القرآن الكريم والتربية على الأخلاق
بقلم: نور الدين هنون
مكانة الأخلاق في الإسلام
رفع الإسلام شأن الأخلاق درجة سامقة لم يدانه في ذلك أيٌّ من الأديان السماوية أو غيرها، وللتأكيد على هذه الحقيقة اختار الله تعالى أحسن الناس خلقا لتبليغ هذا الدين إلى البشرية جمعاء؛ وهو الرسول الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم الذي عرف قبل النبوة بأكرم الأخلاق وأعلاها وهو الذي قال “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق” و مما يزيد هذه الحقيقة تجليا و وضوحا، أن كثيرا من الآيات القرآنية الكريمة قرنت بين أخطر قضية جاء القرآن لترسيخها ألا وهي قضية توحيد الله تعالى وبين أخلاق سامية منها:
الإسراء – بر الوالدين (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا)
– شكر الله ولا يتأتى إلا بشكر الناس “من لم يشكر الناس لم يشكر الله”:
(واعبدوه واشكروا له) سورة العنكبوت
(بل الله فاعبد وكن من الشاكرين) سورة الزمر
– البذل والعطاء مما تتشبث به النفس:
(لكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيئين، وآتى المال على حبه…) وإيتاء المال جاء قبل ذكر الصلاة في هذا الموضع
وأخلاق أخرى جاءت الدعوة إليها رديفة الأمر بالتقوى:
(يا أيها الذين آمنوا، اتقوا الله وقولوا قولا سديدا) سورة الأحزاب
(يا أيها الذين آمنوا، اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) سورة التوبة
(فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم) سورة الأنفال
وغير ذلك كثير مما في كتاب الله من آي وسور، وهناك سورة كلها حديث عن الأخلاق حتى سماها العلماء بسورة الأخلاق، ألا وهي سورة الحجرات، وفيها حث على أدب الكلام والاستماع، والتثبت عند نقل الأخبار، والإصلاح بين الناس وعدم الاستهزاء بالغير واجتناب سوء الظن والتجسس والغيبة والتنابز بالألقاب، وفيها خلق رفيع هو عدم التمييز بين الناس بالجنس أو اللون (إن أكرمكم عند الله أتقاكم…)
فكيف بنى الله تعالى شخصية الرسول الكريم أخلاقيا وهو الذي أنزل عليه الوحي؟ وماهي أخلاق باقي الأنبياء والحكماء المذكورة في كتاب الله والتي تحَلَّوا بها ودعوا إليها؟ ثم ما هي وظيفة القصص القرآني الأخلاقية؟ وما هي الأخلاق التي دعا إليها القرآن والتي نحن في أمس في الحاجة إليها اليوم؟
مركزية الأخلاق في شخصية النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم القرآن الذي يمشي بين الناس
قال تعالى (وإنك لعلى خلق عظيم) سورة القلم
أي أن الله تعالى بنى شخصيته على الخلق العظيم، فمنذ نعومة أظفاره نشأ صلى الله عليه وسلم في محيط متخلق وسط مجتمع جاهلي. من جد كريم شهم إلى أم من أطيب بيوت بني زهرة إلى مرضعة حانية عفيفة آثرت وحدها رضيعا يتيما فقيرا على رُضَّع الأغنياء والوجهاء، إلى عم عطوف آثر حماية ابن أخيه المخالف له في الدين على مسايرة وجهاء قومه، إلى زوج آية في النبل والأخلاق كانت له نعم المحضن ونعم السند.
ولا أقول إن هذا كله هو ما أنتج أخلاق الحبيب المثلى ،ولكن جاء ذلك ليعزز أخلاقه الجِبِلِية التي فطره الله عليها اصطفاء وتفضيلا، وهو الذي عصمه الله منذ صغره من الانحراف بل حتى من دواعي اللهو والغفلة التي لا تليق بنبي المستقبل حينها
إلى جانب هذا الرصيد العظيم من الأخلاق التي عرف بها صلى الله عليه وسلم قبل النبوة، توالت الآيات القرآنية تعضد هذا الرصيد وتعطيه بعدا تربويا ودعويا يتعداه إلى أمته المخاطبة بالقرآن الكريم.
