قراءة في كتاب: «Intégrer l’enfant handicap à l’école» لجون ماري جيلي دراسة تحليلية سوسيولوجية
ذ. العربي عكروش
قراءة في كتاب:
«Intégrer l’enfant handicap à l’école»
لجون ماري جيلي دراسة تحليلية سوسيولوجية
ذ. العربي عكروش
طالب باحث – كلية الآداب والعلوم الإنسانية
مراكش – المغرب
تقديم:
تتمثل هذه الورقة البحثية، كما يتبين من عنوانها، قراءة لكتاب «إدماج الطفل المعاق في المدرسة» لجون ماري جيلي. وتتضمن، حسب الإلزام المنهجي والعلمي المعمول به، تقديم الإطار العام للكتاب، بشمل بطاقة تقنية على شكل جدول يتضمن معلومات عامة حول الكتاب، ونبذة عن مؤلفه واهتماماته واسهاماته، ثم بعد، الوقوف على السياق العام للكتاب، والتعليق على المكونات الغلاف الخارجي للكتاب. ثم القيام بذكر إجزاء ومحاور الكتاب موضوع الدراسة حسب ترتيبها، يليها مستخلص صغير حول العناصر والأفكار الواردة في هذه الفصول بأقسامها، لنختم هذه الورقة بذكر الملاحظات حول الكتاب، وتقييمه على إثر ذلك، ومن ثم قائمة المصادر والمراجع المعتمدة عليها لإنجاز هذه الورقة البحثية الصغيرة. ويتم كل ذلك في فقرات معنونة ضمن هذه الورقة التقنية للكتاب. هذا الترتيب تفرضه المنهجية العلمية الملائمة لتصفح أي كتاب، سواء كان ذلك لمجرد حب الاستطلاع، أو لدراسته، أو لتحرير ورقة تقنية حول شكله ومضمونه، أو لاعتماده مرجعا لبحث ما…
قراءة في البنية الشكلية للكتاب:
معلومات عامة:
| Le titre de livre | Intégrer l’enfant handicapé à l’école | إد ماج الطفل المعاق في المدرسة | عنوان الكتاب |
| L’Auteur | Jean-Marie Gillig | جون ماري جيلي | المؤلف |
| Edition | La deuxième | الثانية | الطبعة |
| Année | 05/02/1999 | 1999/02/05 | سنة الطبع |
| Editeur | Dunod | ديونود | دار النشر |
| Collection | Enfances | الطفولة | المجموعة |
| Nb. de pages | 258pages | 258صفحة | عدد الصفحات |
| Présentation | Broché | غلاف عادي | عرض |
| Dimensions | 15,5 cm × 23,9 cm × 1,6 cm | 15.5سم × 23.9 سم × 1.6 سم | الأبعاد |
| Poids | 0.5 Kg | 0.5 كلغ | الحجم |
| La langue | Français | اللغة الفرنسية | لغة الكتاب |
| ISBN: 2-10-004252-1 | |||
| EAN: 9782100042524 | |||
السياق العام:
بعد صدور القانون المتعلق بإعادة تنظيم وهيكلة النظام التربوي، بدأ الادماج المدرسي للطفل في وضعية اعاقة بأخذ مساره الطبيعي، مما أعطى الأمل لأولياء أمور الأطفال ذوي الاعاقة. هذا الأمل والإدماج تجسد على أساس تجاوز منطق فصول خاصة بهذه الفئة، والانتقال تدريجيا الى فصول تقوم على التكامل والتكيف والتفاعل. ضمن هذا التحول، يأتي هذا الكتاب ليواكب هذه النقلة النوعية في تربية وتعليم الأشخاص في وضعية إعاقة، مما جعله نقطة مضيئة في تاريخ المسيرة الطويلة لإدماج الطفل في وضعية اعاقة في الحياة المدرسية.
فالكتاب مساهمة علمية وتربوية إجرائية لمنظومة التربية الخاصة للطفل في وضعية إعاقة في بلد عرف عته الاهتمام الواسع بهذه الفئة المقصية في المجتمع، فقيمة هذا العمل العلمي وأهميته، تتجلى في الجهود التي قام بها المؤلف لإبراز ما يلزم مشروع التربية الخاصة من مواصفات اجتماعية، وشروط نفسية، وقواعد تنظيمية، وما يستجوبه من خصوصيات بيداغوجية، ومؤهلات تربوية، وكفايات مهنية تخص هيئة التدريس المكلفة بتدريس وتعليم هذه الفئة، كل ذلك في تناغم تام مع الإجراءات التعليمية والعلاجية والتربوية المناسبة لهذه الفئة، وفي انسجام شامل مع طبيعة ونوعية العلاقة مع مختلف الفاعلين التربويين والاجتماعيين والاقتصاديين والسياسيين والمؤسسات المهنية والعلمية التي لها قسط من المسؤولية في تفعيل مشروع التربية الخاصة. وما يعزز قيمة هذا الكتاب بين مختلف الدراسات والبحوث التي تناولت هذا الموضوع، اعتماده على العديد من الأمثلة العملية، والنماذج الحية في مقاربته لمسألة إدماج الأطفال في وضعية إعاقة في منظومة التربوية، واقتراح مجموعة من الحلول الواقعية للمشكلات الاجتماعية والتربوية والنفسية التي تواجه سيرورة تفعيل هذا الإدماج، والتركيز على تحليل تجليات بنية العلاقات والتفاعلات القائمة بين المدارس الخاصة والمدارس العادية من حيث أوجه التشابه والاختلاف، ومجالات التعاون في هذا المضمار. وخلاصة القول، فالكتاب سند علمي، ودليل عملي لكل المهتمين بإدماج الطفل في وضعية إعاقة في المدرسة، كما يشكل عصارة خالصة لتجربة مهنية طويلة في ميدان الإعاقة، فالمؤلف عاش في فترة زمنية لها طابعها الخاص بالمقارنة مع فترات أخرى سابقة عنها أو لاحقة لها، فقد عرفت هذه الفترة الكثير من الأحداث الاجتماعية، والظواهر الثقافية التي صنفت في خانة القضايا الجديدة والدخيلة على ميدان التربية الخاصة الموجهة للأطفال في وضعية إعاقة في المجتمعات البشرية، كما تميزت هذه الفترة كذلك بقلة البحوث التي قدمها الباحثون والمتخصصون في هذا الموضوع، الشيء الذي يجعل من هذا الكتاب محاولة لتجاوز هذه العجز المسجل في هذا المجال. فانطلاقا من هذا الهاجس الذي شغل الباحث لمدة طويلة، وهو ما عبر عنه في ثنايا الكتاب أكثر من مرة، حرص على أن يقدم خبرته في مجالات وفروع التربية الخاصة المختلفة التي تزيد عن أكثر من خمسة وعشرين عاما، اهتم فيها بتناول نظريات وموضوعات ومناهج وقضايا ومشكلات هذه التربية، سواء من الناحية النظرية، أو من الناحية إجراء البحوث الميدانية التطبيقية المتنوعة، وسعى لأن يتناول موضوعات إدماج الطفل في وضعية إعاقة بصورة مبسطة، تساعد القارئ للتعرف على أهم هذه الموضوعات والمجالات، التي تنوعت وتعددت ولاسيما في السنوات الأخيرة.
