.
اعتبر احدهم كتاب برنال «غضبًا شديدًا»([22]) للأوساط العلمية والمحافل الأكاديمية، بما يثيره من استفزاز مزدوج، أولهما إعادة الاعتبار لنوع بشري (الزنجي) تصفه المركزية الأوروبية قديما وحديثا بالسذاجة والحمق وتقدمه في صورة نمطية كنموذج للسلبية والبربرية، وثانيهما الدعوة إلى البحث والتنقيب للإقرار أو التفنيد لأطروحة عدها جزء كبير من الباحثين، من أعظم القنابل المعرفية في القرن العشرين.
بينما تذهب اتجاهات نقدية موازية إلى إثارة التهييج المعرفي بتسطيح المقاربة وتسفيهها ونسف قيمتها العلمية كمبادرة للبحث الرصين ودعوة لتفكيك المقدسات الوهمية، فقد وصف مصطفى العبادي الكتاب بأنه « يُعاني من عيبين أساسيين، الأول أنه كُتب ليخدم هدفًا سياسيًا والثاني عدم الالتزام بمنهج البحث العلمي»([23])علمًا أن المركزية الأوروبية أيديولوجية سياسية ملتزمة بالدفاع عن المركز (الميتروبول) أما الهامش (المستعمرات القديمة) وعقيدة تتمحور حول نواة مركزية متعالية، تستند إلى فلسفات توظف سياقاتها في رفض الغيرية والمثاقفة الندية لاعتبارها الاختلاف ثقافة بربرية ووحشية. ولا تدخر المركزية الأوروبية جهدا في توظيف العلوم لتبرير مواقفها، فقد وظفت البيولوجيا لإثبات التفاوت بين الأعراق والأجناس في أطروحات أرثور دي غوبينو (Arthur De Gobineau) (1816-1832) ونظريات التصفية العرقية ممثلة في نظرة «النقاء العرقي» أو «العرق النظيف» (L’hygienne Raciale) للطبيب الألماني ألفريد بلوتز (Alfred Ploetz) (1860-1940).
أما الجانب العلمي ومنهجيته فيتمثل في عرض برنال لأفكاره كفرضيات مستنبطة من كتابات مؤرخي اليونان أنفسهم وفلاسفتهم الذين أشاروا تصريحًا وتلميحًا إلى المؤثرات الأجنبية في حضارتهم وخاصة المصرية والإفريقية.
إن مضمرات الآثار الفنية والفلسفية تنفتح وتكشف عن المنتج الأجنبي مؤثرًا بعلامات وصور وبدرجات ونسب متفاوتة وهي سُنَّة فطرية في البناء الثقافي والحضاري «أن اليونانيين القدماء يعترفون بديْن تجاه مصر وخاصة في علوم الفلك والرياضيات وغيرها. فلا يمكن لأحد أن ينكر أسبقية إفريقيا في المساهمة في بناء التاريخ الإنساني»([24]).
يتجاوز البحث فكرة العرض والتحليل إلى مساءلة الخطاب ومضمراته، للدعوة إلى استكشاف المسكوت عنه، بعيدا عن ثقافة الجدلية والإثارة، وهو المنهج الذي يثير زوابع علمية متحيزة وسطحية، ترتبط بالتكوين الأكاديمي للمؤلف وهي النظرية التي أعلنها بارث (R. Barthe) بإنهاء دوره ونهايته وبداية ظهور القارئ المنتج الذي يمارس التأويل وتعدد القراءات للآثار المفتوحة.
فحفريات المعرفة والتاريخ تذهب إلى البحث حول طبيعة المجتمع النخبوي اليوناني من حيث الانفتاح والانغلاق المعرفي، الذي تتأسس عليه طبيعة الحضارة اليونانية في أبعادها الإنسانية (المنفتحة) والمحلية (المغلقة)، وفي منابعها وأصولها واستلهامها للموروث الحضاري الذي سبقها، بصرف النظر عن الحجم والكم والمنهج والآلية.
يسقط الوعي الوطني وينهار والإحساس بالانتماء، أمام أنسنة المعرفة، ذلك أن الإنسانية أوسع وأرحب أفقًا من عصبيات زائفة لا تستند على حجة ودليل، كما أن الوطنية الحقيقية والطبيعية هي التي تتغنى بالأمجاد والانجازات المصنوعة من الأجداد، لا بطمس الحقائق ومعاكسة التاريخ والموضوعية والمنهج العلمي.
