المتعلم بين أحكام القيمة وأحكام الواقع
(نحو معالم من نور)
عبد العزيز قريش
هذه الورقة:
هذه الورقة قاربت أحكام القيمة وأحكام الواقع، وأثرها على المتعلم/ة وأدائه التعلمي، رافعة جرس الإنذار أمام مكونات العملية التعليمية التعلمية، خاصة منها ركيزة الممارسة الصفية؛ الممارس البيداغوجي والمتعلم/ة، لمعطيات في المؤسسات التعليمية واقعية ومعيشة، تشي بتوتر شديد في العلاقة البينية بينهما نتيجة الأحكام التي يصدرها الأول تجاه الثاني والعكس صحيح. ما يؤدي إلى سلوك شاذ ما كان ليكون لو كانت تلك العلاقة سليمة وشفافة وصريحة ضمن أخلاقيات المهنة وأخلاقيات وقيم الإنسان المعتدل المفكر والموضوعي الذي يقيس الأشياء بالعقل، ولا يقدم على أفعاله وسلوكاته إلا بعد دراسة وتحليل لما سينتج عنها. ويسلك فيها مسلك الرشد العقلي لا التهور العاطفي. فهذه الأحكام هي الأساس في استمرار العلاقة البينية في المؤسسة التعليمية سليمة وفعالة وبناءة فضلا عن تطوير وتحسين الفعل التعليمي التعلمي.
وقد سلكت الورقة الوصف والتحليل والحوار والحجاج بما فتحها على وعي طبيعة العلاقة البينية بين الممارس البيداغوجي والمتعلم/ة وأهميتها ودورها في العملية التعليمية التعلمية، وفهم واستيعاب أحكام القيمة وأحكام الواقع التي تنتج عنها، وأثرها وتأثيرها على تلك العلاقة. وبما يستدعي توجيهها نحو الإيجابية من قبل الجميع لإنجاح العلاقة ذاتها وناتجها وعائدها على مكونات الفعل التعليمي.
قصدا
[للكتابة ضغط حبري، مثلما للجسم ضغط دموي. إلا أننا قلما نهتم بقياس هذا الضغط، فنكتفي بالدراسة الأسلوبية أو الشعرية أو اللسانية. لكن، لو فعلنا، لتبينا أن هذا الضغط، ككل ضغط، يتراوح بين انخفاض وارتفاع حسب المناخ الاجتماعي والمرتفع الاقتصادي والجو السياسي. لكي يرتفع ضغط الكتابة ينبغي أن تكون وليدة استنكار ورفض، أو بالأحرى، ينبغي أن تجسد هي نفسها انفجارا وتوترا بحيث يغدو نسيج العبارة التنافر والتأزم. ولا يمكن أن يتحقق هذا، بطبيعة الحال، إلا إذا كانت الكتابة وليدة وعي شقي لا يرتاح إلى ما هو كائن، وإنما يسعى أن يرفعه نحو ما ينبغي أن يكون. فإذا هو أدرك صعوبة الانتقال، وتبين الهوة بين الكائن والممكن حافظ عليها ولم يتسرع إلى إلغائها. هذا البون بين الاثنين هو الذي يخلق شقاء الوعي ويرفع ضغط الكتابة ويعلي من توترها]
د. عبد السلام بنعبد العالي
وإن ارتفع ضغط الكتابة وتوترها في المجال التعليمي في زمن العبث التربوي بمسير الإنسان
أفاد أن:
ـ الطفل يحتاج إلى الحب والتفهم كي تنفتح شخصيته ـ
جان بوطي
Jean Beauté
ـ قول للتأمل:
أخطر ما في الفعل التعليمي أن تمارسه عن هواية أو مدفوعا بحكم الضرورة القصوى للمعيش اليومي تحت وطأة الظروف القاسية، ولا تحت إشباع شخصي لرغبة أو شعور أو حاجة نفسية أو إرادة؛ ودون دراية، ودون تكوين أساس أو مستمر، في غياب اكتساب فرشة معرفية بأساسياته النظرية ومقوماته الفلسفية، ودون إيمان به، ولا متعة ولذة فيه، ودون الألم من أجله وعيا به وبرسالته الإنسانية، ودون بعد نظر استراتيجي يستقصي الغايات والأهداف، ويسعى إليها سعي الرضيع إلى حليب أمه أو سعي الطفل إلى مستقبله. وأخطر من ذلك أن تمارسه عن تقليد أعمى موروث عبر الأجيال شفهيا أو كتابة أو اشتغالا، مملوء بالمغالطات التربوية والشطحات الفكرية من خارج العقل والضبط والعلمية والتجريب والتمحيص والفحص والتدقيق، من خارج التفكير الناقد وصنوه الإبداعي. يمارس التعمية عن مقولاته البالية بالشعوذة التربوية، والأفعال الفرجوية. ينأى بنفسه عن الكفايات المهنية والمعرفة الأكاديمية والتدريبات الميدانية قبل خوض التجربة التعليمية، يزج بنفسه في الفعل التعليمي من باب التبسيط والتسطيح زعما منه بالقدرة على الفعل أو امتلاكه كفاية الفعل، وهو الوباء والسرطان القاتل للتربية والتعليم في العالم العربي، الذي حقنته السياسة في العقل العربي والنفس العربية، وفي السياسة التعليمية وعقلها الجمعي بأن رسالة ومهنة التعليم سهل إتيان إجراءاتها وتفاصيلها، ولو كنت بعيدا عن المعرفة والعلم ردحا من الدهر، مثل ما أوقعه ويوقعه سياسيو منظومات التربية والتكوين في عالمنا العربي بما فيه بلدنا الحبيب المغرب؛ الذي حطم الأرقام القياسية في الإصلاح، وإصلاح الإصلاح، وإعادة إصلاح إصلاح أزمة المنظومة التربوية والتكوينية بنيويا ووظيفيا؛ استدامة للحال حتى تحصيل المحال. وما هو بمحال إن رصده المَحال.
فهذا الإيقاع يقع على الناشئة وقعا شديد النتائج الكارثية، فهم ضحية عقلية تدبيرية معلولة معطوبة بكل العلل العقلية والنفسية والجسدية، غير واعية لذاتها ولا لغيرها، لم تحيد قط مستقبل البلاد عن المخاطر، بل وضعته في فوهة البركان وأتونها، بوضع الناشئة في محرقة الفعل التربوي الارتجالي، فاقد الهوية والوجهة والمسار والهدف، بل فاقد القدرة على إحداث التغيير المنشود والطفرة المطلوبة في التربية والتكوين. فهي عقلية لم تقرأ المشهد التربوي والتكويني المغربي التفصيلي، ولا تحلله بعلمية صارمة لكي تقف على قضاياه ومشاكله الحقيقية التي تؤثر فيه، وتؤدي إلى هذه الاختلالات التي نعيش نتائجها وحواصلها السلبية. فكثيرا ما نذهب إلى تبني رؤية خارجية حدسية لمقاربته، بدل تبني رؤية علمية واقعية تحليلية، وأدوات ومعينات مخبرية كاشفة عن مواطن وأسباب الأزمة، واستئصالها من جذورها. لذا وجب مراجعة موقفنا وقراراتنا وسياساتنا ورؤانا واجتهاداتنا التربوية والتكوينية، وتحمل كامل مسؤولياتنا نحو ذلك ونحو الأجيال القادمة. فإن سألتها من هو المتعلم/ة المغربي؟ لا تجيب بدقائق سماته وخصائصه ومميزاته وطبائعه وتطبعاته، وإنما الجواب من الأدبيات التربوية العامة العالمية، لا تفيد بتفريد مناهج دراسية خاصة به، ولا تخصيص استراتيجيات مناسبة لمدركاته وقدراته ومهاراته وكفاياته، ولا تفيد في تحديد سحنته؛ وقس على ذلك الكثير من الأسئلة وعلامات الاستفهام التي تتغيى طرق الوضوح في سيرنا التربوي نحو المستقبل.
ـ إشكالية من واقعنا التربوي والتكويني:
الواقع التربوي والتكويني يعج بالعديد من الإشكاليات والمشاكل التي تتطلب تدخلا لمقاربتها ومعالجتها، وتحييد تأثيرها وآثارها السلبية. ومن بينها إشكالية التواصل الاجتماعي والتربوي للمارس البيداغوجي مع المتعلمات والمتعلمين في إطار تفاعلات المثلث البيداغوجي، في بعد التعاقد البيداغوجي بخطاب مدرسي لا يخلو من أحكام ذاتية أو موضوعية في تبادلية رياضياتية ذهابا وجيئة بين الممارس البيداغوجي ومتعلماته ومتعلميه فضلا عن باقي مكونات المجتمع المدرسي المباشرة وغير المباشرة، ذات الصلة بالشأن التربوي والتكويني. ومن ثمة قد تكون هذه الأحكام مغلقة؛ تقع نقطة في آخرها، ثم بعدها الرجوع إلى السطر أو تكون مفتوحة؛ تقع فاصلة تحتها نقطة أو فاصلة لمتابعة الخطاب. وهي أحكام إما تفتح مجال الخطاب والحوار على مصراعيه أو تغلقه نهائيا.
(إن أحكام الواقع تسمح في نفس الوقت، بتحليل الوضعية والتفكير في نتائج الأعمال وتبني مقاربة وضعية، عبر التقريب بين أحكام متعددة من هذا القبيل: ” انظر إلى ما يحدث عندما لا ننجز العمل ولا نفي بوعدنا ولا ننصت إلى الآخرين أو نضرب من هو أضعف منا إلخ … ” وبصيغة أخرى، فإن مخاطبة الغير بالقول: ” إنك شرير وكسول وأناني “، يفضي … إلى حصره داخل تعريف غير فعال، لن يتعرف فيه على نفسه، بحيث يحط من قيمته بدون فائدة ويجعله مستعدا للهجوم. لكنني حينما أقول: ” إنك عندما لا تنهي عملك، تعرضني للسخرية ولا تقيم وزنا للآخرين. وفي الحقيقة فأنا أعبر هنا عن شعوري وشعورهم أيضا “؛ فإن مثل هذا القول يسمح بإقامة الحوار ويؤدي إلى تشارك القيم. فنحن لا ننطلق من آراء قبلية، دينية وفلسفية وإيديولوجية، بل نحاول أن نوضح هنا والآن طبيعة المواجهة ونبحث عن إمكانية تجاوزها)[1].
لذا؛ فالأحكام التي تتداول في المجتمع المدرسي إما جهرا بالنسبة للممارس البيداغوجي تجاه جماعة القسم أو بين أفراد هذه الجماعة فيما بينهم. وإما سرا بالنسبة للمتعلمات والمتعلمين تجاه مدرسيهم أو تجاه السلطة المدرسية. فالخطاب المدرسي مشحون بكل المشاعر والأحاسيس فضلا عن الرؤى ووجهات النظر والحقائق الموضوعية وغيرها، وهو تعبير يفصح عن الأفراد والمؤسسة التعليمية في بعدها الجمعي والجماعي فكرا مؤسساتيا ينطق بمنظومة قوانينها وتنظيماتها وهياكلها ومكوناتها. وعن كيفية تفكيرها وتعاملها مع الذات والآخر، ويبين المؤثرات التي عملت على تشكيل الفرد أو المؤسسة بما فيها نمط التربية والتنشئة والثقافة، فالثقافة التي تمتلئ بشحنة شديدة السلبية تجاه الأنثى لا يمكنها أن تنتج خطابا موضوعيا عنها يتضمن أحكام واقع بل سيتضمن حتما أحكام قيمة سلبية. وهكذا مع التربية والتنشئة الاجتماعية، والتي نلمسها في واقعنا المعيش، فخطابها كلام يدل عليها، ذلك حين تنطق تعبر وتفصح عن نفسك، (إنك تعبر عن ذاتك عندما تتكلم)[2].
فأحكام القيمة وأحكام الواقع التي تصدرها المؤسسة التعليمية بمنطوق الممارس البيداغوجي نحو المتعلمات والمتعلمين، تساهم بدور كبير في تشكيل شخصياتهم وذواتهم ورؤيتهم ونظرتهم لأنفسهم إيجابا أو سلبا؟ كما تلعب دورا مهما في تحديد طبيعة العلاقة ” السوسيوبيداغوجية ” بين الممارس البيداغوجي وأفراد جماعة القسم أثناء الفعل التعليمي التعلمي وخارجه؛ بما يحدد نوعيتها وشكلها. فهي إما علاقة تقدير واحترام أو علاقة صدام وعنف، أو علاقة انفتاح وحوار أو انغلاق وانسداد، أو علاقة إنسانية أو غيرها. فالأحكام التي يصدرها الممارس البيداغوجي تعرب عن وعيه ومدى فهمه للآخر طرف العلاقة في العقد البيداغوجي. كما تفصح عن نوعية شخصيته وطابع سلطته التربوية وتعامله مع متعلماته ومتعلميه. فإذا عينت وحددت شخصية الممارس البيداغوجي، يمكن استشراف أحكامه وقراراته. إن أحكام القيمة وأحكام الواقع من بين العوامل التي تشكل مفهوم الذات عند المتعلم/ة، والوعي بها والنظرة إليها؛ فهي تجعلها ذاتا مقبولة منه/ها أو مرفوضة. وفي نطاق هذا المعطى نجد التوافق الدراسي من عدمه، وهي المشكلة التي تتجلى فيها ” إشكالية أحكام القيمة وأحكام الواقع وانعكاسها على التحصيل الدراسي عند المتعلم/ة ” وإشكاليتنا هذه تتقاطع فيها عدة حقول معرفية في إطار تكاملي لأجل خلق ذات متوافقة ومنسجمة مع نفسها نفسيا واجتماعيا وفكريا. فترى إلى أي حد تساهم أحكام القيمية وأحكام الواقع التي تصدرها المؤسسة التعليمية بمنطوق الممارس البيداغوجي في تشكيل شخصية وذات المتعلم ووعيه بها ورؤيته لها؟ وهل من وعي للممارس البيداغوجي بهذه الإشكالية والعمل على انتقائية أحكامه وتقديراته في خطابه البيداغوجي تجاه جماعة القسم؟ وهل من سبيل للخروج من الخطاب التربوي التقليدي الذي يغتمر بأمواج من أحكام القيمة السلبية، فنقده هو الأساس الذي سيبني العلاقة السوسيوبيداغوجية بين مكونات العقد البيداغوجي والخطاب المدرسي من جديد نحو تقدير الذات إيجابا والآخر كذلك؟
وبما أن للأحكام بكل أنواعها وأصنافها حضورا في الفعل التعليمي والتربوي، فقد استقطبت العديد من الباحثين ذكورا وإناث، كل في مجال اشتغاله كالفلسفة وعلم النفس والتربية والاقتصاد … من قبيل: عالم النفس لورنس كولبرج الذي اشتغل على التطور الأخلاقي وكيفية حكم الأفراد على المواقف الأخلاقية واتخاذ قراراتهم وفق قيمهم، والفيلسوف والمربي جون ديوي الذي نادى بتطوير المتعلمات والمتعلمين لأحكامهم القيمية ومواجهة الواقع، والفيلسوفة المربية نيل نودينجز التي عملت على أخلاقيات العلاقات البينية في التعليم، وبينت أن مراعاة واستحضار الاحتياجات العاطفية والأخلاقية وأحكام القيمة عند المتعلم/ة تؤثر على الواقع التعليمي، وعالم الاجتماع مايكل أبل ماكس الذي اشتغل على كيفية تشكل الأحكام القيمية، ووجهات النظر الأيديولوجية السياسة، والممارسات التربوية والتعليمية، والتأثير على واقع المؤسسات التعليمية المعيش، والفيلسوف الكندي ماكس فان مانين الذي اشتغل في جانب الأحكام على معنى التجربة الحية في التربية والتعليم مشددا على أهمية أحكام القيمة الشخصية والتفكير الفينومينولوجي ” الظاهراتي ” في فهم الواقع الذاتي والفردي للممارس البيداغوجي وللمتعلم/ة انطلاقا من أن التفكير الفينومينولوجي نهج فلسفي يركز على التجربة الذاتية وكيفية إدراك وفهم العالم من حولنا، من خلال وصف واستيعاب الواقع كما نختبره مباشرة، مركزين على الوعي والإدراك والقصد والذاتية والوعي والعواطف والنوايا في تفسير عالمنا وفهم واقعنا، غير مهملين التجربة الحية التي تغنينا عن البحث عن الأسباب والتفسيرات الخارجية. فهو تفكير يؤكد على التجربة الذاتية والوعي والإدراك الذاتي في فهم الواقع حسب ما نختبره مباشرة دون التماس المعرفة الموضوعية في ذلك.
وقبل التوجه نحو مقاربة السؤال السابق، لابد من تعريف مصطلحات العنوان تركيزا على أحكام القيمة وأحكام الواقع مرورا بمفهوم الأحكام والقيمة.
ـ انعراج مصطلحي:
1 ـ الحكم :
*الأحكام لغة من الدخلة المعجمية ” ح ك م “[3]، ولها عدة دلالات تتحدد في سياق الكلام والمقام، وما يهمني منها، هو أمرها بمنع إصدار أحكام قيمة قاتلة للفرد، ومحطمة له، وهادمة لنفسيته وشخصيته والانصراف عنها. كما يقع في تربيتنا الأسرية والمدرسية والشعبية التقليدية، التي تحمل شحنات سالبة وقاسية في نفس الآن عن الآخر سواء أكان طفلا أم بالغا، ذكرا أم أنثى، والتي مازلنا نتداولها فيما بيننا في خطابنا الخاص والعام مع الغير. وهي تمنعنا من ذلك بدعوة معانيها المعجمية النووية إلى الحكمة التي تبحث (عن حقائق الأشياء على ما هي بالوجود بقدر الطاقة البشرية فهي علم نظري غير آلي)[4] بإحكام وإتقان. بتصييرنا حكماء في ذواتنا نتخلق بأخلاق الكرام وليس بأخلاق الأراذل، التي نسمع منهم الكثير من أحكام القيمة والنعوت السيئة والفاحشة، وأن نأتي الأحكام عن روية وسداد ودراسة وتحليل بحجج ودلائل وبراهين قطعية، وبموضوعية ومنهجية علمية لا بذاتية مفرطة في التوهم والاعتباطية؛ تبعدنا عما يضرنا ويحطم أحكامنا. فهي تدعونا إلى تحكيم العقل فيما نقرره من أحكام ونتخذه من مواقف. وما نسلكه من مسالك، وما نأتيه من أفعال.
والحكم اصطلاحا يتحدد تعريفه من خلال المجال المعرفي الوارد فيه، ولكنه يظل حاملا للمعنى النووي المعجمي، حيث قيل في الشرع هو: إثبات أمر لأمر، أو نفيه عنه. وقيل هو:(إسناد أمر إلى آخر إيجابا أو سلبا، فخرج بهذا ما ليس بحكم كالنسبة التقييدية)[5] و (وضع الشيء في موضعه، وقيل هو ما له عاقبة محمودة)[6]. وقيل كذلك هو: أثر الخطاب الذي يصدر عن الحاكم، بمعنى الذي يقرر الحكم كأن يقول المدرب للملاكم: أنت فاشل. وهو في المجال البيداغوجي يعرف بـ :
(1 ـ مرحلة من مراحل التقويم البيداغوجي، المنبني على إصدار رأي حول تطور أو حالات إنجازات التعلم المقومة من خلال المعلومات المحصل عليها حول التعلم.
2 ـ يعتبر الحكم إجراءا مرتبطا بالبيداغوجيا المقننة والموجهة، في حين ترفض البيداغوجيا المفتوحة والحديثة إصدار حكم على عمل التلميذ باعتبار أن هذا الحكم يجسد منطق سلطة المدرس.
3 ـ للحكم في عملية التقويم عدة أنماط منها: “1” الحكم الانطباعي Jugement appréciatif وهو حكم على موضوع أو موقف أو حركة في صورة انطباعات وملاحظات. “2” حكم تقويمي Jugement évaluatif وهو حكم قيمة على موضوع أو موقف أو حركة مثل: جيد، رديء، جميل، قبيح، سهل، صعب. “3” حكم إحصائي Jugement statistique وهو حكم يستند إلى معايير إحصائية واحتمالات حول الخطأ)[7].
و(بالنظر لاختلاف أنواع الأحكام وشمولها لما هو حسي وعقلي وعرفي وشرعي انقسم الحكم إلى ما يأتي:
أـ الحكم الشرعي: وهو ما كانت النسبة فيه مستفادة من الشرع، نحو: الصلاة واجبة.
ب ـ الحكم الحسي: وهو ما كانت النسبة فيه مستفادة: من الحس، نحو: الشمس مشرقة، والنار محرقة. [وهو الحكم الحسي يتقاطع ويتداخل في منطقة إمكانية التصديق أو التكذيب مع حكم الحقيقة أو الواقع؛ الذي يتعلق بواقع ما أو بحقيقة ما، تقع بمفهوم الحدث أو الواقع الموجود أو حتى الخطاب الذي يدلي به فرد ما؛ من حيث التصديق على إمكانية إثبات صحة الحكم من عدمه. فيكفي فقط التحقق من ملاءمة وانسجام الحكم مع الواقع وتماشيه معه؛ فمثلا: قولك “إنها تمطر الآن في مدينة فاس”، فبمجرد إخراج يدك من النافذة وملامسة الماء، يتبين لك صدق أو كذب الحكم وفق معطى الواقع. ومنه يخلو حكم الواقع أو الحقيقة من الانطباع الشخصي والتفسير الذاتي. ولكن ليس دائما بسيطا بهذه البساطة والسهولة لأنه قد نتبنى حكم واقع أو حقيقة كحقيقة قائمة من مصدر نزعم صدقيته الموضوعية وموثوقيته التي نضعها فيه من حيث ورود المعلومات عنه. وهي في الواقع مغلوطة وتدخل في أحكام القيمة ” jugements de valeur “؛ كأن نعتمد حكمه على شخص ما بأنه “مخادع” انطلاقا من تجريبه إياه، والواقع عكس ذلك. لذا؛ وجب التأكد من الواقع أو الحقيقة بذات الأدوات والمسلكيات المنهجية المؤدية إلى الحكم][8].
ج ـ الحكم العقلي: وهو ما كانت النسبة فيه مستفادة: من العقل، نحو: الكل أعظم من الجزء.
د ـ الحكم العرفي أو الوضعي: وهو ما كانت النسبة فيه مستفادة من العرف أو الوضع، نحو: الفاعل مرفوع)[9].
فضلا عن الحكم العادي أو التجريبي: وهو ما استفيدت النسبة فيه من التجربة والعادة، نحو: هذا الكتاب للعلوم. وحكم التفضيل الذي يقع في مجال حكم الواقع المتضمن ميلا ذاتيا وذوقا فرديا كحكم القيمة لكنه مخالف عنه من حيث فقدانه قيمة معيارية للالتزام بها في مجموع الأحكام العائلية. فقولك “أفضل قراءة الروايات البوليسية على قراءة الكتب العلمية”، حكم تفضيلي ينطوي على الميل الذاتي إلى الرواية البوليسية دون أن يحمل قيمة معيارية للتأسي بها عند الغير كما يقع في القيم الاجتماعية أو الحقوقية أو الأخلاقية … وحكم الروشتة أو الوصفة؛ حكم يأتي في سياق الفعل التعليمي التعلمي، مهم جدا لأنه يتضمن توجيها للمتعلم من قبل الممارس البيداغوجي نحو التزام أو فعل أو عزم فعل أو توصية للتفعيل، لما تتضمنه من حوافز، ومن معايير ضمنية. كأن يقول الممارس البيداغوجي للمتعلم: ” لا تتغيب عن درسك “؛ فهذا الحكم هو حكم الروشتة لأن يستند إلى معيار وحكم قيمة، وهو ” الغياب مضر بالتحصيل الدراسي” الذي هو في حد ذاته حكما قيميا في حق الغياب.