السيرة الذاتية للمؤلف:
هوية الكاتب و تخصصه، من المفاتيح التي تحدد غالبا مصداقية المقروء، وقيمته العلمية، وحدوده الفكرية، وامتداداته الميدانية، و مجالات اختصاصه، و جنس و نوعية النص أو المتن الذي يشيده بين ثنايا الكتاب، كما قد تلمح بتبني منهجية علمية معينة لمقاربة الظاهرة المدروسة…و بالفعل لما نقرأ العنوان المكتوب على ظهر غلاف الكتاب، نتعرف و لو بعجالة على المؤلف جون ماري جيلي (Jean-Marie Gillig)، كباحث متخصص في علوم التربية بصفة عامة، وتربية في الاطفال في وضعية اعاقة بصفة خاصة، و بالتالي مجالات انشغالاته و أبحاثه… كما يعطينا ظهر الغلاف إجابات جد موجزة عن القناعات أو الاستنتاجات التي تبرر اهتمام الباحث جون ماري جيلي بوضعية الاطفال في وضعية اعاقة في المدرسة، و إجابات كذلك عن المنهجية المتبعة في بحثه:
استنتاج وجود أزمة ـ المقاربة الإبستمولوجيا للتشخيص الدقيق لجذور الظاهرة ـ البحث عن بدائل و حلول ممكنة لتجاوز مشكلة ادماج الاطفال في وضعية إعاقة في المدرسة أو التقليل من حدتها… فجون ماري جيلي، مفكر فرنسي، حاصل على الدكتوراه في علوم التربية بستراسبورغ، أستاذ مكون في مركز تدريب المعلمين المتخصصين IUFM بمنطقة الألزاس، تحمل عدة مسؤوليات حيث عمل مدرسا في مجموعة من المدارس وكمفتش متخصص في التربية والتعليم، ويشغل الآن منصب نائب رئيس الاتحاد الوطني لجمعيات أولياء أمور المعاقين العقلية والأصدقاء VAAPEI ستراسبورغ و الجمعية الاتحادية وUDAPEI برين، كما يهتم بالعديد من القضايا التربوية لهذا الفئة، منها تنمية كفايات فئة مدرسي التربية الخاصة، وتطوير أساليب التكيف الاجتماعي والنفسي للأطفال في وضعية إعاقة، و وتجديد قواعد عمل مدرسة التكامل. الموجهة لهم، وهو ما توجه إصدار العديد من الكتب والمقالات حول مساعدة الأطفال الذين يعانون صعوبات وإعاقات من الاندماج في الحياة المدرسية والاجتماعية.
الكتاب مغامرة علمية:
يدور موضوع كتاب «إدماج الطفل في وضعية إعاقة في المدرسة» لمؤلفه جون ماري جيلي حول منهجية التربية الخاصة لإدماج الاطفال ذوي الاعاقة في المنظومة التربوية والتعليمية. فالقيمة المضافة التي يغني بها هذا الكتاب التراكم المعرفي والعلمي المنجز حول موضوع التربية الخاصة، جهله عملا متداولا بشكل واسع بين الطلبة والباحثين والمهتمين لثرائه المعرفي والعلمي، فالجديد في هذا الكتاب، يتجلى في تقديم تحليل شامل لسياسة الإدماج المدرسي في فرنسا لفئة الاطفال في وضعية إعاقة، ووصفه بدقة النظام التربوي المناسب لتعزيز مكتسبات التعلم لدة هذه الفئة. فالعمل ثمرة، كما يوضح المؤلف، لاحتكاكه عن قرب بالوضعية الحياتية والاجتماعية والتربوية لهذا الفئة، سواء كعمله كمدرس لها، أو اشتغاله كمفتش التعليم المسؤول عن التكيف والتكامل لبرنامج التربية الخاصة في المدارس. وقد مكنته هذه التجربة المهنية الطويلة من تحيدي دقيق لكل ما يمكن القيام به في هذا السياق من إجراءات وتدابير كفيلة بالارتقاء بجودة الأفعال التربوية والممارسات الصفية الخاصة لهذا النوع من التربية، فهذا الهم الذي يسكن ذات صاحب الكتاب، جعلته بوسع من دائرة أبحاثه لتشمل عملية الاطلاع الواسع لمختلف التجارب الرائدة في مجال التربية الخاصة على صعيد الدول ذات التجربة الرائدة في هذا الميدان، جماعية كانت أو فردية، رغم اعترافه بقيمة ما تزخر بهذه التجاب من عناصر تثري عملية الإدماج المدرسي للأطفال في وضعية إعاقة، فإنه يشكك في الخلفيات والأسباب التي لا تزال توفر طابع الاستثناء في التعامل مع هذه الفئة في بعض المجتمعات، وهذا ما يفسر ضعف المردودية في مجال تعليم الأطفال في وضعية إعاقة فيها، وتحقيق نتائج مخيبة لسياسة الإدماج، التي دأبت هذه المجتمعات على تطبيقها منذ سنة 1975. هذه الرؤية هي التي تبرر مسألة نعت هذا الكتاب بالمغامرة العلمية.
