منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الشروط الإبستيمولوجية والتاريخية لظهور فلسفة الفعل: – المكانة التأسيسية لديفيدسن –

ذ. عبد الرحمن المتيوي

0

الشروط الإبستيمولوجية والتاريخية لظهور فلسفة الفعل:

– المكانة التأسيسية لديفيدسن –

Epistemological and Historical Conditions for the Emergence of the Philosophy of Action

ذ. عبد الرحمن المتيوي

أستاذ مبرز في الفلسفة، ومكون

المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين – مكناس / المنزه – المغرب

 

نشر هذا المقال في مجلة ذخائر العدد الثاني عشر 

 

ملخص:

تسعى هذه الدراسة إلى تحديد عدد من الشروط الإبستيمولوجية والتاريخية لفلسفة الفعل باعتبارها حقلا جديدا للبحث ظهر في النصف الثاني من القرن العشرين داخل العالم الأنجلو-أمريكي؛ وتطور في خضم سجال دار حول أنماط التفسيرالمناسبة للفعل الإنساني، منظورا إليه في حد ذاته بغض النظر عن أي معيارية أخلاقية. وقد شكل الفيلسوف الأمريكي دونالد دافيدسن، من خلال نظريته السببية في الفعل، منعطفا رسم اتجاها جديدا لهذا السجال؛ كما شكل بؤرة رسمت حدود نظرية الفعل وأبعادها وامتداداتها في الفلسفة والحقول العلمية المجاورة لها. وضعتنا هذه الخطاطة المرسومة تاريخيا وإبستيمولوجيا أمام إشكالية حول ما إذا كان من المشروع استبعاد مختلف الفلسفات القديمة من دائرة فلسفة الفعل، رغم تناولها لموضوع الفعل خارج الشروط الإبستيمولوجية والتاريخية المذكورة. واتخذنا من حضور موضوع الفعل في فلسفة الأخلاق الأرسطية مثالا لهذه الفلسفات، نظرا للمكانة التي حظيت بها المقاربة الأرسطية عند دافيدسن من بين كل الفلسفات التي رهنت مفهوم الفعل رهنا أخلاقيا، فخرجت بذلك من دائرة فلسفة الفعل وفق التصور المعاصر لهذا الحقل.

كلمات مفتاحية: فلسفة الفعل، شروط إبستيمولوجية/تاريخية، السببية، العلية، القصدية.

Abstract:

In the following article, I’m going to identify some epistemological and historical conditions for the philosophy of action considered as a new field of research that emerged in the second half of the twentieth century within the Anglo-American world; this branch of philosophy has aroused from the discussion about the appropriate modes used in the explanation of human action, but this time the action has to be perceived in itself, independently of any moral criteria. The American philosopher Donald Davidson, with his theory of causality in action, was a turning point that gave a new direction to this debate. His theory also constituted a focal point that drew the limits, perspectives and extensions of the theory of action in philosophy and relevant scientific fields. This historical and epistemological crafted scheme has placed us in front of a problematic about whether it is legitimate to exclude the various ancient philosophies from the circle of philosophy of action, given that theses philosophies were outside the aforementioned epistemological and historical terms and concepts. I have addressed the issue of action in the Aristotelian ethics philosophy as an example of these philosophies. In spite of the important place that Davidson gave to the Aristotelian approach of action, Aristotle’s philosophy remains among those philosophies that have considered the concept of action as morally dependent.

Keywords:

 Philosophy of Action, Epistemological/ Historical Conditions, Causality, Reasonability, Intentionality.

تقديم:

قد يختلط علينا رسم حدود علم من العلوم أو مبحث من المباحث، مثل فلسفة الفعل، فنتعامل مع كل قول حول موضوعه باعتباره جانبا مهما من هذا المبحث؛ والحال أن لكل مجال علمي أو مبحث نظري حدودا نسقية تحده، مثلما تكون له بداية تاريخية ومسارا واتجاها محدودا لا يحيد عنه. لا تخرج فلسفة الفعل، باعتبارها حقلا فلسفيا ونظريا بدأ بداية نسقية في النصف الثاني من القرن العشرين، عن هذا المطلب؛ وهو ما فرض على المبحث الفلسفي أن يتخذ لنفسه موضوعا محددا تحديدا دقيقا ومستقلا عن باقي المفاهيم والمجالات المعرفية التي تتناوله. كما فرض عليه شروطا منهجية وإبستيمولوجية تميزه عن باقي الفروع والأقوال التاريخية واليومية التي تتحدث عن الفعل عموما؛ فما الذي يميز فلسفة الفعل عن باقي أشكال الكلام غير المنظم حول الفعل؟ هل تضع فلسفة الفعل، كما تأسست في القرن العشرين، قطيعة مع تاريخ الأقوال والتصورات التي أدلى بها الفلاسفة والعلماء حول هذا المفهوم أم أنها تستوعب هذه الأقوال وتدرجها ضمن نسقها النظري؟ ثم ما هي المعايير التي على أساسها نميز بين ما يشكل فلسفة للفعل وما لا يندرج ضمنها؟ نبين في سياق مناقشة هذا الإشكال أنه يمكن تحديد فلسفة الفعل انطلاقا من معنيين مختلفين: فلسفة الفعل بالمعنى الخاص كما تحددت باعتبارها مجالا مستقلا للبحث ظهر في النصف الثاني من القرن العشرين على أرضية الشروط المحددة؛ وهناك من جهة ثانية فلسفة الفعل بالمعنى العام والأكثر انفتاحا على تاريخ الفلسفة. وقد أدى بنا هذا المعنى العام إلى البحث عن الموقف التأويلي لدافيدسن في تاريخ الفلسفة بين المثال التحليلي الذي ينتمي الرجل إلى مدرسته، وبين الحس التاريخي الذي انتهت إليه الفلسفة التحليلية بشكل عام. كان الهاجس الابستيمولوجي الذي وجهنا لحصر مجال فلسفة الفعل ورسم حدوده بتلازم مع استحضار المكانة التأسيسية لدافيدسن، هو أن هذا الفيلسوف قد جاء في ملتقى طرق الاتجاهات التي تصارعت مع بداية ظهور نظرية الفعل من جهة؛ أما من جهة ثانية، فقد تطورت فلسفة الفعل لاحقا في إطار حوار مستمر مع هذا الفيلسوف.

المبحث الأول: شرط السجال الابستيمولوجي حول تفسير الفعل

نشأت فلسفة الفعل خلال النصف الثاني من القرن العشرين انطلاقا من أعمال مختلفة لمجموعة من فلاسفة المدرسة التحليلية؛ وهي بذلك لم تكن وليدة هدف مقصود لفيلسوف أو مجموعة من الفلاسفة، بقدر ما ظهرت بشكل عرضي نسبيا نتيجة النقاش المحتدم الذي دار حول إشكالية ما إذا كان نمط التفسير المناسب للفعل الإنساني هو التفسير السببي أم التفسير القصدي. وهو النقاش الذي جرى بين الأطروحة الوضعية(العلموية) المدافعة عن السببية والتفسير السببي للأفعال الإنسانية (خاصة في مجال العلوم الإنسانية)، وبين التقليد الفلسفي الذي رفض الأطروحة الوضعية القائلة بالتفسير السببي للأفعال. وقد كان هذا السجال الذي دارت رحاه في العالم الأنجلوساكسوني بمثابة النسخة الثانية لسجال التفسير والفهم (‹Erklären’/’Verstehen›) الذي انطلق في نهاية القرن التاسع عشر داخل التقليد الهرمينوطيقي الألماني مع ديلتاي (1833-1911).

1- سجال الفهم والتفسير نهاية القرن19:

  • أ- دلتاي:

 كان السؤال الأساسي الذي دار حوله النقاش، نهاية القرن التاسع عشر مع دلتاي، هو معرفة ما إذا كانت هناك قطيعة إبستيمولوجية أم لا بين ‹تفسير› الظواهر الطبيعية في العلوم الفيزيائية وبين ‹فهم› الحياة الاجتماعية والتاريخية في العلوم الإنسانية.وقد جعل دلتاي، في سياق جوابه على هذا السؤال، من «الفهم» داخل العلوم الإنسانية النقيض المنهجي لمفهوم»التفسير» المعتمد باعتباره المنهج الخاص بعلوم الطبيعة. وجاء تصور دلتاي المدافع عن الفهم ضدا على وضعانية أوجستكونت(AugusteComte1798-1857)وطبيعانية جون استوارت ميل(John Stuart Mill 1806-1873)؛حيث أكد دلتاي سنة 1883،ضد هؤلاء، أننا في الحقيقة «نفسر الطبيعة ونفهم الحياة النفسية»[1]؛ وبهذه الأطروحة يكون دلتاي قد نهض ضد التصور الوحدوي للعلم، مؤكدا على خصوصية العلوم الإنسانية والاجتماعية وعدم قابليتها للاختزال.

  • ب- ماكسفيبر:

أعاد ماكسفيبر[2](Max Weber 1864-1920)لاحقا صياغة هذا التمييز أو الثنائية التي وضعها دلتاي؛ لكنه تصورها بشكل تكاملي حتى لا تضللنا لنعتقد أن البعد التفسيري ينتفي تماما من العلوم الإنسانية، فنتوهم أنها تنحصر في كونها علوم الفهم فقط. لكن الواقع يكشف بوضوح أن موضوعات العلوم الإنسانية هي، في الحقيقة، موضوعات قائمة في الزمان والمكان، وبذلك فهي بدورها جزء من الطبيعة وتخضع لمبدأ السببية والتفسير السببي. وبفضل ماكس فيبر يمكننا فهم وتأويل ما كان يعتزم دلتاي قوله بهذا الصدد؛ فقد كان يقصد بأطروحته أنه مادامت الظواهر الإنسانية منتجة للدلالة والمعنى(دالة)؛ فإنها تستحضر فكرة السببية القصدية لدى الفاعلين الاجتماعيين، وهو ما يتطلب أن نأخذ بعين الاعتبار مفعول المعنى وتأثيره في تفسير الظواهر الإنسانية، وذلك عبر إعادة صياغة مقاصد وقرارات الفاعلين. وهو ما يعني أن منهج الفهم يصبح ضروريا عندما يتعلق الأمر بموضوع لا يكون جزءا من الطبيعة فقط، بل ينتمي أيضا إلى «عالم الروح/العقل»؛ الشيء الذي يجعل الفهم مكملا منهجيا للبحث السببي في الحالات التي نكون فيها أمام موضوع مثل الفعل الإنساني. وبهذا المنهج التكاملي بين الفهم والتفسير تحتفظ العلوم الإنسانية بخصوصية موضوعها غير القابل للاختزال ولا تتجاهله كما يحدث عند الاقتصار على التفسير السببي[3]. هكذا يكون ماكس فيبر قد جعل الفهم هو المرحلة التمهيدية الأولى قبل التفسير السببي[4].

