الشمائل المحمدية من كلام رب البري (2) سورة الضحى
يعقوب زروق
الشمائل المحمدية من كلام رب البري(2) سورة الضحى
يعقوب زروق
مقدمة:
استهل القاضي عياض رحمه الله الشفا بالتنبيه إلى تعظيم الله قدر نبيه صلى الله عليه وسلم في كتابه وأنه ذكر شمائله وخواصه فيه فقال رحمه الله :” لا خفاء عَلَى مَنْ مَارَسَ شَيْئًا مِنَ الْعِلْمِ، أَوْ خُصَّ بِأَدْنَى لَمْحَةٍ مِنَ الْفَهْمِ بِتَعْظِيمِ اللَّهِ قَدْرَ نَبِيِّنَا ﷺ، وَخُصُوصِهِ إباه بِفَضَائِلَ وَمَحَاسِنَ وَمَنَاقِبَ لَا تَنْضَبِطُ لِزِمَامٍ، وَتَنْوِيهِهِ مِنْ عَظِيمِ قَدْرِهِ بِمَا تَكِلُّ عَنْهُ الْأَلْسِنَةُ وَالْأَقْلَامُ؛ فَمِنْهَا مَا صَرَّحَ بِهِ تَعَالَى فِي كتابه، ونبّه به على جليل نصابه ، وأثنى به عَلَيْهِ مِنْ أَخْلَاقِهِ وَآدَابِهِ، وَحَضَّ الْعِبَادَ عَلَى التزامه وتقّلد إيجابه “. [1]
قلت: ومن ذلك ما ذكره سبحانه من فضائل باهرة وكرامات ظاهرة في سورة الضحى التي مسحت أحزانه صلى الله عليه وسلم حين لمزته حمالة الحطب الكافرة. وبشرته بخيري الأولى والاخرة . وبعطايا ترضيه في أمته عند الساهرة.
يقسم المولى سبحانه وهو الحق وقوله الصدق تأكيدا على ما خص وأكرم به حبيبه صلى الله عليه وسلم من جليل الفضائل والعطايا. وعظيم المناقب والسجايا. يقسم سبحانه بالضحى لما تدل عليه من عظمته سبحانه إذ يقلب الليل والنهار وإذ يأتي بالنور بعد الظلام. وهل بعثة نبيه صلى الله عليه وسلم إلا ضحى جلت ظلام الشرك وإلا نور أعقب ليل الجاهلية. ويقسم بالليل إذا سجا وسكن فيتجلى الرب بجلاله فلا تسمع إلا أصوات الخاشعين المتبتلين. سجا لما خلا المحبون بحبيبهم يناجوه وقد كان إمامهم صلى الله عليه وسلم أحرصهم على الليل يقومه إلا قليلا.
يقسم سبحانه على جملة من الشمائل المحمدية عظيمة كعظمة هذا القسم. بينة كنور الضحى. جليلة كجلال الليل إذا سجا. ومن تلك الشمائل:
1 – حب ووصال:
قال سبحانه: ” ما ودعك ربك وما قلى“
زعم المشركون أن الله سبحانه ترك حبيبه وقلاه بعد أن فتر الوحي فترة أرادها الحق سبحانه لحكمة بالغة. فجاءت سورة الضحى تفنذ مزاعمهم وتؤكد أنه سبحانه ما ودعه فهو في وصال دائم بلا انقطاع ولا قلاه وأبغضه فهو حبيب محبوب . وأكرم بهذين من فضيلتين.
قال الزمخشري رحمه الله: ” لما كان في ضمن نفي التوديع والقلي أنّ الله مواصلك بالوحي إليك، وأنك حبيب الله ولا ترى كرامة أعظم من ذلك ولا نعمة أجل منه: أخبره أن حاله في الآخرة أعظم من ذلك وأجل.”[2]
ويظهر هذا الحب في لفظ ” الرب ” في جملة “ما ودعك ربك” لما تحمله كلمة الرب من معاني العناية والرحمة والتربية ولما يدل عليه إضافة كلمة الرب إلى كاف الخطاب الخاص به صلى الله عليه وسلم. يقول الطاهر بن عاشور رحمه الله في تفسير سورة الكوثر: ” وإضافَةُ (رَبٍّ) إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ لِقَصْدِ تَشْرِيفِ النَّبِيءِ ﷺ وتَقْرِيبِهِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهُ يَرُبُّهُ ويَرْأفُ بِهِ” [3].