قيمة الكتاب:
الكتاب قيمة مضافة للبحث العملي والتربوي في مجال التربية الخاصة بصفة عامة، وقضية إدماج الأطفال في وضعية إعاقة في المدرسة بصفة خاصة. ففي هذا الكتاب، يؤكد جون ماري على الأهمية التي يوليها لاستثمار مؤهلات وفرص المنظومة التعليمية في نهج سياسة تربوية، تحقق التحول التدريجي من وضعية التقوقع الضيق لميدان تربية وتعليم الأطفال الذين يواجهون صعوبات في حياتهم الاجتماعية والنفسية، إلى وضعية التكامل والتكيف الذي يحفز الجهات الفاعلة على الانخراط الإيجابي في هذا المشروع المجتمعي والتربوي الموجه لهذه الفئة، ويطور قدراتهم على التفكير البناء لبلورة سياسية اجتماعية متكاملة كفيلة بتحقيق ما يتوخاه الجميع لهم، ويدلل العقبات التقنية والتربوية التي تحول دون تفعيل هذا المشروع بحذافيره، ويحمي مضامينه الإنسانية والحقوقية من المواقف الموروثة من الماضي.، والمبثوثة في الثقافة المجتمعية. فالمؤلف يشدد على قيمة إشراك أولياء الأمور في الحوار حول كل ما بخص إدماج الأطفال في وضعية إعاقة في الوسط المدرسي، وعدم الاكتفاء فقط لاطلاعهم على الحلول المقترحة، وتعريفهم بالسياسة الإدماجية المتبعة، و طلب موافقتهم على كل القرارات وخطط العمل التي تهم هذا الفئة من الأطفال، خصوصا وأن الباحث يعترف في متون هذا الكتاب بحساسية الإجراءات المزمع اتخاذها للدفع بعملية الإدماج نحو الأمام، الشيء الذي يفسر إحجام المدارس المعنية بدعوة أولياء الأمور لحضور الاجتماعات الاعتيادية والدورية التي تعقدها الفرق التعليمية والتربوية الخاصة بهذه الفئة من الاطفال، ولتجاوز هذا الموقف الذي لا يشرف المنظومة التربوية في خدمة هذه الفئة الخاصة، يدعو الكاتب، عوض نهج سياسة الهروب إلى الأمام، الى التحلي بالشجاعة المطلوبة في التشاور والتعاون مع أولياء أمور الاطفال في وضعية إعاقة، والاتصاف بسعة الصدر لمواجهة الخلافات في وجهات النظر التي قد تنجم عن عدم الاتفاق على خطة أو رأي أو قرار يخص التربية الخاصة، كما يحث المشرفين على هذه المدارس الخاصة على ضرورة اعتماد مبدأ التفاوض مع الفاعلين والمتدخلين لتجاوز خيبة الأمل لدى بعض الاسر جراء عدم انسجام الاستراتيجيات التربوية المطبقة في مجال التربية الخاصة. لهذا المعنى، فتنزيل مقتضيات المشروع المدون في الكتاب، يستوجب توفير الإجراءات العلاجية التربوية والتعليمية، وتشجيع أواصر الشراكة والتعاون مع الهياكل المتخصصة في مجال التربية الخاصة، سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية أو سياسية. وفي هذا الصدد، يورد المؤلف موقفه من النقاش الدائر حول نماذج الإدماج: النموذج الشامل ونموذج التكيف. ويعتبر نفسه أحد المدافعين المتحمسين للنموذج الثاني، لأنه يتبنى مبدأ الادماج القائم على فكرة أن كل طفل، بغض النظر عن خصائصه الفردية، ينبغي أن يكون قادرا على الذهاب إلى المدرسة في الحي الذي يقطن فيه.
المنهج المعتمد في الكتاب:
وظف المؤلف منهجا تحليليا قائم على المزج المنطقي السليم بين المرجعيات النظرية للظاهرة المدروسة التربية الخاصة» باعتباره باحثا في مجال التربية، وافرازات الممارسة الميدانية كمكون وكمدرس وكمفتش جاور هذه الظاهرة لمدة طويلة. ومما ينبغي الإشارة إليه أن اختيار الكاتب هذا المنهج لم يكن اعتباطيا أو وليد الصدفة، بل هو اختيار نابع من قناعة مفادها أن هذا مميزات المنهج وقواعده، تجعله ملائما لطبيعة الدراسة، ومنسجما مع القضية المركزية للكتاب، ويخدم الغرض العلمي الذي براهن على التأسيس له. فالمؤلف في تناوله للموضوع، يستحضر مكونات الروح العلمية من الملاحظة إلى الموضوعية مرورا بالمساءلة، الاستدلال، المنهج، والتفتح الذهني… عناصر تعد أساسية لكي يتسم أي بحث بصفة العلمية.
العنوان:
عند قراءتنا لعنوان الكتاب: «Intégrer l’enfant handicapé à l’école»، أو ما يقابله باللغة العربية من خلال ترجمة تقريبية: «إدماج الطفل المعاق في المدرسة»، تجعلنا هذه الصياغة نسائل القولبة العامة، وأفعال الصيغ، ومصوغات المنطوق… ليتكون لدينا أكثر من انطباع أولي، نصوغه على شكل فرضيات قراءة: هل نحن أمام استنتاج بحث؟ أم خلاصة لتجربة ميدانية؟ أم عصارة لعمل تأطيري نظري للممارسين في مجال التربية الخاصة؟ أم أمام استفهام ضمني غير معير عنه شكلا بالصياغة اللغوية الخاصة به يحيل على الاشكالية الرئيسية؟ أم أمام حكم قيمة مسبق؟… وغيرها من الأسئلة التي تفرض علينا الغوص في تضاعيف النص/ الكتاب، حتى ندرك وجهة نظر الكاتب بخصوص رهان إدماج الطفل المعاق في المدرسة…
التعليق على الغلاف الخارجي:
الكتاب متوسط الحجم ينتهي ترقيمه عند في الصفحة 258، مغلف تغليف عاديا، مظهره الخارجي مزيج بين اللونين الازرق الذي يستحوذ على ثلثي الغلاف الخارجي والثلث الاخر للون الأحمر الذي يحتوي على عنوان الكتاب واسم صاحبه، بينما يحتوي اللون الازرق على اسم صاحب التقديم للكتاب. فإذا كان الهدف من هذا العمل، حسب المؤلف، هو تلبية فضول علمي وتفعيل هاجس تربوي، فان الصورة المرفقة للعنوان، توضح موضوع الكتاب، وتؤشر على صعوبة المسار الذي ينتظر هذا الطفل من اجل الوصول الى مبتغاه.
تبويب الكتاب:
يضم الكتاب 258 صفحة، عند تصفحها يجد القارئ نفسه أمام ثلاثة اجزاء كبرى وأربعة عشر محورا، تحوي في طياتها زخم علمي ثري بأسلوب بسيط وسهل للفهم والاستيعاب، في نفس الوقت معبر بأمثلة واقعية متسلسلة تحفز على التمحيص والتمعن. استهل هذا الكاتب مؤلفه بتقديم، تناول فيه أهمية موضوع الإدماج المدرسي للمعاقين في الوقت المعاصر ـ والذي يجسد تحول عميقا في المجتمعات البشرية. هذا التحول الذي يتمظهر وفق مستويين، الأول يعبر عن تغير تصورات المجتمع للطفل في وضعية اعاقة، والثاني يبرز الاهتمام المتزايد بفئة الأطفال في وضعية إعاقة. كما تناول كذلك أهمية إدماج الطفل في وضعية اعاقة في المحيط المدرسي، وأبرز بعض المعيقات التي حالت دون تحقيق ذلك في الماضي. واعتبر، في نهاية هذا التقديم، أن مسؤولية الإدماج مسؤولية تتقاسمها مختلق مكونات المجتمع. بعد ذلك، انتقل إلى تحليل مضامين عنون الجزء الأول المعنون ب «من الأطفال غير الطبيعيين إلى أطفال في وضعية صعبة.» من الصفحة 13 إلى الصفحة 73، والذي تطرق فيها، عبر محاورها الأربعة، إلى تصورات بورنفيل وبينيه سيمون لخصائص الاطفال غير الطبيعيين وظروف نشأة الاقسام الاصلاحية والعدة اللازمة للتدريس فيها، كما عرج على خصوصيات الطفل غير المتكيف مع وضعه التعليمي وعلاقته بمدرسة التكامل ومكونات التربية الخاصة والوقاية والادماج المدرسي. وفي الجزء الثاني المعنون بـ «من الفلسفة إلى الفعل: الإدماج المدرسي ومقاربة المشروع» والممتد من الصفحة 74 إلى الصفحة 152، ركز، في محاوره الثلاثة، على عدة قضايا منها سلبيات الإقصاء ودرور نهج سياسة المشروع في ربح رهان الإدماج المدرسي وتحقيق مدرسة التكامل والتكيف. وخصص المحاور الأربعة المكونة للجزء الاخير، والمعنون بـ «ممارسات مدرسة التكامل: المشاكل والحلول» والممتد من الصفحة 153 إلى الصفحة 225، لاستحضار بعض التجارب والمبادرات الرائدة في ميدان تفعيل فصول الادماج المدرسي للأطفال ذوي الاعاقة، ووقف عند نموذج الفصول المتكاملة لأطفال متلازمة داون، وما تطرحه من مشاكل التكامل الفردي، كما تطرق الى مسالة الإدماج المدرسي لضعاف السمع.