يمكن تقسيم منهج الفهم عند ماكس فيبر إلى أطوار ثلاثة:

1) طور الفهم، وهو سيرورة لفهم المعنى المستهدف من طرف الفاعل الاجتماعي، عبر اعتماد رؤية تعاطفية تسعى للعثور على المعنى الذاتي المباشر؛ وهو ما يوافق الدافع الذي يربطه الفرد بفعله.

 2) المرحلة التأويلية، وتهدف إلى موضعة المعنى الذاتي المرصود في الطور الأول، وذلك عبر تبني تحليل خارجي، يسعى إلى بناء مفاهيم ونماذج قابلة للتحليل؛ وهي مهمة صعبة نظرا لتدخل ذات الباحث، ما سيؤدي بماكس فيبر إلى إبداع أدوات منهجية قادرة على الفصل بين الباحث وموضوع بحثه. وتتجلى التقنية المنهجية الأولى:

(أ) في تدبير العلاقة مع القيم بشكل يسمح باستبعاد تورط الباحث بقيمه، ويأخذ بعين الاعتبار قيم الجماعة المدروسة.

(ب) أما التقنية الثانية فتتجلى في النموذج المثالي، الذي يهدف إلى اختزال العدد غير المحدود من المعطيات الملاحظة في الواقع، واختصارها في عدد محدود من الخصائص المحددة للظاهرة المدروسة. وهي الخصائص التي تضع الباحث أمام ظاهرة أو موضوع مبنى ويوتوبي وليس معطى واقعي.

3) الطور الثالث: هو الطور التفسيري، الذي يهدف إلى فهم سببي للواقع الاجتماعي: أي تحديد السببية التي تربط بين الظواهر الاجتماعية؛ وتتطلب هذه المرحلة نوعا من الخيال، وذلك لتمييز العدد الهائل من الأسباب والنتائج التي تربط بين الظاهرتين، وتحديد الأسباب الحقيقية، وفرز النتائج المرادة من غير المرغوبة[5].

2- إحياء سجال الفهم والتفسير خلال النصف الثاني من القرن 20:

تم إحياء هذا السجال خلال النصف الثاني من القرن العشرين داخل تقليدين مختلفين، أحدهما تمركز في العالم القاري والثاني انطلق في العالم الأنجلوساكسوني.

  • مدرسة فرانكفورت:

قامت مدرسة فرانكفورت خاصة بإحياء هذا السجال الإبستيمولوجي على يد فلاسفة أمثال أدورنو(1979) وهابرماس(1987) وأوتو أبل(1965، 1968، 1979)، وكذلك بول ريكور في فرنسا(1971، 1977)؛ ومن هؤلاء الفلاسفة من أحال أو ارتبط أو اتخذ فلسفة الفعل في العالم الأنجلوساكسوني مرجعية له، لذلك سنجد لديهم مجموعة من الإحالات على بعض عناصر النقاش الذي بدأ داخل الفلسفة التحليلية. فقد سجل ‹أبل›(Apel) على سبيل المثال إعجابه بهذه الفلسفة، وخاصة ب «التقنية المتطورة جدا للحجاج، التي تبدو أكثر تكيفا مع مشكلات فلسفة العلوم المعاصرة مقارنة بنمط الحجاج القديم الذي استعمل من طرف دلتاي والفلاسفة القاريين اللاحقين. وقد كان التحليل المتأني، لدى الفلاسفة التحليليين، لألعاب اللغة وللبنيات المفاهيمية للحجاج العلمي والماوراء-علمي هو ما أدى إلى إنتاج معايير وقواعد جديدة لمعالجة الأسئلة القديمة»[6].

المبحث الثاني: الخصوصية الأنجلوساكسونية

  • الفلسفة التحليلية للفعل:

قام التقليد الأنجلوساكسوني بإحياء سجال التفسير والفهم بطريقة خاصة ومتميزة كادت أن تغطي على النقاش الكلاسيكي الذي بدأ في إطار هرمينوطيقا ديلتاي. فلم ينظر الفلاسفة التحليليون لسؤال التفسير والفهم باعتباره مشكلة في ميتودولوجيا العلوم فقط؛ بل أدرجوه منذ البداية ضمن تحليل منطقي لبنية الفاعلية ولِلُغة الفعل ولطبيعة الذهني وعلاقته بما هو فيزيائي. وبذلك أخرجت الفلسفة التحليلية النقاش حول الفهم والتفسير من دائرته الإبستيمولوجية والميتودولوجية الضيقة، لتدرجه ضمن تحليل أشمل لبنية الفعل وعلاقته بالحالات العقلية واللغة اليومية؛ تحليل رافقه مجهود كبير لتوضيح عدد من المفاهيم الأساسية ضمن هذه المجالات مثل القصد والقدرة والاستعداد والأفضلية والاختيار والقرار، إلخ.أما السجال حول طبيعة تفسير الفعل فقد تراجعت حدته التي بدأ بها، بعد تقارب وجهات نظر الباحثين والفلاسفة حول مجموعة من النقط الأساسية، وتحول النظر إليه باعتباره فقط مظهر من بين مظاهر متعددة لنظرية تفهمية في الفعل[7]. وقد أسس لهذه الانطلاقة الجديدة مجموعة من تلاميذ فيتجنشتين انطلاقا من أفكار أستاذهم في رفض وجود العلاقة السببية بين رغبات أو إرادات أو علل الإنسان وبين أفعاله؛ وعلى غرار هذا الرفض طور عدد من الفلاسفة في العالم الأنجلوساكسوني عددا من الحجج في دعم أطروحة فيتجنشتين وتطويرها أمثال ميلدن وأنسكومب غيرهم. لكن المتميز عند هؤلاء جميعا هو ما حاول دافيدسن الوقوف عليه باعتباره ما يميز التصور التحليلي المعاصر للفعل عن غيره من التصورات، وهو نفسه ما يجعله شرطا أساسيا للحديث عن نظرية الفعل المعاصرة؛ ويتعلق الأمر بالفصل المنهجي بين فلسفة الفعل والمقاربة المعيارية للفعل سواء كانت أخلاقية أو دينية أو سياسية.

المبحث الثالث: فلسفة الفعل في مقابل المقاربة الأخلاقية للفعل

نشأت نظرية الفعل انطلاقا من الدعوة إلى دراسة مفهوم الفعل باستقلال عن الأخلاق أوعن كل اعتبارات أخلاقية، ما يعني محاولة للتأسيس العقلاني والمنطقي للفعل بإرجاء كل نظرة معيارية وسيكولوجية إلى حين بناء نظرية أكثر تفهما للموضوع. ويستدعي هذا الفصل بين فلسفة الفعل والأخلاق فهما للفعل الإنساني في حد ذاته ووفق بنيته وآلياته الداخلية وحدوده ومنطقه الخاص، بغض النظر عن أية أحكام قيمية سواء كانت أخلاقية أو جمالية أو قانونية. وقد أثار الفيلسوف الأمريكي دافيدسن هذا الشرط بعد اكتشافه أن دراسة الفعل ظلت رهينة لنظرة معيارية أخلاقية منذ أفلاطون إلى حدود القرن العشرين، مما أدى إلى كسف الاهتمام بموضوع الفعل باعتباره فعلا[8]؛ وهي المهمة التي اضطلع بها «دافيدسن» ومجموعة من فلاسفة الفعل في القرن العشرين مثل «إليزابيث أنسكومب» التي دعت بدورها، في دراسة لها حول «فلسفة الأخلاق الحديثة»، إلى إرجاء كل فلسفة أخلاقية أو قول أخلاقي في الفعل إلى حين بناء ما سمته فلسفة للسيكولوجيا أكثر ملاءمة[9]. وبهذا تبدو فلسفة الفعل المعاصرة أقرب إلى فلسفة العقل والسيكولوجيا منها إلى الأخلاق أو لما أدرجه أرسطو، عموما، ضمن الفلسفة العملية أو في نطاق العقل العملي من قبيل السياسة والأخلاق.

تحظى نظرية الفعل، وفق تصورها بشكل مستقل عن الأخلاق، بمكانة تأسيسية لكل نظرية أخلاقية أو سياسية؛ حيث لا يمكن أن نقيم نظرية أخلاقية أو سياسية بدون أن تكون لدينا فكرة واضحة ومتميزة عن البنية التحفيزية للفعل[10]. وهذا ما يفسر لماذا أسس أرسطو فلسفته في الأخلاق والسياسة بقول في الفعل الإرادي واللاإرادي داخل الأبواب الأولى لكتاب الأخلاق إلى نيقوماخوس[11]. لذلك كاد دافيدسن أن يستثنى أرسطو من السقوط في الرهن المعياري الأخلاقي للفعل، عندما لاحظ أنه رغم اهتمام أرسطو بالفعل ضمن مجال الأخلاق، ورغم أنه تطرق للموضوع في بداية فصول كتاب «الأخلاق إلى نيقوماخوس»، أي في سياق تأليف موجه لموضوع الأخلاق؛ فإننا نجد مع ذلك أن المعلم الأول قد حاول التطرق إلى الفعل بشكل مستقل نسبيا ضمن هذه الفصول[12]؛ وبهذه المقاربة قد تميز عن أستاذه أفلاطون، كما كان متميزا عن تاريخ الفلسفة الذي تلاه إلى حدود القرن الماضي. لكن هذه المكانة المتميزة التي حظي بها أرسطو لدى فلاسفة التحليل المعاصر كانت نابعة من قراءة تأويلية لأرسطو حاولت استلهام أفكاره لتلعب دورا حجاجيا مدعما لبعض الأطروحات المعاصرة؛ ولا ترقى بذلك إلى درجة اعتبار أرسطو مؤسسا لفلسفة الفعل كما ظهرت في الفلسفة التحليلية المعاصرة، لأنها لا تنفصل مع ذلك عن أخلاق الفضيلة لتهتم بدراسة الفعل في حد ذاته بما هو فعل.