وهذه الأحكام تتفاعل فيما بينها، حيث يمكن أن يقبع حكم القيمة في حكم الروشتة، وهذا في حكم الواقع؛ فمثلا: ” لا تتغيب عن درسك ” حكم روشتة في سياق تغيب المتعلم عن الدراسة، يتضمن حكم قيمة ” الغياب مضر ” في سياق حكم الواقع ” تغيب المتعلم عن درسه اليوم “. بما يحثنا على وعي خطابنا التربوي تجاه المتعلم/ة، لأن ضمنياته وتضميناته قد تعود عليه بالسلب وبالكوارث النفسية وبالنزاعات والصراعات والعنف والخصومات، وهي أخطر عوائد هذه الأحكام السلبية التي لا نلقي لها بالا ونحن نسوقها في خطابنا التربوي. ظنا منا أنها ستصلح المتعلم/ة أو ستحل المشاكل، وحقيقتها تزيدها تعقيدا وبؤسا. فـ (استعمال الكلام يقتضي أيضا العقلنة والبحث عن الشرعية … وساطة الكلام هي أيضا تعلم مدني وتهيئ لحياة الراشد. وبالفعل، فإن النزاعات داخل المجتمع المدني، تحل عادة بواسطة الكلام)[10]. الذي لا يخلو من تقويم، لأن (الإنسان، كما يقال، ” حيوان مقوم ” ويتجلى نشاطه التقويمي العفوي أو الواعي في أنماط سلوك يألفها، ويكررها، فيألفها الناس من حوله فيعرفونه بها، أو يعرفوها به، وأن تكرارها يكسبها حلة العادة. وقد قيل: إن الإنسان حزمة من العادات تمشي على قدمين. وهذه العادات فردية ـ اجتماعية معا مادامت سلوكا، وليست مجرد حركات. والسلوك حكما بأنه إما أن يكون مقبولا أو مرفوضا. وهذا ارتباطا وثيقا لا تنفصم عراه بتقويم فردي ـ اجتماعي تلتقي فيه مشيئة الفرد بمشيئة المجتمع، وتتجلى في وقائعه صلة إرادة الشخص بإرادة الوسط الاجتماعي أو الجماعة المحلية فالجماعة الإنسانية بوجه عام)[11].
2 ـ القيمة :
القيمة من الأصل اللغوي ” ق و م ” وهو الأصل نقيض الجلوس أي القيام عكس الجلوس بمعنى النهوض من تحت إلى أعلى، وهي ما تفعله أحكام القيم الإيجابية ترفع الإنسان من مقام أسفل إلى آخر أعلى منه بمنحه قيمة مضافة أو قيما مضافة متنوعة. فقد جاء شرح طويل في معنى ” ق و م ” متنوع الظلال، وما يهمنا هنا هو ” القيمة ” وهي تحمل ظلالا للمعنى كثمن الشيء، والمحافظة والإصلاح، والكلل والعياء والوقوف، والاعتدال، والذهاب، والاستمساك والثبوت، والمواظبة واللزوم، والاستقامة[12] … وهذه الظلال وغيرها التي تقع في المعجم العربي، جمعها الدكتور عادل العوا في قوله:
( من بعض المصطلحات القيمية الحديثة، ولا سيما في دلالة القيمة والتقويم وما يواكبهما من معاني الاستحسان والكمال والغاية أو الهدف والغرض.
ففي اللغة العربية تشتق الكلمة من القيام، وهو نقيض الجلوس. والقيام، بمعنى آخر، هو العزم. ومنه قوله تعالى:” وإنه لما قام عبد الله يدعوه ” أي لما عزم. وقد يجيء القيام بمعنى المحافظة والإصلاح، ومنه قوله تعالى: ” الرجال قوامون على النساء “، ويجيء القيام بمعنى الوقوف والثبات. ومنه التوقف في الأمر، وهو الوقوف عنده من غير مجاوزة له. ومنه قولهم: أقام بالمكان هو بمعنى الثبات. وقامت السوق إذا نفقت. والمقام والمقامة: الموضع الذي يقيم فيه. والاستقامة هي الاعتدال. يقال: استقام الأمر. وأما القوام فهو العدل. وحسن الطول. وحسن القامة. ودينار قائم إذا كان مثقالا سواء لا يرجع، وهو عند الصيارفة ناقص حتى يرجح فيسمى ميالا.
فإذا نظرنا إلى معنى القيمة وجدنا أنها، في اللغة، واحدة القيم. وهي ثمن الشيء بالتقويم. تقول: تقاوموه فيما بينهم، وإذا انقاد الشيء واستمرت طريقته فقد استقام لوجهه. وقوم السلعة واستقامها: قدرها. يقول أهل مكة: استقمت المتاع أي قومته. وفي الحديث، قالوا يا رسول الله: لو قومت لنا. فقال: الله هو المقوم، أي لو سعرت لنا، وهو من قيمة الشيء، أي حددت لنا قيمتها. وفي مجال السلوك يقال: أمة قائمة، أي متمسكة بدينها، مواظبة عليه. وفي الحديث: ذلك الدين القيم، أي المستقيم الذي لا زيغ فيه، ولا ميل عن الحق، وقوله تعالى: ” فيها كتب قيمة “، أي مستقيمة تبين الحق من الباطل على استواء وبرهان. أما قيم المرأة فهو بعلها.
والقيم هو السيد وسائس الأمر. وقيم القوم الذي يقومهم ويسوس أمرهم. والملة القيمة: المعتدلة. والأمة القيمة: كذلك. وقوام كل شيء: ما استقام به. وقوام العيش: عماده الذي يقوم به. وقوام الجسم: الجسم: تمامه. وقومت الشيء فهو قويم: أي مستقيم. ومقامات الناس مجالسهم. والمقامة: السادة.
الله في الحديث النبوي هو المقوم. وهو الذي يحدد القيم في الفكر الديني، ومن القيم قيمة السلع والأسعار. والتقويم ينتج الأمر المحمود أو الممدوح. فالدين القيم هو المستقيم الذي لا زيغ فيه ولا ميل عن الحق. والتقويم عملية تفضيل أو ترجيح. والشيء الراجح في اللغة العربية هو الوازن. يقال: رجح الشيء بيده أي وزنه ونظر ما ثقله. وأرجح الميزان أي أثقله حتى مال. ورجح في مجلسه: ثقل فلم يخف. والرجاحة: الحلم. والحلم الراجح هو الذي يزن بصاحبه فلا يخفه شيء.
وإذا كانت صورة الوزن والثقل ماتزال تحلق في مادة الرجحان والترجيح، فإن الجانب المعنوي هو الجانب الراجح في فعل التفاضل في اللغة العربية. ذلك أن الفضل والفضيلة معروف. وهو ضد النقيصة. والتفاضل بين القوم هو أن يكون بعضهم أفضل من بعض. والفواضل الأيدي الجميلة. وأفضل الرجل على فلان، وتفضل بمعنى إذا أناله من فضله وأحسن إليه. ورجل مفضال كثير الفضل والخير والمعروف …)[13].
وكأني في هذه الظلال أجد بعضها في عمق أحكام القيمة الإيجابية أو أحكام الواقع التي تجعل المتعلم مقدرا لنفسه ولغيره ولوظيفته ومهامه، محافظا على ذاته، ومسرا على القيام بواجبه، وثابتا على مبادئه وقيمه وأخلاقه وسيرته، عازما وقائما على الذهاب نحو تحقيق أوطاره وأهدافه دون كلل وعياء وتوقف، مستمسكا بعزيمته التي لا تلين، يمتاح من حكم القيمة، قيمة إيجابية تمده بطاقة الفعل وتشحن همته نحو بناء ونماء ذاته نحو القيادة والريادة.
وفي إطار هذه الظلال يجد الممارس البيداغوجي كل المحفزات الدلالة على الإيجابية في تحميس المتعلم/ة على الثقة بالنفس والإرادة المستقلة، والمسؤولية المسؤولة التي تتحمل تبعيات نتائج أفعالها وقراراتها، ومواقفها وقناعاتها دون تخوف ولا ندامة بل بشجاعة وحماس. فهي شحنة معنوية وسيكولوجية يحقنها الممارس البيداغوجي في المتعلم/ة ليخصب حقل الشخصية الحرة والمستقلة والمسؤولة لديه، من تمكينه من الشحنات النفسية الإيجابية التي تساهم بشكل كبير في تخليق كل القيم الإيجابية، وتدفعه إلى التعلم والفعل بكل حماس وتطلع للمستقبل.
وأما المعجم الفلسفي فقد فصل في مفهوم القيمة القول كالتالي:
(قيمة الشيء في اللغة هي قدره، وقيمة المتاع ثمنه. يقال: قيمة المرء ما يحسنه، وما لفلان قيمة، أي ما له ثبات ودوام على الأمر. والقيمة مرادفة للثمن، الا أن الثمن قد يكون مساوياً للقيمة، أو زائداً عليها أو ناقصاً عنها. والفرق بينهما أن ما يقدر عوضاً للشيء في عقد البيع يسمى ثمناً له، الدراهم والدنانير وغيرها. على حين أن القيمة تطلق على كل ما هو جدير باهتمام المرء وعنايته، لاعتبارات اقتصادية أو سيكولوجية أو اجتماعية، أو أخلاقية أو جمالية.
وقيمة الشيء من الناحية الذاتية هي الصفة التي تجعل ذلك الشيء مطلوباً ومرغوباً فيه عند شخص واحد أو عند طائفة معينة من الناس، مثال ذلك قولنا: إن للنسب عند الأشراف قيمة عالية … ويطلق لفظ القيمة من الناحية الموضوعية على ما يتميز به الشيء من صفات تجعله يكون مستحقاً للتقدير بذاته كالحق، والخير، والجمال، كانت قيمته مطلقة، وإن كان مستحقاً للتقدير من أجل غرض معين كالوثائق التاريخية مثلاً، والوسائل التعليمية، كانت قيمته إضافية.
ويطلق لفظ القيمة في علم الأخلاق على ما يدل عليه لفظ الخير، بحيث تكون قيمة الفعل تابعة لما يتضمنه من خيرية. فكلما كانت المطابقة بين الفعل والصورة الغائية للخير أكمل، كانت قيمة الفعل أكبر، وتسمى الصور الغائية المرتسمة على صفحات الذهن بالقيم المثالية، وهي الأصل الذي تبنى عليه أحكام القيم، أي الأحكام الشيئية التي تأمر بالفعل أو بالترك.
ومعنى قيمة الشيء عند علماء الاقتصاد وفاؤه بالحاجات، فإن كانت الحاجة إليه أشد، كانت قيمته أعظم، والعكس بالعكس.
وقد فرق العلماء بين القيمة الحقيقية والقيمة الاعتبارية، فقالوا أن القيمة الحقيقية مبنية على المنفعة، كقيمة الأرض، أو قيمة الطعام، على حين أن القيمة الاعتبارية مبنية على الثقة والائتمان، كقيمة الأوراق النقدية، والحوالات المالية.
وفرقوا أيضاً بين القيمة الذاتية للشيء والقيمة المضافة إليه، فقالوا أن القيمة المضافة إليه تنشأ عن العمل المبذول في إنتاج الأشياء، أو عن حوالة الأسواق، أو عن الندرة والتداول، ولكن القيمة المضافة لا تكون مشروعة في نظر بعض الفلاسفة، إلا إذا كانت ناشئة عن العمل المبذول في صنع الشيء)[14]. و(يقال إن القيمة تعتمد بشكل أساسي على بعض السمات التأسيسية للشيء الذي تنسب إليه، وحكم القيمة سيعبر فقط عن الطريقة التي تتصرف بها هذه الشخصية على الذات التي تحكم. إذا كان هذا الإجراء مواتيا، تكون القيمة موجبة؛ إنه سلبي، وإلا. إذا كانت الحياة لها قيمة بالنسبة للإنسان، فذلك لأن الإنسان كائن حي ومن طبيعة الحياة أن نحياها. إذا كان للقمح قيمة، فذلك لأنه يستخدم كغذاء ويحافظ على الحياة. إذا كانت العدالة فضيلة، فذلك لأنها تحترم الضرورات الحيوية. القتل جريمة لسبب معاكس. باختصار، ستكون قيمة الشيء ببساطة هي ملاحظة التأثيرات التي ينتجها بسبب خصائصه الجوهرية)[15].
والقيمة الذاتية والمضافة الناتجة عن الفعل؛ هما القيمتان اللتان يتوخاهما الممارس البيداغوجي رافعة للمتعلم/ة إلى الوعي بذاته وتقديرها إيجابيا، والسماح لها بالانخراط في الإنجازات داخل القسم أو خارجه، خاصة عندما يألفها تعطيه قدرا معينا من السمات والمواصفات التمييزية، التي تفرزه وتميزه عن الآخر بعلامة زائد الموجبة. وتفتح آفاق التواصل أمامه مع فضائه التربوي الاجتماعي بما يحقق تميزه عن الآخر وتكامله معه. وتبقى القيمة في سياق الفعل التعليمي التعلمي تعتمد في جوهرها على بعض السمات الأساسية أو المكونة للمقوَّم الذي تنسب وتسند وترجع إليه. والحكم عليها ينتج عن تأثيرها على الذات التي تصدر الحكم أو الذات الحاكمة. لذا نجد الممارس البيداغوجي والمتعلم/ة معا يتأثران بسياق الفعل التدريسي في اتجاهي التعليم والتعلم، وكل منهما يبدي أحكام قيمة على الآخر انطلاقا من تأثير السياق ومجريات فعلي التعليم والتعلم عليهما. وهي أحكام القيمة أخطر بكثير من أحكام الواقع عليهما معا، وخاصة المتعلم/ة؛ حيث (تعتبر أحكام القيمة هي الأخطر بيداغوجيا، لأنها تمنع أي حوار)[16] بجانب أخلاقيات الممارس البيداغوجي التي (تؤثر بشكل كبير على سلوك التلاميذ وتعتبر مفتاحا من مفاتيح الفعل التربوي)[17].
3 ـ الواقع :
يشكل مصطلح ” الواقع ” مسألة إشكالية من حيث التحديد المفهومي لتناوله في مجالات وحقول معرفية مختلفة ومتنوعة ما بين العلوم الحقة والعلوم الإنسانية، وما بين الميتافيزيقي والفيزيقي، وما بين الكائن الحسي والكائن التجريدي المصورن، وما بين الحقيقة والخيال. وهو مصطلح مائع لا يمكن الإمساك به؛ فهو الواقع بحكم طبيعته المفتوحة على ذاته ومكوناتها، وعلى خارجها وتجريداته وصورناته لها، تشييدا للمعمار الفكري والعلم بها، هو منظومة مفتوحة معقدة نتيجة العلاقات البينية بين مكوناتها، والعلاقات البينية مع خارجها. ووقوعها بين الميتافيزيقي والفيزيقي من حيث تمثيل المفهوم تمثيلا دقيقا؛ أهو المحسوس الكائن وجوديا بذاته، المضبوط بالحواس أو ذلك المجرد عقلا، الحاضر بصفاته ونعوته وسمات ذاته، الدال عما هو محسوس ملموس؟ أهو الواقع المعيش أو الواقع المشيد؟ والواقع؛ أهو واقع بذاته أم واقع بغيرها؟ بمعنى أهو واقع بذاته ونفسه ضمن كيان فيزيقي ذي بعد زمني ومكاني ومادي أم واقعيته أضفاها خارجه عليه بإسقاط الكينونة الفيزيقية ذات البعد الزمني والمكاني والمادي افتراضا لا حقيقة؟ فأي واقعية للواقع تأصلها مرآة عصبونات الحواس في ظل عالم الأفكار الذي يأصل حقيقتها؟ فالمرآة الفيزيقية عاكسة فقط لما في أصلها، في عالم الميتافيزيقا من حقائق وواقع. أسئلة هذا المفهوم ومصطلحه جد عميقة تغور به إلى قاع التأمل الفكري والفلسفي حد الدفع إلى تحديد المجال الذي يريد الباحث توظيفه فيه. حتى يزال عنه بعض الغموض والتشويش المفاهيمي وتنحصر دلالته فيما يقصده، فحينها تتحدد ثلاثة أبعاد للواقع: بعد ميتافيزيقي أنطولوجي/فيزيقي، وبعد دلالي، وبعد إبستيمي. بما تفيد:
أ ـ البعد الميتافيزيقي الأنطولوجي/الفيزيقي: وهو ما يحدد كينونة ” الواقع ” على المستوى الميتافيزيقي تصورا ومفهوما وقانونا وعلة وكيفا وارتباطا وعلاقة، بمعنى يحدد ” الواقع ” أنطولوجيا بما يعطيه تمثلا في الذهن، وبمعنى آخر إضافي، الوجود الذهني للواقع. وهذا الوجود في أحد مناحيه فردي وفق مكتسب الفرد، وفي المنحى الآخر هو جمعي خاصة في توافقات العلماء الاصطلاحية حسب المجالات المعرفية مع وجود تفردات في التمثل. أو يحدد كينونة ” الواقع ” على المستوى الفيزيقي طبيعة ومكونات وتحيزات زمانية ومكانية وعلاقات وتأثيرات وتفاعلات بشكل محسوس وملموس ماديا، بما يفيد أن ” الواقع ” هنا محصور في كل موجود ومعطى قابل للملاحظة والمشاهدة.
ب ـ البعد الدلالي: وهو ما يعطي لـ” الواقع ” دلالة لدى الفرد، ولدى الجماعة العلمية التي تشتغل على الحقول العلمية والمعرفية، ويسمح ببناء التصورات والمفاهيم والتمثلات عن “الواقع ” وتشفيره وتسنينه في الذهن، لتوظيفه في فهمه، وفهم نواتجه التفاعلية. وهنا الدلالة تختلف حسب الأفراد والجماعات العلمية والباحثين والدارسين، لكنها في الغالب ما تتفق على حد أدنى من الدلالة الدالة على مفهوم ما للواقع، يمكن إطلاق ” التحديد الاصطلاحي ” عليه. وهو ما يساهم في تطور المعارف والعلوم ونواتجها التطبيقية وما يشكل حمولة معرفية عنه.
ج ـ البعد الإبستيمي: وهو ما يسمح أولا بضبط مفهوم الواقع معرفيا، وثانيا يتيح ترصيد معرفة ” الواقع ” وتركيمها للاستفادة منها، وتوظيفها في الحياة على الوجه الأمثل إن أمكن، وهي الغاية المأمولة من توظيف معرفة الواقع، وهذه المعرفة الآن أصبحت مجالا معرفيا مستقلا بذاته له موضوع وجهاز مفاهيمي ومناهج بحث. فالبعد المعرفي هو الذي يجعلنا ندرك ” الواقع ” عالما محسوسا ملموسا، تنقله إلينا حواسنا الخمس، وتجرده عقولنا وتنظمه بنانا العقلية والفكرية للاستيعاب والتوظيف والاستغلال. والواقع في حد ذاته يشكل رافدا من روافد المعرفة.
ورغم محاولة تحديد مفهوم الواقع بهذه الأبعاد المساعدة، يظل عصيا على التحديد بشكل كامل وشامل يحيط بدقائق وتفاصيل ومفاصل المعمار المصورن المطابق للموجود الفعلي للواقع. فبــ (الرغم من قدم البحث في ماهية «الواقع» في الفكر الإنساني، ومن كثرة استعمال هذا المفهوم في حقول معرفية مختلفة، وأيضا في المعيش اليومي؛ فإنه يظل من أكثر المفاهيم غموضا وتعقيدا، بحيث يعسر تقديم تعريف جامع له يستوفي مختلف أبعاده ومستوياته الاصطلاحية، لا سيما عندما يرتبط الأمر بتعدد المدارس والنظريات التي تعرفه وفق منظورها الخاص. فهو مفهوم غريب كما وصفته الفيلسوفة السويسرية جان هيرش Jeanne Hersch )[18].
فهو متشعب التعريف بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية؛ لذا، لن نغوص في تحديده إلا بمقدار ما يفيد هذه الورقة في تحقيق أهدافها من حيث إضاءة معالم في طريق الممارس البيداغوجي وهو يتعاطى مع المتعلم/ة في حجرة الدرس أو خارجها تعليما وتدريسا وخطابا، منتبها لخطابه وتواصله تركيبا لغويا وحمولة معجمية ودلالية، وعائدها النفسي والسلوكي على هذا المتعلم الذي مازالت تتشكل شخصيته، وتتنمى مهاراته وقدراته وكفاياته، وتشيد بناه العقلية والفكرية. فالممارس البيداغوجي معني بالدرجة الأولى بهذا الخطاب التربوي والتعليمي والتدريسي وبعلاقته مع متعلميه/متعلماته أن يكون سليما مصفى من الشوائب المؤذية التي لا يمكن استدراكها بالمعالجة والتصحيح. فسلامة العلاقة بينهما، وسلامة الخطاب من سلامة الشخصية واستوائها، ومن سلامة الفعل التعليمي التعلمي.
وحيث مطلب الورقة هو تبسيط مفهوم ” الواقع ” لفهمه بعيدا عن إشكالاته المتعددة المتعلقة به وبتقاطعاته مع مفاهيم عائلية من السلالة اللغوية ” و ق ع “[19]، التي لها عدة معاني منها: السقوط، والحدوث، والدخول في الشيء، والإمساك، والاستحواذ، والاستيلاء، والدهاء، والوجوب، والثبات … واصطلاحا، ستذهب الورقة إلى نحت تعريف يقرب إلى المجتمع المدرسي والبيئة التعليمية للمتعلم/ة، ويناسب ما يقع فيهما من حدث ومحدث، ذاتا أو أثرا، على المستوى الإجرائي في منحيين متلازمين متكاملين:
ـ المنحى الأول: يرتبط بالمنظور المادي الوضعي التجريبي؛ حيث يسمح لنا بتعريف ” الواقع ” في أحد وجهيه بأنه ذاك الوجود الفعلي والحقيقي المتحقق للعيان، المشاهد في عالم الحضور بمجموع الحواس الخمس، المضبوط بها حيزا فيزيقيا كائنا في الزمن والمكان. وهذا المنحى يضيق حدود ” الواقع ” بما يشاهده الممارس البيداغوجي في المجتمع المدرسي بما فيه جماعة القسم، وفي البيئة التعليمية من كائنات وماديات وأشياء متفاعلة فيما بينها ضمن صيرورة زمكانية معينة. ويحاول فهمها على مستوى البنية والوظيفة، ليعرف كيفية التعاطي والتعامل معها من منطلق المعرفة لا من منطلق الافتراض والتكهن والتلمس.
ـ المنحى الثاني: يرتبط بالمنظور الذهني المفارق للمنظور المادي الوضعي التجريبي؛ وهو ما يسمح بتحديد الوجه الثاني لمفهوم ” الواقع “، الذي يتحدد في المشيد إبستيميا ودلاليا في الذهن لما هو في الوجه الأول. وهو يوسع برجل ” الواقع ” حيث المشيد كائن أو ممكن، واقع أو موجود؛ بمعنى المشيد قد يكون موجودا عينيا أو واقعيا. فالقلم موجود عيني، وأما فكرة ما فواقع. مثلا: العلاقات الاجتماعية القائمة في الحجرة الدراسية؛ يكون الممارس البيداغوجي فكرة ما عنها، فتصير عنده واقعا يتصرف بناء عليها. فلنفترض؛ أنه اكتشف عنف العلاقات القائمة بين المتعلمين/ات، فإن سألته عن واقع تلك العلاقات الاجتماعية في جماعة قسمه، لادعى أنها عنيفة. وسألته عن قراراته وتصرفاته وسلوكه تجاه تلك العلاقات، لوجدته يقول لك: أني أسست ناديا من المتعلمين/ات لدراسة أسباب العنف ولمعالجتها من قبلهم. وقلما يتدخل بالعنف، وإنما بتحليل المواقف وتبيان مسبباتها ومقاربتها بمعرفة وبمدنية متناهية في السلم. في المقابل لوجدت ممارسا آخر يذهب في معالجة ذات العلاقات مذهب العنف معتمدا على معطى من واقعه، وهكذا؛ نميز في المشيد بين الموجود والواقع.