المراجع:
تطرق المؤلف في نهاية كتابه إلى الأصول والمراجع التي اعتمدها لمعالجة موضوعه الإدماج المدرسي للطفل في وضعية إعاقة، تجمع ما بين الوثائق الأرشيفية الميدانية المتمثلة في وثائق المؤسسات التعليمية، والمقالات العلمية المبثوثة في ثنايا المجلات العلمية وكبريات الصحف المتخصصة، أما المراجع التي اعتمدت عليها المؤلف في كتابه، فتدل على اطلاع واسع للباحث وإلمامه بكل ما كتب حول الموضوع ـ من مراجع معتبرة ودراسات ميدانية ورسائل جامعية وابحاث تطبيقية.
تقييم:
إن القاسم المشترك الذي يجمع مباحث وفصول هذا الكتاب، هو محاولة تقديم توصيف علمي لعملية إدماج الاطفال المعاقين في المدرسة. وتبدأ هذه المحاولة بطرح سؤال محددات ترتبط جوهري وهو:
كيف يمكن إدماج الطفل المعاق في المدرسة؟ إلى غيرها من الأسئلة الجوهري. وهذه الأسئلة التي يطرحها هذا الكتاب، والأجوبة التي يقدمها على هذه الأسئلة، سواء ما اعتمد منها على المعرفة النظرية أو الخبرة الميدانية، تظل، وحسب المؤلف، اجتهادات تحتاج إلى مزيد من البحث والمناقشة من جانب المهتمين بالدراسات التربوية، حتى نسعى جميعا إلى الهدف الذي نسعى إليه وهو الانتقال بالدراسات المهتمة بتربية الأطفال في وضعية إعاقة من مرحلة الشعارات الطوباوية إلى مرحلة الأجرأة الهادفة والمعقلنة.
إن مقاربة المؤلف للظاهرة المدروسة، استوفت وغطت جل أو كل تفاصيل الموضوع، وأجابت على كامل التساؤلات التي يثيرها موضوع إدماج الطفل في وضعية إعاقة في المدرسة، كما ساهمت في تغيير الكثير من الأفكار السائدة حول الموضوع، وقدمت العديد من الحلول التي تعيق مسار فئة المعاقين في منظومة التربية والتعليم، ليبقى السؤال المطروح إلى أي مدى يمكن لهذا العمل أن يلقى إقبال الباحثين والدارسين والمهتمين بمواضيع وقضايا الاشخاص ذوي الاعاقة؟
قراءة في البنية المضمونية للكتاب:
يُعدّ الكاتب فاضل ثامر من أوائل الباحثين التربويين المعنيين بتناول كل ما يتعلق بالتربية الخاصة بصفة عامة، وإدماج الأطفال في وضعية إعاقة في الوسط المدرسي، وهذا ما نجده في سفره العلمي والتربوي عبر جميع المحطات التي يمر منها هذا الإدماج، سواء في هذا المؤلف الي بين أيدينا، أو في باقي أعماله النقدية والتحليلية الأخرى، والتي ستعزز هذا المسعى الي يغمر الكاتب، ويؤرقه باله. وإذ يتعذر علينا استعراض كل عمل من أعمال هذا الباحث، فإن استعراض ما ضمنته هذا الكتاب من مضامين ومحتويات كفيل بأن يعطي صورة واضحة عن المشروع العلمي والتربوي الي يتبناه الكاتب ويدافع عنه.
- الجزء الأول: من الأطفال غير الطبيعيين إلى أطفال في وضعية صعبة:
قدم الكاتب في ها الجزء قراءة كرونولوجية للمسار الذي قطعته قضية الاهتمام بكل ما بخص التربية الخاصة بمجتمعه، أي سرد كل عرفته المرحلة الممتدة بين ظهور المفهومين الأطفال غير الطبيعيين والأطفال في وضعية صعبة من قرارات ودراسات ومراسيم وقوانين واستراتيجيات. فقد عرج على الحديث على تفاصيل موضوع الأطفال الطبيعيين وميلاد مدارس الإتقان، ووقف عند صدور قانون إحداث مدارس وأقسام الإتقان للأطفال المتخلفين عقليا، وتناول تدابير آليات الإقصاء الشائعة في المجتمع، واستعرض نماذج من الآراء التي نادى بها مجموعة من المختصين في التربية الخاصة، فBourniville طالب بإلحاق الأقسام الخاصة داخل المدارس العادية لإزالة الإقصاء وتشجيع الاندماج المدرسي، وBinet وSimon اعتبر أن الذكاء خاصية قابلة للتطوير والتأهيل عند ضعاف العقل، ودعم مسألة إعادة إدماجهم في المدارس العادية من خلال تشخيص علمي لحالات نقص الذكاء، والبحث في أسبابها، وحث على اعتماد الاختبارات السيكولوجية كوسيلة لإعادة تأهيل التأخر المدرسي الحاد عند الطفل وليس وسيلة لإعلان تأخره عقليا.
وفي تحليله لمقتضيات هذا القانون، ركز الباحث على ما تضمنته-المادة 12 من هذا القانون، خصوصا ما يتعلق بتحديد مهام وأعضاء اللجنة الطبية التربوية المختصة في دراسة حالات الأطفال الذين لا يمكنهم ولوج المدارس الابتدائية العمومية، والاعتراف بهم في مدارس الإتقان والمحدد الأساسي، وانتقد التوجه العام القاضي باعتماد التخلف العقلي كمعيار للقبول أو الرفض، وضم صوته للأصوات المنددة بفتح المجال بموجب ديباجة هذا القانون للعديد من مشاريع المراجعة، ومنها مبدأ الحرية التي أعطيت للجماعات في إحداث مدارس وأقسام الإتقان.
