مشروعية العمل الاجتماعي ومقاصده وشروطه(3) فقه العمل الاجتماعي في الإسلام
الدكتور عبد اللطيف بن رحو
مشروعية العمل الاجتماعي ومقاصده وشروطه(3) فقه العمل الاجتماعي في الإسلام
الدكتور عبد اللطيف بن رحو
المطلب الأول: مشروعية العمل الاجتماعي
الفرع الأول: مشروعية العمل الاجتماعي من القرآن الكريم
للعمل الاجتماعي دلائل كثيرة ومتنوعة في القرآن الكريم، وفيه حث الله تبارك وتعالى عباده الصالحين ترغيبا في العمل الصالح، فجاء بعضها من قبيل الواجب وبعضها الآخر من قبيل المستحب، فأثاب فاعله وجزاه أحسن الجزاء.
وفي هذا المقام أمثلة متنوعة مما جاء في كتاب الله عز وجل قال تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ والْيَتَامَىٰ والْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ والسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَاب﴾ [سورة البقرة الآية:176]
يقول الشيخ الطاهر بن عاشور في تفسير الآية الكريمة: «»وليس هذا معنى مستقلا من المعاني بل هو استعلاء مجازي أريد به تحقيق ثبوت مدلول مدخولها لمعمول متعلقها، لأنه لبعد وقوعه يحتاج إلى تحقيق، والضمير للمال لا محالة والمراد أنه يعطي المال مع حبّه للمال وعدم زهادته فيه فيدل على أنه إنما يعطيه مرضاة لله تعالى ولذلك كان فعله هذا برًّا. فذكر ذوي القربى وأمر بالإحسان إليهم لأن مواساتهم تكسبهم محبتهم إياه والتئامهم وهذا الالتئام القبائل الذي أراده الله بقوله « لتعارفوا « فليس مقيَّداً بوصف فقرهم.
ثم ذكر اليتامى وهم مظنة الضعف لظهور، المراد اليتيم المحتاج حاجة دون الفقر وإنما هو فاقد ما كان ينيله أبوه من رفاهية العيش، فإيتاؤهم المال يجبر صدع حياتهم، وذكر السائلين وهم الفقراء والمسكنة: الذل مشتقة من السكون… والمسكين الفقير الذي أذله الفقر وقد اتفق أئمة اللغة أن المسكين غير الفقير فقيل هو أقل فقراً من الفقير.
وذكر السائلين وهم الفقراء كنى عنهم بالسائلين لأن شأن المرء أن تمنعه نفسه من أن، يسأل الناس لغير حاجة غالبا. فالسؤال علامة الحاجة. وذكر ابن السبيل وهو الغريب، لذلك كان حق الضيافة فرضا على المسلمين. وذكر الرقاب والمراد فداء الأسرى وعتق العبيد.»»[1]
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً م?ِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة التوبة الآية:60]
قال القرطبي: «خص الله سبحانه بعض الناس بالأموال دون بعض نِعمةً منه عليهم، وجعل شكر ذلك منهم إخراج سهم يؤدونه إلى مَن لا مال له، نيابة عنه سبحانه… وبين مصاريف الصدقات والمحل، حتى لا تخرج عنهم. ثم الاختيار إلى من يقسم…وإنها تقتضي الحصر في وقوف الصدقات على الثمانية الأصناف… وحكى عن زين العابدين أنه قال: إنه تعالى علم قدر ما يرتفع من الزكاة وما تقع به الكفاية لهذه الأصناف، فأوجبه لهم وجعله حقا لجميعهم، فمن منع ذلك، فهو الظالم لهم رزقهم.»[2]
قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن ْآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾. [سورة سبأ الآية: 37]
قال ابن كثير: «إنما يقربكم عندنا زلفى الإيمان والعمل الصالح، وتتضاعف لهم الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وهم في منازل الجنة العالية آمنون من كل بأس وخوف وأذى، ومن كل شر يحذر منه.»[3]
قال تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُم تُفْلِحُون﴾ [سورة الحج الآية:75]
قال ابن عرفة في تفسيره: «عبارة متعدية للغير مع إعطاء الزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.»[4]