بهذا الوصال والحب كان صلى الله عليه وسلم وسيلة العباد إلى ربهم فلا وصول لهم إليه إلا بالحبيب. فهو العروة الوثقى. حَكَى أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ فِي تَفْسِيرِ قوله تعالى: «فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى إِنَّهُ مُحَمَّدٌ ﷺ.[4]
وقال أبو بكر محمد بْنُ طَاهِرٍ: ” زَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى مُحَمَّدًا ﷺ بِزِينَةِ الرَّحْمَةِ، فَكَانَ كَوْنُهُ رَحْمَةً، وَجَمِيعُ شَمَائِلِهِ وَصِفَاتِهِ رَحْمَةً عَلَى الْخَلْقِ، فَمَنْ أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ رَحْمَتِهِ فَهُوَ النَّاجِي فِي الدَّارَيْنِ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ، وَالْوَاصِلُ فِيهِمَا إِلَى كُلِّ مَحْبُوبٍ.” [5]
2 – تشريفه صلى الله عليه وسلم في الآخرة:
ومن شمائله صلى الله عليه وسلم في السورة أن الله سبحانه خصه بخير الآخرة لهوان الدنيا على الله. فلم يرض له سبحانه الدنيا لكرامنه صلى الله عليه وسلم وإنما أراد له الآخرة فقال سبحانه: “وللآخرة خير لك من الأولى”
فهو سيد الناس يوم القيامة وصاحب لواء الحمد وصاخب الشفاعة والمقام المحمود .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا بِيَدِي لِوَاءُ الْحَمْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَوَّلُ شَخْصٍ يَدْخُلُ عَلَيَّ الْجَنَّةَ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمِثْلُهَا فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ مِثْلُ مَرْيَمَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ،»[6]
وعَنْ أُمِّ كُرْزٍ، أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «أَنَا سَيِّدُ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا بُعِثُوا، وَسَائِقُهُمْ إِذَا وَرَدُوا، وَمُبَشِّرُهُمْ إِذَا أُبْلِسُوا، وَإِمَامُهُمْ إِذَا سَجَدُوا، وَأَقْرَبُهُمْ مَجْلِسًا مِنَ الرَّبِّ تَعَالَى إِذَا اجْتَمَعُوا، أَقُومُ فَأَتَكَلَّمُ فَيُصَدِّقُنِي، وَأَشْفَعُ فَيُشَفِّعُنِي، وَأَسْأَلُ فَيُعْطِينِي،»[7]
3 – ربه يسارع في رضاه.
قال سبحانه: “ولسوف يعطيك ربك فترضى“
وهذه منقبة عظيمة خصه بها ربه إذ أعطاه ما يرضيه. فأعطاه النبوة وإمامة الرسل. وأعطاه القرآن خير الكتب. فقال سبحانه ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَیۡنَـٰكَ سَبۡعࣰا مِّنَ ٱلۡمَثَانِی وَٱلۡقُرۡءَانَ ٱلۡعَظِیمَ﴾ [الحجر 87]
وأعطاه الكوثر وأعطاه الشفاعة وأعطاه ما لم يعطه نبي قبله.
عن جابر رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أحَدٌ مِنَ الأنْبِياءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وجُعِلَتْ لي الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا، وأَيُّما رَجُلٍ مِن أُمَّتي أدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ فَلْيُصَلِّ، وأُحِلَّتْ لي الغَنائِمُ، وكانَ النبيُّ يُبْعَثُ إلى قَوْمِهِ خاصَّةً، وبُعِثْتُ إلى النّاسِ كافَّةً، وأُعْطِيتُ الشَّفاعَةَ.”[8]
4 – شعب الإيمان:
من خلال هذه السورة وما دلت عليه من شمائل لرسول الله صلى الله عليه وسلم نقف على مجموعة من شعب الإيمان. نذكرها هنا ونستدل عليها بما تيسر من سنته وسيرته العطرة.