وفي نفس السياق، حاول الباحث أن يحدد ما يميز مفهوم الطفولة غير المكيفة، كمفهوم جديد ظهر مع انفتاح المجتمع على سياسة إعادة التأهيل، والذي يشير إلى عدم قدرة الطفل أو المراهق بشكل عام على التكيف من خلال علاقة ترابطية مع وضعيات الحياة الثلاث، وهي الحياة العائلية العائلي، الحياة المدرسية، والحياة المهنية. هذا الصعوبة التي يصطدم بها الطفل في وضعية إعاقة، أو الذي يعاني صعوبات في الحياة، هو ما عجل بصدور العديد من القوانين والنصوص التشريعية، وبلورة مجموعة من البنيات الخاصة، وكمثال على ذلك، فقد نص القانون الصادر في أكتوبر سنة 1945على أسس تعميم أنظمة التأمين الاجتماعي لتشمل هذه الفئة المقصية في المجتمع، والتي تعاني من تداعيات مختلفة على طفولتها المكيفة، كما نص هذا القانون على الرفع من وتيرة إجراء الفحوصات الطبية والنفسية لمعرفة نوعية المرض أو الإعاقة أو الصعوبة التي يعاني منها طفل معين، وبالتالي القدرة على التحديد الدقيق لحاجياته الحالية والمستقبلية. فهذا الفحص الطبي اعتبر تقنية جديدة في تقدير الحاجات، وسببا في ازدياد مفعول اللجان الطبية التربوية، وعاملا في توجيه الرأي العام نحو الاهتمام بكل ما يخص التربية الخاصة التعليم الخاص.
وقد ضمن الباحث هذا الجزء الأول سؤالا جوهريا، يشكل أساس فهم المشروع الذي يدعو إليه، وهو هل نريد بيداغوجيا عادية أم بيداغوجيا خاصة ؟، وفي معرض إجابته هن هذا السؤال، بين أن البيداغوجيا الخاصة بيداغوجيا انتظارية، لأن قدرة تكيف الطفل مع الحياة المدرسية، منوط باجتهاد المدرس ومدى معرفته التامة بالموضوع، فالذي يجهل غايات اللجان الطبية التربوية المكلفة بمؤسسات عدم التكيف، من الطبيعي أن يعرقل هدف الإدماج، كما أكد أن بيداغوجيا الأطفال غير المكيفين بيداغوجيا خاصة تستعمل أداة الفحص لتأمين تمدرسهم توافقا مع إمكانياتهم، و رفض تفريقهم، ومنع فصلهم عن وسطهم الطبيعي والعائلي والمدرسي.
ومن بين الأمور التي انتبه إليها الكاتب في هذا الجزء، قضية العلاقة القائمة بين مفهوم التكيف والتربية الخاصة، حيث ناقش هذه العلاقة من خلال ما يشكله حدث ميلاد سياسة التكيف والوقاية في المجتمع بالنسبة لواقع وآفاق التربية الخاصة، وأبرز أن عدم التكيف مصطلح سلبي وقدحي، يمكن أن ينعت به الشخص دوان أن باعني من صعوبة أو إعاقة أو نقص، والسبب في ذلك هو عدم الوسط غير الموافق من خلال عملية التفاعل بين الوسط والموضوع، ولتجاوز وضعية عدم التكيف، يقترح الكتاب الوقاية المبكرة كحل لهذه المشكلة، وذلك من خلال فحص نسقي ومبكر داخل المنظومة المدرسية والمجتمعية، وهو ما ورد في القانون سنة 1964 هو صياغة تعليم موجه لإعادة التربية الخاصة المهتمة بعلاج مشكل التخلف العقلي للتلميذ في بعض المواد، ومساعدته على تجاوز الصعوبات المدرسية ذات الأصول المختلفة، وقد ساهمت عملية تطبيق هذا القانون في ظهور مفهوم إعادة التأهيل ليحل محل إعادة التربية، فقد اعتبر هذا المفهوم الجديد آلية تدخلية جماعية وفردية موجهة لخدمة الطفل في وضعة صعبة وخاصة، وهو ما توج بإحداث مدارس للتكيف سنة 1970.
وخلال مناقشته لموضوع الوقاية والتكيف، أكد أن أقسام التكيف نتيجة للوقاية من عدم التكيف المدرسي والاجتماعي، لذلك فهذه الأقسام مهتمة باستقبال أطفالا معامل ذكائهم أقل من المتوسط، ويصنفون ضمن فئة المتخلفين عقليا، ولتجاوز هذه الوضعية، يقترح الكاتب استراتيجية للوقاية تدور حول ثلاث مستويات، الوقاية الأولية التي تحدث بمرافق مدرسية ذات جودة عالية، الوقاية الثانوية تهم الوسط والطفل، وتركز على أقسام التكيف وأفعال الدعم وإعادة التربية تحد من الفشل المدرسي، وتعتني بالطفل في وضعية صعبة، وأخيرا، الوقاية الثالثة التي تنصب على مراعة عامل الزمن في عمليات العلاج والفحص والملاحظة المستمرة.
وتبعا لذلك، فالتعليم المكيف هو تعليم مكيف لكل شخص يعاني صعوبة في المواكبة الدراسية، هدفه تقليل مستويات التخلف المدرسي عنده، والعمل على إعادة تأهيله لكي يندمج في القسم العادي، وقد صادف انتشار صيت هذا التعليم المكيف، ظهور نموذج تربوي تتبناه مجموعة المساعدة النفسية والتربوية GAPP ، والذي يهدف إلى رفع وتقوية درجة تكيف التلاميذ مع الحياة المدرسية، وذلك بتوظيف تقنيات مثل الملاحظة التجديد وتغيير بنية المدرسة بمجملها، وتجديد إمكانات الطفل، ومراعاة تفاعل العوامل، والتشاور مع العائلات بطريقة منتظمة ومؤيدة، وتجنب توسيم الأطفال بواسطة معامل الذكاء.
بهدف مفهوم التكيف إلى تحقيق الاندماج المدرسي للطفل في وضعية خاصة، فمفهوم الاندماج الذي شكل لب تطور تاريخ التربية الخاصة والتعليم الخاص، يقوم على اختفاء مدارس الإتقان، وإلغاء ما يهتم بمشاكل الطفولة غير المكيفة، وفي هذا الصدد جاء القانون الصادر في يونيو 1975، ليتناول سياسة الاندماج واستراتيجية الاندماج المدرسي للقاصرين والأشخاص في وضعية إعاقة، بحيث نص على تغيير الاسم العام من الأشخاص ذوي الإعاقة إلى اسم شخص ذو النقص أو شخص غير مكيف، و أكد على حق ولوج الأشخاص ذوي الإعاقة إلى الحقل الاجتماعي، و صان قرار إجبارية التربية، واهتم بالاندماج كأولوية، وقدم تشخيصا للوسائل التي تسمح بتحقيق اختياراته، ودعا إلى عقلنة وتوحيد قرارات التوجيه والوقاية.