«وافعلوا الخير» أي ما هو خير وهو أعم من الطاعة الواجبة والمندوبة وقيل المراد بالخير هنا المندوبات ثم علل ذلك بقوله:»» لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ»» أي إذا فعلتم هذه كلها رجوتم الفلاح، وفي هذا إشارة إلى أن دخول الجنة ليس مرتبا على هذه الأعمال مثلا، بل هذه الأمور كلفنا الله بها شرعا، وأما قبولها شيء آخر يتفضل الله به علينا.[5]
قال تعالى: ﴿لَّا خَيْر َفِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَات ِاللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيما ً﴾. [سورة النساء الآية: 113]
ذكر الأمر بالخير ليدل به على فاعله لأنه إذا دخل الأمر به في زمرة الخيرين كان الفاعل فيهم أدخل، ثم قال: «﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ﴾ فذكر الفاعل وقرن به الوعد بالأجر العظيم»[6]
قال تعالى: ﴿ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وأعْظَمَ أَجْرًا ﴾ [سورة المزمل الآية: 18]
قوله تعالى «مِّنْ خَيْرٍ» يعم جميع فعل الخير. وفي الكلام إيجاز حذف، تقدير المحذوف وافعلوا الخير وما تقدموا لأنفسكم منه تجدوه عند الله، فاستغني عن المحذوف بذكر الجزاء على الخير. ومعنى تقديم الخير: فعله في الحياة، شبه فعل الخير في مدة الحياة لرجاء الانتفاع بثوابه في الحياة الآخرة بتقديم العازم على السفر ثقله وأدواته وبعض أهله إلى المحل الذي يروم الانتهاء إليه ليجد ما ينتفع به وقت وصوله.[7]
وقيل: جميع ما تقدموه بين أيديكم فهو خير لكم حاصل، وهو خير مما أبقيتموه لأنفسكم في الدنيا.[8]
«إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ» أي حث عليها، والظاهر أنها صدقة التطوع وقيل إنها صدقة الفرض والأول أولى، والاستثناء متصل كما اختاره القاضي كالكشاف.
«أَوْ مَعْرُوفٍ» لفظ عام يشمل جميع أنواع الجميل وفنون أعمال البر، وقال مقاتل: المعروف هنا الفرض، والأول أولى. وقيل المعروف إغاثة الملهوف والقرض وإعانة المحتاج وأعمال البر كلها معروفة لأن العقول تعرفها.[9]
وقال تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالهمْ حَقّ لِلسَّائِل ِوَالْمَحْرُوم﴾ [سورة الذاريات. الآية 19]
لما وصفهم بالصلاة ثنى بوصفهم بالزكاة والبر والصلة، فقال:» وَفِي أَمْوَالهمْ حَقّ» أي جزء مقسوم قد أفرزوه للسائل والمحروم، أما السائل فمعروف وهو الذي يبتدئ بالسؤال، وله حق. فالمحروم كما قال ابن العباس، ومجاهد: هو المحارف الذي ليس له في الإسلام سهم. يعني: لا سهم له في بيت المال، ولا كسب له، ولا حرفة يتقوت منها. وقالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «هو المحارف الذي لا يكاد يتيسر له مكسبه». وقال الضحاك: «هو الذي لا يكون له المال إلا ذهب، قضى الله له ذلك.»[10]
إذا فالإنفاق على ذوي الحاجات فريضة افترضها الله في المال فليس لمستخلف على مال الله أ، يمنعها، وللحكومات الإسلامية الحق في أن تأخذ من أموال الأغنياء ما يكفي حاجة الفقراء. ولا يلزم لثبوت الحق للفقراء في الإنفاق عليهم أن يكونوا معدمين لا يملكون شيئا، وإنما يلزم الإنفاق عليهم إذا لم يكن لديهم ما يسد حاجتهم، فكل من كان إيراده لا يكفي حاجته فهو من ذوي الحاجة وعلى الحكومة الإسلامية أن تأخذ فضول أموال الأغنياء ما يرد حاجة ذوي الحاجة، وليست الزكاة وحدها هي كل ما يجب في المال من حق وإنما هي الحق الأول لذوي الحاجة فإن كفتهم وإلا فقد وجب الإنفاق فريضة من الله حتى تكفي الحاجة عن ذوي الحاجة.[11]
الفرع الثاني: العمل الاجتماعي في السنة النبوية الشريفة
من المعلوم أن السنة النبوية اهتمت بنظام العمل الاجتماعي، وقد وردت العديد من النصوص الصحيحة في السنة النبوية تحث المسلمين على القيام به والسعي عليه. فالنبي ﷺ أشار إلى أهمية العمل الاجتماعي وقيمته في الإسلام.