وقد تنوع الأسلوب القرآني في تعزيز هذا السمو الأخلاقي للرسول الكريم، وأذكر من ذلك:
– تذكيره بنعم الله عليه وحثه على صرف شكرها في الإحسان إلى الناس، كما جاء في سورة الضحى (ألم يجدك يتيما فآوى….. فأما اليتيم فلا تقهر، وأما السائل فلا تنهر…)
– أمره بالصبر والثبات على أعباء الرسالة، وأذى قومه قدوة بمن سبقه من المرسلين، كما في قوله تعالى (وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك، وجاءك في هذه الحق، وموعظة وذكرى للمؤمنين) سورة هود
– توجيه سلوكه لما هو أحسن انطلاقا من حادث ملموس وكمثال على ذلك:
– عدم إعطاء الأولوية لدعوة وجهاء قومه على الاهتمام بضعفائهم، كما جاء في سورة عبس وقصة الأعمى
– تنبيهه لضبط خلق التسامح والدفاع عن المتهمين قبل التحقق من براءتهم وهناك مثالان:
الأول في قبول أعذار المتخلفين عن الجهاد، في قوله تعالى (عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين) سورة التوبة
الثاني في قصة بني أبيرق وفي المجادلة عن المتهمين قبل نزول الوحي فيهم في قوله تعالى (ولا تكن للخائنين خصيما)
وقوله تعالى (ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم…) وكلتا الآيتين من سورة النساء
نماذج من أخلاق الأنبياء والحكماء المذكورين في القرآن الكريم والترغيب فيها
ضرب الله تعالى لنا في القرآن الكريم أمثلة خالدة في أخلاق الأنبياء عليهم صلاة الله وسلامه كانوا قدوة لأقوامهم وللناس أجمعين إذ تميزوا بهذه الأخلاق وهم يمارسون حياتهم العادية وسط مجتمعاتهم غير منعزلين ولا عاطلين، ومن ذلك سيدنا إبراهيم عليه السلام الذي جمع الله له في آية واحدة ثلاثة أخلاق حيث قال تعالى في سورة هود (إن إبراهيم لحليم أواه منيب)، وساداتنا موسى وإسماعيل وإدريس، حيث قال تعالى في سورة مريم (واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيئا….. اذكر في الكتاب إسماعيل، إنه كان صادق الوعد…. إدريس إنه كان صديقا نبينا)
وكذلك سيدنا أيوب عليه السلام الذي جمع بين خلقي الصبر والأوبة إلى الله، ونادرا ما يجتمعان حيث قال تعالى (إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب) سورة ص وحتى لا يبقى الأمر محصورا في الآنبياء وحدهم، ساق الله تعالى نماذج من دعوة بعض الحكماء والمؤمنين إلى حسن الأخلاق، ومن ذلك:
– وصية لقمان لابنه المعروفة، وقصة محاور صاحب الجنة الذي قال الله تعالى على لسانه (ولولا إذا دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله) سورة الكهف يدعو محاوره للتواضع وشهود المنة من الله وعدم الاعتداد بالنفس، وهناك أمثلة أخرى لا يتسع المقام لذكرها.
هذا وقد دعا الأنبياء أقوامهم إلى التخلي عن أخلاق سيئة وأعطوا القدوة من أنفسهم، كما قال سيدنا شعيب لمدين (وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه) سورة هود حيث نهاهم عن خلق التطفيف في الميزان وبخس الناس أشياءهم
ومن الأمثلة على ذلك أيضا، قوله تعالى على لسان سيدنا لوط عليه السلام (أئنكم لتاتون الرجال، وتقطعون السبيل وتاتون في ناديكم المنكر) سورة العنكبوت
ومن ذلك، وصايا لقمان الحكيم لابنه وهي من أباب أولى وصايا للكبار قبل الصغار (ولا تصاعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا…..) سورة لقمان
وإلى جانب الأنبياء والحكماء، ذكر القرآن الكريم بعض أخلاق من ليسوا على التوحيد أصلا، ولم يمنعه تقريعه لهم أن ينصفهم انتصارا لشأن الأخلاق:
- يقول تعالى في حق أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم حسب أغلب التفاسير (وهم ينهون عنه، وينأون عنه) مبرزا بذلك خلق الدفاع عن أهل الحق ولو كانوا مخالفين في الدين
- ويقول كذلك حكاية عن بلقيس (ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون) سورة النمل الحديث هنا عن التشاور وعدم الاستئثار بالقرارات الخُلُق الذي يفتقده المسلمون اليوم في جل حكامهم.