المبحث الرابع: شرط العودة إلى طبيعة الفعل بما هو فعل

تتوخى الاستقلالية المنشودة، وفق ما ذُكر سابقا، مقاربة للفعل بما هو فعل، وذلك عبر انفصال منهجي عن كل نظرة معيارية؛ الشيء الذي سيسمح لنا ببناء معرفة عقلانية وموضوعية حول الفعل. تماثل هذه المعرفة، نسبيا، في قوتها ومشروعيتها دقة وموضوعية العلوم الوضعية والمنطقية، أكثر مما تسعى إلى اكتساب بعد معياري أخلاقي-سياسي أو ثيولوجي-ديني؛ وهي بهذا الاقتراب من الطابع العلمي تماثل، في نشأتها، ما حدث بالنسبة إلى النشأة الإبستيمولوجية لعلم اللغة أو اللسانيات على يد «دي سوسير»، الذي أبدع فكرة دراسة اللغة في حد ذاتها باعتبارها لغة باستقلال عن أي نظرة معيارية أو تاريخية أو نحوية مقارنة[13]. لكن، كيف ستختلف فلسفة الفعل بهذه الفكرة المؤَسِّسة عن باقي العلوم والحقول المعرفية التي تتناول موضوع الفعل كذلك، خاصة منها السيكولوجيا وعلوم الأعصاب وغيرها من الحقول العلمية التي تخلوا بدورها من الرهن المعياري الأخلاقي في دراسة الفعل؟ ينفتح بنا هذا السؤال على ما يمكن اعتباره شرطا من بين الشروط الإبستيمولوجية التي لا يمكن الحديث عن فلسفة الفعل بدونها، وهي النشأة التفاعلية لفلسفة الفعل مع مجموعة من الحقول العلمية والفلسفية الأخرى. شرط جعل العديد من الفلاسفة يفضلون في كتاباتهم استعمال مفهوم نظرية الفعل بدل فلسفة الفعل.

المبحث الخامس: دعم فلسفة الفعل للأبحاث المتعددة الاختصاصات

1- مجالات الفعل وحقوله المختلفة:

عرف موضوع الفعل منذ أرسطو حضورا ضمن مباحث فلسفية متعددة، تمثلت في مصنفاته المختلفة: فقد شكل الفعل في أول مصنفاته المنطقية المقولة التاسعة بعد مقولة الملكية وقبل مقولة الانفعال الأخيرة في كتاب المقولات. يحضر الفعل كذلك، بشكل أو بآخر، ضمن كتاب العبارةDe Interpretatione ، الذي اعتبر دافيدسن أن موضوعه الأساسي هو فلسفة اللغة والهرمينوطيقا؛ بخلاف كتاب التحليلات الأولى، الذي اعتبر أن موضوعه الأساسي المنطق، ثم هناك التحليلات الثانية التي رأى أن موضوعها هو الإبستيمولوجيا. وما دام الفعل هو الطفل الفلسفي للإدراك الحسي، كما يقول ديفيدسن، فإنه يكون كذلك بالنسبة للإبستيمولوجيا أيضا[14]؛ لذلك نجد موضوع الفعل حاضرا كذلك في علم النفس الأرسطي داخل كتابه «في النفس»De Anima. يتضمن الفعل عنصرا فيزيائيا يتجلى للإدراك الحسي في شكل تغير حركي أو سكون يخضعان، من وجهة نظر فيزيائية، لقانون القصور(العطالة) من جهة، والسببية من جهة أخرى؛ لكن وجود محرك آخر، داخلي في النفس، يشكل مبدأ لحركة الحيوان عموما والحيوان الناطق على وجه الخصوص؛ يجعل موضوع الفعل في وضعية بينية، يتأرجح بين قوانين الطبيعة والفيزياء والبيولوجيا من جهة وبين علم النفس وفلسفة العقل والميتافيزيقا من جهة ثانية. يطرح هذا الانتماء المزدوج لموضوع الفعل مجموعة من المشكلات الفلسفية، التي تجد بؤرتها الحقيقية ضمن مسألة العلاقة ما بين ثنائيات الانتماء المزدوج للفعل؛ وأهم هذه المشكلات وأولها هو مشكلة العلاقة ما بين العقل والجسد، وما بين الفكر (وظيفة أو صفة أو ماهية هذا العقل) وبين العالم (الذي ينتمي إليه هذا الجسد). فإذا لم يكن من الممكن اختزال الفعل لا في سيرورة تفكير عقلي ولا في مجرد حركات جسدية، فهل يمكن أن يكون نوعا من العلاقة القائمة على التأثير والتأثر بينهما؟ كيف يؤثر كل منهما على الآخر ويغيره؟

يخترق العالم الفيزيائي حواسنا (يؤثر فيها عبر الإدراك الحسي)، فينتج عن ذلك تشكل لوحة تصورية (مفاهيمية تصويرية) معقدة لهذا العالم في عقولنا. وانطلاقا من هذه اللوحة التصورية، نؤثر في العالم عبر التفكير استدلاليا، وعلى ضوء الصورة العقلية، في كيفية تحقيق أهدافنا من خلال الفعل. في إطار الإدراك الحسي، يُسَبِّبُ العالم الفيزيائي الفكر في عقولنا؛ لكن في إطار الفعل، يؤدي الفكر إلى تغييرات في محيطنا الفيزيائي[15]؛ يعني ذلك أننا نكون في الإدراك الحسي تقبليين وسلبيين، في حين نكون أثناء الفعل متدخلين ونشطين وفاعلين.

اتخذت مشكلة العلاقة، حديثا، شكلا آخر تجلى في مفهوم الإرادة الحرة والمتحررة من كل حتمية فيزيائية؛ وهو المفهوم الذي جعل العديد من الفلاسفة يعتقدون أن العقلي والفيزيائي هما مجالان منفصلان عن بعضهما البعض. جعل هذا الانفصال من موضوع الفعل محط مجموعة من المشكلات الفلسفية المترددة والمتكررة بأشكال مختلفة في تاريخها، كما أدى الاعتقاد في هذا الانفصال إلى التشكيك في إمكانية المعرفة أصلا؛ وبذلك تكون النزعة الشكية والإرادة الحرة مشكلتين متماثلتين ومتلازمتين. يبقى المجال الأهم الذي يحضر فيه موضوع الفعل بشدة أكبر هو مجال الأخلاق أو الفلسفة الأخلاقية، حضور يعتقد ديفيدسن أنه عائق أمام قيام لفلسفة الفعل باعتبارها مبحثا مستقلا للفعل. وهو ما اعترف بقيامه لدى أرسطو من خلال كتاب «الأخلاق إلى نيقوماخوس»، فبأي معنى يحضر عند أرسطو ويغيب عند اللاحقين له؟

2- تعدد الحقول العلمية والفلسفية وانهيار الحدود بينها:

  يرى دافيدسن أن فلسفة الفعل على وجه الخصوص، ونظرية الفعل عموما، ساهمت إلى جانب تطورات أخرى، في تحطيم الحواجز بين فروع الفلسفة المختلفة، بل وحتى بين هذه الفروع وباقي مجالات المعرفة البشرية. فمثلما لم تكن لدى مجموعة من الفلاسفة القدماء فكرة عن الحدود الفاصلة بين فروع الفلسفة، كذلك يرى ديفيدسن أن الغالبية الكبرى من الفلاسفة المعاصرين يجهلون تلك الحدود التي يقيمونها بين فروع فلسفية وعلمية مختلفة، ويتعبون أنفسهم دون جدوى في محاولة تمييز الفلسفة عن باقي فروع المعرفة؛ لذلك كله وغيره يؤكد دافيدسن أن نظرية الفعل تتيح لنا هذه الإمكانية لردم الهوة بين هذه التقسيمات القبلية لفروع المعرفة الإنسانية[16]. لكنه لا يحصر مهمة تطوير هذه الدراسات المتعددة الاختصاصات على فلسفة الفعل وحدها؛ بل يشيد أيضا بما حصل منها منذ سنوات الستينات في مجموعة من المجالات، حيث قامت علاقات وتفاعلات مثمرة بين فلاسفة ولسانيين ومناطقة وعلماء أعصاب وسيكولوجيين وباحثين في الذكاء الاصطناعي.  وقد أطلق دافيدسن نفسه في تلك الفترة برنامجا في فلسفة اللغة ونظرية المعنى سمي ببرنامج ديفيدسن، تفاعل في إطاره بالإضافة إلى الفلاسفة مناطقة ولسانيين[17]؛ كما لا ننسى عمله الأول في جامعة ستانفورد على نظرية القرار، حيث تفاعل في بداية مشواره العلمي مع باحثين من تخصصات مختلفة، مثل الاقتصاد والمنطق والسيكولوجيا والرياضيات. لذلك نجده قد اشتغل خلال الخمسينيات على نظرية القرار ضمن فريق يتكون من باتريك سويب وسيدني سييجل[18] وشارل ماكينزي (المتخصص في الرياضيات والمنطق ونظرية الألعاب)؛ ولاحقا، اشتغل سنة 1959 مع عالم الاقتصاد جاكوب مارشاكJacob Marschak. فجاءت بذلك أعماله الأولى في إطار التأليف المشترك مع علماء وباحثين من تخصصات مختلفة[19]. لكن كيف يمكن الجمع بين هذا التعدد في الحقول والمرجعيات وبين الوحدة المفترضة في نظرية الفعل كما تدل على ذلك العبارة المفردة نفسها؟