عن عمرو بن خالد قال: حدثنا الليث عن يزيد عن أبي الخير عن عبد الله بن عمرو، أن رجلا سأل النبي صلى الله ﷺ أي الإسلام خير؟ قال:» تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت، ومن لم تعرف».[12]
خص النبي ﷺ هاتين الخصلتين بالذكر لمسيس الحاجة إليهما في ذلك الوقت، لما كانوا فيه من الجهد، ولمصلحة التأليف. ويدل ذلك أنه عليه السلام حث عليهما أول ما دخل المدينة.[13]
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:» إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علما علمه ونشره، وولدا صالحا تركه، ومصحفا ورثه، أو مسجدا بناه، أو بيتا لابن السبيل بناه، أو نهرا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته، يلحقه من بعد موته».[14]
عد الولد الصالح من العمل والتعليم حسن لأن الوالد هو سبب وجوده وسبب لصلاحه بإرشاده إلى الهدى، كما جعل نفس العمل في قوله تعالى ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيرُ صاَلِح﴾ [سورة هود الآية:46] وقوله مصحفا ورثه من التوريث أي تركه إرثا، وهذا مع ما بعده من قبيل الصدقة الجارية حقيقة أو حكمًا، فهذا كالتفصيل لحديث انقطع عمله إلا من ثلاث. وقوله (في صحته وحياته) أي إخراجها في زمان كمال حاله ووفور افتقاره إلى ماله، وتمكنه من الانتفاع به، وفيه ترغيب ليكون أفضل صدقة.[15]
عن عبد الله بن عبد الوهاب قال: حدثني عبد العزيز بن أبي حازم، قال: حدثني أبي، قال: سمعت سهل بن سعد، عن النبي ﷺ قال: « أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وقال: بإصبعيه السبابة والوسطى».[16]
الحكمة في كون كافل اليتيم يشبه في دخول الجنة أو شبهت منزلته في الجنة بالقرب من النبي ﷺ أو منزلة النبي صلى الله عليه وسلم لكون النبي ﷺ شأنه أن يبعث إلى قوم لا يعقلون أمر دينهم فيكون كافلا لهم ومعلما ومرشدا، وكذلك كافل اليتيم يقوم بكفالة من لا يعقل أمر دينه بل ولا دنياه، ويرشده ويعلمه ويحسن أدبه، فظهرت مناسبة لذلك.[17]
وفي هذا الصدد يشير الشيخ القرضاوي بقوله: «أن يكون كافل اليتيم بهذه الدرجة من القرب من سيد الرسل محمد ﷺ، والكفالة التامة: أن يجعله في بيته كواحد من أولاده. وقد تكون الكفالة بأن يدفع إليه مبلغا من المال في بلده يكفيه حاجته، وهي مرتبة دون الأولى، ولكن لها أجرها. وكثير ما يفضل الأيتام أن يبقوا في بيوتهم وبلدانهم مع أمهاتهم وأقاربهم وهذا هو الأولى والأوفق.»[18]
روى الإمام مسلم فقال: حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب حدثنا مالك عن ثور بن زيد عن أبي الغيث، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «الساعي على الأرملة والمسكين، كالمجاهد في سبيل الله وأحسبه قال: وكالقائم لا يَفتُرُ وكالصائم لا يفطر».[19]