ومن معطى الوجهين يمكن صياغة تعريف إجرائي لــ ” الواقع ” يعرب عن نفسه في:
” الوجود الفعلي والحقيقي المتحقق للعيان، المشاهد في عالم الحضور بمجموع الحواس الخمس، المضبوط بها حيزا فيزيقيا كائنا في الزمن والمكان، المتضمن لمجموع العلاقات القائمة بين فيزيقياته تأثيرا وتأثرا، ظل المشيد إبستيميا ودلاليا في الذهن واقعا أو وجودا “.
وهذا التعريف يتيح للمارس البيداغوجي الوقوف على واقعه المادي والمعنوي معا، وما يقع فيه من حدث بالمفهوم الشامل للحدث المؤثر في الواقع والمتأثر به، واللاعب لدور ووظيفة معينة في زمن ومكان معينين، يترك أثرا يمكن الإمساك به وجوديا أو واقعيا، لتأثيث تصور معين ذهني عن الواقع. يستحضره لمقاربة فعله التدريسي والتعليمي والتربوي، ولتحليل الوضعية التعليمية التعلمية القائمة بين يديه وعليها من أجل تحقيق أفضل الأهداف والنتائج. وعليه يقوم تعامله مع جماعة القسم ضمن ضوابط مهنية وأخلاقية وسلوكية محددة بموجب قوانين وتشريعات ومعطيات اجتماعية ونفسية وثقافية … لا تترك للصدفة أو التكهن الحضور، وإنما هي معرفة الواقع من أنجع السبل في التعاطي مع الفعل التعليمي. ولكن مع الأسف الشديد (معرفة الواقع على نحو تام تظل متعذرة حتى على أكثر الناس ذكاء واطلاعا ودراية، وذلك بسبب التواءاته وتداخل خطوطه وشح المعلومات المتعلقة بكثير من وقائعه وأوضاعه، ومن ثم فإن الذي يحتاج إليه حاجة ماسة هو معرفة بعض السنن والقواعد التي تساعدنا على تلمس الواقع في حال ضعف معرفتنا به وانعدام المؤشرات التي ترسم شيئا من ملامحه، إن من المهم أن تكون لدينا مما ذكرناه منهجية لفهم الواقع والتعامل معه حيث إن الذي يملك معلومة كمن يملك قطعة ذهبية، أما الذي يملك منهجا فإنه كمن يملك مفتاح منجم ذهب)[20]. والممارس البيداغوجي بحكم طبيعة مهنته ومهامه وتكوينه حقيق به أن يمتلك مناهج عدة لمقاربة وفهم واقعه لأجل التعاطي معه بأقل الخسائر والمخلفات وبأنجع السبل.
ومن هنا؛ يتعاطى الممارس البيداغوجي مع نوعين أساسيين من الأحكام تقديرا للحدث المدرسي والتعليمي والتربوي: أحكام قيمة؛ وهي تقييمات ذاتية وانطباعية تستند في غالبها إلى معتقدات الممارس البيداغوجي أو المتعلم/ة ومواقفه وعواطفه ورؤاه الشخصية، وتكون مغلقة في أكثريتها. وأحكام واقع؛ وهي تقييمات موضوعية في أكثريتها تستند إلى الحقائق والأدلة والحجج الموضوعية القاطعة، وتكون في غالبيتها مفتوحة، وأحكام قيمة إما إيجابية أو سلبية، بينما أغلب أحكام الواقع موضوعية قابلة للبرهنة في سياق العملية التعليمية التعلمية. وهي مطلب الممارس البيداغوجي والمؤسسة التعليمية معا إدراكا وفهما وعيا وتوظيفا لتحسين استراتيجيات التدريس والتكوين والتدريب أولا، ثم ثانيا للخروج من مواطن الاحتقان والاحتراب في العلاقات القائمة في المجتمع المدرسي، التي تقوم في كثير من الأحيان على
( الخلط القائم في الغالب، بين أحكام القيمة ” من قبيل، مستوى هذا التلميذ جيد ” وأحكام الواقع ” من قبيل، يعرف هذا التلميذ حل نوع من المسائل دون غيرها “. وتعتبر أحكام القيمة هي الأخطر بيداغوجيا، لأنها تمنع أي حوار … فالميل السائد لدى المعلم هو فضح السلوكات السيئة، انطلاقا من أحكام مثل: ” أنت كسول، لا مبالي، مهمل، ثرثار إلخ “، وهذه أحكام قيمة كما هو معلوم. فنحن نحيل ضمنيا على العمل والاندفاع والاهتمام والصمت كقيم. هكذا، سيكون ” التلميذ الجيد ” حسب هذا التصور، هو الذي يروق لنا. لكننا حينما نقول لتلميذ: ” إنك ذكي، ماهر، واسع الخيال “، فإننا نختزل هذه الأوصاف جميعها في مجال القيم دون تحديدها بدقة، وتتمثل الخطورة هنا في حصر التلميذ داخل مقولات مجردة لا تتطابق بالضرورة مع إدراكه للوضعية.
بالمقابل، حينما نقول له: ” إنك لم تنه عملك، لذلك ستتأخر ولن تفهم ما سنقوم به اليوم ” أو ” إنك تفكر في شيء آخر ولا تنصت جيدا، لذلك لن تعرف ما ينبغي عليك فعله “، فإننا نصدر أحكام الواقع التي لا تحصر التلميذ داخل تعريف أو مقولة. فهي مجرد ملاحظة يدركها المتلقي، بحيث تحيل على شيء عرضي وليس على ميل ثابت لدى الفرد. أكثر من ذلك، فنحن إذا قلنا لتلميذ: ” لقد جئت متأخرا، وهذا يشوش على القسم ويتطلب إعادة ما عرض من قبل ” سنكون أصدرنا حكما واقعيا. لكن إذا ما أضفنا قائلين: ” إن هذا سيعرقل حرية الآخرين وإمكانية تقدمهم “، فإننا سنحيل على الحرية كقيمة علائقية؛ وهنا نبرز حدودها ونبرز ضرورة اعتماد القواعد)[21]
ـ تفهما للمتعلم/ة كان للممارس البيداغوجي دور في حياته:
لا ينفصم واقع المتعلم/ة عن واقع أسرته ومجتمعه ومعيشه اليومي في حضنيهما، يحمل منهما الكثير إلى المؤسسة التعليمية. وفي سياق الحمولة يتعاطى مع المجتمع المدرسي ويتعامل مع مكونات البيئة التعليمية، فهو يتشكل من خلالهما كما يتشكل من خلال مجتمعه المدرسي. ويعكسها في حياته الخاصة والعامة؛ وبذلك تنطبع العلاقة بين المتعلم/ة والممارس البيداغوجي بما انطبعا عليه. وفي تطبعهما وطبعهما نألف جزءا كبيرا من علاقتهما (يرجع إلى عوامل خارجة عن إرادة كل منهما، وذلك لأن المعلم والمتعلم طرفان يتقابلان، وكل منهما محمل بأثر الماضي والحاضر وبنوع نظرته للمستقبل، فيتقابل هذان الطرفان المعقدان، ويطلب منهما أن يكيف كل منهما نفسه للآخر تكيفا يكون في العادة محدودا ومرسوما من قبل [في إطار العقد البيداغوجي]. تحدث المحاولة للتكيف، في ظروف قد تكون أحيانا ملائمة، وأحيانا غير ملائمة لنجاح التكيف المطلوب)[22]. وعليه؛ يسعى الممارس البيداغوجي أن يكون مبادرا إلى التكيف بما يجعله يتفهم واقع المتعلم/ة ويفهم معطياته الذاتية والموضوعية التي يؤسس عليها علاقته به. فهو معني بالدرجة الأولى أن يكون تواصله سلسا معه بما يتحمل من مسؤولية إشباع حاجاته النفسية وغير النفسية، فالنفسية هي أس الأسس البانية لشخصية المتعلم/ة لما لها من دور في خلق الثقة بالنفس والحافزية والجدية وقوة الفعل والاستقلالية والمسؤولية. فانطلاقا من كون الممارس البيداغوجي أهم شخصية في المجتمع المدرسي يتعاطى معه المتعلم/ة بعد والديه، وجب تكوينه تكوينا متينا من حيث الرصيد الأكاديمي الموسوعي للعلوم والحقول المعرفية المدرسة وتلك التي ترتبط بمهنيته وكفاءته التدريسية فضلا عن تلك المتعلقة بأنماط التفكير المتنوعة، وتركيزا على التفكير العلمي والموضوعي، والتفكير الاستراتيجي، والتفكير الناقد وصنوه الابتكاري/الإبداعي، ووجب تزويده بمناهج البحث وتكوين كفاياته منها الأساسية التي تسمح بتطوير ملكاته المهنية في مجال مقاربة المشاكل والإشكاليات مع الرؤية النافذة إلى أعماقها. فبدون هذا النوع من التكوين؛ لن يستطيع الممارس البيداغوجي النهوض بوظيفته ومهامه البيداغوجية والفكرية والثقافية والاجتماعية والسياسية والإنسانية، ولن يقوم بدوره في أنسنة الإنسان وبناء وعيه بذاته وبالآخر وبالعالم الخارجي وفهمه والتعاطي معه، وتحديد مصيره ومستقبله. فالممارس البيداغوجي الناجح من يملك السلطة المعرفية وكفايات الفعل وقدرة التأثير والتغيير في المجتمع المدرسي، وفي المجتمع العام ضمن سلوك متوازن منفتح على بيئته ومعطياتها الواقعية والمحتملة، وضمن تواصل إنساني سليم بنية ووظيفة تحقيقا للسير معا من أجل بلوغ أهداف مشتركة عائدها النفع العام على الجميع تحت سقف تقدير الذات والآخر والتقاطعات الإنسانية للمشترك الإنساني.
فالمتعلم/ة ينقاد بسهولة للسلطة المعرفية التي يجد فيها نفسه وتحقق حاجاته، ويتواصل معها ويتفهما أكثر مما ينقاد إلى السلطة المادية المبنية على العنف والقوة والضغط، والتي غالبا ما يقابلها بالعنف والعناد لاتقاء نتائجها السلبية وأضرارها المتنوعة أولا ثم ثانيا لإثبات ذاته وحضوره المغاير والمخالف لتلك السلطة المادية.
( إن للمعلم سلطة قوية الأثر في نفوس التلاميذ، وهذه السلطة مستمدة من الأدوار المتعددة التي يقوم بها، فهو يقوم بدور الأب ثم هو يقوم بدور المشرف ودور الرئيس ودور الخبير ودور العالم والصديق والموجه.
ولكن إذا كان للمعلم بالنسبة لتلاميذه سلطة فما ينبغي أن تعتمد هذه السلطة على القوة أساسا في ضبط الغير وتوجيههم، فإن ظهور القوة على صورة العقاب البدني الشديد لأقل سبب أو في صورة نقد أو تهكم أو غير ذلك فأيا كانت الصورة التي تظهر عليها القوة فإنه يترتب عليها غالبا كراهية لا تظهر عادة بصورة مباشرة للسبب الأصلي وقد تظهر بصورة مستترة أو ظاهرة نحو المدرس وأمثاله أو ما يماثله من قوانين ونظم، فربما يظهر أثر القوة في الثورة العاجلة أو الآجلة نحو المعلم أو ما يشبهه، أو يكون لها أثر الانكماش الذي يستدعي الطاعة أحيانا، والخوف والكراهية من جانب التلاميذ)[23].
فهذه السلطة القاهرة لا تؤدي إلى نتيجة إيجابية ولا تحل المشاكل، بل تزيدها تعقيدا واستفحالا وتوترا، وقد قيل إن العنف يمارسه العاجزون عن التفاهم والإدراك والانفتاح والتحليل والتفكير بشكل مختلف في النوازل والقضايا. ومن ثمة (العقوبات لا تتضمن الفضائل المتوخاة منها. وسواء تعلق الأمر بالعقوبات القاسية ” مثل العقوبات الجسدية التي تمنعها قوانين المؤسسة رغم كل شيء ” أو بالعقوبات الطفيفة ” مثل التوبيخ أو الاحتجاز “، فإن هناك شكا في مدى نجاعتها. فقد لوحظ بأن بعض التلاميذ يجمعون في ظرف وجيز، عددا من ساعات الاحتجاز يفوق ما يمكن تجميعه خلال السنة الدراسية برمتها؛ وأحيانا ما يكون الجهاز القمعي سببا في اندلاع العنف. وبالنسبة للتلاميذ الذين يتعاملون مع المدرسة كمؤسسة إكراهية، فإن العنف الرمزي الممارس بحقهم أو الاحتجاز غير العادل أو أية عقوبة أخرى، تزيد من خطورة حالتهم)[24].
ومن هنا؛ ترفض المؤسسة التعليمية بمفهوم النظام التربوي والتربية وتشييد الإنسان كل سلطة قائمة على الامتيازات المادية أو حق الأقوى والأطغى أو الاستبداد والاستعباد أو الظلم والظلام. وتقبل بمنظومة الحقوق والواجبات والكفاءة والقدرة على الفعل وتكافؤ الفرص والمساواة وكل قيم مجتمع الديمقراطية والإنسانية في إطار التعاقد البيداغوجي الذي هو حامل لعدة تعاقدات منها العقد الاجتماعي، والعقد المهني، والعقد الأخلاقي الذي في ظله؛
(لا يمكننا أن نثبت المسؤولية الأخلاقية للإنسان ما لم نأخذ بعين الاعتبار كون سلوكه يعد سلوكا هادفا أي سلوكا ينطوي على الرغبة في تحقيق قصد مين من سلوكه، وما لم نعتبر أن هذا السلوك أو ذاك ينطلق من حرية الإرادة وحرية الاختيار بين عدة أهداف. وحرية الاختيار لابد أن تنطوي على تصور مبدئي عن شيء يعد قيمة في حد ذاته، بحيث يعد تحقيقه كسبا وتضييعه خسارة تعقب الندم أو الشعور بالقلق.
وتختلف المقاصد والغايات بالنظر إلى صور السلوك الإنساني وطبيعة مجاله. فقد تكون الغاية هي النجاح في امتحان [كالمتعلم/ة]، أو كسب مال أو رهان [في مستقبله]، أو تحقيق سعادة أو منفعة [في حياته]، أو الانتصار في معركة [تعلمه]، أو الوصول إلى مركز اجتماعي أو سلطة سياسية [في منتظراته]. وقد تكون الغاية قبل كل شيء إرضاء الضمير، وحيازة الثقة ممن نحترمهم أو نقدسهم. وفي جميع الأحوال ينطوي السلوك الإنساني الهادف على نشدان قيمة، أو استشراف مثل أعلى، يعمل الإنسان في ضوئه، للاقتراب من نموذج الكمال الذي ينشده، إن لم يستطع تحقيقه على نحو ما يؤمن به)[25].
فالمؤسسة التعليمية تتعاقد مع الدولة مهنيا في تكوين متعلميها/ماتها على الحصول على شهادات معينة داخلة في اختصاصها تسهل انخراطهم واندماجهم في عالم الشغل المتعلق بذلك القطاع المهني المستهدف، وهي تتعاقد مع المجتمع بما فيه الأسرة على تربية وتعليم وتدريس الأبناء في حقل أو حقول معرفية معينة وتكوين كفاياتهم فيها، وتأهيلهم للانخراط في المجتمع بكل سلاسة، وهي تتعاقد مع عالم الشغل بتكوين أطر الشغل وتمكينهم من كل المؤهلات المعرفية والتقنية والأداتية والعملية، ومن كل الكفايات والقدرات والمهارات المهنية التي تسهل اندماجه في عالم الشغل والإنتاج. وفي هذا الإطار تنشأ العلاقة بين الممارس البيداغوجي والمتعلم/ة حيث (يعتبر التعاقد البيداغوجي كتقنية تعليمية تعلمية، تسمح للمدرس بالتفاوض مع المتعلم حول عمل شخصي يقابل هدفا محددا. ويختار التلميذ بنفسه طبيعة وصعوبة المهمة التي يرغب في إنجازها بخصوص هذا الهدف؛ ثم يلتزم، عبر التعاقد مع المدرس، بإنجاز المهمة المختارة وبتطوير الكفايات المساعدة على معالجة هاته الأخيرة. ولكي يحقق التلميذ هذا الاختيار، يفترض أن يقترح المدرس سلسلة من الوضعيات المختلفة أمام الهدف المحدد. كما يتعين عليه أن يضع رهن إشارة التلميذ بنية تأطيرية، هي عبارة عن سجلات مختلفة، بطائق للاستعمال، سجل يومي، وثائق، وأن يؤكد لهذا التلميذ دعمه له ووجوده رهن إشارته)[26]. وفي سياق هذا التعاقد ينشأ الخطاب التربوي بين الطرفين داخل عملية التواصل القائمة بينهما بمنظومة لغوية ورمزية معينة، تحمل الكثير من الدلالات والصيغ الكلامية المعبرة عن الرائج بينهما من أفعال وردود أفعال أو من مثيرات واستجابات، ومن إرشادات وتوجيهات وضوابط وشروط ومطالب ومتطلبات وظروف. تقع في جعبتها الأحكام بكل أصنافها تحدد نوع الخطاب وحواصله. فيكون التأثير والتأثر متبادل بينهما. ومنه، نجد المواقف السوسيولوجية والتربوية ذات دلالة في تقريرات الممارس البيداغوجي كما في تقريرات المتعلم/ة نحو كل منهما إلى الآخر، ونحو الفعل التعليمي التعلمي ذاته بما يعكس التأثيرات البيئية والإيديولوجية وغيرها في القرارات، وكذا يعكس موقعهما في سياق العلاقات الاجتماعية؛ فكل منهما ينتمي إلى طبقة اجتماعية معينة أو جماعة سياسية محددة أو منظومة إيديولوجية بعينها أو طائفة دينية أو مذهبية معينة أو إلى سلالة إثنية محددة. السياق الذي يؤدي دورا مهما وحاسما في تكوين مواقفهما المؤثرة في أحكامهمها، كل تجاه الآخر. التي غالبا ما تكون متحيزة لا موضوعية، لذا يجب الانتباه إلى هذا في التعامل مع المتعلم/ة.
وانطلاقا من سياق العلاقات البينية بين الممارس البيداغوجي والمتعلم/ة نكتشف الدور المهم الذي يلعبه الأول في حياة الثاني، بما هو يشكل القدوة والمثال والنموذج المقتدى به. وهو أداة وميكانيزم نقل الخبرة والتجربة الإنسانية المحصلة إلى المتعلم عبر قناة التعليم والتدريس والتربية والتواصل الإنساني بطرق واستراتيجيات ومنهجيات فعالة وناجعة وسليمة. وهو الممارس البيداغوجي في النقل هذا؛ بمعنى التدريس والتعليم والتربية معني بامتلاك الأسس والمبادئ والأدوات التي يحتاجها في انطلاقه إلى معرفة الواقع ووعيه، وقوده نحو التغيير والتجديد والتطوير باستثمار معرفة نقاط القوة والضعف فيه من حيث توظيف الأولى وتحويل الثانية إلى فرص نجاح. فمن خلال هذه المعرفة يقف الممارس البيداغوجي على واقعه الشخصي وواقع متعلميه/متعلماته وما يزخر به إمكانات وإمكانيات وتحديات وفرص ونجاحات، ما يمكنه من تحديد الأسلوب الأمثل والاستراتيجيات الناجحة والخطط الميسرة لتعليمهم وتدريسهم وتربيتهم، وتحديد أسلوب التعامل معهم، ومع بعضهم البعض. الأمر الذي سيساعدهم على العيش الجماعي والتفاعل الاجتماعي داخل الحجرة الدراسية بطريقة صحيحة.
ومعرفة الواقع يجب أن تنبني على معلومات ومعارف وخبرات مؤكدة وصحيحة، ذلك أن (هذه المعارف ينبغي أن تكون موثوقة وحديثة، وهاتان الصفتان ضروريتان للغاية، وذلك بسبب كثرة المعلومات المغشوشة، وكثرة المعلومات التي صارت مادة للمتاجرة بين المستفيدين منها، وحداثة المعلومات ضرورية أيضا بسبب سرعة التغير الحادث الآن، ومن المعروف عموما أن الواقع يتغير بسرعة أعلى من سرعة تطور الوعي، ولهذا فإن كثيرا من الناس يعملون وفق معطيات متقادمة بل تكاد تكون منسوخة! نحن نريد من وراء الحصول على المعلومات شيئا آخر غير إدارة شؤوننا الشخصية بكفاءة، ألا وهو بلورة منهج ورؤية جديدة للتعامل مع حوادث الحياة، وإذا لم نحصل على هذه الرؤية، فالبديل جاهز، وهو الركون إلى العادات والتقاليد المتوارثة، والاعتماد على المعلومات غير الممحصة والخبرات غير الناضجة، وهذا بالضبط هو الذي يجعل الحياة … مشحونه بالتخبط والارتباك)[27]. ما يجعل واقع المتعلم/ة بناء على موثوقية وحداثة المعلومات والمعارف متسقا مع ما يعيشه واقعيا في المؤسسة التعليمية، التي تروم أن تكون العلاقات البينية داخلها مشحونة بالقيم والمبادئ والمعارف الحقيقية والأخلاق النبيلة ذات المرجعية الدينية والشرعة الدولية، التي تتحول من حمولة معرفية إلى سلوكيات واقعية، ينطلق منها كل منهما نحو الآخر.
ـ دور أحكام القيمة وأحكام الواقع في حياة المتعلم/ة:
واقع المؤسسة التعليمية يفيد وجود علاقة مهنية وإنسانية واعتبارية بين الممارس البيداغوجي والمتعلم/ة تعتمد على مهامه ودوره مرجعية ودليلا وقدوة للمتعلم/ة في الحجرة الدراسية طلبا للاستفادة منه معرفيا وتوجيهيا وتدربا مقابل الإفادة من تجربته وخبرته وحكمته. ومن هذه العلاقة تنشأ الارتباطات بينهما؛ فتكون الأحكام المتنوعة والمختلفة من الجهتين معا نحو بعضهما البعض. وبذلك؛ للأحكام التي يصدرها الممارس البيداغوجي تجاه المتعلم/ة دور هام في حياتهما، إذ تستطيع أن تقود المتعلم/ة نحو النجاح أو الفشل، نحو الانفتاح أو الانغلاق، نحو التوافق الدراسي أو الاختلال الدراسي، نحو الجد أو الخمول، نحو الثقة بالنفس وقبولها أو اهتزاز الثقة بالنفس ورفض الذات … فأحكام القيمة وأحكام الواقع بوابة كبرى لولوج عالم الذات والآخر. فهي أساس كل بناء سليم لشخصية المتعلم. ففي التربية الإسلامية التقليدية؛ ورث المعجم التربوي وخطابه البيداغوجي أحكام قيمة وأحكام واقع سلبية في الكثير منها تتخللها بين الفينة والأخرى مزهريات ورود ورياحين العطور، مشحونه بمصطلحات تعبر عن فهم مغلوط لطبيعة العلاقة البينية، التي يجب أن تقوم في جماعة القسم؛ خاصة بين الممارس البيداغوجي ” المعلم/الفقيه ” والمتعلم/الطالب “. فقد ألفيت في هذا الخطاب الكثير من شحنات العنف، المؤلم للمتعلم والمؤذي له بمنطوق أقوال المربين القدماء والفقهاء منها: ” من أراد أن يغبط عدوه فلا يرفع العصا على ولده “، و” العصا لمن عصى “، وإباحة شتم المتعلم/ة وتعنيفه رمزيا؛ شرعا، بأقبح الأوصاف والنعوت والتوبيخ الجارح تأديبا له! والتدرج في عقابه من القول إلى الضرب مرورا بالوعيد والتعنيف. وقد اعتاد هذا الخطاب الكثير من القصائد الواصفة للمتعلم/ة ” الكسول/ة ” تسخر منه في أعلى معانيها، وتصفه في أدناها! بدل أن تصحح الفهم عنه، وتعيد بناء خطاب تربوي إيجابي نحوه بما يفيد أنه لا يوجد المتعلم/ة ” الكسول/ة ” في ظل نظرية تعدد الذكاءات، حيث هو كفء في مجال معين دون مجال آخر، لأنه لا يحفزه ولا يشد همته ولا يعنيه بدلالة أخرى، والكسل ليس طبعا بالضرورة ولا وراثيا سببا، فهو تطبع متعلق بأساليب التنشئة الاجتماعية؛ فالمتعلم/ة الذي يسخر منه الممارس البيداغوجي ويصفه بأبشع النعوت، هل يبقي له حافزا على الجد والمشاركة والتعاطي مع الآخر؟ وكثيرا ما تجد في حجرات الدرس بمؤسساتنا التعليمية زمرة ممن يحطمون المتعلمات والمتعلمين بأسلوبهم التدريسي وخطابهم القاتل الحامل لكل ” زبالة ” الألفاظ والدلالة الفاسدة. فشكوى جمعيات أمهات وآباء وأولياء التلميذات والتلاميذ من هذه النماذج المهنية مؤلمة خاصة في سياق التربية والتنشئة الاجتماعية؟! ألا ترى الاختلاف في الهمم والعزائم والكفايات والقدرات والمهارات والتحمل والجلد داخل المجتمع واضحا في عالم الصنائع وغيرها؟ أيمكن أن نقول عن مهندس كسول وآخر مجتهد؟ أم نقول مهندس كفء ومقابله غير كفء، والفرق بين الوصفين بارز وواضح.