1- مراجعات:
تُمثِّل الدراسة في جوهرها مراجعة لتاريخ مغتصب ومسروق حسب رأي جاك غودي (Jack Goody) (1919- 2015) (Le vol de l’Histoire) أو كيفية سطو أوروبا في القرن التاسع عشر على التاريخ وكتابته وفق ما يناسب منظومتها ومنافعها ومصالحها، السياسية والاقتصادية التي لم تخرج عن مفهوم الهيمنة والسيطرة والاستيلاء والاستيعاب «ليس جاك غودي (Jack Goody) الوحيد الذي استنكر الشعور الأوروبي بالتفوق، وهو إحساس لم يفلت منه أي مجتمع، بل في الإشارة إلى الحالة الخاصة للغرب، الذي فرض سيطرته على العالم؛ حيث فرض نظرته على التاريخ، بتقليص نفوذ الثقافات الأخرى بشكل منهجي، مبتدءًا بتجاهلها ثم بنسبة المنجزات الإنسانية الكبرى لنفسه، فمن حقنا أن نتساءل في أفضل الحالات، عن أسباب الجمود التاريخي لبقية العالم والبشرية عامة»([25]).
2- يقينيات:
يرمي مفهوم اليقينيات إلى تحديد الحقائق التاريخية والوقائع الثابتة التي لا يقع الجدل حولها، وهي عبارة عن جملة من المعارف التي تداولتها الحضارة اليونانية في مختلف الحقول والمجالات المعرفية، نتيجة للاحتكاك الطبيعي مع المنجز الأجنبي، في إطار عمليات التبادل المشترك بين الحضارات والثقافات.
فالحقيقة الأولى التي لا تخضع لأحكام التأويل وإعادة القراءة الريبية هي أسبقية الحضارة المصرية وحضارة بلاد الرافدين على جميع الحضارات «فيما يخص الحضارة المصرية (فحقيقة) أنه من الأمور الواضحة أنها قامت على أساس من الثقافات الغنية التي ظهرت في مصر العليا والنوبة في فترة ما قبل الأسرات والتي لا منازع حول أصلها الإفريقي. ولكن مع ذلك فإن التأثير الرافديني الواسع النطاق والذي يتضح من مخلفات الفترة المتأخرة من عصر ما قبل الأسرات ومخلفات الأسرة الأولى، لا يترك مجالاً كبيرًا للشك في أن نقطة الانطلاق التي انتهت بتوحيد البلاد وقيام عصر الأسرات تكمن في التطورات التي حدثت إلى شرقي المنطقة. هذا مما زاد في تعقيد الخليط الثقافي، الصلات اللغوية الأساسية وكذلك الصلات الحضارية التي ازعم وجودها، وهي صلات قامت بين مصر والمقوم السامي الأساسي لحضارة ما بين الرافدين»([26])، الحقيقة الأولى التي يمكن إدراكها تكمن في أن الحضارات جميعها خليط مشترك من المجهود البشري ولا يمكن لحضارة بعينها أن تثبت نقاءها الخالص، فهي مُكوِّن متجانس من حيث المبدأ متمثلاً في خدمة الإنسان وتطوير وسائله لتحقيق الأمن والسعادة ولا متجانس من باب التنوع والتعدد، فالاجتهادات تخضع لمعطيات الحاجة والضرورة والوسيلة والبيئة والمعطى البشري والمورد الطبيعي.
المؤشر الثاني الذي يحمل مدلولات الثبات هو أولوية تأثير السابق على اللاحق ذلك أن حضارات مصر القديمة وحضارة بلاد الرافدين سبقت الحضارات الكلاسيكية القديمة ومنها الحضارة اليونانية، وتميَّزت بالغنى والثراء والتنوُّع فقد شملت ميادين الفكر والفلسفة والدين والزراعة، لتشكِّل فيما بعد أرضية للاستثمار المعرفي والتطوير في المنهج والوسيلة والمادة والروح.