قال الإمام النووي: «المراد بالساعي الكاسب لهما العامل لمؤنتهما، والأرملة من لا زوج لها سواء كانت تزوجت أم لا، وقيل: هي التي فارقت زوجها… وسُميت أرملة لما يحصل لها من الإرمال وهو الفقر وذهاب الزاد بفقد الزوج، يقال أرمل الرجل إلى فني زاده. وكافل اليتيم القائم بأموره من نفقة وكسوة وتأديب وتربية وغير ذلك، وهذه الفضيلة تحصل لمن كفله من مال نفسه أو من مال اليتيم بولاية شرعية.»[20]
وجاء في فضل بناء المساجد قوله ﷺ:» من بنى مسجدا لله بنى الله له في الجنة مثله».[21]
قال بدر الدين أحمد العيني: «يعني مثله في المقدار والمساحة. وهذه المثلية ليست على ظاهرها وإنما يعني أنه يبني له بثوابه بيتا أشرف وأعظم وأرفع.»[22]
وقال النووي: « يحتمل قوله «مثله» أمرين أحدهما أن يكون معناه بني الله له مثله في مسمى البيت وإما صفته في السعة وغيرها فمعلوم فضلها فإنها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. والثاني أن معناه أن فضله على بيوت الجنة كفضل المسجد على بيوت الدنيا. ويحتمل أنه أراد أن يُنَبه بقوله « مثله» على الحض على المبالغة في إرادة الانتفاع به في الدنيا في كونه ينفع المصلين ويكنهم عن الحر والبرد ويكون في مكان يحتاج إليه ويكثر الانتفاع به ليقابل الانتفاع به في الدنيا انتفاعه هو بما يبنى له في الجنة.»[23]
حدثنا عبد الله بن منير سمع أبا النضر، حدثنا عبد الرحمان – هو ابن عبد الله ابن دينار-عن أبيه عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب-ولا يقبل الله إلا الطيب-وإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربّيها لصاحبه كما يرجى أحدكم فَلُوَّهُ حتى تكون مثل الجبل».[24]
فالنبي ﷺ بَيَّن قيمة الصدقة ولما لها من فضل حتى وإن كانت بعدل تمرة بشرط الكسب الطيب. فمفهومه أن ما ليس بالطيب لا يقبل.
وذكر ابن حجر في شرحه للحديث قوله: «وضرب به المثل لأنه يزيد زيادة بينة، ولأن الصدقة نتاج العمل، وأحوج ما يكون النتاج إلى التربية إذا كان فطيما، فإذا أحسن العناية به انتهى إلى حد الكمال، وكذلك عمل لبن آدم-لا سيما الصدقة-فإن العبد إذا تصدق من كسب طيب لا يزال نظر الله إليها يكسبها نعت الكمال حتى تنتهي بالتضعيف إلى نصاب تقع المناسبة بينه وبين ما قدم نسبة ما بين التمرة إلى الجبل.»[25]
ويضيف النووي في نفس السياق قوله: «وقد قيل في تربيتها وتعظيمها حتى تكون أعظم من الجبل وأن المراد بذلك تعظيم أجرها وتضعيف ثوابها، وأن تعظم ذاتها ويبارك الله تعالى فيها ويزيد من فضله حتى تثقل في الميزان.»[26]
الفرع الثالث: مشروعية العمل الاجتماعي عند الفقهاء
دلت على مشروعية العمل الاجتماعي عموما أدلة كثيرة عند الفقهاء والعُلَمَاء، الذين حثوا على فعل الخير والإحسان وتقويته وإنتاجه، لأنه يمثل ثروة مهمة في المجتمع.
