منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المجتمع المسلم بين المؤمنين النصحة، والمنافقين الغششة | سلسلة خطبة الجمعة

الأستاذ بن سالم باهشام

0

المجتمع المسلم بين المؤمنين النصحة، والمنافقين الغششة | سلسلة خطبة الجمعة

الشيخ بن سالم باهشام

خطيب الجمعة بمسجد أم الربيع خنيفرة المغرب سابقا

 

عباد الله، من الأمراض الخطيرة التي تفشت في مجتمعنا؛ ولا تزداد إلا انتشارا، مثل النار في الهشيم؛ الأنانية وحب الذات، إنه داء خطير، يذهب بخيرات البلاد، ويُقطّع الأواصر الاجتماعية، ويفسد سير مؤسسات الدولة، ويشتت الأسر، بل أصبح هذا الداء يتوارثه جيل عن جيل، والأبناء عن الآباء.

كما يلاحظ تفشي النفاق الاجتماعي. حتى أصبح الأشخاص يحبون من يمدحهم ويجاملهم؛ رغم فساد أخلاقهم، وسوء معاملاتهم، وهكذا تمادى المخطئون في غيهم وانحرافهم؛ الأمر الذي أدى إلى الفساد في المجتمع.

عباد الله، إننا إن لم نتدارك الأمر بالحد من هذه المفاسد، والبحث الجاد عن العلاج، فإن العقاب من الله تعالى الذي لا راد له؛ سيحل بهذا المجتمع كله صالحه وطالحه، قال تعالى في سورة الأنفال: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [الأنفال: 25]، وروى الترمذي في سننه، عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ، ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلاَ يُسْتَجَابُ لَكُمْ، وقرأ رسول الله  صلى الله عليه وسلم من سورة المائدة، ” لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ؛ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) [المائدة: 78، 79].

عباد الله، إن دواء ما نتخبط فيه من أمراض اجتماعية، سواء على صعيد الفرد أو المجتمع، هو النصيحة، والتي هي في الشرع، إخلاص الرأي من الغش للمنصوح، وإيثار مصلحته على مصلحتك، وتسمى النصيحة ديناً وإسلاماً أيضاً، كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم، عن تَمِيم الدَّارِيّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّمَا الدِّينُ النَّصِيحَةُ، إِنَّمَا الدِّينُ النَّصِيحَةُ، إِنَّمَا الدِّينُ النَّصِيحَةُ، فَقِيلَ: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُؤْمِنِينَ وَعَامَّتِهِمْ)، [ رواه مسلم ( 55 )، وليس عنده لفظ:” ثلاثا”، ولا كررت جملة:” الدين النصيحة”، وإن جاء ذلك عند غيره، إما إشارة أو تكرارا، كما وقع ذلك -أيضا- في غير حديث تميم، ورواه أبو داود في سننه ج4/ص286 ح4944].

عباد الله، هذا الحديث الجليل؛ عدّه بعض العلماء رُبع الدين، أي أحد أربعة أحاديث التي يقوم عليها الدين الإسلامي كله، فإذا ضاعت النصيحة ضاع الدين:

*فالنصيحة لله عز وجل: منصرف إلى الإيمان به، ونفي الشريك عنه، وترك الإلحاد في صفاته، ووصفه بصفات الكمال، كما هو منصرف لدينه كذلك؛ بالقيام بأوامره، واجتناب نواهيه، وتصديق خبره، والإنابة إليه، والتوكل عليه، وغير ذلك من شعائر الإسلام وشرائعه.

*والنصيحة لكتابه: الإيمان بأنه كلام الله، وأنه مشتمل على الأخبار الصادقة، والأحكام العادلة، والقصص النافعة، وأنه يجب أن يكون التحاكم إليه في جميع شئوننا.

*والنصيحة للرسول صلى الله عليه وسلم: الإيمان به، وأنه رسول الله إلى جميع العالمين، ومحبته، والتأسي به، وتصديق خبره، وامتثال أوامره، واجتناب نهيه، والدفاع عنه، ونحو ذلك.

*والنصيحة لأئمة المسلمين: وهم كل من ولي شيئًا من أمور المسلمين، بالتعاون معهم على البر والتقوى، وتذكيرهم بالحق، وإعانتهم عليه، بكل وسيلة مشروعة، والتواصل مع الجهات النظامية لإبلاغهم عن أي فساد مالي أو إداري أو مخالفة شرعية أو استغلال لمنصب، أو تلاعب بالمال العام، ومن نصيحتهم عدم غشهم أو مداهنتهم أو مجاملتهم على حساب مصالح الناس.