فقد قيل في الكسل: (من دام كسله خاب أمله: قال أبو بكر الخوارزمي:
لا تصحب الكسلان في حالاته كم صالح بفساد آخر يفسد
عدوى البليد إلى الجليد سريعة والجمر يوضع في الرماد فيخمد)[28]
(وتزداد الصعوبة [ في التربية التقليدية ] عندما نعود تلقائيا إلى أحكام القيمة ” خير/شر “موروثة عن التقليد الأرسطي الذي لا نعمل على قراءته من جديد)[29] ونوظفها في تعاملنا مع المتعلم/ة.
تؤثر أحكام الممارس البيداغوجي وفق كيفية التعبير عنها والإفصاح عن مضمونها وتلقيها وإدراكها وفهمها، بشكل شديد على المتعلم/ة في جماعة القسم. خاصة؛ إن تمت بطريقة فجة وشنيعة وفاضحة أمام الجميع وتحت سمعهم وأبصارهم، وربما بتعليقاتهم! تؤثر فيه/ا تأثيرات مختلفة ومتنوعة ما بين النفسية والاجتماعية، ومن غيضها لا فيضها؛ فهي تؤثر في:
ـ الثقة بالنفس: حيث تبني الأحكام الإيجابية والبناءة ثقة المتعلم/ة بنفسه حين يتلقى من الممارس البيداغوجي أحكاما إيجابية مشجعة ومحفزة بخصوص جهوده/ا الأدائية وكفايات الفعل عنده/ا ونجاحاته/ا، التي تعمل وقود وشمعة اشتعال الحافزية والمشاركة والمثابرة والتحدي في سيرورته/ا الدراسية. في المقابل تعمل الأحكام السلبية المحبطة على فقدان الثقة بالنفس، فتذهب بالمتعلم/ة إلى الانطواء على الذات والإحجام عن المشاركة والإحباط، وربما إلى المرض النفسي بما فيه العدوانية انتقاما أو اتقاء من الآتي. فعندما يتعامل الممارس البيداغوجي مع المتعلم/ة بأحكام سلبية وباردة وجامدة، وبنقد حاد لا يستوعب مقبولية الخطأ من المتعلم بطبيعة المرحلة التي يمر منها، وبطبيعة العملية التي يتم الاشتغال فيها، بحكم أنه يتعلم. ومنطق أنه يتعلم يفيد صراحة أن إمكانية خطأ المتعلم محتملة وواردة في سياق طبيعي ـ خاصة إن طبع الممارس البيداغوجي علاقته السلبية هذه مع المتعلم بالاستمرارية والدوام ـ يؤثر ذلك على مستوى ثقته بنفسه نتيجة الشك في قدرتهم على الفعل والإنجاز، والتخوف من الخطأ وتهيبه لارتباطه في اللاوعي المتعلم بالعقاب. ويفتقد الاعتماد على نفسه مقابل احتياجه للآخر فضلا عن عواقب أخرى تنعكس على ذلك بالتسرب من المدرسة. فالأحكام السلبية تؤثر نفسيا بما ينعكس على الصحة العقلية للمتعلم/ة، حيث في بعض الحالات الشديدة والقاسية تسبب القلق، والخوف، والاكتئاب، وخفض درجة الاعتزاز بالذات، وما يتعلق بها من كرامة وعزة وإقدام وجرأة أدبية.
ـ تقدير الذات والتحكم فيها: كما تؤدي الأحكام الإيجابية المشجعة إلى تقدير المتعلم/ة لذاته/ا، والتحكم فيها من خلال توظيف استراتيجيات ذهنية وعقلية متعددة، تساعد على مقاومة الإغراءات، والتخفيف من الضغوطات، وتقليل الصراعات النفسية. وتخلق الثقة بالنفس وتقديرها والإيمان بقدراتها وكفاءتها، وقبل هذا لابد من أن يعرف المتعلم/ة نفسه بنفسه لكي يقدرها ويعتز بها؛ فقد قال آدم سميث: ” إن أول شيء يجب أن تعرفه هو نفسك، لأنك إذا عرفت نفسك يمكنك النظر لأفعالك بموضوعية كمراقب محايد ” ومن قبله قال سقراط: ” اعرف نفسك بنفسك “. ومن بعده؛ في تراثنا الإسلامي أقوال مشابهة وردت في سياقات متنوعة من هذا الخطاب التنويري والقاعدي في علم النفس من قبيل: قول الإمام علي رضي الله عنه: ” أكثر الناس معرفة لنفسه أخوفهم لربه “، وقول الإمام الغزالي: (اعلم أن مفتاح معرفة الله تعالى هو معرفة النفس، كما قال سبحانه وتعالى: “سنريهِم آياتِنا في الآفاقِ وفي أَنفُسِهِم حتى يتبين لَهم أَنه الحَق.” وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من عرف نفسه فقد عرف ربه “. وليس شيء أقرب إليك من نفسك، فإذا لم تعرف نفسك، فكيف تعرف ربك؟ … فالواجب عليك أن تعرف نفسك بالحقيقة؛ حتى تدرك أي شيء أنت، ومن أين جئت إلى هذا المكان، ولأي شيء خلقت، وبأي شيء سعادتك، وبأي شيء شقاؤك)[30] … فالمعرفة هي السبيل إلى التحكم في الذات والثقة فيها وتقديرها وتطويرها؛ ذلك (من الخير أن يعرف الإنسان نواحي ضعفه وقوته، ويجند إمكانياته إلى أقصى حد حتى يحقق لنفسه النمو والتطور والصحة النفسية، وعدم معرفة الفرد لنفسه يجعله إما مغرورا يحدد مستوى طموح أعلى من مستوى قدراته فيفشل في تحقيق أهدافه، أو يجعله فاقد الثقة بنفسه فيحدد مستوى طموح أقل من مستوى قدراته مما يحرمه من فرص النجاح والاستمتاع بالحياة “رحم الله امرأ عرف قدر نفسه”)[31]، فـ ( رحلة التغيير الإيجابي تبدأ بالوعي الذاتي أن تفهم عالمك الداخلي بشكل عميق بجانب ما يحيط بك في الواقع والحياة، الوعي: بمعنى أن تصبح على صلة بما أنت عليه وما تفكر فيه وما تشعر به وتفعله، وعندما يصبح الفرد واعيا بما هو عليه وما يفعله في الحاضر فإن آفاق البحث والحلول تنتشر وتظهر النتائج الإيجابية، من هنا التعامل مع الواقع بموضوعية، بالمعرفة المباشرة للنشاط النفسي، بجانب رصد الواقع والأحداث ذات الأهمية بهدف تصحيح مسار الحياة، يقول إيكهارت تول: من أهم أمور الحياة معرفتك بنفسك ومعرفتك عن نفسك)[32].
ومن بين تلك الاستراتيجيات التي تؤدي إلى التحكم في الذات ورغباتها وميولها … نجد مثلا:
ـ تجاهل الحاضر والتركيز على المستقبل؛
ـ خطة ” إذا ـ فسوف “؛
ـ نعم أستطيع؛
ـ إعادة تقويم الذهن؛
ـ الحذق والإتقان؛
ـ التفاؤل؛
ـ التفكير بالسبب والنتيجة؛
ـ الذات المستقبلية؛
ـ المسافة النفسية؛
ـ إبعاد الذات؛
تفعيل جهاز المناعة النفسية.
ذلك؛ أن تجربة ” اختبار المارشملو ” التي وظفت هذه الاستراتيجية مع الصغار والكبار أطفالا أو مراهقين أو شيوخا كانوا، أثبتت أن المتعلم/ة الذي يستطيع مقاومة الإغراء يكون على مستوى عال من التحكم في ذاته عند بلوغه ومدى حياته، فهو يتحكم في المواقف المحبطة بنفسه، ولا يستسلم لها ولا إلى الإغراءات، ولا يتعرض إلى التشتت الذهني بشكل كبير، بل يكون أكثر تركيزا، وذكاء. معتمدا على نفسه في اختياراته، ومستقلا في أفكاره ورؤيته، وحرا في اعتقاداته؛ بمعنى يتميز بالحرية والاستقلالية والاختيار. فيكون مطمئنا ومرتاحا لأحكامه الشخصية، واثقا من نفسه، لا ينهار بسهولة أمام التحديات والضغوطات والإكراهات. كثير التمعن والتفكير في المستقبل من خلال التخطيط الجيد له. ويستجيب بسرعة للتحفيز، الذي يجعله مصرا على تنفيذ مخططاته وتحقيق أهدافه وأوطاره. يواصل تعلمه بعزيمة قوية وبإصرار على النجاح مهما بلغت التضحيات، ويحصد من خلال ذلك المال، ويتمتع بالسعادة والصحة والعافية والهناء.
فكما تؤدي الأحكام الإيجابية إلى المتعلم/ة تقدير الذات والتحكم فيها؛ تؤدي الأحكام السلبية المشينة والمهينة إلى عدم تقديره/ا لذاته/ا والتحكم فيها. مما تقل معه الحافزية والمشاركة والتحدي والمثابرة والاجتهاد. فالنقد السالب المستمر والدائم المحبط بدون بديل يشكك المتعلم/ة في قدراته/ا وإمكاناته/ا ومهاراته/ا وقيمته/ا في الفصل الدراسي وداخل جماعة القسم بل وفي المجتمع المدرسي خاصة والمجتمع عامة. فتكون كفايته/ا الداخلية والخارجية ضعيفة وإنتاجها قليل وربما سيء. وهذا يؤثر سلبا على مساره/ا الأكاديمي والمهني والاجتماعي.
ـ الحافزية والدافعية: للعلاقة البينية بين الممارس البيداغوجي ومتعلمه/ته دور مهم في خلق الحافزية والدافعية للتمدرس والتعلم من خلال الخطاب التربوي القائم بينهما، والحامل للأحكام المتنوعة. فمن شأن الأحكام والتعليقات والملاحظات الإيجابية والبناءة والمحفزة أن تشجعه/ا وتحفزه/ا على الانخراط الجدي في التعلم بتحديد وتعيين أهداف مستقبلية رائدة وطموحة صوب عينه/ا وأمام عزيمته/ا، يـ/تـ ـشتغل على تحقيقها ويـ/تـ بذل كل جهده/ا لتحقيقها. عكس الأحكام السلبية غير المشجعة والمحبطة التي تقلل من دوافعه/ا وتبخس جهوده/ا؛ تجعله/ا محبطا/ة وقلقا/ة يـ/ تـ ستسلم بكل سهولة للتحديات والصعوبات، بل يـ/تـ ثق فيما صدر عن الممارس البيداغوجي من أحكام ويـ/تـ ـعتقد بها في ذاته/ا، ويـ/تـ حجم عن تقديم ما لديه/ا من فعل وكفاءة. ويغدو المتعلم/ة كارها للمدرسة نتيجة النقد المستمر أو التقييم السلبي أو النعوت السلبية التي يتعرض إليها؛ فتتراجع حافزيته للدراسة، ورغبته في حضور الدروس، وتصبح عملية مرهقة وصعبة عليه، ممكن التخلي عنها في أية لحظة. كما يمكن أن تولد لديه عقدا نفسية تجاه المدرسة والدراسة مدى الحياة. ونحن شهدنا عدة حالات يتسرب فيها المتعلم/ة من المدرسة نتيجة السلوك السلبي معه من قبل مكونات المؤسسة التعليمية خاصة الممارس البيداغوجي؛ الذي لا يقدر جهوده ولا يحترم شخصه ولا يفعل ثقافته ومكونه المهني في علوم التربية وعلم النفس وتفرعاته خاصة علم النفس المعرفي العصبي في احترام مطالب المرحلة العمرية والسيكولوجية التي يمر منها المتعلم/ة وتلبيتها وتحقيق حاجاتها واحتياجاتها. فقد ينخرط في العملية التعليمية التعلمية بوتيرة منخفضة نوعا وكما، مقابل إحجامه عن المشاركة في الممارسة الصفية في الحجرة الدراسية، وعن نسج علاقات تعليمية تعلمية واجتماعية مع مكونات جماعة القسم، وعن التفاعل مع المواد الدراسية المقررة والدروس المنجزة. وبذلك تخرج المؤسسة التعليمية من دائرة اهتمامه، كما يخرج ذاته من المجتمع المدرسي. وهذا تسرب من المعرفة والعلم والمهارة والكفاءة ومن التفكير العلمي؛ وبذلك تخرج المؤسسة التعليمية بما يروج فيها من سلبيات في العلاقات أو في أداء المهام جملة من الموارد البشرية إلى هامش الحياة المجتمعية الفاعلة والمنسجمة والقادرة على صناعة التغيير والتطور والتنمية والرفاهية.
ـ العملية التعليمية التعلمية: لا شك أن هذه العملية تقوم بالضرورة المهنية وبالطبيعة التربوية والتنشئة الاجتماعية على ملاحظات وأحكام مختلفة، تغطي مجمل الخطاب التربوي والتواصلي بين الممارس البيداغوجي والمتعلم/ة، عاملة فيه عمل الدم في العروق، الذي يغذي الجسم بكل متطلبات الحياة من أكسجين وبروتين ودهون … فحين يحمل الدم الميكروبات والفيروسات يؤدي إلى مرض الجسم، وحين يحمل عكس ذلك من عوامل الصحة والسلامة يؤدي إلى سلامته. فكذلك وظيفة الأحكام في الخطاب التربوي المدرسي، حين تكون سليمة يكون المتعلم سليما من العلل المدرسية على مختلف أنواعها. وإن كان خلاف ذلك، كانت حليف المتعلم/ة كل العلل المدرسية؛ ما يؤثر بشكل مباشر إيجابا أو سلبا على العملية التعليمية التعلمية وعائدها المعرفي والنفسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي والسياسي … فالممارس البيداغوجي هنا؛ يجب أن تكون ردود أفعاله بناءة وفعالة في اتجاهي: الإضاءة على نقاط القوة والإيجاب والعمل على تحفيز المتعلم/ة على استثمارها كلما ناسبه الأمر. وتبيان نقاط الضعف أو التحديات والحث على تجاوزها وتحويلها إلى فرص، ودعمه لتخطيها، والعمل على تحسين نقاط القصور بتقديم النصائح والإرشادات والمساعدات المطلوبة، لكي تساعد المتعلم/ة على تنمية وتطوير وتحبير كفاياته وكفاءته ومهاراته وقدراته المتنوعة. في المقابل يجب أن يحذر من الأحكام السلبية غير الموضوعية التي تزعج المتعلم/ة، وتشتت تركيزه وقدرته على إدراك واستيعاب وفهم المعرفة واشتغالها.
والممارس البيداغوجي في العملية التعليمية التعلمية هو ربان سفينتها، الذي يوصلها إلى شاطئ صناعة الإنسان الناجح أو يغرقها في أمواج محيطات الفشل. فهو معني في قيادة هذه السفينة بتفعيل تكوينه الأساس والمستمر والذاتي، وفن التواصل الحضاري في علاقاته الإنسانية وقيمها وأخلاقها وذرائعيتها تجاه المتعلم/ة، والمتن التعليمي والتعلمي لتحرير المجتمع المدرسي من قيود التخلف والتأخر والضعف التعليمي التعلمي والأكاديمي. فذلك كفيل بأن يشعر المتعلم/ة بالاحتضان والتشجيع والدعم للتعلم، وبقبوله كيفما كان ومعطياته في المجتمع المدرسي لأجل تأهيله للاندماج داخله بفاعلية وتفاعلية تخدمه والمجتمع في النماء والتطور والازدهار على كل المستويات والمجالات والقطاعات. فيرتفع أداؤه الأكاديمي والعملي والإجرائي وتتحقق طموحاته وآماله الفردية الجمعية. فالمتعلم/ة هو أصل وجود الفعل التعليمي فبانعدامه تنعدم المؤسسة التعليمية في المجتمع، وخاطئ من يعتقد أن هذه المؤسسة موجودة لذاتها، وهي ذات استمرارية بوجود المتعلم/ة أو بدونه. فذلك اعتقاد خاطئ من الأساس لا ينم رؤية صحيحة للفعل التعليمي وما يتطلب من مؤهلات ذاتية معرفية ومهنية ومن تواصل وأخلاق وغير ذلك من المهارات العملية التي يتطلبها الفعل التعليمي خاصة مع المتعلم/ة الصغير.
ـ العلاقة البينية القائمة بين الممارس البيداغوجي والمتعلم/ة: للأحكام تأثير قوي جدا على طبيعة العلاقة بينهما سلبا وإيجابا. حيث يمكن للأحكام الإيجابية أن تجعل تلك العلاقة متينة وصلبة تساعد كل منهما على فهم وتفهم الآخر والتعاطي معه بإيجابية وتقدير واحترام، وتشجعه على الانفتاح على الآخر من حيث طلب المساعدة والتوجيه والإرشاد ومشاركة الهموم والمشاكل والعمل على حلها جماعيا. فتكون العلاقة حينها علاقة محبة ومودة وإنسانية بامتياز، تساهم في تسهيل التواصل والتعليم والتعلم في نفس الوقت، وتعمل على خلق الظروف والجو المناسب للتفاعل الإيجابي والسليم في ذات الوقت. في حين تخلق الأحكام السلبية الظالمة والجائرة والقاسية والمجافية للصواب والموضوعية توترا شديدا في تلك العلاقة، ما يؤدي إلى العنف والمشاحنات والصراعات الضارة بالفعل التعليمي التعلمي وبالعلاقة الإنسانية بينهما. وتشيع الفوضى وعدم احترام البعض للبعض ردفا على عدم احترام القوانين والتشريعات المدرسية. فيكون المجتمع المدرسي مجتمع صراعات وصدامات وتحارب بين مكوناته، فينتقل بحكم التربية كل ذلك إلى المجتمع عامة بما فيه الأسرة. وما يقع في المؤسسة التعليمية المغربية من تفلت وعنف وصدام سوى وجه من وجوه أزمة العلاقة البينية بين مكوناتها، بما فيها من أحكام وتمثلات وتصورات وخلفيات تقديرية. فالعلاقات الاجتماعية بين المتعلم/ة والممارس البيداغوجي تتأثر بالأحكام السلبية والإيجابية؛ بما يؤدي بالأحكام السلبية إلى تدهور العلاقة بينهما وانعدام الرغبة في التواصل والتفاعل الإيجابي. بينما يقع عكس ذلك من الأحكام الإيجابية.
ـ تعليم المتعلم/ة القيم والأخلاق: في الأحكام المتنوعة التي يلقيها الممارس البيداغوجي على مسامع المتعلم/ة حلقة دراسية له في القيم والأخلاق؛ من خلالها يتعلم القيم والأخلاق ويدرسها في سياقها الاجتماعي الذي يعيشه، ويقف على مميزاتها وعائدها على الفرد والمجتمع إيجابا أو سلبا. ما يدفعه إلى تبني الإيجابية منها دون سلبياتها التي يحاول تصحيحها أو استبدالها. ويعلم أن مسألة القيم والأخلاق هي مسألة طبيعية في سياق كون الإنسان اجتماعي بطبعه، فهو لا يستغني عنها مهما حاول ذلك. كما يتعلم من خلال سلوك الممارس البيداغوجي معه، وطريقة توظيفه للقيم والأخلاق في أحكامه. فـ
(الواقع أن الإنسان كائن أخلاقي في المقام الأول، أي كائن مسؤول عن أفعاله وعن مصيره، وعن تحقيق الكمال الممكن لطاقاته وملكاته، ومؤهل للتمييز بين الخير والشر وبين الحق والباطل، والتمييز أيضا بين الوقائع التي تجري من حوله، بين مقبولة ومرفوضة ولذلك فهو يقيمها في ضوء الغايات التي ينشدها. فلا يعرض له شيء من الأشياء أو فكرة من الأفكار إلا وأصدر حكمه عليها بالاستحسان أو الاستهجان، انطلاقا من نشدانه للكمال الذي يسكن وجدانه، كما يسكن نشدان الحقيقة عقله.
وهذا الكمال هو الذي يتعلق به وجدان كل واحد منا، باعتباره قيمة تفرض نفسها على عقلنا المعياري بالضرورة، فنحن في حال الإعجاب بذلك الشيء أو حال الإنكار له لا نبحث دواعي ذلك الإعجاب أو الإنكار، لأنها أشياء قيمة في حد ذاتها، موجودة بنفس القوة التي وجد بها الإنسان نفسه. ومثال ذلك أنه عندما يتعلق الإنسان بالجمال في صورة من صوره، أو عندما ينتصر للحق في موقف من المواقف أو عندما يفضل الخير على الشر أو يصغي لضميره في تلبية نداء الواجب، فإنه غير محتاج لتبرير هذا الموقف أو ذاك، لأنه يتعلق بحقيقة بديهية، تعد جزءا من طبيعته الفطرية التي تميزه عن الحيوان. وهي ما يعبر عنها أحيانا بالمبادئ الأخلاقية أو القيم الإنسانية العليا.
يقول أحد المفكرين الغربيين: إذا كانت الأشياء مندرجة فيما يعني به الإنسان أضفى عليها قيمة أو قدرها تقديرا ماديا أو معنويا. ومن البديهي أن الأشياء، إن لم يكن معظمها، لا تقوم إلا من حيث إنها وسيلة لغاية ما. ولكن، لبعض الأشياء قيمتها في ذاتها، لأنها غاية في نفسها. وليست وسيلة لغيرها. وتسمى هذه القيم بالمثل العليا. وقد جرى العرف على اعتبارها ثلاثة. وهي الجمال والحق والخير. وقد يضاف إليها قيمة رابعة تسمى القداسة أو المقدس)[33].