تلعب مركزية «الأنا» دائما دورًا فعلا في تحديد التصورات نحو ثقافة الاختلاف وبناء التمثُّلات (Les Représentations) في تهميش ‹الآخر» والتقليل من مردوده العلمي والحضاري من خلال نسج مقارنات غير عقلانية وتقديم مؤشرات وتأويلات لمواقف ومشاهد يختلط فيها الشعور الوطني بالتعصب الإقصائي للوعي بالغيرية كمرآة للذات. «ويبدو أن كلا من إيسخيلوس وأفلاطون، شأنهما شأن عدد من الإغريق الآخرين، ساءتهما الحكايات التراثية التي تتحدث عن الاستعمار. لأنها تضع الثقافة الإغريقية في منزلة أدني من ثقافة كل من المصريين والفينيقيين الذين كان إغريق ذلك الوقت يشعرون نحوهم شعورا يتسم بالتضارب الحاد. فقد كان الإغريق يحتقرونهم، ولكنهم يكنون لهم في الوقت ذاته احترامًا عميقا بسبب تاريخهم العتيق وما كان لديهم من عقائد دينية وفلسفية بقيا على مدى الزمن»([27]).
فيسود الاعتقاد عند عمليات التأثير والتأثر والتبادلات المعرفية بهيمنة القوي على الضعيف وبعجز المستعير من المستعار منه، وهي المعادلة التي تتنافى مع المنطق، فكثيرا ما تجاوز المتعلم معلمه والتلميذ أستاذه، كما الاستعارات الحضارية من تشريع فكر وثقافة ليست استعمارَا وان إثراء وتثمين وتطوير لجهود «الآخر» وإكمالها وتدارك ما فيها من نقص.
وتكمن الخطورة في ان عقدة تضخم الذات الشخصية مسألة تستوجب العلاج السيكولوجي، في حين تستحيل معالجة تضخم الذات النخبوية التي تؤصل للتعالي الثقافي والنظرة الفوقية للآخر/المختلف.
يدحض البحث شبهة الأمية التي روجتها المرويات الكبرى حول جهل وأمية شعوب المتوسط، ونعتهم بالبربرية والوحشية نتيجة خضوعهم واستجابتهم للغرائز، فهم على درجة قريبة من البهائمية لانتشار الأمية في أوساطهم «إن القسم الشرقي للبحر المتوسط لم يكن أميًّا في الألف الثانية ق.م، لقد كان المصريون والمشرقيون يعرفون الكتابة من قرون. فجزيرة كريت كانت تستخدم طريقتها الخاصة في الكتابة التصويرية hieroglyphs»» والكتابة التخطيطية Linear» A» والتي كانت تستخدم كذلك في جزر الكيكلاديس «Cyclades»» ([28])
وبحكم تخصص اللغوي والصوتي للباحث، فقد افرد فصولا كبيرة للاشتقاقات اللغوية والمعجمية التي هاجرت فضاءها المصري إلى بيئتها الجديدة، وقد لامست جميع الحقول المعرفية والثقافية وتقاطعت حتى مع الآلهة والديانات.
ومن المفردات الأكثر تداولاً وانتقالاً، الألفاظ العسكرية التي شكَّلت معجمًا متميِّزًا مُثيرًا للانتباه وجدير بالملاحظة «لقد أكدت على أهمية المفردات العسكرية، وعلى هذا فان اشتقاق لفظة xsiphos من اللفظة المصرية sft (سكين، سيف) لها مغزى كبير لان ذلك معناه أن هناك أصل مصري واصل سامي للفظتين الإغريقيتين اللتين ترمزان للسيف. وهناك اعتراف قائم بان اللفظتين ليستا من المفردات الهندو- أوروبية. وتوجد إلى جانب ذلك أمثلة أخرى تستحق أن نذكرها هنا، وتشمل makar التي تأتي من الكلمة المصرية m3chrw (صاحب الصوت الصادق)»([29]).
يُعدِّد برنال، حقائق أخرى لا يتسع الفضاء لذكرها ومنها انتقال الأساطير المصرية إلى منظومة الميثولوجيا اليونانية واشتراك الآلهة في الوظائف والسيرة وحتى في الأسماء، مما أدَّى إلى إحداث تداخل لغوي كبير واشتراك المعجمين في العديد من الألفاظ المشتركة.