*والنصيحة لعامة المسلمين: أي أفراد الأمة، وتكمن في إرشادهم لمصالحهم في دنياهم وآخرتهم، وكفّ الأذى عنهم، وتعليمهم ما يجهلونه من دينهم وحقوقهم، وستر عوراتهم، ودفع المضار عنهم، وجلب المنافع لهم، والشفقة عليهم، ونصرة مظلومهم، وتوقير كبيرهم، ورحمة صغيرهم، وترك غشهم وحسدهم، والدفاع عن أموالهم وأعراضهم بالقول والفعل، وأن يحب الإنسان لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه، بل يصل الأمر إلى البذل والتضحية من أجل مصالحهم، ومن أجل ذلك صار الدين النصيحة، وأول ما يدخل في عامة المسلمين نفس الإنسان أن ينصح الإنسان نفسه.

عباد الله، من فوائد هذا الحديث الذي يعتبر ربع الدين:

1 – انحصار الدين كله في النصيحة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:( الدِّينُ النَّصِيحَةُ).

2 – أن مواطن النصيحة خمسة: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم.

3 – الحث على النصيحة في هذه المواطن الخمسة، لأنها إذا كانت هذه هي الدين؛ فإن الإنسان بلا شك يحافظ على دينه ويتمسك به، ولهذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم النصيحة في هذه المواطن الخمسة.

4 – تحريم الغش، لأنه إذا كانت النصيحة الدين، فالغش ضد النصيحة، فيكون على خلاف الدين، وقد ثبت فيما رواه ابن عدي والقضاعي، عَنْ ابن عمر رضي الله عنهما قَالَ: قال رَسُولُ اللهِ صلى: (أيها الناس لا غش بين المسلمين، مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا)،[أخرجه ابن عدي (7/206، ترجمة 2108 يحيى بن المتوكل)، وقال: عامة أحاديثه غير محفوظة. والقضاعي(1/228، رقم 351)]

عباد الله، إن من علامة سلامة المجتمع الإسلامي وطهارته من الأمراض الاجتماعية، اتصاف أفراده بصفة التناصح، سواء أكانت لأفراد أم جماعات، لأن الإسلام عد النصيحة لأهميتها في حماية الفرد والمجتمع من كل داء، من حق المسلم على أخيه المسلم؛ لما روى أبو داود في سننه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: (اَلْمُؤْمِنُ مِرْآةُ اَلْمُؤْمِنِ)،[حديث حسن، رواه أبو داود (4918) وزاد:” والمؤمن أخو المؤمن: يكف عليه ضيعته، ويحوطه من ورائه”. ورواه البخاري في الأدب المفرد ج1/ص93 ح238، وابن أبي الدنيا في الإخوان ج1/ص108 ح55]. أي المؤمن ينصح أخاه ويريه عيوبه كما يرى الإنسان نفسه في المرآة.

عباد الله، إن النصيحة من خصائص هذا الدين الإسلامي الحنيف، وهي من دعائم استقامة الأمة واستقرارها، وعلامة من علامات النضج الفكري لمن يمارسها، وكذلك من يستقبلها، وما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي جعل هذه الأمة خير الأمم، إلا صورة من صور النصيحة التي يستقيم بها حال المأمور بالمعروف والمنهي عن المنكر، فيتبدَّل سلوكه من الخطأ إلى الصواب.

عباد الله، إن النصيحة مهمة في الدين، ومن أشرف المهمَّات التي يقوم بها العبد؛ ذلك أن خيرها يتجاوز مؤديَها والقائمَ بها، فالأصل في تأديتها إرادة الخير والحق للمنصوح، فهي تحمل معاني الحرص والحب والإخلاص والصراحة والوضوح مع من يتم نصحهم. فمن نصحَك فقد أحبَّك، ومن داهَنَك فقد غشَّك. لهذا كانت النصيحة مقابل الخداع، والناصحون يقابلهم المنافقون؛ يقول الإمام علي رضي الله عنه: (المؤمنون نصحة، والمنافقون غششة).

عباد الله، حتى لا نتفاجأ عندما ننزل إلى أرض الواقع المعيش قصد إصلاحه بالنصيحة، فإنها رغم كون المراد بها الخير دائمًا للمنصوح، واستقامة أمره، وتصحيح مساره، فمن الناسِ – كان حاكما أو من عامتهم – ، مَنْ هو صعبُ المِرَاسِ، يثبتُ على الخطأِ الذي يَظْهَرُ قُبْحُه، ولا يقبلُ النصيحةَ المحفوفة بالإخلاص وتَلَمُّسِ أسباب التوفيق والبعد عن الفساد بكل أنواعه، لهذا نجد بعض المنصوحين يتمرَّدون على الناصح، وقد يؤذونه بالمقاطعة، أو بالسب والشتم، أو بالضرب، أو بالسجن، أو بالقتل، ويرفضون نصيحته، لأن هؤلاء المستكبرين عن الحق قد تملَّكهم الشيطان، وسيطر عليهم الهوى، فأبوا إلا أن يذعنوا لنفوسهم الأمّارة بالسوء بدلاً من تصحيح مسارهم، وشكر من أبدى إليهم النصح.