ودائما في حديثه عن الاندماج المدرسي للطفل في وضعية إعاقة، ختم الباحث هذا الجزء باستعراض مختلف المفاتيح المحددة لسياسة الاندماج المدرسي المشترك، كما هو الحال بالنسبة للدورية الصادرة سنة 1982، والتي تطرقت إلى الاندماج الاجتماعي للطفل في وضعية إعاقة قبل استفادته من تكوين مدرسي مكيف، والدورية الصادرة سنة 1983، والتي أضافت إلى الأطفال ذوي الإعاقة، أطفالا في وضعية صعبة سبب المرض أو اضطرابات شخصية حادة وخطيرة. والقاسم المشترك بين هذه الدوريات، هو تأكيدها على أشكال الاندماج المدرسي للأطفال في وضعية إعاقة، سواء اندماجا جماعيا أو اندماجا جزئيا. وتعززت هذه الدوريات بتوالي صدور أشكال أخرى منها، كالدورية الصادرة سنة 1991، والتي تناولت أقسام الاندماج المدرسي (CLIS)، والدورية الصادرة سنة 1995، والتي تحدثت عن الاندماج المدرسي كجزء من التصور العامي لمشروع المؤسسة، وعن تعبئة جميع الوسائل الممكنة لمواكبة تفعيل التعليمات المكيفة داخل كل أكاديمية لربط مهام الاندماج بالحياة المدرسية والاجتماعية، والدورية الصادرة سنة 1999، والتي تهدف إلى إحداث جهاز شبكي للمساعدة الخاصة للتلاميذ في وضعية صعبة (RASED)، واعتماد ازدواجية حركية التكيف من الطفل إلى المدرسة ومن المدرسة إلى الطفل، وتشجيع التقويم التطوري للسلوكات الشعورية والجسدية والذكائية، وتجديد الرغبة في التعلم والاعتداد بالنفس، و اعتبار الاندماج المدرسي اعتراف بالشخص في وضعية إعاقة وليس تقزيما له والنظر إليه سلبيا.
- الجزء الثاني: من الفلسفة إلى الفعل: الإدماج المدرسي ومقاربة المشروع:
يشكل الإدماج المدرسي للطفل في وضعية إعاقة رهانا كبيرا تراهن على تحقيقه مختلف المجتمعات التي تفاعلت بشكل إيجابي مع غايات ومقاصد المواثيق والإعلانات الدولية سواء تلك المتعلقة بحقوق الطفل عامة أو بحقوق الطفل في وضعية إعاقة بشكل خاص، وذلك لدوره الريادي في تيسير سبل إدماجه في الوسط الاجتماعي. فكيف إذا، نضجت شروط إدماج مدرسي حقيقي للطفل في وضعية إعاقة؟
إن حقيقة الإدماج المدرسي لم تنشأ فقط من رحم التطور الداخلي للتربية الخاصة، بقدر ما ساهمت التحولات الاجتماعية والثقافية والحقوقية في تغيير التمثلات الاجتماعية والفردية تجاه وضعية الأخر، من خلال الاعتراف به كفرد متشابه ومختلف في نفس الوقت، فهو متشابه لجميع بني البشر في القيم الإنسانية وفي الكرامة وفي الحقوق الأساسية، وهو مختلف بما يتميز به من خصوصيات ذاتية على مستوى قدراته الجسمية والمهارية والعقلية وكذا استعداداته وميولاته واهتماماته، وتأسيسا على ذلك صار التمييز ضد أي شخص على أساس الإعاقة انتهاكا صارخا للكرامة والقيمة المتأصلتين للفرد.
وبالرغم من المعيقات التي اتخذت من السياسة تارة، ومن التزوير والاحتيال العلمي تارة أخرى، وسائل لتبرير الإقصاء تجاه المختلف، فإن الديمقراطيات الحديثة ساهمت في تشكل وعي بأهمية المواطنة المشتركة كخيار قائم على المساواة والاعتراف بالأخر وقبول الاختلافات بين الأفراد وبين الجماعات، إذ جعلت تحقيق هذا الوعي في صلب انشغالاتها التشريعية، بحيث تم اتخاذ عدة تدابير لأجل تقليص المسافة الفاصلة بين الأشخاص في وضعية إعاقة وإمكانية الولوج إلى مختلف الموارد الممنوحة من طرف المجتمع ككل، وذلك لتمكين هذه الفئة من امتلاك مكانتها الحقيقة في مجتمع أكثر إنسانية وأكثر تضامنا. لكن توفير بنية قانونية غير كاف لرفع الحيف عن هذه الفئة جراء ما لحق بها من ممارسات إقصائية، حيث أن هذا السلوك الإقصائي يتجاوز دائرة الفرد وإعاقته إلى دائرة أوسع تشمل المجتمع بكل مستوياته، فشعور الأفراد في وضعية إعاقة بالإقصاء والدونية يمكن أن يختفي إذا ما خص المجتمع هذه الفئة بتمييز إيجابي يجعلها تشعر بكرامتها وقيمتها الإنسانية، وذلك بتمثل الفرد في وضعية إعاقة تمثلا إيجابيا دون وسمه بالعجز والضعف وإلصاق العيب والنقص بشخصيته. حيث أن خطورة هذا الوسم وانعكاساته السلبية على الذات تزداد عندما يصير حكما نابعا من مؤسسة من مؤسسات المجتمع أي عندما يصير وسما اجتماعيا للفرد في وضعية إعاقة، مما يسهل عملية فصله عن الحياة العادية لباقي أفراد المجتمع، وذلك بوضعه في مؤسسات خاصة في مقابل وجود مؤسسات عادية، حيث الفصل بين نمطين للتنشئة الاجتماعية بدعوى وجود نمطين من الأشخاص، بالرغم من القواسم المشتركة العديدة على مستوى المجتمع الذي يحتضن الجميع، مما يضيع على هذه الفئة فرصة التفاعل الاجتماعي والاحتكاك الفعلي بشروط الحياة العادية؛ ومما يعرض أيضا عملية الإدماج المدرسي لتشويه حقيقي، بحيث ينعكس سلبا على علاقة المدرسة بالأسرة إذ يتحول الحوار بينهما إلى تبادل للاتهامات وتقديم مبررات لا تزيد وضعية الأطفال ذوي الإعاقة إلا تعقيدا وتأزيما.