فعن جعفر بن سليمان، قال: سمعت مالك بن دينار يقول: «إن صدور المؤمنين تغلي بأعمال البر، وإن صدور الفجار تغلي بالفجور، والله يرى همومكم فانظروا ما همومكم رحمكم الله.»[27]
قال الحافظ ابن رجب: «الأمر بالإحسان تارة يكون للوجوب كالإحسان للوالدين والأرحام بمقدار ما يحصل به البر والصلة والإحسان إلى الضيف بقدر ما يحصل به قِراه. وتارة يكون للندب كصدقة التطوع ونحوها.»[28]
قال القرطبي: «الصدقة متى أطلقت في القرآن، فهي صدقة الفرض.»[29]
وقال أيضا في الجامع: «يبين الله تعالى أن، من لم يستحق شيئا إرثا، وحضر القسمة، وكان من الأقارب أو اليتامى والفقراء الذين لا يرثون أن يكرموا ولا يحرموا، إن كان المال كثيرا، والاعتذار إليهم، إن كان عقارا أو قليلا لا يقبل الرضخ. وإن كان عطاء من قليل، ففيه أجر عظيم.»[30]
وعن أبي حيان قال: «إن الصدقة حق للفقير، وفيها دلالة على أنه يجوز لرب المال أن يفرق الصدقة بنفسه.»[31]
وذكر القرطبي: «إن إنفاق المال فيما يَعِنُّ من الواجب والمندوب، وإيصال القرابة وترك قطعهم وتفقد اليتيم وعدم إهماله، والمساكين كذلك ومراعاة ابن السبيل وقيل: المنقطع به، وقيل أضيفوا السؤال، وفك الرقاب.»[32]
قال ابن القيم رحمه الله: «إن للصدقة تأثيرا عجيبا في دفع أنواع البلاء، ولو كانت من فاجر أو ظالم، بل كافر، فإن الله تعالى يدفع بها أنواعا من البلاء، وهذا أمر معلوم عند الناس خاصتهم وعامتهم، وأهل الأرض كلهم مُقِرون به لأنهم قد جَرَّبُوه.»[33]
قال البيهيقي: «الصدقة تسر السائل، وتوجب للمعطي أجراً.»[34]
وقال أيضا رحمه الله: أن يحبس أصل المال إذا أراد الصدقة ويسلم المنفعة.[35]
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «ذكر لي أن الأعمال تتباهى، فتقول الصدقة: أنا أفضلكم.»[36]
قال الامام مالك رحمه الله: «سبل الله كثيرة، ولكن من حبس في سبيل الله شيئا فإنما هو في الغزو.»[37]
قال سحنون عن ابن وهب عن يونس عن ربيعة قال: «كل ما جعل صدقة، حبس ولم يسم الصدقة، فهو كله صدقة تنفذ في مواضع الصدقة وعلى وجه ما ينتفع بذلك فيه، فأن كانت دواب ففي الجهاد، وإن كانت غلة أمول فعلى منزلة ما يرى الوالي من وجوه الصدقة.»[38]
يقول الشيخ يوسف القرضاوي: «وأستطيع أن أقول وأنا مطمئن: إن عمل الخير وإشاعته وتثبيته، يعد من أهداف الرسالة المحمدية، ومن مقاصد الشريعة الإسلامية الأساسية». ويقول أيضا: «والخير قد يذكر في القرآن الكريم، وفي السنة النبوية، بلفظ الخير نفسه، وقد يذكر بألفاظ أخرى تحمل مضمونه، مثل البر، والإحسان، والرحمة، والصدقة، وتفريج الكربة، وإغاثة الملهوف، وغير ذلك.»[39]
فالإنفاق إذن لإحداث التوازن في المجتمع أمر ديني وضرورة اجتماعية وأخلاقية يجب أن ينظم ليؤدي الهدف منه وليدفع-عن طريق القانون – القادرين على الانفاق لتحقيق التضامن الاجتماعي.[40]