أ – خصلة الصحبة والجماعة:
- البر وحسن الخلق.
عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقْبِلُ بِوَجْهِهِ وَحَدِيثِهِ عَلَى أَشَرِّ الْقَوْمِ يَتَأَلَّفُهُمْ بِذَلِكَ فَكَانَ يُقْبِلُ بِوَجْهِهِ وَحَدِيثِهِ عَلَيَّ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنِّي خَيْرُ الْقَوْمِ.” [9]
ب – خصلة الذكر
- الخوف من الله عز وجل والرجاء له.
عَنْ مُطَرِّفٍ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي وَلِجَوْفِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ مِنَ الْبُكَاءِ»[10]
جـ – خصلة الصدق
- الإيمان باليوم الآخر
عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إني أرى ما لا تَروْنَ، وأسمَعُ ما لا تَسمَعونَ، أطَّتِ السَّماءُ وحُقَّ لها أنْ تَئِطَّ، ما فيها مَوضِعُ أربَعِ أصابِعَ إلّا ومَلَكٌ واضِعٌ جبهَتَهُ ساجِدًا للهِ تعالى، واللهِ لو تَعلَمون ما أعلَمُ، لضَحِكتُم قليلًا، ولبَكَيتُم كثيرًا، وما تلذَّذتُم بالنِّساءِ على الفُرُشِ، ولخَرَجتُم إلى الصُّعُداتِ تَجأَرونَ إلى اللهِ تعالى”[11].
د – خصلة البذل
- إيتاء ذوي القربى واليتامى والمساكين
وَقَال صلى الله عليه وسلم : «مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي أُحُدًا ذهبا يبيت عندي منه دينار، إلا دينار أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ وَأَتَتْهُ دَنَانِيرُ مَرَّةً فَقَسَّمَهَا، وَبَقِيَتْ منها سِتَّةٌ، فَدَفَعَهَا لِبَعْضِ نِسَائِهِ فَلَمْ يَأْخُذْهُ نَوْمٌ حَتَّى قَامَ وَقَسَّمَهَا، وَقَالَ: «الْآنَ اسْتَرَحْتُ وَمَاتَ، ودرعه مرهونة في نفقة عياله “[12].
وكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه إِذَا نَعَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ كَفًّا، وَأَكْرَمَهُمْ عِشْرَةً، مَنْ خَالَطَهُ فَعَرَفَهُ أَحَبَّهُ” [13]
هـ – خصلة التؤدة
- الرفق والأناة والحلم ورحمة الخلق
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها،أَنَّهَا قَالَتْ: «لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا وَلَا صَخَّابًا فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يَجْزِىءُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ»[14]
- التواضع.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، رضي الله عنه أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً، فَقَالَ: «اجْلِسِي فِي أَيِّ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ شِئْتِ أَجْلِسْ إِلَيْكِ[15]»
الهوامش:
[1] – الشفا بتعريف حقوق المصطفى المؤلف عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي، أبو الفضل (ت ٥٤٤هـ) ص 45
[2] – الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل. المؤلف: أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري جار الله (ت 538هـ)
[3] – لتحرير والتنوير «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»
المؤلف: محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي (المتوفى: 1393هـ)
[4] – الشفا بتعريف حقوق المصطفى
[5] – نفسه
[6] – دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني
[7] – نفسه
[8] – صحيح البخاري (438)
[9] – الشمائل المحمدية. الترمذي (344)،
[10] – أخرجه النسائي (1214
[11] – خرجه الترمذي (2312)،
[12] – الشفا بتعريف حقوق المصطفى
[13] – أخلاق النبي وآدابه المؤلف: أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الأنصاري المعروف بأبِي الشيخ الأصبهاني (ت 369هـ)
[14] – أخرجه الترمذي (2016)
[15] – الشمائل المحمدية للترمذي