 3- وحدة المشروع واللغة والقضايا:

نشأت نظرية الفعل على أرضية إبستيمولوجية تميزت بالتفاعل والتكامل وأحيانا التداخل بين حقول معرفية مختلفة. لكن هذا التعدد تأطر، مع ذلك، بوحدة الموضوع، والمفاهيم والإشكالات والقضايا التي طرحها داخله مفهوم الفعل؛ وهو ما أكده عدد من الفلاسفة والباحثين أمثال «مارك نوبرج»[20]و «كيرك لودفيج»[21]، الذي بين أنه رغم تنوع أعمال دونالد دافيدسن، وفلاسفة الفعل أمثاله، وتعددها بين حقول الفلسفة ومجالاتها المختلفة؛ فإنها تشكل مجتمعة فسيفساء منتظما ومنهجيا لتقديم تصور ونظرية موحدة في طبيعة الفكر والفعل واللغة البشرية، وفي علاقاتها بالعالم الطبيعي. تعني هذه الوحدة المفترضة في نظرية الفعل توفيرا لإمكانية هائلة للتواصل بين الفلاسفة على اختلافهم من جهة، وبين الفلاسفة وباقي المشتغلين في حقول متنوعة. وهو ما جسده ديفيدسن على طول مساره الفكري، الذي ظل منفتحا ومتفاعلا مع عدد من الحقول العلمية والفلسفية المتنوعة؛ دون أن يخرج عن وحدة المشروع والهدف، لأنه كان واحديا في مذهبه الفلسفي، استلهم واحدية اسبينوزا وبرتراند راسل، وتميز عنهما بجعل واحديته مادية وشادة (AnomalousMonism). وكان بحكم ذلك ميالا إلى التوحيد أحيانا والتوفيق والجمع أحيانا أخرى (عندما يتعذر التوحيد) بين الأطروحات والقضايا التي قد تبدو متعارضة؛ ولا أدل على ذلك من نظريته المدافعة عن التفسير السببي بواسطة العلل، أو اعتبار التفسير بواسطة العلل هو نوع من التفسير السببي[22]؛ فهي نموذج للأطروحة التي حاول فيها التوحيد والجمع بين ما كان يعتبر من قبيل التصورين المتعارضين اللذين لا يمكن التوفيق بينهما، وهما التفسير القصدي(العلي) من جهة والتفسير السببي للفعل من جهة ثانية. ويمكن أيضا ملاحظة نزعة ديفيدسن إلى الوحدة والانسجام في نظريته الموحدة في الفكر واللغة والفعل[23] لسنة 1980؛ وفي استعماله للغة نفسها المستخدمة داخل المدارس والاتجاهات التي بنى فلسفته على أنقاضها أو في تعارض واضح مع أطروحاتها الأساسية، ولم ينأ بنفسه أو ينعزل داخل لغة خاصة تحتاج إلى تأويل، بغية فهمها في إطار تاريخ الفلسفة والسجال الفلسفي حول الفعل واللغة والعقل.

المبحث الساس: شرط العلوم الإنسانية وتبلور مفهوم الإنسان

 نشأت نظرية الفعل باعتبارها نسخة ثانية، بملامح وأسس جديدة، للسجال الميتودولوجي والإبستيمولوجي الذي كان دائرا داخل الفلسفة القارية بين دعاة الفهم والتأويل من جهة وبين دعاة التفسير السببي الوضعي للأفعال الإنسانية على غرار تفسير الظواهر الطبيعية في العلوم الفيزيائية من جهة ثانية؛ سجال جعله دلتاي خلفية إبستيمولوجية تلازم العلوم الإنسانية في مشروعها الطموح لدراسة الإنسان دراسة علمية تحظى بمشروعية مماثلة لتلك التي حظيت بها العلوم الطبيعية. وقد استأنف رواد الفلسفة التحليلية في العالم الأنجلوساكسوني سجالا من هذا القبيل بين دعاة التفسير العلي(القصدي) للفعل الإنساني ودعاة التفسير السببي لهذه الأفعال؛ انتهى هذا السجال إلى احتلال فلسفة الفعل مكانة أشبه بوضعية الفلسفة الأولى، وهيمنت بموجبها على فضاء النقاش الفلسفي إلى حدود اليوم. ويبدو أن النشأة الثانية لسجال الفهم والتفسير قد تشكلت في رحم مقاربة وأسس منطقية ودلالية جديدة تماما؛ دون أن ننسى التطور الفلسفي والعلمي الذي ساهم في مراكمة التصورات وإنضاج الشروط المؤدية لما يمكن أن نطلق عليه طفرة أو منعطفا جديدا في تاريخ الفلسفة التحليلية المعاصرة. هذا التطور وهذا التراكم وما رافقه من نقاشات وتصورات ومفاهيم ومشكلات هو ما سيشكل الشروط التاريخية والإبستيمولوجية لظهور فلسفة الفعل كما نتحدث عنها اليوم.

يعد ظهور مفهوم الإنسان وعلى غراره العلوم الإنسانية، باعتبارها محاولة لبناء دراسة علمية وموضوعية لمختلف أبعاد الفعل الإنساني، أهم الشروط التي لابد منها للحديث عن أي فلسفة ممكنة للفعل. ويعرف كل قارئ لتاريخ الفلسفة، قراءة نسقية، أن ظهور هذا المفهوم باعتباره مفهوما فلسفيا، ومعه ظهور مفهوم الفرد والذات الفردية الحرة والفاعلة، هي كلها مفاهيم كانت وليدة الفلسفة الحديثة والحداثة بشكل عام؛ ولا يمكن الحديث عن حضورها الفلسفي والإشكالي قبل ذلك سواء في فلسفة العصور الوسيطة أو في نسق الفلسفة اليونانية. ويمكن أن ندقق هذا الشرط أكثر بالقول إن ظهور مفهوم التاريخ نفسه، باعتباره دراسة علمية للأحداث التي تشكل تجسيدا للفعل الإنساني في الزمان والمكان، لم يتحقق إلا في القرن التاسع عشر. دخل التاريخ خلال هذه المرحلة إلى حيز العقلانية والمعقولية؛ ليخرج بذلك من معناه الإسكاتولوجي الذي ربطه بعقيدة انتظار القيامة، بعد أن كان غائبا تماما في فلسفة أرسطو، حيث لا نجد له حضورا ضمن أقسام الأورغانون.

لا يمكن تفسيره هذا الغياب إلا على أساس حقيقة أن الفعل الفردي كما يتجلى في الحدث التاريخي الفردي لا يمكن أن يكون، حسب المنظور الأرسطي، موضوعا لدراسة علمية دقيقة، لأن أرسطو قد أكد في مقولته الشهيرة أنه «لا علم إلا بالكليات». وينطبق ما قلناه عن مفاهيم الإنسان والفرد والتاريخ والعلوم الإنسانية كذلك على الظهور المتأخر لمفهوم الإرادة الحرة للفرد، وخروجها من السياق الديني واللاهوتي(الثيوديسي)، الذي ظهرت به لأول مرة مع أوغسطين[24]؛ لتبرير وجود الشر في العالم، وتنزيه الخلق الإلهي عن ذلك[25]. لكن لا ينبغي، مع ذلك، نسيان أن العصور الوسطى قد قدمت نموذجا خالصا للإرادة الإنسانية، وتمثل هذا النموذج في مفهوم الإرادة الإلهية بما هي إرادة لا متناهية ولا محدودة وقادرة على كل شيء؛ فلم تبق بعد هذه الخطوة التاريخية سوى مرحلة أخرى هي في الحقيقة عبارة عن علمنة أو دهرنة للإرادة الإلهية من أجل إعطائها صبغة دنيوية وإنسانية[26].

المبحث السابع: مقتضيات ونتائج الشروط

تقتضي كل الشروط الإبستيمولوجية والتاريخية المذكورة في عناوين الفقرات السابقة استبعادا ضمنيا لكل ما لا يدخل في دائرة نظرية الفعل كما تأسست في النصف الثاني من القرن العشرين، أي: على أرضية الشروط الإبستيمولوجية والتاريخية التي هيأت لقيامها باعتبارها مبحثا مستقلا وقائما بذاته، موضوعه دراسة الفعل الإنساني بما هو فعل ومناقشة قضاياه بغض النظري عن أي مقاربة معيارية، سواء كانت أخلاقية أو سياسية أو دينية. فكان أقرب إلى السيكولوجيا ونظرية القرار وغيرها من العلوم التي حاولت دراسة الفعل الإنساني دراسة وضعية وموضوعية، وبذلك لم تنفصل نظرية الفعل عن هذه الحقول العلمية والفلسفية المتنوعة، بقدر ما تطورت في تفاعل وتداخل مستمر بين مختلف هذه المجالات. وقد بدأت نظرية الفعل كذلك، باعتبارها خصوصية أونجلوساكسونية، على خلفية السجال الإبستيمولوجي حول تفسير الفعل الإنساني بين السببية والفهم والعلية. ترتكز كل هذه الاعتبارات على مجموعة من المفاهيم الفلسفية التي نشأت في الفلسفة الحديثة والمعاصرة، مثل مفهوم الإنسان والذات الفردية الفاعلة والإرادة الحرة؛ والتي شكلت بدورها أرضية إبستيمولوجية لبروز مشروع العلوم الإنسانية باعتبارها دراسة موضوعية وعلمية للفعل الإنسانية. فهل يعني غياب هذه الشروط غيابا لفلسفة الفعل؟ ألا يمكن الحديث عن فلسفة الفعل عند أرسطو وكانط واسبينوزا وعند الفلاسفة القاريين في الفترة المعاصرة؟ أليست كل هذه الفلسفات هي خارج دائرة فلسفة الفعل بالمعنى الذي تكون فيه غير خاضعة لشرط الاستقلالية عن المقاربة الأخلاقية للفعل؟ تقودنا هذه الأسئلة إلى الوقوف على موقفين أو تصورين مختلفين لفلسفة الفعل وهما: التصور النسقي والخاص لفلسفة الفعل من جهة، والتصور العام والواسع لفلسفة الفعل من جهة ثانية.

