منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الشمائل المحمدية من كلام رب البرية – سورة الفتح

الأستاذ يعقوب زروق

0

الشمائل المحمدية من كلام رب البرية – سورة الفتح

بقلم: الأستاذ يعقوب زروق

مقدمة :

جزى الله خيرا أسيادنا الذين جمعوا شمائل رسول الله صلى الله عليه وسلم من صحيح السنة. كأبي عيسى الترمذي رحمه الله في كتابه “الشمائل المحمدية والخصال المصطفوية” حتى قيل: “إن مطالع هذا الكتاب كأنه يطالع طلعة ذلك الجناب ويرى محاسنه الشريفة في كل باب” وعرفوا الناس بحقوقه على الأمة في ” الشفا بتعريف حقوق المصطفى” لأبي الفضل القاضي عياض رحمه الله. فقيل: ” كانت الشمس تطلع على الناس من المشرق وتغرب في المغرب وجاءنا نحن أهل المشرق شمس أخرى من المغرب الأقصى وهي كتاب الشفا لعياض” . وتتبعوا دلائل نبوته في كتاب : ” دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة” للإمام أحمد بن الحسين أبو بكر البيهقي (ت 458هـ) رحمه الله . فقال الحافظ ابن كثير عنه: «دلائل النبوة لأبي بكر البيهقي من عيون ما صنّف في السيرة والشمائل».

هاته الكتب الثلاث هي للمثال فقط لا الحصر أردت أن أعرف القارئ الكريم بها في هذه المقدمة لنفاستها.

وشمائل رسول الله صلى الله عليه وسلم مبثوثة قبل هذا في كلام رب البرية فهو سبحانه أعلم بقدر نبيه صلى الله عليه وسلم. كان الناس يقرؤونها في كتاب الله فيفقهونها دون حاجة لبيان. أما والعجمة غطت على القلوب والألسن فإنه صار لزاما استكشافها وتبيينها. فنقف إن شاء الله مع سورة الفتح نتدبرها، نستخلص منها فضائل رسول الله صلى الله عليه وسلم وشمائله الكريمة.

1- مكانته صلى الله عليه وسلم من ربه عز وجل:

“إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا”[الفتح: 1-3]

الرب جل جلاله في عليائه وكبريائه يتكلم بضمير العظمة “إنا فتحنا” لتظهر عظمة المنة التي من بها على نبيه صلى الله عليه وسلم فعظمة النعمة بعظمة المنعم. ويخاطبه بكاف الخطاب ” لك ” كاف الخطاب يخاطب بها المتكلم المخاطب الحاضر الماثل أمامه لا الغائب البعيد . هنا المتكلم هو الله عز وجل يخاطب حبيبه صلى الله عليه وسلم فدل ذلك على قربه من ربه ومعيته له. وهذه منقبة عظيمة له صلى الله عليه وسلم.

ومن شمائله العظيمة كذلك أن الله جعله حجة على الخلق فلا يعذر أحد بعده صلى الله عليه وسلم فجعله شاهدا على الناس فلا يؤمن أحد بالله إلا به ولا يعظم ويسبح أحد الله إلا باتباعه صلى الله عليه وسلم وتوقيره ومبايعته .“إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا”  [الفتح: 8-9]

وهذا منتهى التعظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن كثير رحمه الله:  ” ثُمَّ قَالَ تَعَالَى لِرَسُولِهِ ﷺ تَشْرِيفًا لَهُ وَتَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ كَقَوْلِهِ ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النِّسَاءِ: ] [1]

ومن كرامته على ربه عطف اسمه على اسم الله في الإيمان والطاعة لبيان أن الإيمان لا يكون إلا به وأن طاعته هي طاعة لله وتوعد مخالفيه بالنار.“وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا” [الفتح: 13] ” لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا” [الفتح: 17]

2-منن وسنن:

تكرم الله على حبيبه صلى الله عليه وسلم بالفتح المبين وجعل هذه المنة علة لمنن أخرى تابعة لها من مغفرة الذنب المتقدم والمتأخر ومن إتمام النعمة والهداية والنصر العزيز . وهذا من عظيم كرم الله على حبيبه صلى الله عليه وسلم. أعطاه الفتح وكافأه عليه. فاعجب من عظيم كرم الله على نبيه جعل الفتح المبين وهو منة منه كالعمل قام به حبيبه صلى الله عليه وسلم “أعطاك ونسب إليك” ذاك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق الرؤيا واتخذ الأسباب وحرص على الصلح.