يقول الشيخ الطاهر بن عاشور: «عقود التبرعات قائمة على أساس المواساة بين أفراد الأمة الخادمة لمعنى الأخوة. فهي مصلحة حاجية جليلة، وأثر خلق إسلامي جميل، فيها حملت مساعفة المعوزين، وإغناء المقترين، وإقامة الجمّ من مصالح المسلمين.»[41]
يرى الدكتور مصطفى بنحمزة أن العمل الاجتماعي من حيث جهة الطلب (طلب جماعي)، ومن حيث جهة العقاب (عقاب جماعي)، بل من العلماء المعاصرين من يرى أن من الفروض الكفائية هي واجبات اجتماعية تتسع بسعة الحياة الاجتماعية، تؤديها المجموعة بكيفية تضامنية، إذا قام بها البعض سقط التكليف عن الباقين، لا استخفافا بحقها، وإنما لداعٍ موضوعي هو انتهاء الحاجة إليها.[42]
[1] تفسير التحرير والتنوير. للشيخ الطاهر بن عاشور. الدار التونسية للنشر. تونس (بدون رقم طبعة) سنة:1984. الجزء:2. الصفحة:130-131.
[2] الجامع لأحكام القرآن. لأبي بكر القرطبي. تحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي. مؤسسة الرسالة بيروت. الطبعة:1. سنة: 2006. الجزء:10. الصفحة 244-245.
[3] تفسير ابن كثير. الجزء/ 6 ص: 522.
[4] تفسير ابن عرفة لمحمد بن محمد بن عرفة الورغمي. تحقيق جلال الأسيوطي. دار الكتب العلمية بيروت. الطبعة:1. سنة: 2008. الجزء:3. الصفحة:200.
[5] فتح البيان في مقاصد القرآن لصديق بن الحسن القنوجي البخاري. تحقيق عبد الله بن إبراهيم الأنصاري. المكتبة العصرية. بيروت. سنة:1992. الجزء:9. الصفحة: 87-88.
[6] تفسير الكشاف للزمخشري. تحقيق خليل مأمون شيحا. دار المعرفة بيروت. الطبعة:3. سنة: 2009. الجزء: 5. الصفحة: 260.
[7] التحرير والتنوير ج/29. ص:288.
[8] تفسير ابن كثير. ج/8. ص:260.
[9] فتح البيان في مقاصد القرآن. ج/3. ص:237.
[10] تفسير ابن كثير. ج/7. ص:418-419.
[11] التكافل الاجتماعي في الشريعة الإسلامية. لمحمد بن أحمد الصالح. ص: 102.
[12] رواه البخاري في صحيحه كتاب الإيمان. باب إطعام الطعام من الإسلام. رقم الحديث 11. ج/ 1. ص:10.
[13] فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني. تحقيق عبد العزيز بن عبد الله الباز وفؤاد عبد الباقي ومحب الدين الخطيب المكتبة السلفية (بدون رقم طبعة ولا تاريخ) الجزء:1. الصفحة:56.
[14] رواه ابن ماجة في سننه المقدمة باب ثواب معلم الناس الخير رقم الحديث: 242. تحقيق فؤاد عبد الباقي. دار إحياء الكتب العربية (بدون رقم طبعة ولا تاريخ) الجزء:1. الصفحة: 88.
[15] شرح سنن ابن ماجة. للسيوطي. تحقيق رائد بن أبي علفة. بيت الأفكار الدولية. عمان الأردن. الطبعة:1. سنة: 2007. الجزء:1.
الصفحة: 164.
[16] رواه البخاري في صحيحه. كتاب الأدب. باب فضل من يعول يتيما. رقم الحديث: 5546. ج/3. ص: 216.