وقد كان دوركايم يهتم بالأحكام الأخلاقية وكيفية مساهمتها في التماسك الاجتماعي والتحام المجتمع. فهي عنده أساسية ورئيسة ومركزية في الحفاظ على النظام الاجتماعي وتعزيز الإجماع، من حيث تسمح للأفراد التمييز بين الخير والشر، والمحدد اجتماعيا المقبول وكذا المرفوض، فهي انعكاس حقيقي لمجموع المعايير الجماعية للمجتمع. والأحكام في المجال التربوي لا تقع خارج إطار الأحكام الاجتماعية، التي يعتبرها إميل دوركايم مركزية في الفعل الاجتماعي، من حيث ارتباطها بالأخلاق والقيم والتضامن الاجتماعي ارتباطا وثيقا، وبتأثير المجتمع على الأفراد في تشكيل أحكامهم بناء معايير وقيم ومعتقدات مشتركة يضعها ويسوقها لهم، مرجعية للتفاعل الاجتماعي المتأثر بالسياق الاجتماعي الأكبر للمجتمع، الذي تحدث فيه، والذي ينتج أحكام الأفراد. وكان معنيا بدراسة الأحكام الاجتماعية بموضوعية متجنبا الأحكام القيمية الشخصية، مؤكدا على تحليل الوقائع والحقائق الاجتماعية كظواهر خارجية تتأثر بالمعايير والقيم والتضامن الاجتماعي؛ قابلة للملاحظة والتحليل والتفكيك العلمي بدلا من الآراء الفردية الذاتية الجوانية، مركزا على الأحكام الأخلاقية باعتبارها لبنات أساسية في بناء التماسك الاجتماعي للمتجمع. فـ (الأحكام الأخلاقية تخضع لتأثيرات أيديولوجية أو شبه أيديولوجية يقررها موقع الفرد في سياق العلاقات الاجتماعية … ماهي إلا تعبير عن مواقف صاحبها أو مشاعره، وتستعمل لإثارة مشاعر مماثلة فيه)[34]. ومنه؛ نجد الممارس البيداغوجي بدرجة أساسية وباقي مكونات المجتمع المدرسي جدير أن يحدو حدو إميل دوركايم في دراسة الأحكام ليرشد خطابه التربوي مع متعلميه وغيرهم بما هي من مجمل العوامل المؤثرة في الالتحام الاجتماعي ووحدة المجتمع. ومنه؛ نجد الممارس البيداغوجي بدرجة أساسية وباقي مكونات المجتمع المدرسي جدير أن يحدو حدو إميل دوركايم في دراسة الأحكام ليرشد خطابه التربوي مع متعلميه وغيرهم بما هي من مجمل العوامل المؤثرة في الالتحام الاجتماعي ووحدة المجتمع.
وبما أن للأحكام هذا الدور الخطير في حياة المتعلم/ة الذي مازالت شخصيته تتشكل وتتأسس، من المفيد أن يكون الممارس البيداغوجي على دراية ووعي وفهم وتفهم صحيح لوظيفة الأحكام في العملية التعليمية التعلمية. فعليه أن يدرك ما نوع العلاقة البينية التي تجمعه مع متعلميه، وأن يصحح مسارها إن كانت مختلة، ويدرك خطابه التربوي والتواصلي معهم إدراكا واعيا بحمولته القيمية والأخلاقية فضلا عن حمولته البيداغوجية، والأحكام المتضمنة فيه؛ ليجعلها أحكاما موضوعية قابلة التبني من قبل متعلميه، والعمل على إدراجها بأسلوب مناسب مفهوم يتوافق مع السياق الواردة فيه، ومتناسبة مع حجم ودرجة الموضوع المنتقد. تحمل من السمات الدالة الحقيقية. الشيء المعرب عن جوهر الحكم، الذي يجب أن يكون عادلا وبناء في رصد موضوعه وهدفه وأثره؛ يقدر قدرات ومواهب المتعلم/ة المختلفة، ويشجعه على تطوير نقاط قوته الخاصة به والمميزة له، مما يعزز لديه الشعور باحترام الذات، بل الاحترام المتبادل بينه وبين الممارس البيداغوجي وزملائه، ويتقبل فكرة الأحكام في إطار التقويم وتقييم التجربة والممارسة التعلمية ضمن تنوع القدرات في الحجرة الدراسية بلغة التربية الفارقية.
وأن يثير الممارس البيداغوجي انتباه واهتمام المتعلم مع استجلاب التفاعل معه بقابلية راضية. ومتقبلة له من حيث تجد الحكم موضوعيا وعادلا وبناء في الدفع به إلى الأمام ونحو التطور والنمو بيداغوجيا وأخلاقيا وسلوكيا وأدائيا. فالأحكام التي لا ترتكن إلى الموضوعية تكون معلقة في الهواء تتأرجح مع هبوب الرياح، وتكون هشة، يمكن دحضها بسهولة وتبيان تحاملها المجاني على المنتقد، وربما تأتي بنتائج عكسية وآثار جانبية مميتة. لذا؛ فهذا الإدراك والوعي والفهم والتفهم ضروري وأساسي للممارس البيداغوجي إن كان يرمي إلى توليد علاقة إيجابية وإنسانية وبيداغوجية مع متعلميه، مساعدة على تعليمهم وتعلمهم، وطامحة إلى مشاركتهم في الأنشطة التعليمية التعلمية. وأن ينتبه بجد في خطابه التربوي وعلاقاته مع متعلميه إلى أن: الأحكام السلبية لا تدمر فقط حاضر المتعلم/ة. بل؛ تدمر ماضيه ومستقبله دفعة واحدة وفي نفس الآن، حين تغتال فيه الإنسان المفكر والناقد والمبدع، وتميت فيه الاستعداد والطموح، وتهلك فيه التحدي واقتحام المجهول، وتطمره في أعماق قوقعة نفسه، وفي اللاشعور المحرك لكل السلبيات لديه. فالأحكام السلبية تمد سيفها إلى رقبة المنجز في الماضي والحاضر والمتوقع في المستقبل بقطع صلة المتعلم/ة بكل الدوافع والحوافز والطموحات والمنتظرات والأوطار الممكنة في الحاضر والمستقبل.
فالممارس البيداغوجي في منظومتنا التربوية الحالية، عليه أن يدرك جيدا؛ أنه يقبع في قعر منظومة تربوية مأزومة أزمة المجتمع العام الذي توجد فيه، منطبعة بطابعه، حيث (إذا كان الحقل التربوي يعد، وفق المنظور السوسيولوجي، بنية فرعية داخل النسق المجتمعي العام، فإن وضعه المأزوم في مجتمعاتنا هو جزء من كل، من وضع مجتمعي عام، أي من أزمة بنيوية مركبة، أزمة هياكل وبنيات ومؤسسات وقيم وعقليات وعلاقات وممارسات وتوجهات واختيارات سياسية واجتماعية لشمولية الأبعاد والمكونات)[35]، ومن أبرز معالم أزمتها فكرها التربوي التقليدي الغارقة فيه إلى النخاع. فهي مازالت تتوارث خطابها التربوي القديم من جيل إلى جيل، الحامل للأحكام الذاتية التي تقوم على إرهاصات واستنتاجات ذاتية، ولا تستند على حقائق موضوعية يمكن التحقق منها بأدلة علمية أو تجريبية، المدخل إلى قبولها من المتعلم/ة. ومازالت لم تستوعب بعد التغيرات والتطورات الحاصلة في المجال التربوي، ولم تع بعد اكتساح الذكاء الاصطناعي ملعبها بشكل كبير، الذي يوفر للمتعلم كل متطلباته المعرفية ويذهب معه إلى إنجاز متطلباته الدراسية تحت طلبه. وهنا؛ لا داعي إلى استنكار لجوء بعض المتعلمين إلى الذكاء الاصطناعي في حل واجباتهم المدرسية، بادعاء كسلهم أو استهتارهم بسيرورة تعلمهم، من حيث عدم اكتسابهم لمناهج البحث أو طرق الإنجاز أو المعارف والمعلومات. فالحصول المجاني عليها يقتل تعلمهم. وهذه الشكوى؛ يمكن تحويلها من السلبيات ونقاط الضعف إلى فرصة نجاح، حين نتعاطى مع المنجز من باب دعوة المتعلم/ة تفسير ما أنجزه وكيف بناه أي مناقشة” ما أتى به من الذكاء الاصطناعي ” مناقشة علمية وموضوعية كاشفة عن حقيقته من ناحية رصيده المعرفي وبنية المعلومات والمعارف والحقائق، وتحليلها بفكر ناقد شفاف، ثم من ناحية منهج البحث فيها وطرق تحصيلها وبنائها وتشييد معمارها التراكمي، ثم من ناحية عائدها العلمي على مختلف المستويات. فتكون بذلك فرصة للمتعلم/ة للتعلم أولا، ثم فرصة لمساءلة الذكاء الاصطناعي عن صحة وصدق ما أفاده من معطيات. ومنه؛ توظف المنظومة التربوية الذكاء الاصطناعي لصالحها وتستثمر فيه من خلال تنمية قدرات المتعلم/ة التعلمية وكفاياته العلمية. بل تذهب أبعد من ذلك حين تشرح للمتعلم/ة كيفية اشتغال الذكاء الاصطناعي وكيفية التواصل معه واستثمار قدراته في التعلم.
وبصفة عامة؛ تؤثر الأحكام السلبية للممارس البيداغوجي على العلاقة البينية بينه وبين المتعلم/ة، وعن مدى استجابته للفعل التعليمي التعلمي بما فيه من دلالة على المتن التعليمي وتعليمية المواد الدراسية وممارسة صفية وأهداف وكفايات … كما تؤثر الأحكام الإيجابية للممارس البيداغوجي على المتعلم/ة، رافعة درجة دافعية التعلم لديه خاصة إن كان الأول يتبنى مسلكا ونهجا تعليميا إيجابيا وداعما للثاني حتى يحقق حاجاته وحاجياته وطموحاته، وبما يؤدي إلى تطوره الأكاديمي والأدائي. وعليه يجب أن يكون لدى الممارس البيداغوجي وعي بقوة وشدة الأثر الذي تتركه الأحكام القائمة في العلاقة البينية بين أطراف العملية التعليمية التعلمية، ويتغيا في احتضانه للمتعلم/ة، وتوجيهه وإرشاده له التشجيع على التعلم بمختلف الطرق والمسالك العملية الإيجابية التي تساهم في نمو وتطور المتعلم/ة.
ـ أمثلة عن تأثير الأحكام المتنوعة على المتعلم/ة وفيه، وكيفية توظيف أحكام الواقع منها:
1 ـ تأثير الأحكام على وفي المتعلم/ة: نورد الأمثلة التالية في الجدول الآتي مثالا لا حصرا لمجموعها:
| الحكم | نوعه | انعكاساتها المحتملة على المتعلم/ة |
| ـ أنت كسول؛ دائما لا تنجز واجباتك بالشكل الصحيح. | سلبي | ـ عدم تقدير الذات ـ فقدان أو انخفاض درجة الحافزية للتعلم ـ الاتجاه السلبي نحو التعلم ـ ردود فعل غير متوقعة سالبة أو موجبة كالعنف على الذات أو الآخر ـ النفور من المؤسسة والهروب من الدراسة ـ التسرب المدرسي … |
| ـ أنت في تحسن مستمر في مادة علوم الحياة والأرض، استمر؛ جهودك مقدرة. | إيجابي | ـ الثقة في النفس وكفاياتها ومهاراتها وقدراتها ومعارفها وأدائها ـ خلق الحافزية على مواصلة الجدية والمثابرة ـ خلق دافع التحدي والتصدي للصعوبات والتحديات ـ خلق مسببات ومحفزات النجاح الدراسي والأكاديمي ـ خلق قدرة مواجهة المعوقات … |
| ـ رغم أنك تخجل، وهذا أمر طبيعي في سنك؛ شاركتنا بناء الدرس بكل حماس وفعالية، فشكرا لك. | إيجابي | ـ خلق شجاعة في الخجول للمشاركة الإيجابية والفعالية في النشاط التعليمي التعلمي ـ إسماع صوته في جماعة القسم بتقييم وتقويم أفكاره وتقديرها في المعمار الفكري للتعلمات والدرس ـ إكسابه الثقة في النفس ـ إكسابه تقدير ذاته ـ إكسابه جرأة إبداء رأيه وقدراته وتقديم أفكاره علاوة على إكسابه جرأة التواصل مع الآخرين دون خجل … |
| ـ أنت مقارنة بزملائك جد ضعيف، انتبه. | سلبي | ـ خلق شعور عند المتعلم سلبي اتجاه ذاته والآخر من حيث يحسده أو يبغضه ـ خلق بيئة تنافسية شرسة لا تعاون وانسجام فيها، بل التطاحن والمشاحنات والتناحر ـ خلق بيئة دراسية غير مشجعة على التعليم والتعلم ملؤها الفردانية والنفعية والذاتية ـ ضرب جرأة المخاطرة المعرفية والأكاديمية في الصميم، من حيث يعزف المتعلم/ة عن مسايرة الدراسة والبحث الأكاديمي والميل إلى الاستسلام للقدر ـ ثنيه عن بذل المزيد من الجهود لمسايرة مستوى جماعة القسم ” إكس بار X “. |
2 ـ كيفية توظيف أحكام الواقع في الممارسة الصفية:
توظيف أحكام الواقع في التواصل مع المتعلم/ة أثناء الفعل التدريسي والممارسة الصفية يمكنه من عدة مهارات وقدرات وكفايات وقيم ومسلكيات وسلوكيات ومناهج وغيرها، فهي تمكنه مثالا لا حصرا من:
1.2. دراسة العلوم: ذلك، أنه في تدريس العلوم نأتي على أحكام تتعلق بالحقائق العلمية من قبيل: ” كوكب الشمس تشرق من الشرق وتغرب في الغرب”.؛ فيه حقائق العلمية التالي:
ـ الشمس كوكب؛
ـ شروق الشمس من الشرق؛
ـ غروب الشمس في الغرب.
وهي أحكام؛ حقائقها يمكن اكتشاف صدقها من كذبها علميا، ومنها ما يمكن إثباته مخبريا، والتحقق منها موضوعيا عبر الدراسة العلمية. وهكذا مع باقي القوانين الفيزيائية أو الخصائص الكيميائية أو العمليات البيولوجية وقوانينها أو القوانين الرياضياتية أو القوانين الكونية القائمة على التجربة … التي يمكن أن تكون مدخلا رئيسا لتعليم المتعلم/ة العلوم من خلال دراستها أحكاما قابلة للتجريب والاختبار لفهم مبادئها وقوانينها وميكانيزماتها العلمية بشكل جيد ومتقن ومضبوط.
2.2. كفايات ومهارات البحث العلمي: هي أحكام الواقع تستوجب دائما جمع الحقائق والمعلومات والمعارف والبيانات والأدلة والحجج القاطعة لتقويم وتقييم واقع الموقف والوضعية التي أدت إلى الحكم، بالبحث عن المصادر الموثوقة والموضوعية، والتحقق منها بتوظيف مناهج البحث العلمي للمصادقة على صدقها أو دحضها بتبيان زيفها ومغالطاتها وكذبها. ما يمكن المتعلم/ة من طرق البحث ومناهجه وأدواته وآلياته فضلا عن تشجيعه على تعميق معرفته وخبرته وتجربته عبر اكتشاف الأدلة والمصادر والمراجع التي تدعم أحكام الواقع أو تنفيها. فأحكام الواقع مجال خصب لتعلم كيفية البحث وتوظيف المنهج العلمي في صياغة الفرضيات وإجراء التجارب وتحليل النتائج بموضوعية وتحصيل الاستنتاجات والخلاصات. وفي كل هذا يتعلم المتعلم/ة قيما كثيرة تتعلق بأخلاقيات البحث العلمي وقيم مجتمع البحث، فضلا عن نسج منظومة علاقات مع الباحثين والتعاون والتكامل معهم، وتكوين فرق للبحث الجماعي متعدد الاختصاصات، إزاء الاطلاع على آراء ورؤى وأفكار الآخرين المختلفة عنه، وتجديد معماره الفكري وصيانته مقابل امتلاك شخصية منفتحة على الآخر ومستقلة عنه في ذات الوقت.
3.2. التفكير الناقد: لأحكام الواقع دور مهم في تعليم المتعلم/ة التفكير الناقد، من حيث غرس مبادئ التفكير الناقد فيه ابتداء من الشك الدائم فيما يقدم من معلومات ومعارف وطرق ومناهج … وما يصاغ من خطابات ومقولات وغيرها. مما يقود المتعلم إلى البحث وتحليل الأدلة والحجج، واكتشاف مواطن الصحة فيها ومواطن الاختلال والمغالطات فيها، وتقديم البدائل واقتراح الحلول المناسبة، وتصحيح المغالطات والأخطاء بناء على الوقائع والحقائق المحصلة. فهي تساعد المتعلم/ة على تطوير تفكيره الناقد وتكسبه مهاراته وكفاياته وقدراته، وتقوده إلى وعي أهمية التفكير الناقد في البحث وتدقيق المعلومات والمعارف وغيرها. فالتفكير الناقد رديف أحكام الواقع في طريقها نحو وضع المتعلم/ة على سكة مساءلة الذات عن أسبابها وحقائقها وموضوعيتها.
4.2. المناظرة: أحكام الواقع غالبا ما تفتح النقاش بين الممارس البيداغوجي والمتعلم/ة في الحقائق والوقائع والأسباب، وكيفية تجاوز مطباتها أو استثمار إيجابياتها؛ مما يتعلم معها المتعلم/ة كيفية بسط وجهة نظره فيها، والتعبير عن حقائقها ووقائعها وأسبابها ونتائجها ومآلاتها، والدفاع عنها أو الاعتذار عنها بالتبرير أو دعمها بحججه وأدلته القوية موضحا لماذا هي في الصميم أو هي خارج السياق ومجانبة الصواب ضمن أخلاقيات المناظرة والنقاش. وهو موطن يتعلم منه القيم المتنوعة، ويكتسب الخبرة والتجربة في التعبير عن نفسه وآرائه وسلوكاته ومواقفه، ويبررها بالحجج والأدلة فضلا عن المنطق والموضوعية، فيصير إلى التفكير العقلاني موظفا ومستعملا، لا يقبل بغيره بديلا. ويخرج من عالم الخرافة والأوهام والهشاشة الفكرية إلى قوة التفكير العقلاني العلمي وصلابة نتائجه.
5.2. ثقافة المساءلة: أحكام الواقع دائما تضع المتعلم أمام مساءلة هذه الأحكام من حيث مدى صدقها وصحتها أو كذبها وخطئها في أي مجال وردت أو أي سياق جاءت فيه. فكثيرا ما ترد على المتعلم أحكام الواقع من خلال الإعلام والصحافة والوسائط الرقمية من مواقع متنوعة. حيث يسائلها بجدية وحسم عن صدقها وصحتها أو عكسها بتوظيف التفكير الناقد ومنظومة علامات الاستفهام، فيقيم بمهاراته المكتسبة الأخبار والوقائع والسرديات، ويدقق مصادرها الإعلامية لمعرفة غثها من سمينها. فيصدر هو الاخر حكما واقعيا عليها، ويحد من نشر الأكاذيب والمغالطات والأخطاء، وتصحيح الأخبار والأفكار وترشيد الرؤى وتحقيق الروايات. وهكذا مع باقي المجالات المعرفية والقطاعات المتنوعة. بأحكام الواقع تتكون لدى المتعلم/ة ثقافة المساءلة، وغربلة كل شيء بناء ثقافة الشك الدائم في كل ما يرد عليه ومن جهات المعمورة الأربع. وهو بذلك يساير ما أمرتنا به ثقافتنا الإسلامية وكتاب الله العزيز من تفكير وتأمل وتبصر وتعقل، (فمن الحق أن نعلم أن كتابنا يأمرنا بالبحث والنظر والتعلم والإحاطة بكل معلوم يصدر عن المعقول، ولكن ليس من الحق أن نزعم أن ما تستنبطه العقول مطابق للكتاب مندرج في ألفاظه ومعانيه، فإن كثيرا من آراء العلماء التي يستنبطونها أول الأمر لا يعدو أن يحسب من النظريات التي يصح منها ما يصح، ويبطل منها ما يبطل، ولا تستغني على الدوام عن التعديل وإعادة النظر من حين إلى حين)[36].
6.2. تنشيط الذاكرة: أحكام الواقع تترسخ في ذاكرة المتعلم/ة بمنطوق عباراتها ودلالاتها وحمولتها المعرفية، فتشعلها، وتخزن فيها عبر تسنين معين، يمكن توظيفه من أجل تعبئة أحداثها، وتحفيزها لاسترجاعها واستعمالها في سياقات متعددة، فهي الذاكرة حافظة حياة المتعلم/ة. ذلك (لولا الذاكرة، لما وجد أي شيء آخر في حياتك، فالذاكرة هي ذلك الخيط الذي تنتظم فيه أحداث حياتك؛ لأن كل ما وصلت إليه، يرجع الفضل فيه إلى ذاكرتك. الإنسان كائن جامع للخبرات التي يعجز من دونها عن التعلُّم أو التفكير أو التمتع بالذكاء أو الإبداع، بل يعجز حتى عن تكوين خبرة في أي مجال، لأن الخبرة هي مزيج متراكم ومتفاعل من المعلومات والتجارب والانفعالات والذكريات. على مدار السنين اكتسبت الذاكرة سمعة سيئة بعد أن اقترنت بالتعلُّم المعتمد على الحفظ وتكديس المعلومات في المخ. يؤكد التربويون أن الفهم هو مفتاح التعلُّم، ولكن كيف يمكنك فهم شيء دون حفظه؟ على سبيل المثال: كم عدد النكات التي تعرفها؟ الأرجح أنك سمعت آلاف النكات، إلا أنك لا تتذكر منها الآن سوى أربع أو خمس. هناك فرق كبير بين تذكر أربع نكات، وتمييز آلاف النكات التي سبق لك أن سمعتها، ففهم المعلومة لا يعني القدرة على استرجاعها، وهكذا فإن الإنسان لا يستفيد من المعلومة إلا بعد أن يفهمها ويستحضرها ليتمكن من إعادة استخدامها مرات ومرات، وفي سياقات متعددة)[37].
7.2. النظرة الإيجابية لمواطن النجاح والفشل: أحكام الواقع التي تفد على المتعلم من الممارس البيداغوجي أو الأقران والزملاء في الدراسة حول أدائه التعلمي وسلوكه الاجتماعي داخل جماعة القسم وخارجها، تمكنه من التفكير بطريقة مختلفة في النجاح والفشل، من حيث يصبحا في سياق حياته أمرا طبيعيا، لا يستوجب التخوف من الفشل ولا الغرور بالنجاح، وإنما تتكون لديه نظرة موضوعية وإيجابية نحوهما، بوعيه ان النجاح والفشل ليسا من الأمور الدائمة السرمدية، وإنما الحياة تتأرجح بينهما جيئة وذهاب. (فهما في الواقع أشياء مؤقتة، وإذا نظر الفرد [المتعلم/ة] إلى أن الفشل سيستمر حليفه فسيفشل في حياته. ومن الخطر أيضا النظر إلى أن النجاح سيستمر حليفك. فالنجاح والفشل أمور متغيرة ويجب على الفرد أن يوطن نفسه لكليهما كما أن الخوف من الفشل يشل نشاطك ويجعلك عاجزا عن انتهاز الفرصة المناسبة للخروج من المأزق، وإياك أن تفكر في الهروب من الفشل، فخير لك ألف مرة أن تروض نفسك على احتمال الفشل، والتصرف فيه بقدر إمكانياتك من أن تلجأ إلى الهروب منه سواء بالخيال وأحلام اليقظة، أو الهروب فعلا من الواقع)[38].
فالأحكام تبقى راسخة في الذاكرة لأنها تؤثر في المتعلم/ة بشكل فعال، ثم هي رصيده المعرفي والخبراتي والتجاربي، إليه يرجع في التعلم والإنجاز والإنتاج. بل؛ أساسه في وجوده داخل المجتمع ومؤسساته من أسرة ومدرسة ومرافق عمومية وخاصة، ومنطلق علاقاته مع ذاته ومع الآخرين على مختلف أنواعها ومستوياتها … لذا؛ فالممارس البيداغوجي يجب أن يحرص على إشعال ذاكرة المتعلم/ة بالأحكام الإيجابية، التي لا محالة هي رافعته نحو التقدم والتطور والتجدد.