كان للمعارف العلمية نصيب من الاقتباسات اليونانية وقد ذكر أرسطو بعضها قبل أن يعود ويتناقض بالنفي، مما سبَّب اضطرابا في منهجه خاصة في مقاربة العلوم الرياضية.
لقد كانت العنصرية والحضور البربري «الأجنبي» سببًا رئيسيًّا في إنكار النخبة للتأثيرات الأجنبية في الثقافة والحضارة اليونانية، والفكرة هي النواة الجنينية لنشأة المركزية الأوروبية.
3- إشكالات:
وفاءً للمنهج العلمي يُشير برنال أن البحث ينفتح على مجموعة من الإشكالات المعرفية واللغوية والقضايا التاريخية، التي تستوجب التحقيق والتنقيب بالحجة والبرهان لإثبات التأثير والتأثر، فعلى الرغم من وجود ملامح ومؤشرات وبصمات جلية للآثار، إلا أن وجود الدليل العلمي من أبعاد أركيولوجية إلى دلائل أنثروبولوجي الى مخطوطات يُعزِّز الأطروحة، في مواجهة مركزية فكرية ومعرفية وعنصرية تنفي نفيا مطلقا فكرة الاقتباسات والتناص والتأثير.
سيترتب عن الإثبات المادي والعلمي نتائج ايجابية تمنع وتحد من امتدادات التحيُّزات المعرفية للمركزية الأوروبية التي لا تتوقف عن رفض فكرة التكامل الحضاري.
من القضايا الإشكالية التي أثارها الكتاب، أنواع الآلهة والعبادات اليونانية، والتي يعتقد الباحث بأصولها المصرية، فهي نماذج مقتبسة ومنسوخة من الديانات المصرية القديمة، فقد تم استيرادها والإبقاء عليها أو بإحداث تحويرات وتغييرات طفيفة لتلائم الفضاء الجغرافي والثقافي الجديد «لقد ظهرت في كل بلاد الإغريق عقائد تدور حول عبادة الثور مشتقة من عبادة «منطو» وكذلك من عبادات «مين» و»مينوس» و»حابي» ولكن هذه العبادات طغت عليها عبادات متصلة بالماعز والكباش. وفي هذا الصدد، فان العبادة الملكية المصرية تحولت، عند بداية الأسرة الثانية عشر أو قرب ذلك الوقت، إلى عقيدة محورها عبادة الكبش «آمنون.»([30]).
المتعارف عليه في أصول العقائد الوضعية تكوينها وصناعتها وبناء منظوماتها الأدبية والفقهية وفق مرجعيات الزمان والمكان والتركيبة البشرية التي تختار وتنتقي ما يناسبها وما يتماشى مع مصالحها.
تتطلب فرضية برنال (Bernal) على الرغم من موثوقية القرائن إلى إثباتات مادية تجسِّد العبادات المصرية القديمة في أديرة أثينا القديمة ومحافلها، لأن آلهة الاولمبي متعددة وفق مؤشرات وظروف وطبيعة المجتمع السياسية والاجتماعية والطبيعية، حيث فرضت هذه المعطيات وجود معبود قوي في كل بيئة.
يستوجب البحث الدقيق والرصين في موضوع الديانات خاصة أن المجتمعات البدائية جميعها تمرُّ في تعبدها وممارسة طقوسها بمشترك عبادي يجمع بين العرافة والتنبؤ والخرافة وعالم الميتافيزيقا، والصلوات والتضرع والتطهر والاحتفال بالأعياد والمناسبات وغيرها.
فرضية أخرى شائكة ومعقدة تفرض على علماء اللغة والمخطوطات القديمة، البحث في مضامينها انطلاقا من الآثار المكتوبة والمنحوتات «ونحن نعتقد أن حسم المشكلة لن يتم إلا بدراسة مدى تأثير اللغة المصرية القديمة في اللغات السامية ولا سيما الفينيقية. ومن الواضح أن اللغة المصرية القديمة هي الأقدم في التأثير على خطوط الكتابة المكتشفة عند الإغريق. لكن بعض هذه التأثيرات والموجات التي تليها ربما تكون قد وصلت من مصر عبر فينيقيا. ولكن بعض علماء الساميات يتخذون الطريق المعاكس ويركزون جهودهم في البحث عن التأثيرات السامية ولاسيما العبرية على اللغة المصرية»([31]).