[17] فتح الباري لابن حجر. كتاب الأدب. باب فضل من يعول يتيما. ج/10. ص:451.
[18] أصول العمل الخيري في الإسلام ليوسف القرضاوي. دار الشروق القاهرة. الطبعة: 2. سنة: 2007. الصفحة:56.
[19] رواه مسلم في صحيحه كتاب الزهد والرقائق باب الإحسان إلى الأرملة والمسكين واليتيم. رقم الحديث: 2982. ج/ 4. ص: 2286.
[20] المنهاج في شرح صحيح مسلم للنووي. كتاب الزهد والرقائق. باب الإحسان إلى الأرملة والمسكين واليتيم مؤسسة قرطبة. الطبعة:2. سنة: 1994.. الجزء: 18. الصفحة: 150-151.
[21] رواه مسلم في صحيحه. كتاب الزهد والرقائق. باب فضل بناء المساجد. رقم الحديث 533. ج/2. ص: 1360-1361.
[22] عمدة القارئ شرح صحيح البخاري لبدر الدين أحمد العيني. دار الفكر (بدون رقم طبعة ولا تاريخ) الجزء: 4. الصفحة: 214.
[23] المنهاج في شرح صحيح مسلم للنووي ج/5 ص:20-21.
[24] رواه البخاري في صحيحه. كتاب الزكاة. باب الصدقة من كسب طيب. رقم الحديث 1321. ج/1. ص: 339.
[25] فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر. ج/3. ص: 327-328.
[26] المنهاج في شرح صحيح مسلم للإمام النووي. ج/7 ص:138.
[27] حلية الأولياء وطبقات الأصفياء. للأصفهاني. دار السعادة. مصر. سنة: 1996. الجزء: 6. الصفحة:288.
[28] جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم. لابن رجب. تحقيق ماهر ياسين الفحل. دار ابن كثير دمشق. الطبعة: 1. سنة: 2008. الصفحة: 362.
[29] الجامع لأحكام للقرآن ج/10. ص:245.
[30] المصدر نفسه ج/6. ص: 83.
[31] تفسير البحر المحيط لأبي حيان. تحقيق الشيخان على محمد معوض وعادل أحمد عبد الموجود. دار الكتب العلمية بيروت. الطبعة: 1 سنة: 1993. الجزء: 2. الصفحة: 338.
[32] الجامع لأحكام القرآن للقرطبي. ج/3. ص: 59.
[33] الوابل الصيب ورافع الكلم الطيب لابن القيم الجوزية. تحقيق عبد الرحمان بن حسن بن قائد. دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع. الصفحة:69.
[34] الجامع لشعب الإيمان للبيهقي. تحقيق عبد العلي عبد الحميد حامد. مكتبة الرشد الرياض. الطبعة: 1. سنة: 2003. الجزء: 5. الصفحة: 117.
[35] المصدر نفسه ج/5. ص: 119.
[36] الوابل الصيب ورافع الكلم الطيب لابن القيم. ص: 73.
[37] المدونة الكبرى للإمام مالك برواية سحنون عن ابن القاسم. دار الكتب العلمية. بيروت. الطبعة: 1. سنة: 1994. الجزء: 4. الصفحة:417.
[38] المصدر نفسه ج/4. ص: 417.
[39] أصول العمل الخيري ليوسف القرضاوي. ص: 25.
[40] مجتمع المؤمنين من هدي القرآن لعبد الكريم غلاب. الطبعة:1. سنة: 1988. الصفحة: 262.
[41] مقاصد الشريعة للطاهر بن عاشور. تحقيق محمد الحبيب ابن الخوجة. طبعة وزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية قطر. سنة:2004. الجزء: 3. الصفحة: 505.
[42] العمل الاجتماعي في الإسلام لمصطفى بنحمزة مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، وجدة، سلسلة دفاتر المركز (3) الطبعة:1 (بدون تاريخ) الصفحة: 12.