لهذا المعطى يمكن للممارس البيداغوجي دمج أحكام الواقع كوسيط في التدريس لتعليم المتعلم/ة مجموع الكفايات والمهارات والقدرات المذكورة سابقا وغيرها الكثير. فهي تطور وتنمي وعيه وفهمه لذاته وللعالم من حوله وخارجه بطريقة تبني شخصيته على التصدي لكل ما من شأنه أن يغالطه أو يخدعه أو يستغفله، وعلى التحدي ومقارعة الحجة بالحجة والدليل بالدليل، وعلى الاستنارة والتبصر في حياته وواقعها وأحداثها. فأحكام الواقع وباقي الأحكام يجب توظيفها بشكل إيجابي لصالح المتعلم/ة لتكون عونا له على التقدم والتطور والنماء لأنه مستقبل البلاد ومعتمدها في المستقبل؛ فإن كان معلولا بكل العلل، لن يقدم لبلاده شيئا، بل سيكون عالة عليها. لذا؛ وجب الانتباه لما نصدره من أحكام على المتعلم/ة. فليس سهلا على النفس البشرية خاصة نفس الطفل أن نحطمها بأحكام قد لا تكون صحيحة وصادقة في حقها. فالتخريب سهل والبناء صعب وصعب جدا. في ثانية تحطم ناطحة سحاب، لكن في بنائها تتطلب سنوات. فلا مجال للمقارنة مع فارق الزمن هنا. الانتباه والوعي والحكمة والرزانة مطالب رئيسة في لحظة إصدار الأحكام على المتعلم/ة.
فعلى الممارس البيداغوجي أن يعي قوة الكلمات والعبارات، إذ لها وقع شديد على المتعلم/ة، وقوة هائلة، وتأثير فعال فيه. فما عليه في تواصله إلا أن يختار ألطفها وأحسنها وأجملها في التعبير عما يريد أن ينقله إلى المتعلم/ة من توجيهات وإرشادات وتوضيحات وشروحات وأوامر ونواه حتى يخفف من وقعها إن خانه التعبير وخانته العبارة. أما تلك الألفاظ الغليظة والقاسية، فالابتعاد عنها أصوب لما لها من سوء النتائج والوقع. فنحن أمام متعلم/ة مرهف الإحساس يتأثر بسهولة بأحكام الآخرين وأقوالهم وتقديراتهم نحوه وفق معطياته التي تختلف من متعلم/ة لآخر كالعمر، ومستوى تطوره البيولوجي والفسيولوجي، ونضج عقليته وشخصيته، وبيئته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والنفسية والسياسية والعقائدية والدينية … وعليه كذلك في سياق تواصله مع المتعلم/ة أن يراعي:
ـ حساسية المتعلم/ة للكلمات والعبارات والخطاب ككل، حيث يتأثر بذلك في سن مبكرة. ولعل حساسية الأطفال منذ الصغر لأصوات أمهاتهم ومن يحيط بهم باستمرار، وللنغمات الموسيقية، والتعبيرات العاطفية وألحانها خير دليل على تأثرهم بها، فهي تؤثر على سلوكهم وعواطفهم وملامحهم وردات فعلهم. وكلما كبروا ونموا ونضجوا كلما صاروا إلى فهم معنى الكلمات والعبارات والخطابات التي تربطهم بمفاهيم محددة.
ـ تطور المتعلم/ة المعرفي: مع نمو المتعلم/ة؛ تتطور مهاراته وكفاياته وقدراته، لتمكنه من استيعاب وإدراك وفهم وتحليل الكلمات والعبارات والخطابات، وأحكام الآخرين نحوه. ففي سن ما قبل المدرسة، يبدأ الطفل/ المتعلم/ة يفهم آراء وأحكام الآخرين اتجاهه، ويحاول وضعها في إطار منظور معين، ولو بسيط وربما ساذج. ومحاولة تقييمها بشكل نقدي.
ـ تأثر المتعلم/ة بمحيطه الاجتماعي، لأن (المجال المدرسي نفسي اجتماعي صميم، لا يمكن فصل الظواهر النفسية في الأفراد، عن الظواهر الاجتماعية الخاصة بالمجموعات الصغرى التي تلتقي فيه وتتفاعل في إحداث الظواهر التربوية. فالمتغيرات السيكولوجية الخاصة بالأفراد من حاجيات ودوافع وأهداف وإدراكات … تلتقي بالمتغيرات الاجتماعية من منظومات القيم الثقافية، وهكذا يكون المجال المدرسي مجالا عاطفيا لسببين رئيسيين:
أولهما: أنه مجال معرفة ولا يمكن أن توجد آلية معرفية بدون عناصر وجدانية كما لا توجد الأخيرة بدون الأولى.
ثانيهما: أنه من حيث هو مجال نفسي اجتماعي هو مجال علاقات إنسانية، وحيثما تكون علاقات تكون عواطف)[39]. فيتأثر المتعلم/ة في هذا المجال المدرسي والمجال المجتمعي العام بالأشخاص المحيطين به من أب وأم وإخوة وأحباب وأصحاب وأصدقاء، وبما يزخر به هذا المحيط من مكونات أخرى خاصة المكونات الرقمية التي غزت البيوت والدور والعقول، وشدت انتباه وتركيز الإنسان منذ نعومة أظافره. إنه يقلد سلوكيات وأفكار ومواقف من يراه قدوة تأثرا به، خاصة في الطفولة والمراهقة. فمعرفة هذا، تجنب الممارس البيداغوجي السقوط في الأحكام السلبية التي تساهم في تكريس أحكام محيطه الاجتماعي عليه. فقد تكون الأسرة تسم ابنها بالبلادة وتأتي المدرسة لتصفه بها بأحكام قيمة مغلقة. ما يؤدي به إلى الاقتناع ببلادته، فيصير إليها حقيقة بسلك مسلكها بفقدان تقدير الذات والثقة في النفس وقدراتها.
ـ عوامل المتعلم/ة الفردية المميزة له وسماته الخاصة؛ التي في ظلها وإطارها يتفاعل مع كلمات وعبارات وخطابات وأحكام وتقديرات وتقييمات الممارس البيداغوجي بشكل مختلف وفقا لشخصيته ومزاجه وتقدير ذاته والثقة بها. فقد يتأثر المتعلم/ة العاطفي أكثر من المتعلم/ة العقلاني بها، ويسعى الثاني إلى فحصها وتدقيقها، بينما الأول يتقبلها بكل سهولة وبساطة، خاصة إن كان الممارس البيداغوجي قدوته ومثاله الأعلى الذي لا ينطق عن الهوى. وقد يكون حساسا أكثر لآراء هذا الأخير ولآراء زملائه وجماعة القسم بعاطفته الجياشة، في المقابل يكون المتعلم/ة المستقل والحر أقل حساسية للأحكام وأقل تأثرا بها، ويعتبرها رؤى قابلة للنقاش والنقد والدحض. فهي ليست حقائق دون إثباتها بالدلائل والحجج والوقائع الميدانية الملموسة والمحسوسة.
ويبقى المتعلم/ة طفلا أو مراهقا أو راشدا أي كان عمره، يمتلك قدرته الخاصة على التفكير النقدي الذي يحتكم إليه في التعاطي مع المعلومات والأحكام والخطابات والتعلمات والأشخاص وغيرها أثناء نموه. ويلعب الممارس البيداغوجي دورا هاما ومحوريا في تنمية كفايته المعرفية، وكفايته النقدية بتعليمه وتدريبه على تقييم المعطيات والمعلومات والمعارف والآراء والأحكام بطريقة متوازنة، وباستراتيجية مضبوطة.
3 ـ كيفية تجاوز الممارس البيداغوجي آثار الأحكام السلبية على المتعلم/ة:
بما أن الممارس البيداغوجي ـ من المفترض فيه ـ أنه خبير بمتعلميه ذكورا وإناثا على مختلف المستويات، بما فيها الفروق الفردية والتباينات البينية في سمات الشخصية المتنوعة، والمؤهلات والقدرات والكفايات، والمعرفة والتفكير، والأداء العملاني؛ فهو معني بدرجة كبيرة بربط علاقات إيجابية معهم، لكي يحفزهم على التعلم، والانخراط الفاعل في النشاط المدرسي تحصيلا وتمكنا من الكفايات المستهدفة وتحقيق آمال متعلميه. فالعلاقات البينية مدخل حقيقي إلى بيئة التعليم والتعلم قبولا أو رفضا وفق طبيعة تلك العلاقات وعائدها على عملية التواصل بينه وبين متعلميه. بل تتعدى ذلك على باقي مكونات العملية التعليمية التعلمية، فعليه وعي ذلك والإيمان به حتى يكون معاملا مساعدا على التمدرس. وبناء على هذه الخبرة؛ يمكنه توفير العديد من فرص إنجاح وتعزيز علاقته البينية مع المتعلم/ة من خلال:
*بناء على الفروق الفردية يمكنه توظيف المقاربة الفارقية أو البيداغوجية الفارقية التي تمكنه من تخصيص التعليم حسب معطيات كل متعلم/ة على حدة، معتمدا في ذلك على معاملات إحصائية ودراسة ومعالجة نتائج المتعلمين ودرجات تحصيلهم العلمي. وفي هذا التخصيص يمكن للممارس البيداغوجي أن يلتمس العون من الذكاء الاصطناعي في تحليل احتياجاتهم من موارد تعلمية وأنشطة صفية بتحليل بياناتهم وناتج تعلمهم المعرفي والأكاديمي والأدائي والسلوكي. وبتخصيص التعليم يربط الممارس البيداغوجي علاقات بينية مع مختلف أنماط المتعلمين والمتعلمات إيجابية، حيث يحس المتعلم/ة بالعناية به كفرد من قبل الممارس البيداغوجي الذي خصه بمتن تعليمي خاص به وبمنهجية تتوافق مع درجة تعلمه كميا ونوعيا، فيسير إلى حب مدرسه وأستاذه هذا الذي يقدم من وقته وجهده الكثير لاحتضانه، والإشراف عليه وتوجيهه ومساعدته على التعلم حسب وتيرة تعلمه وإمكاناته وإمكانياته المتاحة، وحسب كفاياته وكفاءاته. فالمتعلم/ة في بيداغوجيا الفارقية ينافس نفسه لا غيره ما يشجعه على محاولة تحقيق الأهداف المسطرة له في برنامج التعليمي التعلمي الخاص به، وبما يعفيه من ملاحظات زملائه ونقدهم له. فكثير من هذه الملاحظات والنقد يهدم المتعلم/ة نفسيا واجتماعيا وتعليميا.
* في إطار البيداغوجيا الفارقية يمكن للممارس البيداغوجي مراقبة تقدم المتعلم/ة وأدائه التعلمي مستعينا بالذكاء الاصطناعي وبرامجه ومخزونه المعرفي ومهاراته في التحليل وإنجاز المهام التي تسند إليه. حيث يمكنه تحليل بيانات أداء كل متعلم/ة على حدة وتحديد مستوى الأداء بدقة، بما يساعد الممارس البيداغوجي على تقرير الملاحظات والتوجيهات والإرشادات البناءة والفاعلة والحقيقية التي سيقدمها للمتعلم/ة، لكي يتقدم ويتحسن في تحصيله الدراسي وأدائه التعلمي بتحفيزه على التعلم، وتوجيه سلوكه واهتمامه ودراسته نحو تمكينه وبناء كفاياته وكفاءته على استراتيجيات الدراسة الفعالة وكيفيات وطرق الإعداد للامتحانات الإشهادية والتقويمات الدورية، وإكسابه مهارات إدارة الوقت بشكل معقلن ومهندس وفعال. وعلى تحديد أهدافه الاستراتيجية الخاصة والشخصية، والعمل على تحقيقها بالمثابرة وبذل الجهد التعلمي، وعلى توعيته بشكل منطقي وعلمي وعقلاني بما لسلوكه الاجتماعي دورا مهما في بناء علاقات اجتماعية مع الآخرين بما فيهم الأقران والأصدقاء والزملاء في المجتمع المدرسي، بما يؤدي إلى فهمهم وتفهمهم والتعاون والتواصل معهم بسهولة ويسر وفعالية عالية. كما أن العلاقة البينية الإيجابية القائمة بين الممارس البيداغوجي والمتعلم/ة في إطار العملية التعليمية التعلمية، ومن باب توظيف الذكاء العاطفي أن يسند للمتعلم/ة بالاحتضان والتبني المعرفي والدعم العاطفي، ومشاركته همومه ومشاكله وطموحاته وآماله، والعمل حلها أو تحقيقها، خاصة في حالات العصبية والضغط النفسي أو الصعوبات الذاتية والفردية التي يواجهها في سيرورة ومسار دراسته ولا يدري كيف يقاربها. وفي إطار هذه العلاقة يمكن للممارس البيداغوجي توجيه المتعلم/ة إلى تحبير ونماء وتطوير مهارات وقدرات وكفايات التفكير النقدي لديه عبر تشجيعه على طرح الأسئلة الجوهرية والرئيسة حول القضايا التي يعيشها، وكذا ما يدرسه ويقرأه من كتب ومجلات وصحف، وما تحويه من أحداث وأفكار ورؤى مع تقديم أدلته وحججه الداعمة لرأيه ووجهة نظره، والمبررة لأدائه وسلوكه وفعله. وبما يؤدي به إلى تحليل وتقويم وتقييم المعارف والمعلومات والأحداث والمواقف وغيرها بطريقة علمية ومنهجية ومنطقية.
* في إطار هذه البيداغوجية الفارقية؛ المدخل الحقيقي لبناء علاقة ثنائية بين الممارس البيداغوجي والمتعلم/ة فعالة وجيدة، تحسن وتطور الفرشة النظرية المعرفية والتطبيقية للمتعلم/ة من خلال تدريبه وتأهيله على توظيف التقنيات الذكية من قبيل التعلم الآلي وتحليل البيانات، ووضع مشاريع البحث والدراسة، وتحديد منهجيات وطرق الاشتغال على مواضيع البحث والدراسة فضلا عن إبداع التصاميم للمعطيات المحصلة، مما يحسن ويغني تجربة التعلم عند المتعلم/ة اكتسابا وتمكنا وتوظيفا بدرجة فاعلة وتفاعلية ومحفزة وشيقة وجذابة. وهو ما يشكل دعما فرديا عبر تبني الذكاء الاصطناعي وتقنيات تكنولوجيا التعليم مع إمكانية تحديد من المتعلمات والمتعلمين من هي/هو في حاجة للدعم الفردي الإضافي ـ وهذا حاضر في المنهاج الدراسي المغربي وهندسته الزمنية ـ وتوجيه جهودهم بطريقة فعالة ومؤثرة في تحقيق أهدافهم الشخصية والجماعية المتنوعة. وذلك من خلال فهم أساليب واستراتيجيات تعلم المتعلم/ة ومستوى معرفته كما ونوعا، مما يأسس أرضية صلبة لاتخاذ القرارات، ولتقديم تجارب تعليمية حقيقية وواقعية أو افتراضية مناسبة له، ومخصصة لتحقيق حاجاته واحتياجاته الشخصية والفردية التعلمية وغيرها. كما أن المتعلم/ة يتعود على الذكاء الاصطناعي واستعماله وتوظيفه في تعلمه وحياته اليومية؛ فهو يمكن أن يقدم له ردود أفعال فورية لتحسين أدائه وناتجه بعدما يحلل أداءه بدقة، ما يساعده ويساهم في فهمه للفروق البينية والدقيقة في المفاهيم ومصطلحاتها وتوظيفاتها إزاء توفير موارد تعليمية متنوعة متعلقة بذلك الفهم من قبيل: الشروحات والإضافات النوعية والمتعمقة ذات الإضافة النوعية للموضوع، أو تقديم التمارين التفاعلية البانية لمهارة فهم المفاهيم وكيفية تشكلها ومجالات استخدامها، أو أنشطة تطبيقية في تحديد المفاهيم المناسبة للمواضيع المطروحة، أو غير ذلك من الموارد التعليمية التي تساعد المتعلم/ة على الفهم الجيد للمفاهيم ومصطلحاتها وكيفية تحديدها على المستوى اللغوي والاصطلاحي والإجرائية، وعائدها على الموضوع المدروس ومنهجيته المتبناة في مقاربته. وبذلك يصبح المتعلم على دراية بالمفاهيم ووضعها وتوليدها ونحتها مقابل التمييز بين أمكنة توظيفها وزمن إدراجها بترابط العلاقة بينها وبين مداخل البحث ونتائجه.
وهناك العديد من الطرق والأساليب التربوية والنفسية التي يمكن للمارس البيداغوجي أن يتواصل بها مع المتعلم/ة للتخفيف والحد من الآثار المباشرة وغير المباشرة لأحكام القيمة السلبية عليه. ويمكنه استقاء تلك الطرق والأساليب من علم النفس الاجتماعي وعلم النفس العلاجي وعلم النفس المعرفي السلوكي، كالمقابلة الشخصية التي تمنح الممارس البيداغوجي فهما دقيقا لمشاعر ورغبات المتعلم/ة وتفاعلاته معه مباشرة لوجها لوجه كما يقولون، والمقابلة غير المباشرة بواسطة تقنيات تكنولوجيا التواصل والاتصالات التي تغذيها التطورات الرقمية كالجلسات والمقابلات عبر الهواتف النقالة الذكية والفيديو ووسائط التواصل الاجتماعي، أو المراسلات الرقمية الشفهية والكتابية التي تمكن المتعلم/ة مشاركة ممارسه البيداغوجي مشاكله وتحدياته وغيرها للحصول على استشارته فيها، أو تنظيم جلسات جماعية بين الممارس البيداغوجي ومجموعة من المتعلمات والمتعلمين الذين تتشابه أو تتقاطع مشاكلهم وتحدياتهم وعوائق تمدرسهم، للتقاسم والمدارسة والمناقشة، والخلوص للحلول مع الدعم النفسي لمجموع المشاركين. فمن شأن هذه الطرق والأساليب أن تفتح للمتعلم/ة علاقة سليمة مع ممارسه البيداغوجي، والانفتاح فيما بينهما وبين المتعلمات والمتعلمين الآخرين في إطار الحوار البناء والاحترام والتقدير للذوات والأشخاص بمعطياتهم الواقعية المختلفة مع تفهم ضرورة وجود الاختلاف والتنوع في المكون البشري للمجتمع المدرسي، وتقبل ذلك مع ضرورة إيجاد تقاطعات بينهم لإنجاح العلاقة بينهم والفعل التعليمي والتواصل البيني. كما أن من شأن هذه الطرق والأساليب أن تعمل على نجاح المنظومة التربوية والتكوينية على تحقيق أهدافها، وتطورها، وتجددها باستمرار. فالتواصل البناء أساس التقدم في المجتمع لأنه يعمل على استثمار الاختلاف والتنوع في تطوير وتجديد وتحسين الحياة العامة والخاصة.
ـ ومضة وعي للمستقبل:
من خلال ما سبق تبين لنا أن للأحكام التي يصدرها الممارس البيداغوجي على متعلماته ومتعلميه مفعولها المؤثر جدا عليهم وعلى تكوين شخصياتهم فضلا عن متعلقات ومتطلبات التعلم لديه، ومسارهم الدراسي، وعلاقاتهم البينية وطبيعتها، ونظرتهم لذواتهم وقدراتها وإمكاناتها وإمكانياتها واستعدادها وقابليتها للتعلم. فالممارس البيداغوجي معني بإيجاد إطار أخلاقي وقيمي لأحكامه، ليبتعد بها عن الذاتية والشخصنة والانطباعية والعاطفة طلبا للموضوعية المبنية على الحجج والأدلة والحقائق الواقعية. ومعني في نفس الوقت بوعي خطابه ومستلزمات ومتطلبات تواصله مع متعلماته ومتعلميه عند تدريسهم المتن التعليمي ضمن البعد النقدي الذاتي لأدائه التعليمي، وفي إطار البعد النقدي للفعل التعليمي معطى مؤسساتيا قابلا للغربلة والمساءلة عن الأحكام التي يحملها في مضمونه.
وبدون وعي الممارس البيداغوجي لما يفعله، يظل فعله التعليمي قابعا على هامش المنظومة التربوية والتكوينية، لا في قلبها، لا يحرك الثوابت فيها نحو الاهتزاز بالشك المنطقي الذي يحيل على الوجود الحقيقي لفعلي التعليم والتعلم. فبدون هذا الوعي تصبح المنظومة التربوية والتكوينية والممارس البيداغوجي والمتعلم/ة موجودات ساكنة لا قيمة لها في كفاية الفعل الحقيقي، أما كفاية الفعل المطلق؛ بمفهوم استغراق اسم الجنس للفعل، فهو ينتج المكرور من الإنسان فاقد الوعي والإحساس والحضور والفعل والتأثير عبر سيرورة الزمن الطويلة، التي ماعادت تنسجم مع عصر الثورة المعرفية بمفهومها الشامل لكل الحقول المعرفية وتطبيقاتها ومنجزاتها التي تتسارع بشكل رهيب، حتى كاد الإنسان يلغي نفسه كلية في ذاتها، ويحل فيها. وإن كانت في موطن من المواطن تقتله وتميته معنويا، وتحيله عبدا لها، يستهلكها بشراهة طلبا للشعبوية السلبية وللتفاهة ولفكر القطيع، الذي ما زاد الشعوب المتخلفة إلا خبالا وهبالا. فوعي الممارس البيداغوجي لا يقع في مساحة الترفيه والكماليات بقدر ما يقع في مساحة الأركان إن كان المطلب منظومة تربوية وتكوينية قوية ومتقدمة وناجعة وفاعلة ومنتجة. ومنه؛ يكون وعي المتعلم/ة من وعيه، لأن الوعي يفيد في:
ـ وعي الذات من خلال معرفتها بعملية استكشاف وفهم وإدراك قيمها ومعتقداتها ومشاعرها وعواطفها، وأفكارها، ودوافعها، ومطالبها ومتطلباتها، واستيعاب هوية المرء بالتفكير العميق فيمن هو؟ ومميزاته ومواصفاته وسيماته؟ وما اهتماماته وأهدافه في الحياة. فوعي الذات والنفس يقوم على:
ـ التأمل الذاتي: يسمح بالتفكير العميق في تجارب وخبرات الفرد وردود أفعاله العاطفية وأفكاره، وبالتساؤل عن أسباب السعادة لديه ومواطنها مقابل التساؤل عن أسباب الحزن أو التوتر، وكذلك التساؤل عن التحفيز وأسبابه، مما يساهم بشكل كبير في فهم وإدراك ردود أفعاله وسلوكياته بشكل واضح وأفضل.
ـ القيم والمعتقدات: من حيث يحدد الفرد قيمه وأخلاقه ومعتقداته الأساسية ومرجعياتها، في بعد تحديد ما يهمه حقيقة وبشكل أساسي في الحياة. وفي بعد تحديد قناعاته العميقة؛ ما يساعده على إدراك واستيعاب وفهم قيمه ومعتقداته بشكل جيد، التي يتخذ على إثرها قرارات تتماشى مع هويته وشخصيته وذاته.
ـ نقاط القوة والضعف: حيث يحدد الفرد مكامن قوته من قدرات ومهارات وكفايات ومواهب متنوعة، وإمكانات الإنجاز فضلا عن تحديد مكامن ضعفه من قدرات ومهارات وكفايات غير مكتسبة أو غير متقنة، وكيفية تجاوزها، ومجالات تحسينها. ما يمكنه من معرفة ذلك واستثماره في بشكل جيد في الأداء المختلف والعلاقات الاجتماعية وغيرها.
ـ العواطف وردود الأفعال: دراية الفرد بمشاعره وأحاسيسه وعواطفه تشكل وعيه بذاته، حيث يدري ردود أفعاله وتصرفاته تجاه مواقف الحياة المتنوعة، ويجعلها متناسبة معها، وعائدها في الغالب إيجابي يحقق غرضه المقصود بردة فعله. فكلما كانت معرفة الفرد بمشاعره وأحاسيسه وعواطفه دقيقة كلما فهم وأدرك أثر ذلك على نفسه وغيره، وما يثيره بمن مشاعر، ويعرف كيف يتفاعل معها ويتعاطى مع نتائجها؛ فالأفراد حسب وعيها بمشاعرها تتصرف مع الآخرين رضا أو غضبا أو إهمالا.