فالاختلاف واقع وبدرجات متفاوتة بين المتخصصين في الحقل اللغوي حول أصول اللغة اليونانية ومضامين ومحتويات معجمها اللغوي، فبين أصلها المصري وتطعيم المعجم بألفاظ جديدة عن طريق الاشتقاق والترجمة وهي العملية الطبيعية لجميع اللغات في تطوير نفسها ومواكبة المستجدات، وجب التأصيل النظرية علمية تنهي الجدل وتكشف الحقائق وتدحض الريب والشك.
يفرض البحث العلمي التجديد في الآليات وأدوات البحث وتوفير عدة معاصرة ومناسبة لاستكمال الفرضيات بالنفي أو الإثبات، فقد أثبتت بعض التوجهات والوسائل عجزها ومحدوديتها في الوصول إلى الحقيقة، لذلك وجب تجديدها أو استبدالها «إن الأداة المفضلة لدى «الوضعيين الآثاريين» هي «الحجة الناتجة عن الصمت «argument from silence» أي الاعتقاد بأننا لذا لم نعثر على شيء ما، فإنه لا يمكن أن يكون قد وجد بكميات ذات قيمة»([32]).
إن المناهج النقدية والبحثية تتجدد وتتكاثر وتتوحد ولعل منهج العلوم البينية (L’interdisciplinarité) الذي يجمع بين مختلف المناهج يمكن أن يفكُّ شفرات بعض القضايا الإشكالية.
مسألة علمية يثيرها الباحث تتعلق بالتحقيق في المخطوطات والترجمات للمؤرخ اليوناني هيرودوت (Hérodote) حول الأصول المصرية للفلسفة وبعض التشريعات، وهي الحقائق التي أوردها عند زيارته لدلتا النيل والنوبة، والتي أثارت جدلا وتكذيبا، وتأويلا وإعادة قراءة خاصة من الناحية اللغوية، حين ادعى البعض بخيانة المعنى « لقد تعلم أغلبنا أن ينظروا إلى هيرودوتوس «Herodotos» على أنه « أبو التاريخ» ولكن حتى أولئك الذين يتبعون(تصور) بلوتارخوس «Plutarchos» وينظرون إليه (هيرودوتوس) على أنه «أبو الأكاذيب» ليس بمقدورهم أن يزعموا أن هيرودوتوس كان كاذبًا حين تحدث عن وجود مثل هذه الأخبار»([33]).
فقضية التشابه مثبتة علميا وتاريخيا بين الفلسفتين مع أسبقية المصرية، وهي أطروحة دعمتها أبحاث المتخصص في المصريات (Egyptologue) جون يويوت (Jean Yoyotte) حين وضح اختلاف الأسلوب بين الفلسفتين في تناول المفاهيم، والاتفاق والتشابه في الموضوعات، وهو ما يؤكد اطلاع المفكرين الهيليين على الأفكار المصرية والاقتباس منها([34]).
أورد الكاتب في متن بحثه ألفاظًا وتراكيب دلالية تبعث على التدقيق والتحقيق وتتطلب التأكيد لانتاج سياقات خطابية تثبت الاطاريح والمقاربات، ذلك أن الفرضيات تنفلت وتتحرر من سلطة الأيديولوجيا والتحيز بالبرهان العلمي والدليل المادي، فالدعوة مفتوحة لعلماء اللغة لتفكيك خطوط اللغات القديمة لإثبات الأصول وتحيد المنابع والمصادر دون ارتجال وعشوائية منهجية تتعلق بالعواطف والانطباع والأمزجة والانتماءات العرقية والفكرية المتحيزة.
ومن التراكيب الاستفهامية والإنكارية التي تتنافي مع البحث العلمي وتتطلب التوضيح، الابتعاد عن توظيف التراكيب الجاهزة «من المتفق عليه»([35]) بالإضافة إلى عبارات الشك «في اعتقادي»([36]) «إذا كنت قد أصبت»([37]) «يبدو أن… « ([38]).