هذا التعامل الإقصائي مع هذه الشريحة الكبيرة من أبناء المجتمع لم يصمد بنفس القوة والحضور بل خفت منسوبه بشكل كبير أمام ما حملته مختلف التطورات العلمية والمعرفية والفلسفية ذات الصلة من مستجدات بشأن العديد من المفاهيم المحورية. وفي هذا الصدد انتقل مفهوم الإعاقة من دائرة الفرد إلى دائرة المجتمع مما ساهم في التمهيد لبروز تمثلات اجتماعية قائمة على الثقافة الحقوقية، كما أصبح مفهوم التعلم دالا على نشاط الذات وعلى تفاعلاتها النشطة مع الأخر، إضافة إلى ذلك لم يعد ينظر إلى الذكاء كمعطى تابت، بقدر ما صار عنصرا مستهدفا في الفعل التربوي باعتباره قابلا للتربية والنمو والتطور. هذه التحولات مجتمعة قادت إلى تحرير الفرد من أسر ثنائية السوي وغير السوي، إذ صار ينظر إليه كفرد مختلف ومتفرد يتميز بفروقات فردية، مما جعل من المتعلم محورا للفعل التعليمي التعلمي برمته، الشيء الذي خلق ثورة تربوية وبيداغوجية أدخلت تغييرات جوهرية على مستوى المناهج الدراسية وطرق ومواد التدريس ونظم التقييم والامتحانات بما يتناسب وخصوصيات المتعلمين الموجودين في وضعية إعاقة. إضافة إلى ذلك، فقد ساهمت أيضا مركزية المتعلم في العملية التربوية في توسيع دائرة المتدخلين في مسار تعليمه وتربيته وتكوينه، مما جعل الإدماج المدرسي للطفل في وضعية إعاقة يتعزز بتبني المؤسسة التعليمية للمقاربة بالمشروع، هذه المقاربة التي جعلت من المدرسة فضاء تربويا منفتحا ومتفتحا على محيطه الاجتماعي والثقافي، حيث صارت أسرة الطفل في وضعية إعاقة فاعلا ذو وزن كبير في مختلف العمليات والإجراءات والتدابير التي يتم تبنيها في مشروع المؤسسة بدء بتحديد الحاجيات والأهداف المرغوبة ومرورا بأجرأة المشروع ووضع خطة تنفيذه وانتهاء بمحطة تقويمه لتجويد آلياته، كما تعززت هذه المقاربة أيضا من خلال اعتماد المشروع الشخصي للمتعلم في وضعية إعاقة مما مكن من توفير بيئة للتربية والتعليم تحتضنه ولا تقصيه، وذلك بالعمل، من جهة أولى، على تبني أنشطة تعلمية وتعليمية قائمة على ما يتميز به كل متعلم على حدة من فروق فردية، مما منح للطفل في وضعية إعاقة موقعا أكثر إيجابية في مسار التعلم، وذلك من خلال تفعيل مشاركته الذاتية في مختلف مراحل بلورة هذا المشروع الشيء الذي حقق تجسيدا فعليا لشعار كثرا ما استخدمه مؤيدو حقوق هذه الفئة، والذي تلخصه العبارة التالية: «لا شيء عنا بدوننا». ومن جهة ثانية، ساهم أيضا في زيادة الوعي التربوي بأن التمييز الإيجابي لذوي الإعاقة مدخل أساسي لتحقيق مساواتهم مع باقي أفراد المجتمع، هذا الوعي جعل المؤسسة التعليمية بتعاون مع شركائها تؤمن بأن ضمان إدماج مدرسي حقيقي لذوي الإعاقة يتوقف على ضرورة العمل باستمرار وعلى كافة المستويات لأجل توفير بيئة تعليمية شاملة وحاضنة لهم قوامها التفهم لحاجياتهم المعرفية والمهارية والثقة في مقدراتهم على النبوغ والتألق.
- الجزء الثالث: ممارسات الاندماج: مشاكل وحلول:
خصص الباحث هذا الجزء الحديث عن أقسام الاندماج المدرسي، فقد اعتبر أن الاندماج المدرسي للأطفال والمراهقين في وضعية إعاقة واقع قوي في عصرنا، واقع في طور التطور، فلا بصنف كإدراج بسيط في المدرسة (أو الجامعة)، بل هو سيرورة تفترض المواكبة المستمرة، والتي بدونها، لن يستطيع التلميذ (أو التلميذة) في وضعية إعاقة الوصول إلى مستوى مدرسي (أو جامعي) معين، أو إلى المعرفة التي تقدم فيها. هذه المواكبة تتجاوز في كثير من الأحيان الوسيلة الوحيدة لمؤسسات التربية والتعليم، وتستعين بمجموعة من الشراكات مع جهات أخرى في عدة مجالات كالخدمات الاجتماعية، مجال الصحة….
فالمؤلف في هذا الجزء، يتحدث عن التحول الذي عرفته الأقسام الرئيسية Classes de perfectionnement، والتي تمت على عجل، فأخذ على سبيل المثلBas THIN، الذي أنشأ رسميا الأقسام المدمجة في سبتمبر 1993 بعد خطة إعداد واسعة النطاق بشأن الخريطة المدرسية. فبعد مراجعة سجلات الأطفال المعنيين واستعمال البيانات النفسية والسريرية، تمت إعادة توجيه الأقسام الرئيسية لأخرى مكيفة. وفي نفس الوقت كان من المهم معرفة العراقيل والمشاكل بعد مرور سنة من تفعيل هذه الأقسام، وكانت النتيجة أن الطفرة المتوقعة تتطلب تغييرات في العقليات والمواقف من خلال التدريس وعطاء المعلومات الكافية حول هذه الهياكل الجديدة من خلال ـ التساؤل حول البنية والاشتغال لقسم الإتقان، وتحديد مفاهيم العجز والتأخر الذهني.
وللرفع من جود الاندماج المدرسي للأطفال في وضعية إعاقة، يقترح منهجية المشروع الجماعي والفردي في الأقسام المدمجة، فعدد قليل جدا من التربويون يستطيعون تصميم المشروع الفردي، والصعوبة تكمن أساسا في الربط بين المشروعين الفردي والجماعي للطفل. فكيف إذن يتم بالدفع إلى فردنة العمل حسب مؤهلات كل طفل، دون أو يعرقل ذلك سير العملية الجماعية؟
فمنهج المشروع يتطلب الضرورة العمل حسب الأهداف. وسيتطلب ذلك من المعلمين والمربيين المختصين إلى استخدام وثيقة / التقييم والبرمجة، والتي تخص بالذات مجموعة من المهارات كالقراءة والرياضيات، ولكن ايضا سلوك الطفل، بحيث يتم الاطلاع على الوضعية الأولية، والتطور التدريجي في احترام الحياة الجماعية والضبط العاطفي. فأهمية أو هدف هذا الملف المكيف حسب خصوصيات هؤلاء الأطفال هو العلم على برمجة الأنشطة داخل القسم حسب مجموعة من الأهداف والتي تهم Savoir /Savoir-être /Savoir Faire، أي قدرات/معارف ومهارة والمعرفة.
فالعمل التربوي في الأقسام المدمجة في المدرسة الذي يتطلب مشاركة الأطفال في العمل المشترك مع غيرهم من الأطفال في المدرسة، مازال وللأسف قد يكمن مشكلا، كما أن المعلمون بدورهم مازالوا يتحفظون على قدرات هؤلاء الأطفال في المجال المعرفي داخل الأقسام «العادية»، وقدراتهم في مسايرة الدروس والأنشطة المقترحة، ويخشى أن تبقى هذه الأقسام المدمجة مجرد أقسام «خاصةّ» منطوية على نفسها.