عباد الله، إذا كانت المجتمعات الفاسدة عبر العصور، تقتضي بعثة رسول من الله لإنقاذ تلك الأمة من براثن الفساد الذي يُقطّع كيانها، فإن نصيحة هؤلاء الرسل لأقوامهم، كانت هي الوظيفة الرئيسة التي جاء بها الأنبياء والمرسلون عليهم السلام لأقوامهم، متلمِّسين هدايتَهم، وتصحيحَ مسارهم، وإصلاحَ دنياهم وآخرتهم. وتسلية للناصحين، وتوعدا للمستكبرين المترفعين عن النصيحة والرافضين لها، جاء في القرآن الكريم بيان أنباء ما قد سبق من الأمم الهالكة، وما نزل بهم من بأس الله؛ نتيجة إعراضهم عن نُصح المرسلين؛ ليكون عبرةً للمُعتبرين، وذكرى للذاكرين، وآيةً بيِّنةً على وَبال عاقبة كل من حادَّ الله، وصدَّ عن سبيله، وعادَى أولياءَه، وأصمَّ أُذنَيْه عن سماع النُّصح، ولم يستجِب للتذكير؛ بل تشبَّث بباطِله، واتبع هواه وكان أمره فُرُطًا.

* فهذا الطاغية قارون الذي اغتر بماله فطغى وتجبر، ونصحه قومه بعدم التمادي في الطغيان والفساد، ولكنه رفض النصيحة، واغتر بما عنده من أموال، وانخدع بتصفيق الجهلة ممن حوله، فخسف الله به الأرض.

* وهذا الطاغية فرعون الذي ادعى الألوهية والربوبية، وطغى في البلاد وأكثر فيها الفساد، أرسل الله له نبيه موسى عليه السلام بالهدى ودين الحق، وطلب منه طلبًا واحدًا بعد توحيد الله: أن يسمح لبني إسرائيل بالخروج من سجنه الكبير، ليترك مصر كلها له، فأبى الطاغية أن يستجيب للنصيحة، فأغرقه الله، وجعله عبرة للمعتبرين.

* وثمود قوم صالح عليه السلام، حين أصمُّوا آذانهم عن تذكير وتحذير نبي الله لهم، فقال الله في شأنهم في سورة الأعراف: (فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ * فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ) [الأعراف: 77-79].

* وقال في شأن مدين قوم شعيب عليه السلام، في سورة الأعراف والعنكبوت: (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ)[ الأعراف: 91] و[ العنكبوت:37].

* ونصح نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، قومه بترك الشرك والظلم، وبشرهم بأن الله سيفتح للعرب مشارق الأرض ومغاربها، ويحررهم من خطر فارس والروم والحبشة، ويمكنهم في الأرض مع جنات تجري فيها الأنهار خالدين فيها أبدًا في الآخرة، ويعزهم بعد ذل. وكل الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، نصحوا أقوامهم، فأفلح من استجاب، وخاب من استكبر، وهذه سنة الله الباقية في الأمم والأفراد إلى قيام الساعة.

عباد الله، إن النصيحة ليست هي التعيير، وإن كانا يشتركان في ذِكْر الإنسان بما يكره ذِكْرَه، وقد يشتبه الفرق بينهما عند كثير من الناس. إلا أن ذِكر الإنسان بما يكره محرم إذا كان المقصود منه مجرد الذمِّ والعيب والنقص، أما إن كان فيه مصلحة لعامة المسلمين، وخاصة لبعضهم، وكان المقصود منه تحصيل تلك المصلحة، فليس بمحرم، بل واجب شرعي، ومن الفرق بين الناصح والفاضح، أن الفاجر يسعى لإشاعة السوء، ومحبته إيذاء أخيه المؤمن، وإدخال الضرر عليه، أما الناصح فدافعه حب الخير لأخيه، كما يحبه لنفسه، فالنَّاصح غرضُه بنصحه إزالة عيب أخيه المؤمن، واجتنابه له، والفاضح غرضه إشاعة السوء وذم أخيه وتعييره بعيبه.

عباد الله، إن النصيحة واجبة على الناس كافة، وإبداؤها لا يجب إلا سرًا؛ لأن من وعظ أخاه علانية فقد شانه، ومن وعظه سرا فقد زانه، فإبلاغ المجهود للمسلم فيما يزين أخاه أحرى من القصد فيما يشينه، عن سُفْيَان قَالَ: قلت لمسعر: (تحب أن يخبرك رجل بعيوبك؟ قَالَ: أما أن يجيء إنسان فيوبخني بها فلا، وأما أن يجيء ناصح فنعم). وقال النووي: (والنصيحة فرض كفاية، إذا قام بها من يكفى سقط عن غيره، وهي لازمة على قدر الطاقة).

عباد الله، نحن ننصح لأننا نحكم أن الشخص على طريق خاطئ، أو يحتاج إلى تغيير شيء في حياته، وربما هذا الشخص مقتنع بما يفعل، ويشعر أن ما يعمله هو الشيء الصحيح، لذلك علينا أن لا ننصح ونبذل جهدا عاليا في تغيير الآخرين وننسى أنفسنا. فابدأ بنفسك وانهها عن غيها؛ فإذا انتهت عنه فأنت حكيم. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.