4- دعوات:
بعيدًا عن التشنجات الأيديولوجية والتعصب العرقي الذي يتناقض مع الوطنية ولا صلة له بالانتماءات الوطنية ومكونات الهوية وخصوصياتها الثقافية، لأن الأوطان تستمد قوتها من الاستثمار في المشترك الإنساني والمثاقفة الندية والانفتاح على ثقافة الغيرية باعتبارها مقياسا للذات ومنجزها الحضاري.
إن كتاب مارتن برنال (Martin Bernal) يعتبر مشروعًا رائدًا للمراجعات الفكرية والعلمية، فالغاية من الأطروحات نبيلة تهدف إلى اكتشاف درجات الاحتكاك بين الحضارات، وخاصة تلك الموسومة والموصوفة بالحضارة المنفتحة، وهي القائمة على مبادئ التأثير والتأثر، عكس الحضارات المنغلقة لأسباب تتصل بالجغرافيا خاصة كالحضارة الصينية.
فالدعوة إلى المراجعات غاية علمية ومنهجية، لأنها تتصل بحضارة أسس صداها لفكر الأنوار وحركة التنوير التي أنتجت الثورات العلمية والتي كانت إرهاصا للقرية العالمية والثورة المعلوماتية والرقمنة.
يسعى الفكر الاستشرافي إلى استقراء المستقبل والتنبؤ بالبنيات الثقافية الحداثية التي تستقي أفكارها من دلالات التاريخ ودروسه، والفكر اليوناني له ايجابية الدافعية إلى البناء الحضاري، فلا يُنقص من قيمته ولا من وزنه المعرفي والفلسفي الإقرار بالاقتباسات التي أثَّرت فيه نتيجة الاحتكاك الطبيعي مع الحضارات المجاورة.
فالدعوة العلمية تقتضي المراجعة وتصويب الأغلاط، ذلك أن أجزاء كبيرة من التاريخ قد سُرقت بتعبير الكاتب الانجليزي جاك غودي (Jack Goody) وحُرِّفت وتحوَّلت دلالتها « يدعي الغرب اختراع العديد من التشريعات الجوهرية، كالديمقراطية والرأسمالية وتحرير السوق، والحريات الشخصية، ولكنها تشريعات نعثر عليها في العديد من المجتمعات الإنسانية التي سبقت نشأة الغرب» ([39])
وربما تجاوزت السرقة التاريخية إنكار وجود حضارات بأكملها، خاصة تلك المرتبطة بالشرق « المؤرخون لا يُقرُّون ولا يذكرون مطلقًا بأن الحضارة الشرقية أقدم من الحضارة الغربية، وأن الشرق يمتلك حضارة تمتد جذورها في التاريخ وبقيت ثابتة رغم الغزوات والاحتلال المتتالي»([40]).
قائمة المصادر والمراجع:
المصادر:
– برنال، مارتن، أثينة السوداء، الجذور الأفروآسيوية للحضارة الكلاسيكية، الجزء الأول، تلفيق بلاد الإغريق، 1785- 1985، ترجمة (مجموعة من المترجمين) تحرير ومراجعة وتقديم: أحمد عثمان، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2002.
– برنال، مارتن، أثينة السوداء، الجذور الأفروآسيوية للحضارة الكلاسيكية، الجزء الثاني، النهاية البطولية لعصر بطولي (سقوط طيبة، وطروادة وموكيناي) ترجمة وتعليق وتحرير: محمود إبراهيم السعدني، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2005.
المراجع العربية:
– العبادي، مصطفى، أثينا السوداء، تأليف مارتن برنال، عرض وتحليل، عالم الفكر، المجلد الحادي والعشرين، العدد الثالث، الكويت، يناير،1993.
المراجع باللغة الفرنسية:
– BASLEZ, Marie-Françoise, L’Étranger dans la Grèce antique, Gallimard, Paris, 2003.
– BATTESTINI, Simon P. X., Ecriture et texte, contribution africaine, Presses Université Laval,1997.
– BAYART, Jean-François, Les Etudes postcoloniales, Un carnaval académique, KARTHALA, Paris, 2010.
– CARTLEDGE, Paul, Martin Bernal et la fureur Black Athena, In: , Editions Karthala, 2010.
– (Collectif), Travaux de Littérature, Volume XVII, Les grandes Peurs, 2, L’Autre, Colloque de Nancy (30 septembre-3 octobre 2003) organisé par l’ADIREL, DROZ, Genève, 2004.