المبحث الثامن: فلسفة الفعل بالمعنى الخاص

تشير فلسفة الفعل بالمعنى الخاص والحصري إلى البراديجم أو النسق غير المغلق الذي ينحصر فيما سماه بول ريكور بالخصوصية الأنجلوساكسونية؛ والتي تبدأ في نظر دافيدسن مع مدرسة أوكسفورد، ومع أنسكومب على وجه الخصوص. وتطورت مع دافيدسن في منعطف جديد سماه: بالحركة في الاتجاه الصحيح[27]، معتبرا أنه دشن مع تلاميذ فيتجنشتين مشروعا للعمل الطويل والمستمر، سيدلي فيه اللاحقون أكثر مما فعل الرواد الأوائل والمؤسسون. وهي كذلك أفق جديد للبحث أعاد طرح الإشكالات السابقة لفلسفة اللغة والعقل وبلورها في إطار نظرية للفعل، تستوعب فلسفة اللغة والعقل دون أن تستبعدهما؛ إنها تشكل بذلك منعطفا ثالثا بعد المنعطف الثاني الذي دشنته فلسفة العقل، والمنعطف الأول الذي سماه ريتشارد رورتي بالمنعطف اللغوي[28]. وقد وقف دافيدسن نفسه أكثر من مرة على التداخل العجيب بين هذه الحقول الفلسفية التي استعان بها كثيرا في حل عدد من الإشكالات المرتبطة بالفعل. وساعدته فلسفة الفعل، كما بلورها في مقالته لسنة 1963، على إعادة قراءة نظرية أفعال الكلام لأوستين، فأخرجها بذلك من الدائرة المحصورة في فلسفة اللغة اليومية إلى أن تصبح جزء لا يتجزأ من نظريته في الفعل؛ بلاستعان بهذه النظرية من أجل إعطاء معنى لأطروحة أوستينالتي تقول إنه عبر التلفظ بجملة ما ينجز المتكلم عددا من الأفعال (فعل تلفظي-صوتيlocutionary، وإنجازيillocutionary-غرضي، وتأثيريperlocutionary)؛ فقد رأى دافيدسن، بخلافه، أن الأمر يتعلقبفعل واحدا تحت عدد من الأوصاف المختلفة. فعندما يقول شخص ما بجدية «أعد أن أدفع العشاء في المرة المقبلة» فإنه يكون في الواقع واعدا أو يصدر وعدا؛ لكن ذلك لا يعني عند دافيدسن، كما عند أوستين، أن التلفظ يفتقد إلى قيمة صدقية[29].

 شكلت نظرية الفعل بهذا المعنى الخاص مشروعا موحدا لعدد من مجالات وتيارات الفلسفة الأنجلوساكسونية؛ مشروع امتزج بالهدف العام للفلسفة التحليلية، سواء فيما يتعلق باستبعادها للميتافيزيقا أو إعادة بنائها من جديد على أسس منطقية تقطع مع مناهجها وإشكالاتها الخالية من المعنى، أو من حيث هي منهج وطريقة جديدة في التفلسف، قوامها التحليل المنطقي للغة، من أجل الوقوف على معانيها المختلفة وبناء الدلالة داخلها على أسس متينة ودقيقة. لقد أصبحت تشكل بذلك مشروعا وبرنامجا موحدا غير قابل للاختزال في المقاربات الفلسفية التي تناولت موضوعات الفعل واللغة والعقل قبلها؛ كما تختلف بهذا المعنى الخاص عن المقاربات الهرمينوطيقية والظاهراتية للفعل، التي تناولت بدورها سؤال الفعل واللغة، لكنها لم تتجاوز مستوى تحليل ووصف الأفعال التي يسند بموجبها الوعي القصدي الدلالة للأفعال والعلامات، وذلك في أفق فلسفة للوعي بدل فلسفة للفعل واللغة[30]. لكن إذا كانت نظرية الفعل مجالا قائما بذاته ومستقلا للبحث في موضوع الفعل الإنساني باستقلال عن كل رؤية معيارية ولما يندرج في إطارها من فلسفات أخلاقية أو فينومينولوجية؛ فما الذي يميزها باعتبارها مبحثا فلسفيا عن باقي العلوم التي تتناول الفعل الإنساني، مثل السيكولوجيا والتاريخ وعلوم الأعصاب وغيرها؟

يضعنا وجود مفهوم الفلسفة ضمن عبارة فلسفة الفعل أمام صعوبة أكبر، إذا استحضرنا أن مفهوم الفلسفة نفسه يتميز بتعدد التعريفات وبغياب الإجماع حول مجاله وتخومه، كما أنه الموضوع الإشكالي للفلسفة نفسها. وحتى فروع الفلسفة ومباحثها لم تبق قارة عبر تاريخها، فكثير من الفروع والمباحث التقليدية للفلسفة قد استقلت بذاتها، ولم تعد جزءا من الفلسفة ذاتها، مثل علم النفس العقلي الذي أصبح سيكولوجيا، ونظرية المعرفة التي تحولت إلى إبستيمولوجيات متخصصة…إلخ. بل ظهرت داخل دائرة الفلسفة نفسها حقول جديدة للبحث في موضوع خاص، دون أن تغادر أرض الفلسفة وسعت إلى إقامة حوار مع تخصصات أخرى علمية وغير فلسفية عموما، كما حدث مثلا بالنسبة لفلسفة العقل التي أصبحت تعد جزءا من العلوم المعرفية، رغم أنها حافظت على انتمائها للفلسفة؛ والأجدر أن نقول حافظت على طابعها الفلسفي المتميز بالنزوع نحو الشمولية وبالنظرة الكلية للعالم والأشياء وبمحاولة بناء نوع من النظرة الموحدة. فلا غرابة إذا شهدنا في الفلسفة ميولا إلى مناقشة موضوعات قد تطال عددا كبيرا من التخصصات، من قبيل السببية والحرية والحتمية والعقل والمادة، كما لا ننسى أن المقاربة الفلسفية وثيقة الصلة بالبعد الإنساني، وخاصة بالجزء المتعالي والمعقد في الإنسان، بخلاف مجموعة من التخصصات والعلوم بما فيها العلوم الإنسانية.

  ليس أمامنا ونحن نسعى إلى تحديد دقيق للفلسفة عموما وفلسفة الفعل على وجه الخصوص إلا أن نحاول اكتشاف ما يميز هذه المقاربة الفلسفية عن باقي المباحث التي قد تشترك معها في دراسة الموضوع نفسه، ونخص بالذكر هنا المباحث المعتمدة على المقاربة العلمية. فإذا عدنا إلى المقولة الهيجيلية المشهورة التي تؤخر مساء الفلسفة ليظهر بعد فجر العلم، مُشَبِّهة الفلسفة ببومة مينرفا؛ فإننا سنكون أمام تأويلين على الأقل لاستعارة بومة المساء التي تخص الفلسفة: تبدو الفلسفة وفق تأويل أول عبارة عن نظرية عامة حول العلم بمناهجه وقضاياه، فهي بذلك محاولة لتجاوز النزعة التجزيئية التي سقطت فيها ظاهرة التخصص في مجال العلوم، إنها بهذا المعنى شكل من الميتا-علم[31]أو ما بعد العلم. لكن، من زاوية تأويلية أخرى، سيكون المقصود بمساء الفلسفة تلك المتابعة النـظـريـة-الإبستيمولوجية- لكل تخصص علمي على حدة، أي متابعة نقدية لأسسه ومناهجه ومفاهيمه وقضاياه وحدوده؛ وهو تأويل لا يختلف عن التأويل الأول من حيث نظرته للفلسفة والمقاربة الفلسفية باعتبارها نظرية بعدية حول العلم، سواء تعلق الأمر بالعلم عموما أو بتخصصاته الفرعية. تستعمل كلمة فلسفة كذلك بمعنى مخالف لاستعارة المساء، حيث نجدها تحمل معنى قبليا، يشير، هذه المرة، إلى المرحلة السابقة للعلم، أي المرحلة التي لم يكتمل فيها هذا العلم، وأحيانا يقصد بها المرحلة الميتافيزيقية في تطور مجال علمي؛ لكن قد تعني هذه القبلية، أحيانا أخرى، تفكيرا في أسس العلم أو في شروطه القبلية بالمعنى الكانطي، وقد تعني في الفلسفة التحليلية تفكيرا في شروط صدق القضايا التركيبية لعلم من العلوم، أو شروط صدق وتحقق عبارات لغتنا اليومية الحاملة للدلالة سواء تعلق الأمر بلغة الفعل أو بأي لغة أخرى. ستجعل هذه التعريفات المتعددة من نظرية الفعل مجالا متشعبا تتشابك داخله مقاربات ومناهج فلسفية متنوعة، دون أن يلغي هذا التنوع وحدة المجال والمشروع واستقلاليته عن كل ما عداه من حقول علمية رغم اشتراكه معها في دراسة الفعل الإنساني.

 يضعنا المعنى الخاص لفلسفة الفعل أمام أسئلة محرجة ستفرض علينا البحث عن تعريف أكثر رحابة واتساعا؛ فقد استبعد المعنى الخاص لفلسفة اللغة حضوره عند الفلاسفة السابقين؛ بحيث يستحيل معه الحديث عن فلسفة الفعل عند أفلاطون وأرسطو وتوما الأكويني وكانط واسبينوزا والفلسفة القارية. وهو بهذا الإقصاء ينزع نحو شبح النسقية التي تغلق الباب في وجه باقي الفلسفات وتجعل النصف الثاني من القرن العشرين هو تاريخ ميلاد نظرية الفعل في العالم الأونجلو-أمريكي؛ علما أن شبح النسقية قد انتهت سيطرته في الفلسفة المعاصرة وخاصة منها الفلسفة التحليلة. كل هذه الاعتبارات ستقودنا إلى الحديث عن فلسفة الفعل بالمعنى العام.