وظيفة القصص القرآني الأخلاقية والترهيب من الانحرافات الخلقية لبعض الأمم السابقة
قال تعالى (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب) سورة يوسف. وظيفة القصص القرآني، وهو علم قائم بذاته من بين علوم القرآن ، هي أخذ العبرة من الأمم السابقة، وتقدير شأن الأخلاق التي كان غيابها سببا مباشرا في اندثار أقوام وحضارات
– من منا من لم يقرأ قصة ابني آدم اللذين تَخَلّق أحدهما بخُلق كف الأذى والخوف من الله قال تعالى( ما أنا بباسط يدي لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين) سورة المائدة، وحاد الآخر عن خلقي الرضا، وحب الخير للآخرين حيث قال الله تعالى من نفس السورة (فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، قال لأقتلنك)؟ وهذا درس بليغ من أول جريمة اقترفها الإنسان على ظهر الأرض وأودت بحياة نصف البشرية.
– ألم نقرأ ونتدبر قوله تعالى (فأما عاد فاستكبروا في الارض بغير الحق، وقالوا من اشد منا قوة) سورة فصلت؟، استكبروا في الأرض، وابتعدوا عن خلق التواضع واستثمار القوة في الخير وأكثر من ذلك قلبوا الآية واعتبروا ما هم عليه هو عين الأخلاق وقالوا (إن هذا إلا خُلُق الاولين، وما نحن بمعذبين) سورة الشعراء
والأمثلة على ذلك كثيرة، وفي المقابل ذم الله تعالى في كتابه العزيز أخلاق أقوام وأشخاص أدت بهم إلى التهلكة على لسان أنبياء منها:
– الفساد في الأرض إذ قال تعالى على لسان سيدنا صالح عليه السلام (ولا تعثوا في الارض مفسدين) سورة هود، فتمادوا في غيهم وعقروا الناقة فأدركهم عقاب شديد بعد ثلاثة أيام فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين
– التواطؤ على المناكر والشرور (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه…) سورة المائدة
– أخلاق السوء لواحد من صناديد قريش الأخنس بن شريق إذ جمع الله له في آية واحدة تسعة أخلاق خبيثة (حلاف مهين هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم عتل بعد ذلك زنيم) سورة القلم، فوسمه الله على الخرطوم وكفى بذلك فضحا له في القرآن الكريم إلى يوم الدين
أخلاق نص عليها القرآن الكريم وهي من أولوياتنا في هذا العصر
كل ما دعا إليه القرآن الكريم من أخلاق وأوامر ونواهي، ينبغي أن نلتزم بها في كل أحوالنا وأن نبلغ فيها درجة الإحسان ما استطعنا إلى ذلك سبيلا ، لكنْ هناك خصال لا مناص منها اليوم لتغيير ما بنا، ولتحقيق نهضتنا بعد كبوة، بل نكسات أتتنا من قِبَلها، وهي على سبيل المثال لا الحصر:
– الاستجابة للنداء الرباني النبوي الداعي للحياة الحقيقية (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) سورة الأنفال
– الأخوة في الله المفضية إلى العمل الصالح، وإلى الإصلاح بين الناس (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم) سورة الحجرات
– خلق جماعي وهو الاجتماع للدعوة إلى الخير (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويامرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) سورة آل عمران
(فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين، وليُنذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يَحذَرون) سورة التوبة
جاء في معجم الرائد: الطائفة جماعة من الناس يجمعهم مذهب ديني أو رأي واحد
– العمل المتقن الخاضع لرقابة الله وشهادة الرسول والمؤمنين (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمومنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون) سورة التوبة
– الصبر والمصابرة وربط النفس عن الغفلة والقعود مع إعداد القوة اللازمة للتغيير (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون) سورة النساء
(وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة، ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم…) سورة الأنفال