– COLLIN, Franck, & MOOMOU, Jean & SEVENO, Caroline, Eduquer en pays dominé (Afrique, Amériques, Europe), Editions KARTHALA, 2019.
– DE GOBINEAU, Joseph-Arthur, Essai sur l’inégalité des races humaines, Librairie FIRMIN-DIDOT ET Cie, Paris, 1853.
– DUBUISSON, Michel, Barbares et barbarie dans le monde gréco-romain, L’antiquité classique, Tome 70, 2001.
– Encyclopaedia Universalis, Dictionnaire des Idées & Notions en Sciences sociales (Ethnocentrisme), France, 2019.
– ETILE, René-Louis Parfait, Etude sur une civilisation négro-africaine, l’Egypte antique, Edition MENAIBUC, 2003.
– GARRIGOU, Alain, «Le vol de l’histoire. Comment l’Europe a imposé le récit de son passé au reste du monde (J. Goody)», [en ligne], consulté le 4 janvier 2020.
URL: – GOODY, Jack, Le vol de l’histoire. Comment l’Europe a imposé le récit de son passé au reste du monde, Traduit par Fabienne Durand-Bogaert, Gallimard, 2010.
– KILANI, Mondher, L’ethnocentrisme du discours anthropologique, In «Pour un universalisme critique», Édition La Découverte, 2014.
– MARCUSE, Herbert, L’homme unidimensionnel, Editions de Minuit, Paris, 1968.
– MARONGIU, Jean-Baptiste, Zarbi le Grec, Libération, 19 décembre 1996 à 02:48, URL: – OMOTUNDE, Jean Philippe, Les racines africaines de la civilisation européenne, Edition Menaibuc, 2002.
– OMOTUNDE, Jean-Philippe, L’origine négro-africaine du savoir grec, Volume 1, Editions MENAIBUC, 2000.
– RICHARD, Lionel, Nazisme et barbarie, Editions Complexe, Bruxelles, 2006.
– ROSSEL, Jacques, Aux racines de l’Europe occidentale, Edition L’âge de L’Homme, Lausanne, Suisse,1998.
– SCHMIDT, Thomas S., Plutarque et les barbares, la rhétorique d’une image, PEETERS, LOUVAIN, 1999.
– SUAUDEAU, Yves, «Ethnocentrisme», [en ligne], consulté le 30 décembre 2019.
– TCHALEU, Joseph Wouako, Le racisme colonial, Analyse de la destructivité humaine, L’Harmattan, Paris, 2015.
URL: – , La pré, Paris, 1969.
– ZOGRAPHOU, Gerasimoula, L’argumentation d’Hérodote concernant les emprunts faits par les Grecs à la religion égyptienne, Centre international d’étude de la religion grecque antique, Kernos, 8, 1995.
[1] – يعتقد جاك روسيل، أن الحضارة الأوروبية الحديثة تعود أصولها إلى عبقرية روما، وقدراتها في استثمار الموروث اليوناني وتحويله إلى مشروع تنويري، كان أرضية لبناء الحضارات الأوروبية. يُنظر:
– ROSSEL, Jacques, Aux racines de l’Europe occidentale, Edition L’âge de L’Homme, Lausanne, Suisse,1998,p 30.
[2] – OMOTUNDE, Jean-Philippe, L’origine négro-africaine du savoir grec, Volume 1, Editions MENAIBUC, 2000, p 7.
[3] – BATTESTINI, Simon P. X., Ecriture et texte, contribution africaine, Presses Université Laval,1997, p 146.
[4] – TCHALEU, Joseph Wouako, Le racisme colonial, Analyse de la destructivité humaine, L’Harmattan, Paris, 2015, p 30.
[5] – MARCUSE, Herbert, L’homme unidimensionnel, Editions de Minuit, Paris, 1968, p 151.
[6] – SCHMIDT, Thomas S., Plutarque et les barbares, la rhétorique d’une image, PEETERS, LOUVAIN, 1999, p 34.
[7] – Collectif, Travaux de Littérature, Volume XVII, Les grandes Peurs, 2, L’Autre, Colloque de Nancy (30 septembre-3 octobre 2003) organisé par l’ADIREL, DROZ, Genève, 2004, p 362.