المبحث التاسع: فلسفة الفعل بالمعنى العام:

يمكن أن نطلق على فلسفة الفعل بالمعنى العام فلسفات الفعل(بالجمع)، وتضم جميع التصورات الفلسفية التي تناولت موضوع الفعل؛ سواء نظر إليه وفق مقاربة أخلاقية أو سياسية أو علمية؛ وسواء كان الفعل فيها مفهوما مركزيا أو ثانويا أو حتى مصطلحا خاصا باستعمال محدد لهذه الكلمة. إنها، باستعارة تعبير  لسوليفان أورو، ليست بالحقل العلمي أو الفلسفي القائم الذات؛ بقدر ما هي مجموعة من التأملات والأفكار المتنوعة المصادر، والحاضرة في تعليقات الفلاسفة وملاحظاتهم المختلفة؛ التي لا تعنى ضرورة بالفعل باعتباره موضوعا رئيسيا في فلسفتهم، بل يتم التطرق إليه أحيانا بشكل جانبي أو عرضي أو طارئ[32].فقد تميزت فلسفة الفعل بمعناها العام بغياب التجانس والتماسك النظري، وبعدم الاعتراف بأولوية الفعل ومركزيته في النظر الفلسفي قبل أي مقاربة معيارية وأخلاقية. ويمكن أن نجازف بالقول في هذا المستوى العام إننا أمام فلسفة مضمرة أو ضمنية للفعل. ذلك أنها تكون أقرب إلى المقاربة ذات النزعة الخارجية(externaliste) التي لا تنظر إلى الفعل في حد ذاته ومن أجل ذاته، بل في علاقته بموضوعات وأهداف أخرى خارج الفعل، وهي بالضبط الأهداف المعيارية والأخلاقية؛ وهو ما يختلف عن المقاربة الجوانية(internaliste) التي تتميز بها فلسفة الفعل بالمعنى الخاص في محاولتها النظر إلى الفعل من الداخل بغرض تحليل طبيعته وآلياته وقدراته ووظائفه وحدوده[33].

تطرح فلسفة الفعل بالمعنى العام كذلك مجموعة من الإشكالات المرتبطة بتصنيف الفلاسفة والفلسفات من جهة وبطابعها الأكثر فجاجة وانفتاحا والأقل نسقية على المستوى المنهجي من جهة ثانية. حيث يُدرِج هذا المعنى العام ضمنه كل ما قاله الفلاسفة عبر التاريخ في موضوع الفعل، دون التقيد بأي شرط أو معيار من المعايير الإبستيمولوجية: كأن يتم إدراج التصورات الأخلاقية حول الفعل ضمن فلسفة الفعل، دون اعتبار لشرط الفصل بين الفعل والمعايير الأخلاقية للفعل؛ علما أن النقاش الذي دار حول معيارية الفعل ضمن نظرية الفعل المعاصرة، أي حول مفاهيم من قبيل العقلانية والحرية والمسؤولية وغيرها لم يكن نقاشا أخلاقيا أو إيتيقيا بالمعنى المتعارف عليه في الفلسفة الأخلاقية؛ بقدر  ما كان أقرب إلى الميتا-أخلاق منه إلى الأخلاق التطبيقية أو المعيارية[34].ويمكن أن نضيف أيضا بأن فلسفة الفعل بالمعنى العام لا تتقيد بالشرط التاريخي ولا بشرط بزوغ المفاهيم؛ لأنها قد تثير نقاشا عن بعض المفاهيم في فترة تاريخية لم تولد فيها الدلالة الفلسفية لهاته المفاهيم بعد. وهو ما قد يقود بعض الباحثين والفلاسفة، الذين لا يتقيدون بالتفكير النسقي لتاريخ الفلسفة، إلى الحديث عن الفعل الفردي أو الإرادة الحرة في الفلسفة اليونانية عموما وفلسفة أرسطو على وجه الخصوص؛ وهي المفاهيم التي قد يرى الفيلسوف النسقي أنها غائبة ضمن النسق الفلسفي اليوناني سواء كان أفلاطونيا أو أرسطيا. وقد لا حظ دافيدسن نفسه غياب مفهوم الإرادة وفعل اتخاذ القرار في سيرورة الفعل والاستدلال العملي عند أرسطو لصالح مفهوم المداولة واللزوم المنطقي المباشر والفوري للفعل، باعتباره نتيجة منطقية لمقدمات الاستدلال العملي على غرار الاستدلال النظري؛ وغياب هذا اللزوم المنطقي في الفعل سيسقطنا في أفعال الإرادة الضعيفة[35](akrasia). إذا كان الأمر كذلك فلماذا عاد دافيدسن في سياق تأريخه لفلسفة الفعل إلى أرسطو؟ ولماذا اعتبره متميزا عن السابقين واللاحقين في مقاربته لمقولة الفعل ضمن فلسفته الأخلاقية؟ هل كان دافيدسن نسقيا يحصر فلسفة الفعل في معناها الخاص أم يمتد بها إلى مصادر تاريخية تصل إلى فلسفة أرسطو؟

المبحث العاشر: دافيدسن ومقولة الفعل الأرسطية

أكد دافيدسن في محاضرة له حول مقولة الفعل أن الحديث عن أرسطو باعتباره أحد مصادر فلسفة الفعل هو مجرد قراءات تأويلية للمتن الأرسطي من طرف المعاصرين الذين حاولوا استلهام أفكار هذا الفيلسوف من أجل بناء حجاجي قوي لأطروحاتهم[36]. وجاء اهتمام دافيدسن نفسه بأرسطو نتيجة التأثيرات التي خلفها مشروع إعادة قراءة أرسطو داخل التقليد التحليلي الأنجلو-أمريكي[37]، الذي بدأ خاصة مع فلاسفة أوكسفورد في النصف الثاني من الخمسينيات(1957)؛ ولا شك أن اشتغال دافيدسن على كتابات أوستين قد خلف عنده هذا الانشغال بالأرسطية بعد انشغاله السابق بالأفلاطونية التي كانت موضوع رسالته في الدكتوراه؛ فقد كتب أوستين مقالة أبرز فيها ميولا شديدا لأرسطو، وهي المقالة التي تحمل عنوان «التماس الأعذار»[38]. لكن رغم هذا الاهتمام المفاجئ بالأرسطية، وعلى الرغم من أن كتاب «الأخلاق إلى نيقوماخوس» قد تناول عددا من الموضوعات التي لها علاقة بفلسفة الفعل، مثل: التمييز بين الأفعال الإرادية والأفعال اللاإرادية؛ وطبيعة الاستدلال العملي والاختيار العقلاني؛ ووصف أفعال الإرادة الضعيفة أو الأكراسيا بلغة اليونان؛ سنبالغ لو قلنا إن أرسطو كان المؤسس الأول لفلسفة الفعل، أو إنه صاغ مشكلات فلسفة الفعل بالطريقة نفسها التي حدثت بها في الفلسفة المعاصرة. فقد كان موضوع الفعل عنده لصيقا بتحليل الفضيلة والطبائع البشرية؛ لأن الأكراسيا أو الإرادة الضعيفة تشير عند أرسطو إلى نوع من البشر قبل أن تكون تمييزا لنوع من التصرفات؛ ما يعني كذلك أن الفعل عند أرسطو مرتبط بالغايات الأخلاقية وبمفهوم الخير أساسا. ونجد كذلك عند المعلم الأول تمييزا بين أنواع الحركات، مثل تمييزه بين kinesis وenergeia على أساس التمييز بين مختلف أنماط الأفعال النحوية وأزمنة الفعل، وكذلك التمييز بين مختلف أنماط الأفعال، مثل البراكسيس praxis من جهة والبويزيس poiésis من جهة ثانية[39]. لكن، لا أحد يستطيع أن يزعم مع ذلك أن أرسطو تمكن من التمييز بشكل منهجي ونسقي بين الأفعال الإنسانية والحركات الطبيعية؛ كما لم يميز بين التصنيفات النحوية لمختلف الأفعال مثلما سيفعل لاحقا فلاسفة التحليل المعاصر[40].

المبحث الحادي عشر: موقف دافيدسن من تاريخ فلسفة الفعل

يبدو أن دافيدسن يتخذ موقفا مزدوجا في تاريخ الفلسفة، فهو ليس من طينة الفلاسفة النسقيين بشكل مطلق إلى درجة تمنع الاستفادة من فلاسفة الماضي من أجل تقييدهم وحصرهم في سياقهم التاريخي لا غير. لكنه من جهة أخرى ليس من دعاة مثال التوجه التحليلي في تاريخ الفلسفة، الذي يستبعد الحواجز التاريخية والإبستيمولوجية ليحاور فلاسفة الماضي وكأنهم أحياء يرزقون في العصر الراهن[41]. وهذا الموقف المزدوج أو المنفتح لدافيدسن على نمطين مختلفين من أنماط التأويل في تاريخ الفلسفة هو ما يفسر لنا لماذا حظي أرسطو بمكانة متميزة في القراءة التأويلية لدافيدسن رغم أن هذه المكانة لم تصل إلى درجة إخراجه من الرهن الأخلاقي لمفهوم الفعل؛ وهو ما يعني تَمَيُّز دافيدسن باستحضار الحس التاريخي مقارنة برواد الفلسفة التحليلية الذين غيبوا هذا الحس ضمن المثال الذي دافعوا عنه منهجيا في تاريخ الفلسفة[42]. وعندما يستحضر دافيدسن هذا الحس التاريخي فهو يلتزم ضمنيا بفلسفة الفعل بالمعنى الخاص للكلمة، ويستحضر شروطها التاريخية والإبستيمولوجية التي ذكرناها سابقا؛ وينفي على أساسها كل ما يخرج عن المقاربة الخاصة لهذا المجال. أما عندما يعود إلى التراث الفلسفي فهو ينجر ضمنيا إلى الكتابة ضمن فلسفة الفعل بالمعنى العام، محاولا البحث عبر منهج تأويلي داخل تصورات الفلاسفة عن أفكار يدعم بها البناء الحجاجي لأطروحاته الخاصة. ويقوم منهجه التأويلي على إسناد حالات عقلية مثل الاعتقادات والرغبات إلى فيلسوف ما بناء على مجموعة من المعطيات الإمبريقية من قبيل النصوص المكتوبة والسياقات التاريخية المعروفة؛ وعلى أساس افتراضات مسبقة تُنسِب حدا أدنى أو قدرا من العقلانية والمعقولية مماثلا نسبيا إلى عقلانية المُؤَوِّل؛ عقلانية تفترض نوعا من الانسجام بين أفكار واعتقادات وأفعال الفيلسوف المُؤَوَّل، كما تضفي نوعا من الصدق والصلاحية على أفكاره واعتقاداته على الشاكلة نفسها التي نحدد بها القيمة الصدقية لأفكارنا واعتقاداتنا[43].