رأى صلى الله عليه وسلم رؤيا تنبئه أنه دخل مكة للعمرة هو وأصحابه. ومكة يومئذ في قبضة المشركين. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفذ وحي الله ( الرؤيا) مخبرا أصحابه. فقصدوا مكة، وساقوا الهدي، وكلهم شوق لبيت الله الحرام. غير أن قدر الله الحكيم كان يسوقهم لفتح مبين هو صلح الحديبية. حصرتهم قريش عن البيت وتفاوضت معهم على الصلح وهي التي كانت قبل سنة فقط تحاصر المدينة بعشرة آلاف مقاتل في غزوة الأحزاب. فكان هذا الصلح منة عظمى لرسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الناس بسببه في دين الله أفواجا ومهد لفتح مكة.

” عن مُجَمِّعِ بْنِ جَارِيَةَ الْأَنْصَارِيِّ، وَكَانَ أَحَدَ الْقُرَّاءِ الَّذِينَ قَرَءُوا الْقُرْآنَ، قَالَ: شَهِدْنَا الْحُدَيْبِيَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا انْصَرَفْنَا عَنْهَا، إِذِ النَّاسُ يَهُزُّونَ بِالْأَبَاعِرِ، فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: مَا لِلنَّاسِ؟ قَالُوا: أُوحِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَخَرَجْنَا مَعَ النَّاسِ نُوجِفُ فَوَجَدْنَا النَّبِيَّ ﷺ وَاقِفًا عَلَى رَاحِلَتِهِ عِنْدَ كُرَاعِ الْغَمِيمِ فَلَمَّا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ، قَرَأَ عَلَيْهِمْ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفْتَحٌ هُوَ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّهُ لَفَتْحٌ [2]«

وعَنِ الزُّهْرِيِّ «لَقَدْ كَانَ يَوْمُ الْحُدَيْبِيَةِ أَعْظَمَ الْفُتُوحِ ذَلِكَ أَن النبيء ﷺ جَاءَ إِلَيْهَا فِي أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ فَلَمَّا وَقَعَ صُلْحٌ مَشَى النَّاسُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، أَيْ تَفَرَّقُوا فِي الْبِلَادِ فَدَخَلَ بَعْضُهُمْ أَرْضَ بَعْضٍ مِنْ أَجْلِ الْأَمْنِ بَيْنَهُمْ، وَعَلِمُوا وَسَمِعُوا عَنِ اللَّهِ فَمَا أَرَادَ أَحَدٌ الْإِسْلَامَ إِلَّا تَمَكَّنَ مِنْهُ، فَمَا مَضَتْ تِلْكَ السَّنَتَانِ إِلَّا والمسلمون قد جاؤوا إِلَى مَكَّةَ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ« [3]

ومن شمائله كذلك أن الله رضي عن المؤمنين لأنهم بايعوه صلى الله عليه وسلم تلك البيعة المباركة تحت الشجرة، بيعة الرضوان. فأكرمهم الله برضوانه وأثابهم بفتح خيبر قريبا، وبمغانمها الكثيرة التي خصوا بها دون غيرهم. “لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ” [الفتح: 18]

منن معجلة، وأخرى مؤجلة تأجيلا قريبا. من المعجلة رضاه والفتح المبين، صلح الحديبية، الذي به كف الله أيدي المشركين عنهم بعدما جاؤوهم عزلا بغير سلاح عدا سلاح المسافر. فكانت آية أن كف الله المشركين عنهم في هاته الفرصة السانحة للقضاء عليهم. “وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا” [الفتح: 20]

ومن المنن السنن التي أكرمهم الله بها أن بشرهم بالنصر على الأعداء مهما فاقوهم عددا وعدة. سنة الله التي لا تتخلف عن عباده المؤمنين . “وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا” [الفتح: 22-23]

ومن كرامته كذلك صلى الله عليه وسلم وبركاته على أصحابه أن شملتهم السكينة التي أنزلها الله عليه بعد أن غاظتهم شروط الصلح التي رأوها مجحفة فحاك ذاك في صدورهم. بل جادلوا وتأخروا عن الامتثال للأمر النبوي حين أمرهم بالتحلل من العمرة بالحلق والنحر، بعد عقد الصلح، والاتفاق على أن تؤجل العمرة للعام القابل. لكن رحمة الله حفظتهم من مخالفة أمر نبيه صلى الله عليه وسلم فسخر الله أمهم الرحيمة الحكيمة أم سلمة رضي الله عنها حيث أشارت عليه صلى الله عليه وسلم أن يخرج ولا يكلم أحدا وأن يحلق وينحر. فقام القوم  يكادون يقتتلون على شعره لا تسقط شعرة إلا في يد أحدهم. وقاموا يحلق بعضهم لبعض بعدما غشيتهم سكينة الصحبة. “إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا”  [الفتح: 26]