[8] – RICHARD, Lionel, Nazisme et barbarie, Editions Complexe, Bruxelles, 2006, p 11.
[9] – DUBUISSON, Michel, Barbares et barbarie dans le monde gréco-romain, L’antiquité classique, Tome 70, 2001, p 1.
[10] – ينظر:
BASLEZ, Marie-Françoise, L’Étranger dans la Grèce antique, Gallimard, Paris, 2003, (Introduction).
[11] – SUAUDEAU, Yves, «Ethnocentrisme», [en ligne], consulté le 30 décembre 2019. URL:
[12] – KILANI, Mondher, L’ethnocentrisme du discours anthropologique, In «Pour un universalisme critique», Édition La Découverte, 2014, p 286.
[13] – Encyclopaedia Universalis, Dictionnaire des Idées & Notions en Sciences sociales (Ethnocentrisme), France, 2019.
[14] – DE GOBINEAU, Joseph-Arthur, Essai sur l’inégalité des races humaines, Librairie FIRMIN-DIDOT et Cie, Paris, 1853, p 44.
[15] – تعتبر المنظومة الفكرية الفرنسية، دراسات ما بعد الكولونيالية مجرد كرنفال أكاديمي، لا يتجاوز فضاء أكاديمي محدد زمانا ومكانا، ينظر:
– BAYART, Jean-François, Les Etudes postcoloniales, Un carnaval académique, KARTHALA, Paris, 2010.
[16] – MARONGIU, Jean-Baptiste, Zarbi le Grec, Libération, 19 décembre 1996 à 02:48:
[17] – Ibidem.
[18] – ZOGRAPHOU, Gerasimoula, L’argumentation d’Hérodote concernant les emprunts faits par les Grecs à la religion égyptienne, Centre international d’étude de la religion grecque antique, Kernos, 8, 1995, p 188.
[19] – Ibid, p 203.
[20] – ETILE, René-Louis Parfait, Etude sur une civilisation négro-africaine, l’Egypte antique, Edition MENAIBUC, 2003, p 7.
[21] – OMOTUNDE, Jean Philippe, Les racines africaines de la civilisation européenne, Edition Menaibuc, 2002, volume 2, p 216.
[22] – CARTLEDGE, Paul, Martin Bernal et la fureur Black Athena, In: , Editions Karthala, 2010, p 47.
[23] – العبادي، مصطفى، أثينا السوداء، مارتن برنال، عرض وتحليل، عالم الفكر، المجلد الحادي والعشرين، العدد الثالث، يناير،1993، الكويت، ص 314.
[24] -COLLIN, Franck, & MOOMOU, Jean & SEVENO, Caroline, Eduquer en pays dominé (Afrique, Amériques, Europe), Editions KARTHALA, 2019, p, 85.
[25] – GARRIGOU, Alain, «Le vol de l›histoire. Comment l’Europe a imposé le récit de son passé au reste du monde (J. Goody)», [en ligne], consulté le 4 janvier 2020. URL:
[26] – برنال، مارتن، أثينة السوداء، الجذور الأفرو آسيوية للحضارة الكلاسيكية، (مجموعة من المترجمين) تحرير ومراجعة وتقديم، أحمد عثمان، مجلس الأعلى للثقافة، 2002، القاهرة، ص، 94.
[27] – م. ن، ص 105.
[28] – أثينة السوداء، م. س، ص ص 125- 126.
[29] – م. ن، ص ص 154- 155.
[30] – أثينة السوداء، م. س، ص ص 158- 159.
[31] – م. ن، ص ص 36-37.
[32] – أثينة السوداء، م. س، ص،86.
[33] – م. ن، ص، 175.
[34] – ينظر كتاب: , La pré, Paris, 1969
[35] – أثينة السوداء، م. س، ص 102.
[36] – م. ن، ص 76.
[37] – م. ن، ص 77.
[38] – م. ن، ص 318.
[39] – GOODY, Jack, Le vol de l’histoire. Comment l’Europe a imposé le récit de son passé au reste du monde, Traduit par Fabienne Durand-Bogaert, Gallimard, 2010, p 10.
[40] – Ibid, p 12.