ـ التجربة الشخصية: معرفة الذات ووعيها يؤدي إلى استكشاف تجارب حياة الفرد السابقة والحالية وتحليلها والاستفادة منها. فهي التي شكلت هوية الفرد ورؤيته ونظرته لنفسه ولغيره وللعالم من حوله بجانب عوامل أخرى. وتلك الحالية منها هي التي تطوره وتنميه.
ـ ردود فعل الآخرين: تشكل مرآة لنفس الفرد تعكس بعض حقائقها ودقائقها وسماتها وصفاتها إذا استمع الفرد من الآخرين وتعلم منهم. فآراء ونظرة وتعليقات الأحبة والأصدقاء والزملاء والقربى الموثوق بهم، الصادقة والحقيقية تمكن الفرد من نظرة ثاقبة ورؤية سديدة عن نفسه وذاته وشخصيته، وسماتها وسلوكياتها، التي قد لا تدركها الفرد بنفسه لوحده.
فوعي الذات عملية مستمرة في الزمن والمكان والحدث، رحلة تصاحب حياة العاقل حتى مماته. لا تقف عند إجابات نهائية أبدية بقدر ما هي عملية بحث عن الذات ومعرفتها عبر الأسئلة المفتوحة المطروحة على الفرد للاستكشاف والنمو شخصي. عملية تساعد الفرد على اتخاذ القرارات المنسجمة مع هويته وقيمه، وتحسن علاقاته المتنوعة مع نفسه والغير والمجتمع ومحيطه الذي يعيش فيه. فهي تعطي للفرد معنى أعمق لحياته ووجوده، وتؤدي إلى أحسن وأفضل تعرف على النفس. وإلى تنمية احترامها وتقديرها، وإلى تجويد وتحبير وتحسين قدراتها وكفاياتها على اتخاذ القرارات والمواقف والرؤى والأفكار المستنيرة النيرة.
ـ تعزيز التنظيم الذاتي للتفكير العاطفي، الذي يعمل على إدارة التوترات والمطبات النفسية والعاطفية، ويعمل على حل النزاعات والصراعات والاحتقانات بشكل بناء فعال حفاظا على علاقات بينية صحيحة وسليمة. مبنية على التفاهم والحوار والتعاون والتكامل والتقدير.
ـ التعاطف والرحمة على النفس أولا ثم ثانيا على الاخر من خلال الفهم والتفاهم، وتقدير معطيات القرارات والمواقف والمشاعر، ووجهات نظر الآخرين وخبراتهم واحتياجاتهم. مما يعزز بينهم الاحترام والتقدير والتسامح والتعاون، فضلا عن التفاعل بشكل إيجابي معهم من أجل بناء مجتمع مدرسي وعام أكثر ديمقراطية وعدلا وإنصافا بتفعيل القيم الإيجابية والحقوق والواجبات ومنظومة الأخلاق. كما الوعي يؤدي إلى التعرف على القضايا الاجتماعية والاقتصادية والبيئية والسياسية والتربوية والصحية للمجتمع وفهمها وتحليلها ومعالجة مشاكلها. ويجد للفرد كما للجماعة والمؤسسة موقعا للمواطنة المواطنة الفاعلة والمنفعلة، المشاركة بجدية وحماس في اتخاذ إجراءات التغيير الإيجابي للأفراد والمجتمع على حد سواء.
فالوعي في العملية التعليمية التعلمية، يكون المتعلم/ة ـ الأفراد ـ المجتمع على الدراية بالنفس والآخر والمجتمع، والكفاءة في الفعل ومنتوجه، ودراية تأثير فعل الإنسان على نفسه وعلى الآخرين والمجتمع والعالم ككل. ما يعزز التطور المجتمعي على مختلف المستويات والقطاعات بما فيه منظومة القيم نحو الأخلاقية والمسؤولية والحرية … وعليه؛ فنحن نطمح إلى إيجاد ممارس بيداغوجي واع، لا يساوم على مصالح المتعلمات والمتعلمين ومستقبلهم ومستقبل البلاد ولو مع نفسه، يقاوم ولا يساوم، يشاكس ولا يهادن، يقول الحق ولا ينافق … فمستقبل العباد والبلاد رهن رقبته؛ إما أن يقبل التحدي أو يقبل التحدي لا خيار له.
ـ الخطاب التربوي إلى أين؟:
مازال الخطاب التربوي المغربي يحمل من الماضي الشيء الكثير رغم أنه تطور في بعض اتجاهاته، ومعطياته التي شهدتها مشاريع إصلاحه غير المكتملة، في مستوى الفلسفة التربوية والسياسة التربوية التي لم تأخذ طابع الاستمرارية والترابط والتكامل والانسيابية في المنحنى الخطي الأفقي كالإصلاحات. فهو لم يأخذ قرارا حاسما حول المسألة اللغوية في التعليم التي تتسم بالتعددية وليس الثنائية فحسب، ومازال لم يخرج من عباءة لغة المستعمر إلى لغة العالم، ولغته الأمازيغية الوطنية الرسمية لم تتقوى بعد، ومحدودة الانتشار في ربوع البلاد وبين العباد، ينظر البعض إليها من وجهة إيديولوجية وإثنية وسياسية ودينية ضيقة لا من وجهة حضارية وطبيعة عضوية لا تنفك عن جسد الوجود المغربي، ويحاصرها في التوظيف والتطبيق العملي في السوق اللسني العام والشعبي، بدعاو شتى لا ترقى إلى الموضوعية في شيء. يتعامل معها على أساس احتفالي فرجوي، يشد العقول ويطرب القلوب، في سياق اجتماعي واقتصادي وسياسي وثقافي مشروخ أفقيا وعموديا بالصراعات والتجاذبات والاحتقانات المشحونة في قوارير النفوس، نتيجة التخندق في المصالح الخاصة دون المصالح العامة. تتجلى في المشهد العام بصيغ مختلفة كالاحتجاج، والتفاوتات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية بين الطبقات، واختلال المساواة في الحقوق والواجبات، وعدم تكافؤ الفرص في حق الشغل والتعليم والتطبيب والسلامة والأمن الغذائي وغيره … ما يشحن هذا الخطاب بالقضايا والمشاكل المتعددة ذات المجالات والقطاعات المتنوعة.
ففضلا عما يحمله خطابنا التربوي من تقليد، يرى مجموع الأخطاء السياسية والبيداغوجية والتدبيرية تقع على المتعلم/ة بالدرجة الأولى، ثم على الأسرة ثانيا! ويتملص من مسؤوليته الرسمية التي لم يعد قادرا على تحملها وتحمل ضريبتها، ولم يعد مستعدا للمساءلة والمحاسبة عما يوقعه من أخطاء استراتيجية قاتلة في منظومتنا التربوية والتكوينية، لم تندمل جروحها بعد. فعلى مستوى مناصب المسؤولية قليلا ما تسند بشكل عادل وديمقراطي إلى الكفء، فغالبا ما نجد قواعد وقوانين الزبائنية سارية المفعول دون اعتبار للقيم والأخلاق التي تدعو تربيتنا إليها. وليس المجال لسرد وقائع وأحداث من الواقع التربوي للدلالة على ذلك. فيكفي إطلالة على الجرائد والرقميات لتبيان حجم تدخل هذه المنظومة في السير الطبيعي للشأن العام. وأما على مستوى المتعلم/ة؛ فهو الموسوم بأقبح النعوت من الكسل والإهمال والتهرب من القيام بالواجب، هو الضعيف تحصيلا والناقل في الاختبارات والامتحانات والفروض والمراقبة. الشتم والسب والانتقام منه جار المفعول حد التقاضي، وردود فعله أقوى وأكبر وأضخم وأشد إيلاما من الفعل. حيث لم يعد خطابنا التربوي يحل المشاكل ويؤسس علاقة بينية سليمة مع المتعلم/ة وأسرته ومجتمعه، كأنه لم يتكون على تدبير العلاقات البينية في المجتمع المدرسي ولا يعرف معطياتها ولا يملك التقنيات والآليات لمعالجة مشاكلها وقضاياها. فخطابنا مشحون بشدة بقيم سالبة للثقة بالنفس وتقدير الذات وللحافزية والتشجيع … كل ما يمكن أن يشنج العلاقات البينية يذهب إليها، إما دون رغبة ودراية أو عمدا واستفزازا وقهرا.
وغالب أحكام خطابنا التربوي أحكام قيمة سلبية مغلقة، تسد منافذ الحوار والتفاهم في وجه الاختلاف. وتستبيح كرامة الإنسان متعلما/ة أو ممارسا بيداغوجيا كان، يستقطب شواذ المعاجم والألفاظ والممارسات، ولا يبالي بالنتائج مهما كانت فادحة. هو يمارس ذاتيته، بل ساديته بامتياز على الآخر، وعلى الفعل التعليمي التعلمي نفسه، وعلى الحاضر والمستقبل معا. يفكر تفكيرا عاطفيا سلبيا، لا يستطيع أن يكون إيجابيا نحو ما تنتجه العملية التعليمية التعلمية من علاقات بينية، يتكئ على ماض تتسيده المعلومة ومالكها وموقعه في الهرم التربوي دون استحضار التغيرات التي حصلت مع عصر الرقميات والذكاء الاصطناعي والمعلوميات والمعرفة. عصر ممتد في الجهات الأربع للقرية الصغيرة العالمية، وتشابك خيوط شبكة عناكبها؛ فعلى خطابنا أن يتغير أو يتكيف مع المعطيات الجديدة للعالم على الأقل.
فالبحث في المتسربين من المؤسسة التعليمية يفيد أن أغلبهم يشكو من علاقته السيئة مع الممارس البيداغوجي وباقي مكونات المجتمع المدرسي، ومن سلوك بعضهم اللامسؤول تجاه الفعل التعليمي التعلمي كالتغيب، والتملص من أداء الواجب، والدراسة على حسابهم، وعدم احترام الزمن المدرسي، والضغط على المتعلمات والمتعلمين لإجراء الدعم لديه، فضلا عن الضعف الأكاديمي وغياب الوعي بدور التربية والتكوين في بناء الإنسان القادر والكفء … فتعداد مصائب المجتمع المدرسي وكوارثه حسب هؤلاء يؤدي بهم إلى مسلك العنف أو الهروب من الدراسة أو التسرب بصفة نهائية اتقاء لضياع الزمن في الدراسة واستغلاله فيها ينفعهم. وتجرى شكوى أمهات وآباء وأولياء الأمور مجرى شكوى أبنائهم وبناتهم. لكن في المقابل نجد شكوى الممارس البيداغوجي أشد مرارة من هؤلاء، لأن الأسرة، في رأيه، تخلت عن تربية ومراقبة أبنائها وبناتها مقابل توفير مستلزمات المعيش اليومي فقط. وهذا يضعف تمثل المتعلم/ة والأسرة للمؤسسة التعليمية ودورها في بناء الإنسان والمجتمع. ولأن المتعلم/ة لم يعد يمتلك حافزية ودافعية وقابلية للتعلم، ولا مشروعا مستقبليا ولا تفكيرا في مصيره، ما ينعكس على الفعل التعليمي التعلمي وناتجه. وهو حكم واقعي نتيجة تغير دور المؤسسة التعليمية في حياة المجتمع والأفراد، فلم تبق السلم الاجتماعي الذي يرتقي من خلاله مجمل المتعلمين/ات اجتماعيا وثقافيا واقتصاديا وسياسيا، والارتقاء الطبقي من طبقة اجتماعية إلى أخرى؛ فبطالة الخرجين وهجرة النخبة المثقفة والمفكرة إلى الخارج دليل على هذا الحكم الواقعي. كما أن معطيات المتعلم/ة مع عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي قلص من فرصة التعلم باعتماد الآلة على إنجاز المطلوب، وسهولة الحصول عليه. ما أدخل الاتكالية في نفس المتعلم/ة على الآلة، حتى أصبح لا يستطيع إنجاز العمليات الحسابية دون توظيف منتجات التكنولوجيات من حاسبات وحواسب وبرانم وغيرها. وهو الواقع الذي يقلص من مسؤولية الممارس البيداغوجي في أزمة التعليم والتربية. لكن؛ رغم ذلك لا يعفي الخطاب التربوي من تحمل درجة معينة من المسؤولية لما آلت إليه المنظومة التربوية والتكوينية، وعليه أن يعيد النظر في حمولته الفكرية والسلوكية والأدائية، بما يخلق خطابا تربويا واعيا منفتحا على تطورات العصر، ومتوازنا، يمتلك الدراية التفصيلية بالمنظومة التربوية والتكوينية وبمكوناتها المختلفة المؤهلة لتعاطيه مع المشاكل والقضايا ومعالجتها. فمن شأن هذا الخطاب أن ينشئ علاقات بينية سليمة وفاعلة وناجعة في ترابط والتحام وتكامل وتعاون مكونات المجتمع المدرسي.
أما؛ إن بقي الخطاب التربوي على ما هو عليه الآن، فلن نحصد إلا المزيد من التردي والتخلف والتفاهة والأمراض النفسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، والتأخر الحضاري والإنساني، ويتفشى فينا الجهل مصحوبا بكل القيم السلبية والأخلاق السيئة. فلابد من تجديد خطابنا التربوي لإعادة نورانية المؤسسة التعليمية ودورها في خلق الإنسان المفكر المبدع، الذي لا يركن إلا إلى التطور والنمو والارتقاء في سلم الحضارة الإنسانية.
ـ نحو الأفق المفتوح، لابد من نقد ذاتي:
إن رمينا ولوج الآفاق المستقبلية لعالم الحضارة الإنسانية والتقدم، والرفاهية والسيادة والقيادة، والتطور والتنمية، المعتمدة على الكفاءة الإنسانية؛ فلابد من إجراء نقد ذاتي بقراءة الكائن التربوي من أجل الممكن التربوي، لأن التربية هي البداية والنهاية. ومادامت التربية لا تمارس خارج المؤسسات المسؤولة عنها، وخارج المجتمع؛ فلابد لها أن تقع فيها الأخطاء والاختلافات والتنوعات، وربما الخلافات والصراعات. فذلك من طبيعة التنوع الإنساني؛ حيث الاختلافات في القدرات والمهارات والكفايات والمعرفة والتجربة والخبرة والرؤى والأفكار والتفكير … تستدعي مراجعة الذات ومساءلتها حين الخطإ، بل مداومة ذلك في جميع الأحوال لمعرفة مواطن القوة لاستثمارها ومعرفة مواطن الضعف لتجاوزها بتصحيح أغلاطها بأريحية هادئة، غير متشنجة ولا متدمرة، فقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: “رحم الله امرأ أهدى إلي عيوبي “. وأقول: ” رحم الله ناقدا أهدى لمنظومتنا التربوية أخطاءها وأغلاطها ومطباتها مع البدائل للتجريب” لعلها تخرج من مآسيها التي يسجلها يوميا التاريخ. وإهداء العيوب يتطلب النقد البناء، بما فيه النقد الفردي والنقد الذاتي.
فالمنظومة التربوية التي لا تعتمد على النقد جثة هامدة، ومنظومة ميتة، لن تتقدم وتتطور، ولن تعالج نفسها بنفسها أو بغيرها. ومنه؛ فالممارس البيداغوجي والمتعلم/ة وباقي المكونات الأخرى خاصة منها صاحبة القرار، تلك التي سيسألها التاريخ دنيويا، ورب العالمين عما قررته في حق العباد والبلاد أخرويا؛ مطالبة بتفعيل النقد الذاتي باسترسال لتصحيح القرار والأداء. فالنقد الذاتي من شأنه:
ـ تنمية شخصية الممارس البيداغوجي من جميع الجوانب والنواحي المعرفية والبيداغوجية والمهنية والإنسانية، وتحقيق نمائها في الميدان من خلال الممارسة الصفية ومساءلتها عن مسارها وسيرها وعن أهدافها وأدواتها وآلياتها ومقرراتها … مما:
ـ يحسن الذات، فالنقد الذاتي يسمح للممارس البيداغوجي تقويم أدائه التعليمي والسلوكي والإنساني في ظل تقييم أفعاله وقراراته وعلاقاته، وتصحيح اختلالاتها في الوقت المناسب قبل فوات الأوان واستفحال نتائجها. فهو يحدد ويرصد في ممارسته الصفية نقاط القوة والضعف، تلك التي مصدرها القرار الخارجي أو القرار الذاتي، وإجراءات التنفيذ الذاتية أو المهنية، ليستثمر ويستفيد من نقاط القوة في ممارسته الصفية، ويحول نقاط الضعف إلى فرص إيجابية قابلة للانعكاس الإيجابي على ممارسته اليومية وعلى نتائجها. فالممارس البيداغوجي الناجح هو الناقد لذاته، والمتقبل للنقد الخارجي البناء، والمتفاعل معه. ومن خلال هذا النقد تنمو شخصية الممارس البيداغوجي نحو النضج والاستقلالية والحرية والثقة في النفس وتقدير الذات والاعتزاز بها وبما تفعله. يدافع عن نفسه وعما يصدر عنه من ممارسة بالحجة والدليل والعقل والفعل الميداني الذي يدحض المزاعم والادعاءات. جريء في طرح أفكاره وطروحاته ومقترحاته وتصرفاته وقراراته. يستهدف الصالح العام للمتعلم/ة، منافح عنه بكل قوة لا يخاف لومة لائم مهما كان وفي أي مستوى كان وفي أي مسؤولية كان. يتكون من تجاربه وتنمو خبراته باستكشاف جديد الأفكار والنظريات والافاق، واتساع المنظار الذي يرى منه المنظومة التربوية والتكوينية والمتعلم/ة والمجتمع فضلا عن ذاته كفاعل تربوي واجتماعي وثقافي وسياسي واقتصادي مدخلا لكل تنمية بشرية وحجرية.
فالممارس البيداغوجي الناضج، وصاحب الشخصية المستقلة والحرة والقوية، ذات الرؤية الاستراتيجية والتفكير العقلاني والناقد والمبدع، والأداء المسؤول مرجب به في المجتمع المدرسي ومقدر ومحترم من مسؤوليه، يعتمدون عليه في مقاربة المشاكل، ويثقون في كفاءته التي تعرف فقط التحدي والتصدي والنجاح. كما أنه مقدر ومحبوب ومطلوب عند المتعلم/ة، وقدوته التي يستهدفها بالتقليد وطموح السير مسيرها، وتحصيل شبيهها وزيادة. هو الأمل المفتوح نحو المستقبل للأسر والمجتمع. دونه لا وجود للتربية دلالة حقيقية وإنما هي إجراءات بلا روح.
ـ من شأن النقد الذاتي فتح باب مساءلة الممارسة الصفية للممارس البيداغوجي إبستيميا وديداكتيكيا وأداء على المستوى الأكاديمي، وعلى المستوى المهني، وعلى المستوى الإنساني في البعد الإتيقي والأخلاقي. بمعنى:
على المستوى الأكاديمي؛ طرح مجموع من علامات الاستفهام الإبستيمية عما يدرس الممارس البيداغوجي من موارد تعليمية، ومضامين دراسية، وحقول معرفية، وحقائق علمية، وأنشطة تعليمية تعلمية، في منحى صدقها وعلميتها وجدتها وصلاحيتها ومناسبتها لحاجات ومتطلبات المتعلم/ة، ومدى إمكانية الاستفادة منها عمليا وتطبيقيا … وطرح مجموعة من الأسئلة الديداكتيكية حول استراتيجيات ومنهجيات وتقنيات تنشيط المنحى المعرفي من المنهاج الدراسي في الممارسة الصفية، ومدى انسجامها وتلاؤمها وتناسبها مع المتن التعليمي، ومدى استفادة المتعلم/ة من هذه الاستراتيجيات والمنهجيات التدريسية كفايات وكفاءة في التعاطي مع الموارد الخارجية، التي تظهر قدرة الفعل لديه. كما تبين هذه الأسئلة مشاكل وقضايا الديداكتيك ومستلزماته التي تساهم في تطويره وتنميته وتحسينه … وطرح أسئلة الأداء على الممارس البيداغوجي من حيث الإدراك والفهم والاستيعاب والتوظيف، ثم من حيث مهارة الأداء عمليا ومدى تحقيق الأهداف المرصودة فضلا عن تركيم وترصيد التجربة والخبرة والمهارة في البعد الديداكتيكي من الممارسة الصفية …
وأما على المستوى المهني فالأسئلة تسائل بعد امتلاك الممارس البيداغوجي للكفايات المهنية ومدى الإلمام بها، وكيفية تفعيلها وتوظيفها بما يخدم المتعلم/ة ويحقق الأهداف التعليمية والغايات الكبرى للمنظومة التربوية والتكوينية. ومدى تطوير البعد المهني من الممارسة الصفية بالتكوين الذاتي وبمعرفة التجربة مقابل مدى استفادة الممارس البيداغوجي من التكوين الأساس والمستمر في خلق المدرس والمربي الناجح في شخصيته المهنية. كما تسائل منظوره ورؤيته وفلسفته وعقيدته نحو المهنة ومدى الانخراط فيها بكل حرية واستقلالية مع تحمل معاناتها وتحصيل المتعة فيها، ومدى حيويته في خلق العلاقات البناءة والفاعلة في المجتمع المدرسي، وانفتاح تفكيره على كل ما يختلف معه، ويتعارض مع أطروحاته وأفكار، بمعنى التفكير المخالف له …
وأما على المستوى الإتيقي والأخلاقي، فإن الأسئلة هنا تطرح علامات استفهامها نحو مدى حضور البعد الإتيقي عند الممارس البيداغوجي بما يكون لديه منظورا وفكرا وفلسفة تجاه القيم، والتأمل فيها بما يقوده إلى تبني جهاز قيمي مرجعي يسلكه في جماعة القسم والمجتمع المدرسي والمجتمع العام، ويتحرك في إطار ذلك المنظور وتلك الفلسفة. ونحو مدى استحضار الممارس البيداغوجي ذلك في علاقاته مع المتعلم/ة وخطاباته الموجهة إليه فضلا عن رسائله التواصلية معه. فهذا المستوى يتجلى بشكل واضح وملموس في عقيدة الممارس البيداغوجي الفلسفية تجاه القيم، وفي السلوك اليومي داخل الحجرة الدراسية وخارجها …
تتيح هذه المستويات للممارس البيداغوجي منظارا نقديا فلكيا يجلي له دقائق الأمور وتفاصيلها، على نحو علمي أعمق وأفضل وأشمل. ويشكل له نظرة واسعة تدخل ما لم يكن يراه أو ما كان يستبعده؛ فيتبصر الأمور ويتأملها بما يصبح معه قادرا على اتخاذ قرارات صائبة وهادفة، والتي تنير له الطريق مستقبلا وتجعله قادرا على طرح البدائل والاختيار دون تكرار الهفوات والأخطاء والأغلاط. ومنه؛ فالنقد الذاتي مرآة شخصية يرى الممارس البيداغوجي نفسه وممارسته من خلالها. وتبقي الشك والتساؤل والحيرة تلازم عقله في معتقداته وسلوكياته حتى يدرك الحقيقة الكاملة والكلية لفعله التعليمي والتكويني والتربوي، بعدما يدرك ذاته وفعله ومحيطه، ويربط مجموع ظواهر ممارسته الصفية وأدائه التعليمي علميا ويستخلص النتائج منها للتوظيف، كما تبقي عقله دائما متعطشا لكل جديد ومتشوقا إليه من خلال التفكير والتعقل والتأمل والتبصر المفضي إلى البحث والدراسة، فالاستنتاج والخلاصة. وهو التفكير والتعقل والتبصر والتأمل مطلب رباني بامتياز أخبرنا به القرآن الكريم في أكثر من آية، يدعو فيها الإنسان إلى توظيف عقله وبصره في الذات والآخر والكون بما حوى من مخلوقات حية وغير حية، فذلك هو أساس كل جديد. فقد قال سبحانه: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[40] و(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)[41].