خاتمة:

وصلنا أخيرا من خلال هذه الدراسة إلى شكل من التوفيق بين مقاربتين في التأريخ لفلسفة الفعل، مقاربة نسقية تحاول أن تحصر بداية فلسفة الفعل مع ظهور شروطها الإبستيمولوجية والتاريخية، فتخرج من دائرة هذا الحقل كل ما ينتمي إلى تاريخ الفلسفة من أفكار تطرقت لمفهوم الفعل؛ وهناك مقاربة مرنة لا تتقيد بالشروط الإبستيمولوجية والتاريخية، وتدخل ضمن فلسفة الفعل جميع أفكار الفلاسفة التي تناولت الموضوع عبر التاريخ. يتجلى التوفيق بين المقاربتين في النظر لفلسفة الفعل بمعنيين: معنى خاص وتقني ظهر في المنتصف من القرن العشرين، ومعنى عام يشمل كل فكر تناول الفعل من أي زاوية كانت.


المراجع العربية:

– الزواوي بغورة، الفلسفة واللغة: نقد المنعطف اللغوي في الفلسفة المعاصرة، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت(لبنان)، الطبعة الأولى، 2005.

–  سليفا نأورو، فلسفة اللغة، ترجمة عبد المجيد جحفة، دار الكتاب الجديد المتحدة، الطبعة الأولى، 2010.

المراجع والمصادر الأجنبية:

– Anscombe, Elisabeth, La philosophie morale moderne(1958), trad. Geneviève Ginvert et Patrick Ducray, in Actualité de la philosophie analytique, KLESIS – Revue Philosophique, Numéro 9, 2008.

– Aristote, Ethique à Nicomaque, Trad. (1959) Tricot, livre III, (1109b-1110b), Actes volontaires et actes involontaires.

– Austin, John, A Plea for Excuses, Philosophical papers, Third edition, Oxford, Oxford University Press.

– Blumenberg, Hans, la légitimité des temps modernes, trad. M. Sagnol et autres, nrf, éditions Gallimard, 1999.

– Charles, David, Aristote’s philosophy of action, Londres, duckworth, 1965 (compte rendu) E. Pascal, Dans l’âge de la science, 3, 1990.

– Davidson, Donald, Actions Reasons and Causes, in Essays on Actions and Events, Oxford University Press Inc., New York, 2001.

–  Davidson, Donald, Intellectual Autobiography, In The Philosophy of Donald Davidson(1999), E. L. Hahn (ed.), The Library of Living Philosophers, volume XXVII. Chicago, IL: Open Court.

– Davidson, Donald, L’action, in: Benoist, J. (et all.), Quelle philosophie pour le XXIe siècle? L’Organon du nouveau siècle, Editions Gallimard, Centre Pompidou, Paris, 2001.

– Davidson, Donald, Toward a Unified Theory of Meaning and Action, reprinted in Essays on truth, Language, and Mind, Grazer Philosophische Studien, 11, 1–12, 1990.

– De Saussure, Ferdinand, Cours de linguistique générale, éd. Bally et Sechehaye, PAYOT, PARIS, 1971-95.

– Dilthey, Wilhelm, Einleitung in die Geisteswissenschaften(1883), trad. par Sylvie Mesure, Introduction aux sciences de l’esprit, Paris, Cerf, 1992.

– Dilthey, Wilhelm, Le Monde de l’esprit (1926), trad. M. Rémy, Aubier Montaigne, 1947.

– Engel, Pascal, la philosophie analytique doit-elle prendre un ‘tournant historique’?, in Jean-Michel Vienne, Philosophie analytique et histoire de la philosophie: actes du colloque, Nantes (1991), Vrin, chap. III, 1997.

– Grillo, Eric, La philosophie du langage, édition du Seuil, Mémo 77, octobre 1997.

– Jerzy, Pele, The place of the philosophy of language, in: Guttorm Fløistad, Contemporary philosophy: Philosophy of language, Martinus Nijhoff Publishers Dordrechti Boston/Lancaster, 1986.

– Karl-Otto, Apel, Causal Explanation, Motivational Explanation and Hermeneutical Understanding Remerks on the Recent stage of the explanation-Understanding controversy, in Ryle G., ed., contemporary aspects of philosophy, Stocksfield, Oriel Press, 1976.

– Livet, Pierre, Qu’est-ce Qu’une action?, J. Vrin, Chemins Philosophiques, Paris, 2005.

– Ludwig, Kirk, Donald Davidson, Cambridge University Press, New York, 2003.

– Max, Weber, Économie et société (1921), Tome1: Les catégories de la sociologie. Paris, Plon / Agora, traduction de Julien Freund.

– McKay Rorty, Richard, The linguistic turn, Essays in Philosophical Method, The University of Chicago Press, London, 1967(Published 1992, Printed in the USA).

– Mesure, Sylvie, «Compréhension», in Paugam Serge (dir.), Les 100 mots de la sociologie, Paris, Presses universitaires de France, coll. «Que Sais-Je?».

– Neuberg, Marc, La Théorie De L’Action, Collection Philosophie et langage,  Mardaga, 1991.

– Ricoeur, Paul, volonté (1995), Encyclopoedia universalis, France S.A, Corpus 23, Éditeur à Paris, 1995.

–  Weber, Max, Essai sur le sens de la « neutralité axiologique « dans les sciences sociologiques et économiques [1917], in Essais sur la théorie de la science [1922], trad. fran-., Paris, Plon, 1965 ; rééd. Presses Pocket, «Agora», 1992.


[1]– Wilhelm Dilthey, Einleitung in die Geisteswissenschaften (1883), trad. par Sylvie Mesure, Introduction aux sciences de l’esprit, Paris, Cerf, 1992. (Wilhelm Dilthey, Le Monde de l’esprit (1926), trad. M. Rémy, Aubier Montaigne, 1947, p.320-322 «Idées concernant une psychologie descriptive et analytique» (1894), t. 1, trad. M. Rémy, Aubier Montaigne, 1947, p. 149-150

[2]– «comprendre par interprétation l’activité sociale et par là d’expliquer causalement son déroulement et ses effets « Max Weber, Economie et société (1921), Tome1: Les catégories de la sociologie. Paris, Plon / Agora, traduction de Julien Freund, pp. 28-29

[3]-Sylvie Mesure, « Compréhension «, in Paugam Serge (dir.), Les 100 mots de la sociologie, Paris, Presses universitaires de France, coll. «Que Sais-Je ?», p. 8-9

[4]– Max Weber, Essai sur le sens de la «neutralité axiologique» dans les sciences sociologiques et économiques [1917], in Essais sur la théorie de la science [1922], trad. fran-., Paris, Plon, 1965 ; Rééd. Presses Pocket, « Agora «, 1992, p. 422

[5]– Max Weber, Économie et société [1922], op. cit., p. 115-116.

[6]– Appel K O., Causal Explanation, Motivational Explanation and Hermeneutical Understanding Remerks on the Recent stage of the explanation-Understanding controversy, in Ryle G., ed., contemporary aspects of philosophy, Stocksfield, Oriel Press, 1976, p. 161(pp.161-176)

[7]– Marc, Neuberg, La Théorie De L’Action, Collection Philosophie et langage,  Mardaga, 1991, pp.07-08

[8]-Davidson, Donald, L’action, in: Benoist, J. (et all.), Quelle philosophie pour le XXIe siècle? L’Organon du nouveau siècle, Editions Gallimard, Centre Pompidou, Paris, 2001, p.299

[9]– «il ne nous est pas profitable à présent de faire de la philosophie morale et qu’elle devrait être laissée de côté en tout cas jusqu’à ce que nous ayons une philosophie adéquate de la psychologie, ce dont nous manquons manifestement» in Anscombe, Elisabeth, La philosophie morale moderne(1958), trad. Geneviève Ginvert et Patrick Ducray, in Actualité de la philosophie analytique, KLESIS – Revue Philosophique, Numéro 9, 2008, p.1

[10]-ينتقد عدد من الفلاسفة الآخرين هذه النظرة المجردة إلى الفعل، وهذه المحاولة للبحث في إشكالات الفعل الإنساني وفهمه وتفسيره على أسس منطقية وعقلانية قبل تحديد علاقته بالقيم والمعايير الأخلاقية والاجتماعية وغيرها. يصف جون بيير دويبيJean-Pierre Dupuy، مثلا، هذا التغييب المنهجي للمرجعية الدينية والأسطورية في فهم الفعل الإنساني باعتباره أكبر تراجيديا يعيشها عصرنا.

[11]-Aristote, Ethique à Nicomaque, Trad .(1959) Tricot, livre III, (1109b-1110b), Actes volontaires et actes involontaires, p.58

[12]– Davidson, Donald, L’action, in : Benoist, J. (et all.), Quelle philosophie pour le XXIe siècle? Op. Cit., p.299-300

[13] – Ferdinand de Saussure, Cours de linguistique générale, éd. Bally et Sechehaye, PAYOT, Paris, 1971-95, p.13-14 ?

[14]– Davidson, Donald, L’action, in : Benoist, J. (et all.), Quelle philosophie pour le XXIe siècle? Op. Cit., p.299.