ورَوى البَيْهَقِيُّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: «أقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ راجِعًا فَقالَ رَجُلٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: واللَّهُ ما هَذا بِفَتْحٍ صُدِدْنا عَنِ البَيْتِ وصُدَّ هَدْيُنا. فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ: بِئْسَ الكَلامُ هَذا بَلْ هو أعْظَمُ الفَتْحِ لَقَدْ رَضِيَ المُشْرِكُونَ أنْ يَدْفَعُوكم بِالرّاحِ عَنْ بِلادِهِمْ ويَسْألُوكُمُ القَضِيَّةَ ويُرَغِّبُونَ إلَيْكُمُ الأمانَ وقَدْ كَرِهُوا مِنكم ما كَرِهُوا ولَقَدْ أظْفَرَكُمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَدَّكم سالِمِينَ غانِمِينَ مَأْجُورِينَ، فَهَذا أعْظَمُ الفَتْحِ أنَسِيتُمْ يَوْمَ أُحُدٍ إذْ تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ وأنا أدْعُوكم في أُخْراكم، أنَسِيتُمْ يَوْمَ الأحْزابِ ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكم وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾ [الأحزاب: ١٠] . فَقالَ المُسْلِمُونَ: صَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ وهو أعْظَمُ الفُتُوحِ واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ ما فَكَّرْنا فِيما ذَكَرْتَ، ولَأنْتَ أعْلَمُ بِاللَّهِ وبِالأُمُورِ مِنّا» .

وزيادة في ترسيخ اليقين أنزل الله هذه الآيات يبشرهم بالعمرة في أمن وسلام بعد الصلح بل يبشرهم بإظهار الدين على كل دين” لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ” [الفتح: 27]

3-هي لي ولأمتي:

لما نزلت الآيات الأولى من سورة الفتح التي بشر الله فيها حبيبه صلى الله عليه وسلم بهذه المنن تاقت نفوس الصحابة إلى مثل ما أوتيه حبيب الله. وهم أهل عزائم يسألون الله معالي الأمور وعظامها. وكيف لا يكونون كذلك وهم في صحبته تغشاهم بركاته صلى الله عليه وسلم .

ذَكَرَ النِقاشُ «أنَّ رَجُلًا مِن عَكٍّ قالَ: هَذِهِ لَكَ يا رَسُولَ اللهِ، فَما لَنا؟ فَقالَ النَبِيُّ ﷺ: “هِيَ لِي ولِأُمَّتِي كَهاتَيْنِ”، وجَمَعَ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ.» [4]

فأنزل الله بعدها آيات فصل لهم فيها ما خصهم به. “لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا”  [الفتح: 5]

عن أنس بن مالك، في قوله ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ قال: نزلت على النبيّ ﷺ مرجعه من الحديبية، وقد حيل بينهم وبين نسكهم، فنحر الهدي بالحديبية، وأصحابه مخالطو الكآبة والحزن، فقال: لَقَدْ أُنزلَتْ عَلي آيَةٌ أحَبُّ إليَّ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعا، فَقَرَأَ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ … إلى قوله ﴿عَزِيزًا﴾ فقال أصحابه هنيئا لك يا رسول الله قد بين الله لنا ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا، فأنزل الله هذه الآية بعدها ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ … إلى قوله ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ .[5]

وختمت السورة بثناء عظيم من الله على نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه الكرام وشهادة من الله لهم بالصحبة المباركة والمعية الدائمة له صلى الله عليه وسلم. تلك المعية التي زكت أخلاقهم فكانوا رحماء بينهم. وزكت جهادهم فكانوا أشداء على الكفار. وزكت عبادتهم فصرت تراهم ركعا سجدا. وزكت قلوبهم فلا يبتغون بعبادتهم تلك إلا فضل الله ورضوانه. وزكت سمتهم فامتازوا بسيما السجود في وجوههم. وزكت ذكرهم فذكروا في التوراة والإنجيل بأعظم ذكر ووصفوا بأجمل وصف. مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا  [الفتح: 29]


الهوامش:

[1]  – تفسير ابن كثير — ابن كثير (774 هـ)

[2]  – المستدرك على الصحيحين – المؤلف: أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري 2593

[3]  – التحرير والتنوير «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد» – المؤلف: محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور (المتوفى: 1393هـ) ج 26 ص 145

[4]  – المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز – المؤلف: أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن تمام بن عطية الأندلسي المحاربي (ت 542هـ)

[5]  – جامع البيان عن تأويل آي القرآن – المؤلف: أبو جعفر، محمد بن جرير الطبري (٢٢٤ – 310هـ)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.