ـ من شأن النقد الذاتي الذي يجريه الممارس البيداغوجي اتجاه ممارسته الصفية أن يتعرف تأثيرها على المتعلم/ة، وعلى المجتمع المدرسي، ويفهم كيفية اشتغال التأثير في النفس والشخصية، وفي مجموع مناحيها المتنوعة. وبذلك يفهم مدى ترابط العلاقات البينية ولزوم الحيطة والحذر في عدم ارتكاب الأخطاء فيها، لأنها مفتاح التواصل والشراكة في إنجاح الدرس المدرسي وتحقيق أهدافه، ومنها تحقيق الغايات والمرامي المنشودة تربويا واجتماعيا واقتصاديا وسياسيا وثقافيا. فمن شأن هذا تمكين الممارس البيداغوجي من الاعتراف بالخطإ وتحمل المسؤولية عنه نتيجة وتصحيحا ومعالجة؛ مما يحسن علاقاته مع ذاته وغيره فضلا عن بناء الثقة معه وتمتينها.
وعندما نقول النقد الذاتي لا نقصد به انتقاد الممارس البيداغوجي نفسه بشكل مفرط، ولا استنكارها باستغراق، ولا غمسها في اللوم وتأنيب الضمير، ولا تحقيرها. وإنما نقد ذاتي متوازن وبناء، موضوعي ومحايد، يركز الانتباه على الأفعال والقرارات والسلوكيات المعينة، يحتضن الذات ويثق فيها ويؤمن بها وبمهاراتها وكفاياتها، ويقدرها ويحترمها، ويكتشف ما له وما عليه طلبا للنمو والتحبير والتحسين باستثمار الإيجابيات وتلافي السلبيات، فهو النقد الذاتي عملية جد مهمة لتطوير فهم الذات وتحسين مهاراتها وكفاياتها، وتعزيز وتثبيت النمو الشخصي للممارس البيداغوجي عبر التعلم من الأخطاء، من حيث هي جزء لا يتجزأ من عملية التعلم وتنمية الشخصية، وتجنبها في المستقبل واستثمارها فرصا للتعليم والتعلم. فالمستقبل يبدأ من الحاضر ويتكئ على الماضي.
ـ نحو الختم:
مما سبق يتضح دور الأحكام في العملية التعليمية التعلمية، سواء ما تعلق منها بالمعرفة أو ما تعلق منها بالتواصل، فهي فعل منفتح على الآخر بطبيعته المؤسساتية. يستقطبه ويبني معه علاقة بينية ناجحة أو يستعديه ويهدم ما بينهما من صلة وعلاقة. يعلم ما له من وقع شديد في بناء المتعلم/ة على مختلف مناحي شخصيته بما فيها المنحى النفسي، المنحى الخطير الذي ينعكس أثرا وتأثيرا على باقي المناحي، ويتوج في الأخير بالثقة بالنفس وتقديرها والاعتزاز بها أو عكس ذلك.
والأحكام مطلب ضروري فيها من حيث هي الحجر الأساسي في أي تواصل، فدونها لا نعرف الحقائق والمعلومات وغيرها، وبدونها على نتعرف على النفس والآخر. لذا؛ يجب أن تكون في غالبها أحكام قيمة إيجابية مفتوحة أو أحكام واقع قابلة للتصديق أو النفي، وتفتح الحوار بين طرفي العلاقة البينية، ما يوقع التفاهم والفهم بينهما. فكثيرا ما ركز التربويون وعلماء سوسيولوجيا التربية وفلاسفتها على أحكام الواقع وتوخوا منها القيم معرفة وتعليما وسلوكا، لأن جل الأحكام؛ كثيرا ما ترتكز عليها في البناء أو التصريح أو التفعيل. وبذلك سعت المنظومات التربوية إليها سعيا حثيثا، بما فيها المنظومة التربوية المغربية. والتي مازالت تحمل في طياتها السلبيات والأخطاء، وتتطلب التدخل لمعاجلتها وتصحيحها، ومنها الأحكام الصادرة في التواصل من الممارس البيداغوجي، الذي يتطلب منه البحث في هذا المجال لفهمه واستيعابه وتوظيفه في ممارسته الصفية، لكي تسلم من تلك الأخطاء والسلبيات، ولتفتح مع المتعلم/ة علاقة متوازنة وبناءة تعتمد الأحكام الموضوعية والمنطقية لا الذاتية المزاجية. لأنه في موطن التنشئة التي تتطلب حسب أدبياتنا الإسلامية الرفق والرحمة في المعاملة؛ ذلك أن الممارس البيداغوجي بصيغة الجمع (مسؤولون مسؤولية كاملة عن حماية النشء وتهذيب سلوكه وتحسين أخلاقياته بتعليمه وتوجيهه وإسداء النصح له في غير ضجر أو غضب، علينا أن نفهم المعادلة جيدا: فرق كبير بين الخطإ والمخطئ! فإننا لا نكره المذنب [الخاطئ] بل نكره ذنبه [خطأه] الذي ارتكبه، وعلى هذا المنوال يجب أن تكون رسالتنا التربوية فنبغض خطأ المتعلم لا المتعلم نفسه، ونمقت سلوكه السيء بعيدا عن شخصه وذاته، فإننا إن نفعل ذلك نكون بحق مربين ناصحين ورعاة نافعين نحسن القيام بأمر رعيتنا [متعلماتنا ومتعلمينا])[42] تحقيقا لمتطلبات المتعلم/ة في حياته المدرسية والمجتمعية بما فيها الأساسي، وهو الإحساس بالأمن والتقدير والاحترام لا سيما أنه مازال في طور النمو والاكتساب والتطبع والتنشئة والبناء المعرفي والقيمي والأخلاقي والسلوكي. فالرفق والرحمة مطلب رئيس في معاملته والتواصل معه اقتداء بنبينا عليه الصلاة والسلام المخاطب بـ (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)[43].
وبما أن أحكام منظومتنا التربوية والتكوينية تواجه تحديا كبيرا، يتمثل في أجلى صوره بكسر العلاقات البينية بين مكونات المجتمع المدرسي، وهدم الروابط السوسيولوجية والسيكولوجية بين الأفراد والجماعات المدرسية، وتحطيم القوانين والنظم والتشريعات والقيم والأخلاق المدرسية والمجتمعية والإنسانية؛ لا يمكن تجاوزه إلا بالنقد الذاتي نحو تجديد تصوراتنا عن طبيعة العلاقة البينية القائمة بين مكونات المجتمع المدرسي، خاصة منها تلك التي تربط الممارس البيداغوجي بالمتعلم/ة. وعن طبيعة الدور الأساسي للمدرسة المغربية في أنسنة الإنسان المغربي، وتنميته ومجتمعه، حتى تقدر على ملامسة قضاياها وقضايا العصر، وتدرك التطور الفلسفي والعلمي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي والرقمي والاصطناعي والتكنولوجي للمجتمعات ومنظوماتها التربوية، لكي؛ تستطيع تغيير وتجديد صورتها التقليدية في المجتمع المغربي، التي ما عادت تساير البتة منطق التطور وعصر الذكاء الاصطناعي. وتخرج أحكامها من ضيق خطاب الأمر والنهي والتوبيخ، ومن قيد الرفض والقمع والعنف والإقصاء والإهمال إلى رحابة الحوار والاختلاف والتكامل والتناغم والانسجام والتعاون والبناء. وهو مطلب الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015 ـ 2030 حين لاحظت ما يجري في البيئة المدرسية والمجتمعية من اختلالات، نتيجة تصدع وظيفة التربية والتعليم والتكوين والتنشئة الاجتماعية وانهيار منظومة القيم. فقد أخذت أملا ووطرا بترسيخ مجتمع المواطنة والديمقراطية والمساواة عبر مستويات أربعة:
(اعتبارا لكون التربية والتعليم والتكوين، والتنشئة الاجتماعية والتربية على القيم، والإسهام في الترقي الاجتماعي، تعد من الوظائف الأساسية للمدرسة، فهي بذلك وظيفة أفقية تهم مختلف الأسلاك والأطوار، ومقوما أساسيا من مقومات المناهج والبرامج التربوية والتكوينية، وأحد مؤشرات تقييم جودتها.
على الرغم من الاهتمام الذي أولته المدرسة المغربية للتربية على القيم وحقوق الإنسان والمواطنة، لا سيما منذ اعتمادها البرنامج الوطني للتربية على المواطنة وحقوق الإنسان وثقافة المساواة بين الرجال والنساء وقيم التسامح، استمرت السلوكات اللامدنية في الانتشار، كالغش والعنف والإضرار بالبيئة وبالملك العام داخل المؤسسات التعليمية والتكوينية وفي محيطها.
من هذا المنطلق، يتعين جعل التربية على القيم الديمقراطية والمواطنة الفاعلة وفضائل السلوك المدني، والنهوض بالمساواة ومحاربة كل أشكال التمييز، خيارا استراتيجيا لا محيد عنه، يتم ترصيفه على المستويات الأربعة التالية:
ـ مستوى النهج التربوي؛
ـ مستوى البنيات التربوية والآليات المؤسساتية؛
ـ مستوى الفاعلين التربويين؛
ـ مستوى علاقة المؤسسة التربوية بالمحيط
أ ـ على مستوى النهج التربوي:
ـ إدماج المقاربة القيمية والحقوقية، في صلب المناهج والبرامج والوسائط التعليمية، مع العمل على التجسيد الفعلي، ثقافة وسلوكا، للقيم المتقاسمة، والسلوك المدني، والممارسة الديمقراطية داخل البيئة المدرسية والجامعية والتكوينية، وكذا حس الانتماء إلى الوطن في تلاحم وتنوع مقومات هويته ومكوناتها العربية والإسلامية والأمازيغية والصحراوية الحسانية وغنى روافدها الإفريقية والأندلسية والعربية والمتوسطية، كما ورد في تصدير الدستور؛
ـ تعزيز التربية على ثقافة المساواة ومحاربة التمييز والصور النمطية والتمثلات السلبية عن المرأة، في البرامج والكتب المدرسية؛
ـ الحرص على تحقيق التوازن بين التمتع بالحقوق، والالتزام بالواجبات الفردية والجماعية؛
ـ تدقيق أهداف التربية على المواطنة وتنمية السلوك المدني في ضوء المستجدات التي يعرفها هذان المفهومان على صعيد المجتمع المغربي “الدستور، الاستراتيجيات التنموية وإدماج التربية الأسرية والتربية الجنسية بمواصفات علمية …”، وعلى الصعيد الدولي “حوار الحضارات، قضايا البيئة الكونية، قضايا الحرب والسلم، التنمية البشرية العالمية”.
ب ـ على مستوى الفضاءات التربوية والآليات المؤسساتية: في هذا الصدد، يوصي المجلس بما يلي:
ـ توفير فضاءات مدرسية من شأنها تجسيد وتنمية الممارسات الديمقراطية والمدنية داخل المؤسسات التعليمية والتكوينية من قبيل: تعزيز مراكز الإنصات للتلاميذ والطلبة والمتدربين؛ إرساء آليات للوساطة لفض النزاعات والتوترات، وتمكين المتعلمين من المشاركة الفعلية في تدبير الحياة المدرسية والجامعية؛
ـ وضع صيغ محفزة على الخدمة التطوعية للتلاميذ والطلبة ومتدربي التكوين المهني، في إطار مشروع المؤسسة، من قبيل الانخراط في برامج التربية البيئية أو الطرقية، والمبادرات ذات الطابع الاجتماعي والتضامني، مع احتسابها في تقييم مردودهم الدراسي والتكويني؛
ـ إحداث آليات، من قبيل مراصد وطنية وجهوية تضطلع برصد وتتبع قضايا السلوك المدني داخل المدرسة وفي محيطها، ومواكبة مناهج وبرامج التربية على المواطنة، وتقييم آثارها على مستوى الفاعلين التربويين والمتعلمين وشركائهم في محيط المدرسة.
ج ـ على مستوى الفاعلين التربويين:
ـ إدماج تكوينات جديدة للفاعلين التربويين في مجال تدبير التربية على المواطنة وحقوق الإنسان وتنمية الحس المدني، بعيدا عن الصيغ العقابية؛
ـ مراعاة مقتضيات الديمقراطية والاستحقاق والتمييز الإيجابي ومبد أ المناصفة، في إسناد المسؤوليات المختلفة داخل منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي.
د ـ على مستوى علاقة مؤسسة التربية والتكوين بالمحيط:
ـ تقوية الروابط المباشرة والتواصل المنتظم مع الأسر، ومن خلال ممثلي الآباء والأمهات والأولياء، وإشراكهم في الفعل الثقافي والتدبيري؛
ـ تعزيز الشراكات المؤسساتية، والاستفادة من مختلف الخبرات الخارجية التي توفرها المؤسسات الاجتماعية، كالأسرة والجمعيات المدنية والحقوقية، والمؤسسات الإنتاجية والمقاولات، والمؤسسات الإعلامية والثقافية والتأطيرية…، قصد إشراكها في بلورة مشاريع المؤسسة؛
ـ إسهام المدرسة في مد الجسور مع المحيط الخارجي، التي تتشكل من الفضاءات المرتبطة بمحيط المدرسة، والتي ترتادها أعداد كبيرة من التلاميذ والطلبة: الداخليات والأحياء الجامعية؛ المجمعات الرياضية؛ فضاءات البحث؛ مقاهي الإنترنت؛ شبكات التواصل الاجتماعي؛ المواقع الإلكترونية…، وذلك، من أجل ضمان حسن استعمال هذه الفضاءات، والإسهام في تحصينها من السلوكات اللامدنية، وتنمية قيم المواطنة، وتشجيع التواصل الثقافي والرياضي والفني)[44].
وذلك رهن على الممارس البيداغوجي وصنوه الإداري والتأطيري، ويبقى في الأخير الأمل معقود على الله أولا ثم عليهم ثانيا في إيقاع التصحيح وفتح الآفاق وتجديد الحاضر من أجل المستقبل.
المراجع:
1 ـ العربية:
ـ القرآن الكريم.
ـ كيرلان وآخرون، فلسفة وعلوم التربية، تر.: د. عز الدين الخطابي، خطوط وظلال للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، 2021، ط1.
ـ جبران مسعود، الرائد، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، ج. 1.
ـ الشريف الجرجاني، التعريفات، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، 2009، ط3.
ـ عبد اللطيف الفاربي وآخرون، معجم علوم التربية، سلسلة علوم التربية 9 و10، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، 1994، ط1.
ـ د. يعقوب بن عبد الوهاب الباحسين، الحكم الشرعي: حقيقته/ أركانه/ شروطه/ أقسامه، مكتبة الرشد ناشرون، الرياض، السعودية، 1431/2010، ط1.
ـ د. عادل العوا، العمدة في فلسفة القيم، طلاس، دمشق، سوريا، 1986، ط1.
ـ ابن منظور، لسان العرب، دار إحياء التراث العربي/مؤسسة التاريخ العربي، بيروت، لبنان، 1418/1997، ط2، ج11وج15.
ـ د. جميل صليبا، المعجم الفلسفي، دار الكتاب اللبناني/مكتبة المدرسة، بيروت، لبنان، 1982، ج2.
ـ ذ. عبد الكريم جندي، مفهوم الواقع في العلوم الإنسانية، دراسات فكرية 23، نماء للبحوث والدراسات، بيروت، لبنان، الإصدارات الإلكترونية، 1443/2021.
ـ د. عبد الكريم بكار، علامات على فهم الواقع، دار وجوه، الرياض، السعودية، 1433/2012، ط1.
ـ محمود محمد مناصرة، إشباع الحاجات النفسية للطفل في مراحل العمر المختلفة، المستشارون للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، 1436/2015، ط1.
ـ د. محمد الكتاني، منظومة القيم المرجعية في الإسلام، مركز الأبحاث والدراسات في القيم، الرابطة المحمدية للعلماء، الرباط، المغرب، 1433/2011، ط2.
ـ مها علي يحيى، جون مكاي وفلسفته الأخلاقية، التنوير، بيروت، لبنان، 2011.
ـ د. مصطفى محسن، رهانات تنموية، سلسلة شرفات33، منشورات الزمن، الرباط، المغرب، 2011.
ـ فيليب جوناير وسيسيل فاندر بورخت، التكوين الديداكتيكي للمدرسين، تر.: د. عبد الكريم غريب ود. عز الدين الخطابي، منشورات عالم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، 2011، ط1.
ـ إسماعيل حقي البروسوي، تفسير روح البيان، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ج3.
ـ الإمام الغزالي، كيمياء السعادة، مطبعة السعادة، مصر، 1343، ط2.
ـ د. غزوان ناصيف، الصحة النفسية والعلاج النفسي، دار الكتاب العربي، دمشق/القاهرة، سوريا/مصر، 2012، ط1
ـ أسامة سيد، اجعل الإيجابية سجية، pdf.
ـ عباس محمود العقاد، التفكير فريضة إسلامية، هدية مجلة الأزهر، الأزهر، القاهرة، مصر، شوال1444.
ـ كيفين هورسلي، ذاكرة بلا حدود، كتاب في دقائق، مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة، دبي، الإمارات العربية المتحدة، 2018.
ـ مبارك ربيع، عواطف الطفل، الشركة العامة للطباعة والنشر، الرباط، المغرب، 1991، ط2.
ـ أحمد رفاعي آدم، أبغض الخطأ لا المخطئ، مجلة الأزهر، مجمع البحوث الإسلامية، الأزهر، القاهرة، مصر، مايو 2023، الجزء10، السنة96.
ـ من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء: رؤية استراتيجية للإصلاح 2015 ـ 2030، المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، المغرب.
2 ـ الأجنبية:
- Emile Durkheim, Jugements de valeur et jugements de réalité, Édition complétée le 26 février 2002 à Chicoutimi, Québec, pdf.
1] كيرلان وآخرون، فلسفة وعلوم التربية، تر.: د. عز الدين الخطابي، خطوط وظلال للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، 2021، ط1، ص.:95.
[2] كيرلان وآخرون، فلسفة وعلوم التربية، تر.: د. عز الدين الخطابي، مرجع سابق، ص.:106.
[3] انظر المادة في المعاجم اللغوية العربية، مثالا لا حصرا: جبران مسعود، الرائد، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، ج. 1، ص.:583.
[4] الشريف الجرجاني، التعريفات، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، 2009، ط3، ص.:96. وضع حواشيه وفهارسه محمد باسل عيون السود.
[5] الشريف الجرجاني، التعريفات، مرجع سابق ص.:96.
[6] نفسه، ص. :96.
[7]عبد اللطيف الفاربي وآخرون، معجم علوم التربية، سلسلة علوم التربية 9 و10، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، 1994، ط1، ص.: 172.
[8] ما يقع بين مجال رياضياتي داخلي هو للورقة في سياق البناء اللغوي للمتن الموضوعي.
[9] د. يعقوب بن عبد الوهاب الباحسين، الحكم الشرعي: حقيقته/ أركانه/ شروطه/ أقسامه، مكتبة الرشد ناشرون، الرياض، السعودية، 1431/2010، ط1، ص.:16.
[10] كيرلان وآخرون، فلسفة وعلوم التربية، مرجع سابق، ص.:105.
[11] د. عادل العوا، العمدة في فلسفة القيم، طلاس، دمشق، سوريا، 1986، ط1، ص.:11.
[12] انظر: ابن منظور، لسان العرب، دار إحياء التراث العربي/مؤسسة التاريخ العربي، بيروت، لبنان، 1418/1997، ط2، ج11، صص.:354 ـ 362.
[13] د. عادل العوا، العمدة في فلسفة القيم، مرجع سابق، صص.:35 ـ 38.
[14] د. جميل صليبا، المعجم الفلسفي، دار الكتاب اللبناني/مكتبة المدرسة، بيروت، لبنان، 1982، ج2، صص.:212 ـ 213.
[15] Emile Durkheim, Jugements de valeur et jugements de réalité, Édition complétée le 26 février 2002 à Chicoutimi, Québec, pdf, Traduction personnelle, pp.3-13.
[16] كيرلان وآخرون، فلسفة وعلوم التربية، مرجع سابق، ص.:93.
[17] نفسه، ص.:94.
[18] ذ. عبد الكريم جندي، مفهوم الواقع في العلوم الإنسانية، دراسات فكرية 23، نماء للبحوث والدراسات، بيروت، لبنان، الإصدارات الإلكترونية، 1443/2021، ص.:7.
[19] انظر: ابن منظور، لسان العرب، دار إحياء التراث العربي/مؤسسة التاريخ العربي، بيروت، لبنان، 1418/1997، ط2، ج15، صص.:369 ـ 373.
[20] د. عبد الكريم بكار، علامات على فهم الواقع، دار وجوه، الرياض، السعودية، 1433/2012، ط1، ص.:6.
[21] كيرلان وآخرون، فلسفة وعلوم التربية، مرجع سابق، صص.:93 ـ 94.
[22] محمود محمد مناصرة، إشباع الحاجات النفسية للطفل في مراحل العمر المختلفة، المستشارون للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، 1436/2015، ط1، ص.:119.
[23] محمود محمد مناصرة، إشباع الحاجات النفسية للطفل في مراحل العمر المختلفة، مرجع سابق، ص.:119.
[24] كيرلان وآخرون، فلسفة وعلوم التربية، تر.: د. عز الدين الخطابي، مرجع سابق، ص.:84.
[25] د. محمد الكتاني، منظومة القيم المرجعية في الإسلام، مركز الأبحاث والدراسات في القيم، الرابطة المحمدية للعلماء، الرباط، المغرب، 1433/2011، ط2، صص.:13 ـ 14.
[26] فيليب جوناير وسيسيل فاندر بورخت، التكوين الديداكتيكي للمدرسين، تر.: د. عبد الكريم غريب ود. عز الدين الخطابي، منشورات عالم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، 2011، ط1، ص.:202.
[27] د. عبد الكريم بكار، علامات على فهم الواقع، مرجع سابق، ص.:12.
[28] إسماعيل حقي البروسوي، تفسير روح البيان، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ج3، ص.:449.
[29] كيرلان وآخرون، فلسفة وعلوم التربية، تر.: د. عز الدين الخطابي، مرجع سابق، ص.:95.
[30] الإمام الغزالي، كيمياء السعادة، مطبعة السعادة، مصر، 1343، ط2، ص.:4.
[31] د. غزوان ناصيف، الصحة النفسية والعلاج النفسي، دار الكتاب العربي، دمشق/القاهرة، سوريا/مصر، 2012، ط1، ص.:36.
[32] أسامة سيد، اجعل الإيجابية سجية، pdf، ص.:18.
[33] د. محمد الكتاني، منظومة القيم المرجعية في الإسلام، مركز الأبحاث والدراسات في القيم، مرجع سابق، صص.:14 ـ 15.
[34] مها علي يحيى، جون مكاي وفلسفته الأخلاقية، التنوير، بيروت، لبنان، 2011، صص.:126 ـ 127.
[35] د. مصطفى محسن، رهانات تنموية، سلسلة شرفات33، منشورات الزمن، الرباط، المغرب، 2011، ص.:47.
[36] عباس محمود العقاد، التفكير فريضة إسلامية، هدية مجلة الأزهر، الأزهر، القاهرة، مصر، شوال1444، ص.:96.
[37] كيفين هورسلي، ذاكرة بلا حدود، كتاب في دقائق، مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة، دبي، الإمارات العربية المتحدة، 2018، ص.:2.
[38] د. غزوان ناصيف، الصحة النفسية والعلاج النفسي، مرجع سابق، ص.:37.
[39] مبارك ربيع، عواطف الطفل، الشركة العامة للطباعة والنشر، الرباط، المغرب، 1991، ط2، صص.:137 ـ 138.
[40] سورة آل عمران، الآيات: 189 ـ 190.
[41] سورة البقرة، الآية: 164.
[42] أحمد رفاعي آدم، ابغض الخطأ لا المخطئ، مجلة الأزهر، مجمع البحوث الإسلامية، الأزهر، القاهرة، مصر، مايو 2023، الجزء10، السنة96، صص.:2370 ـ 2372.
[43] سورة الأنبياء، الآية: 107.
[44] من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء: رؤية استراتيجية للإصلاح 2015 ـ 2030، المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، المغرب، صص.:59 ـ 60.