[15] – Ibid, p.299-300

[16]– Ibid., pp.325-326

[17]-»عبَّر ديفيدسن كثيرا عن دهشته من التداخل العجيب بين الحقلين الفلسفيين اللذين استرعيا اهتمامه في هذه المرحلة وهما نظرية الفعل وفلسفة اللغة؛ فقد كان كل حقل يدفع إلى طرح أسئلة ضمن الحقل الآخر، وغالبا ما تجد أسئلة حقل ما أجوبتها ضمن الحقل الآخر». انظر:

-Donald, Davidson(1999b), Intellectual Autobiography, In The Philosophy of Donald Davidson(1999), E. L. Hahn (ed.), The Library of Living Philosophers, volume XXVII. Chicago, IL: Open Court., p.38

[18]-كان باتريك كولونيل سويبPatrick Colonel Suppes(1922-2014)أستاذا في جامعة ستانفورد التي التحق بها دافيدسن آنذاك، فانخرط معه في الاشتغال على نظرية القرار، التي كانت من بين اهتمامات هذا الفيلسوف الأمريكي بالإضافة إلى تخصصات أخرى من قبيل: فلسفة العلم، ونظرية الحساب، والميكانيكا الكوانطية، والسيكولوجيا…إلخ. أماSidney Siegel فهو سيكولوجي ينتمي إلى الاتجاه السلوكي حصل على الدكتوراه في ستانفورد، واشتغل مدرسا بجامعة بنسلفانيا.

[19]– Donald Davidson, J. C. C. McKinsey and Patrick Suppes, Outlines of a Formal Theory of Value,(Apr., 1955) and Donald Davidson, Patrick Suppes, Decision making: an experimental approach, Stanford University Press, 1957

[20]– يقول «نوبرج مارك»: «يتكلم رواد نظرية الفعل على اختلافهم لغة واحدة ومشتركة، غنية بالمصطلحات العلمية والتقنية المحددة والمعرفة تعريفا دقيقا وصريحا لا غموض فيه. ثانيا: يوجد بينهم نوع من الإجماع حول الدقة والصرامة والتحديد المفروض في عملية الحجاج والنقد. ثالثا: يعطون الأهمية للمشكلة على حساب النسق.» انظر:

– Marc, Neuberg, op. cit., pp.07-08

[21]– KIRK, LUDWIG, Donald Davidson, Cambridge University Press, New York, 2003, p.02

[22]– نظرية يدافع عنها دافيدسن في مقالته الشهيرة لسنة 1963 تحت عنوان «الأفعال والعلل والأسباب»، انظر:

– Davidson, Donald, Actions Reasons and Causes, in Essays on Actions and Events, Oxford University Press Inc., New York, 2001, p. 03(Actions et Evénements, trad. Engel Pascal, p. 14)

[23]– Donald Davidson, Toward a Unified Theory of Meaning and Action, reprinted in Essays on truth, Language, and Mind, Grazer Philosophische Studien, 11, 1–12, 1990

[24]– Hans Blumenberg, la légitimité des temps modernes, trad. M. Sagnol et autres, nrf, éditions Gallimard, 1999, p. 138-139.

[25]يُنَبِّهُ ديفيدسن إلى جانب متميِّز في نظرية الفعل عند أرسطو، يختلف به عن التقليد الفلسفي الذي سيستمر في تاريخ الفلسفة من بعده؛ ويتجلى هذا الجانب في كون أرسطو لم يترك مكانا لمفهوم الإرادة؛ وبدلا من ذلك لعب مفهوم المداولة(délibération) دورا مهما في نظريته، دون أن يدخل مع ذلك فعل قرار (acte de décision) منفصل في السلسلة السببية. يعني ذلك أنه عندما يكتشف العقل وسيلة لبلوغ الغاية المرغوبة (وهنا يقوم دور المداولة)؛ فإننا لا نتوقف آنذاك لنقرر فيما إذا كنا سنفعل، كما لن نتوقف للتفكير(والاستدلال) في بلوغ النتيجة المطابقة للفعل (أو هي الفعل نفسه) والمرغوب فيها (غياب فكرة الحرية والإرادة الحرة أو الفعل الحر)؛ بل إننا بكل بساطة نفعل على الفور كما يحب أرسطو أن يكرر ذلك(فوريا). يعني ذلك مماثلة بالقياس المنطقي النظري، الذي لا يوازي فيه أي فعل عقلي استخلاص النتيجة، أن استخلاص النتيجة في الاستدلال العملي هو أن نفعل مباشرة وبشكل فوري(أوتوماتيكيا)، دون تدخل من أي عملية عقلية انتقالية. وهذا التناقض هو وحده ما يميز الاستدلال العملي عن الاستدلال النظري عند أرسطو. (انظر: دونالد ديفيدسن، الفعل، في: أي فلسفة للقرن الحادي والعشرين، ترجمة أنطوان سيف، المنظمة العربية للترجمة، بيرت، 2011، ص.368)

[26]– Ricoeur, Paul, volonté(1995), Encyclopoedia universalis, France S.A, Corpus 23, Éditeur à Paris, 1995, pp. 787-788.

[27]– Davidson, Donald, L’action, in : Benoist, J. (et all.), Quelle philosophie pour le XXIe siècle? Op. Cit., p.313-314

[28]– Richard McKay Rorty, The linguistic turn, Essays in Philosophical Method, The University of Chicago Press, London, 1967(Published 1992, Printed in the USA),p.03…Voir aussi ci-dessous:

– يُذكَر أن أول من استعمل عبارة المنعطف اللغوي هو الفيلسوف الوضعي الجديد غوستاف برغمان عام 1953، قبل أن يستعملها ريتشارد رورتي عنوانا لمجموعة من مختاراته. أنظر: الزواوي بغورة، الفلسفة واللغة: نقد المنعطف اللغوي في الفلسفة المعاصرة، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت(لبنان)، الطبعة الأولى، 2005، ص.05.

[29]– Donald, Davidson, Intellectual Autobiography, op. cit., p.38

[30]– Grillo, Eric, La philosophie du langage, édition du Seuil, Mémo 77, octobre 1997, p.07

[31]– Jerzy Pele, The place of the philosophy of language, in: Guttorm Fløistad, Contemporary philosophy: Philosophy of language, Martinus Nijhoff Publishers Dordrechti Boston/ Lancaster, 1986, p.12

[32]– سليفان أورو(2008)، فلسفة اللغة، ترجمة عبد المجيد جحفة، دار الكتاب الجديد المتحدة، الطبعة الأولى، 2010، ص.07

[33]-يمكن أن نماثل للتمييز بين المقاربة ذات النزعة الخارجية والمقاربة ذات النزعة الداخلية، بالتصنيف الذي وضعه أرسطو للأفعال بين تلك التي سماها بالبراكسيس(praxis): وهي التي تكون هدفا في حد ذاتها ومكتفية بذاتها، مثل فعل الإبصار.والبويزيس(poïésis)، وهي التي ينجز فيها الفعل لغرض اخر غير الفعل نفسه. لكن الفرق هو أننا نتحدث في المقاربتين الداخلية والخارجة عن دراسة الفعل، بينما نتحدث في التقسيم البراكسيس/البويزيس عن إنجاز الفعل. انظر:

– Livet, Pierre, Qu’est-ce Qu’une action ?, J. Vrin, Chemins Philosophiques, Paris, 2005, p. 10

[34]– ترتبط الميتا-أخلاق، أو الأخلاق النظرية بالأسئلة الأكثر تجريدا من أسئلة الأخلاق التطبيقية أو الأخلاق المعيارية. فالسابقة ‹ميتا› تعني ‹ماوراء›؛ وتستعمل غالبا للإشارة إلى خطاب من الدرجة الثانية (مثل اللغة الفوقية التي تعتبر لغة لوصف لغات أخرى). وبالطريقة نفسها تشير المتا-أخلاق إلى تحليل فلسفي للخطاب الأخلاقي ولمفترضاته الإبستيمولوجية والميتافيزيقية. إذا كانت الأخلاق المعيارية تهتم بالنظريات المتعلقة بالفعل والتصرف الأخلاقي، فإن الميتا-أخلاق تهتم بطبيعة الحكم الأخلاقي نفسه وبالخصائص الأخلاقية التي نعزوها للأفعال والأشخاص وللطبائع؛ كأن نتساءل عما إذا كانت الخصائص الأخلاقية هي خصائص طبيعية، وبأي وسائل نتعرف عليها.

[35]– Davidson, Donald, L’action, in : Benoist, J. (et all.), Quelle philosophie pour le XXIe siècle? Op. Cit., p.304-305

[36]– Ibid., p.305

[37]– New Essays on Plato and Aristotle, Ed. Renford Bambrough, London, Routledge and Kegan Paul, 1965. pp. viii, 121-141

[38]– J. L. Austin, A Plea for Excuses, Philosophical papers, Third edition, Oxford, Oxford University Press, pp. 175-204

[39]– D. Charles, Aristotl’sphilosophy of action, Londres, duckworth, 1965(compte rendu E. Pascal Dans l’âge de la science,3, 1990, pp.267-174)

[40]– Engel, Pascal, Présentation De La Traduction D’Actions Et Événements De Donald Davidson, Epiméthée, PUF, p.VI-VII(structure sémantique et forme logique d’après l’analyse aristotélicienne des phrases d’action, in H. Joly(dir.), philosophie et grammaire ds l’antiquité, Grenoble, Paris, Bruxelles, Vrin-Ousia, 1987, pp.181-202

[41]– Engel, Pascal, la philosophie analytique doit-elle prendre un ‘tournant historique’ ?, in    Jean-Michel Vienne, Philosophie analytique et histoire de la philosophie: actes du colloque. Nantes (1991), Vrin, chap. III, 1997, (p.139-152), p.141

[42]-يجعل الحس التاريخي من دافيدسن قريبا إلى الفلسفة القارية، رغم أن دافيدسن يرفض تصنيف الفلسفة إلى قارية وتحليلية، انظر:

3- Davidson, Donald, Intellectual Autobiography, op. cit., p.38

[43]– Engel, Pascal, la philosophie analytique doit-elle prendre un ‘tournant historique’ ? op. cit, p.145

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.