يبدو من الأساسي أحيانا دعوة المؤسسات المتخصصة لتحفيز الاندماج بطريقة أخري، ليست بالضرورة أكاديمية محضة، مع تقليص آثار الوصم، وتنويع أشكال المواكبة والمصاحبة، بحيث يمكن أن تتم خارج المدرسة (مركز طبي – تربوي) أو داخل المدرسة الذي يبقى الخيار الأفضل، بحيث يسمح بالتدخل والمشاركة في المشروع العام للأقسام المدمجة، ويغني المبادلات المتكررة والتقييمات من طرف المهنيين في الموقع ذاته. كما يشملـ الدعم العلاجي الذي يتلقى الطفل الدعم المدرسي داخل المؤسسة التعليمية والرعاية الصحية وإعادة التأهيل والترويض في المعهد. ومن خلال ما سبق، يتبين لنا أن عملية الاندماج تفرض ترابط الوظائف التربوية، التعليمية والعلاجية داخل المدرسة من خلال مشروع فردي وشامل، يحول دون المس بمهمة الأقسام المدمجة CLIS.
بعد ذلك، عرج الكاتب عل الأقسام المدمجة للأطفال ذوي الثلث الصبغي، بحيث أعتبر هذا الأخير شكل من اشكال الأقسام المدمجة CLIS، وأكد أن جمعيات الآباء وأولياء هؤلاء الأطفال، كانت وراء خلق هذه الأقسام، رغم أن العديد من الأطراف يرفضون اقتصار هذه الأقسام على تمدرس الأطفال ذوي إعاقة ذهنية، لأن من شأن هذه التوجه خلق تمييز آخر داخل المدرسة. فالغرض من هذه الأقسام إذن هو تحقيق نوع من التكامل على المستوى الوظيفي والبدني، والتنويع في الأنشطة الغير المعرفية مع الأطفال الآخرون في المدرسة، بما أن الأنشطة ذات الطابع المعرفي تلقى من طرف المعلوم المتخصصون.
وخصص الكاتب حيزا من هذا الجزء لتحليل بعض جوانب التدريس في القسم المدمج، واعتبر أن لكل طفل الحق في أن يتكلف، يتكلف المعلم بوضع مشروع فردي خاص له، يقوم على التقييم التشخيص في بداية السنة الدراسية، ومراقبة مستمرة لتعليلات الطفل والتي تتوصل بها الأسر، الانسجام مع محتوى النشاط التعليمي والتربوي، والذي يركز على بيداغوجيا اللغة الشفوية والمكتوبة (حصص تقويم النطق عند الحاجة، وغيرها من الأنشطة مثل اكتساب استقلالية ذاتية، أنشطة الوعي الحسي…).
إن صعوبة التربية الخاصة تكمن في ما بعد القسم المدمج، ذلك أن القسم المدمج خطوة ومرحلة في حياة الطفل في وضعية اعاقة، الذي يصبح مراهقا ثم راشدا، في حاجة ماسة إلى الاندماج الواسع الذي يأخذ شكلا آخر، ويتبع منحى معين، يركز على كل ما هو وظيفي وعلاجي بالفعل، ولكن أيضا التدريس المهني الأولي. ومن هنا يتساءل الكاتب عن مستقبل الأقسام المدمجة، وعن دورها في تقديم الخدمات اللازمة للأطفال ذوي إعاقات ذهنية مختلفة، والي يبدو ضروريا، فمن المستحسن أن من يسيرون هذه الهياكل أن يكون لديهم قلق دائم لتشجيع أقصى قدر ممكن من التبادل والمشاركة في أنشطة مع الأطفال الغير معاقين، بما في ذلك الأنشطة اللغوية، مع التأكيد على أهمية تدخل الآباء أيضا ي هذا المسار.
انشغل الباحث في هذا الجزء كذلك بمسألة مشاكل الاندماج الفردي للأطفال في وضعية إعاقة، فحسب منطوق تقرير LAFAY حول إدماج الأطفال والمراهقين في وضعية إعاقة، ومن خلال الدعم المتخصص الذي يحتاجونه، فإن هذه العملية تواجهها مجموعة من المشاكل، منها أن غياب التناغم بين الإدماج والدعم خارج المدرسة، أو الإدماج والدعم الداخلي في المدرسة، أوـ الإدماج الفردي والمساعدة التربوية، أو الإدماج الفردي والرعاية الطبية. وعموما، فعملية الاندماج تواجهها مجموعة من الإخفاقات والإشكاليات، خصوصا جانب التنسيق بين جميع الأطراف المتدخلة في هذه العملية (العلاجية، التعليمية وأولياء الأطفال).
تطرق الكاتب ضمن محتويات هذا الجزء إلى الإدماج الفردي لضعاف السمع / تجربة Brushoff، حيث يرى أن عملية إدماج هؤلاء الأطفال في المدرسة، تبدو أسهل من أي نوع آخر من الإعاقات، ويكمن ذلك في أن العجز والضعف السمعي ليس مشكلا كبيرا في تحقيق الاستقرار الاجتماعي، إذ تم علاجه في الوقت المناسب، وباستعمال آلات السمع (Prothèse). فمن من خلال أساليب التواصل اللفظي والتدريس السمعي في أواخر القرن السابع عشر، «L’Abbé de l’Épée» كان السباق للتكفل بالأطفال ضعاف السمع من خلال افتتاح مدارس أولى مختصة لحضنهم وتدريبهم عن طريقة التخاطب بلغة الإشارة والهجاء الأصبعي، لكن هذه الطريقة لقت انتقادات كثيرة حول الخطر الذي يمكن من هؤلاء الأطفال من أن لا يتواصلوا إلا فيما بينهم من خلال هذه الإشارات، وبالتالي تم التركيز على اساليب التواصل اللفظي الكلي من خلال هذه الإشارات، وبالتالي تم التركيز على أساليب التواصل اللفظي الكلي من خلال تدريبات النطق والكلام وأن لا يقتصر فقط في الإشارات.
إن الإدماج المدرسي للأطفال في وضعية إعاقة في المدرسة الابتدائية يجب أن يتم داخل اقسام مدمجة متاحة لهم، ويتحقق هذا الإدماج أيضا من خلال المشاركة الجزئية أو الكاملة للأطفال ضعاف السمع في الأقسام العادية. يتم تطوير مشروع خاص لكل طفل. والإدماج يتم في ثلاث مواد: الرياضيات، اللغة والتربية البدنية. فالأطفال أيضا ينخرطون في أنشطة أخرى ثقافية وفي فترات الاستراحة. وتعقد اجتماعات شهرية لتقييم التحصيلات والتي يتوصل بها الآباء، الذين يكونون في تواصل دائم مع المعلمين المختصين. فالتربية الخاصة والإدماج المدرسي في المستويات الموالية، تهدف إلى جعل بعض الاطفال يتمكنون من الانتقال إلى المستوى الإعداد، مع دعم خاص، لكن آخرون، وبسبب مشاكل نفسية التي يعانون منها، يحتاجون إلى بيداغوجيا خاصة ومتابعة علاجية في بيئة معينة.
المراجع المعتمدة:
– سهيل، إدريس، المنهل، قاموس فرنسي عربي، دار الآداب، بيروت، ط 42، 2010.
– Gillig, Jean-Marie, Intégrer l’enfant handicapé à l’école, Presses DUNOD, 2e édition, 1999, France.