شرف الزمان بمولد سيد ولد عدنان؛ (2) شهر المولد.
الدكتور أحمد الإدريسي
شرف الزمان بمولد سيد ولد عدنان؛ (2) شهر المولد
بقـلم: الدكتور أحمد الإدريسي
مقام النبي صلى الله عليه وسلم عظيم عند الله تعالى، وقد شرف الزمان بمولد عليه السلام وحدثت أحداث عظيمة، ومن شرف الزمان ما وقع من معجزات وكرامات عند مولده صلى الله عليه وسلم.
وسنركز في هذا المقال على الأحداث العظيمة التي شهدها شهر ربيع الأول، ودلالات مولده عليه السلام في هذا الشهر الكريم.
1- أحداث عظيمة شهدها شهر ربيع الأول:
شهد شهر ربيع الأول أحداثا عظيمة كان لها الأثر الكبير على الأمة الإسلامية، وعلى العالم كله، ومن هذه الأحداث:
– حدث الهجرة النبوية:
بدأت أحداث الهجرة الحقيقية بعد اجتماع دار الندوة، واتخاذ قرارهم المصيري بقتل النبي صلى الله عليه وسلم بضربة جماعية قاضية، وكان ذلك يوم السادس والعشرين من شهر صفر بداية العام الرابع عشر من البعثة.
ثم نزل جبريل عليه السلام لإخبار النبي صلى الله عليه وسلم بما جرى وأمره ألا يبيت في فراشه هذه الليلة، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة السابع والعشرين من شهر صفر إلى بيت أبي بكر الصديق رضي الله عنه لتبدأ رحلة الهجرة المباركة.
– استقرار النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة:
ذكر أهل السيرة النبوية أن النبي صلى الله عليه وسلم استقـرّ في المدينة المنورة يوم الاثنين الثامن من ربيع الأول، قال عروة بن الزبير: “فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعدل بهم ذات اليمين، حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف، وذلك يوم الإثنين من شهر ربيع الأول، وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء 4 أيام؛ الاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، وأسس مسجد قباء وصلى فيه، وهو أول مسجد أسس على التقوى بعد النبوة، فلما كان اليوم الخامس -وهو يوم الجمعة- ركب بأمر الله له، وأبو بكر ردفه، وأرسل إلى بني النجار -أخواله- فجاؤوا متقلدين سيوفهم، فسار نحو المدينة، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، فجمع بهم في المسجد الذي في بطن الوادي، وكانوا مائة رجل”[1].
وتكمن رمزية الهجرة في شهر ربيع الأول وأهميتها في أن حدث الهجرة من أهم المعجزات التي حدثت لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ولما أراد أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أن يضع تاريخًا للمسلمين لم يجد أفضل من الهجرة ليبدأ به التاريخ الإسلامي لأن الهجرة كانت في الأساس لإقامة دولة الإسلام.
– التحاق النبي إلى الرفيق الأعلى:
في شهر ربيع الأول من العام الحادي عشر من الهجرة، قبض النبي صلى الله عليه وسلم في وقت الضحى، “روى أنس بن مالك: أن المسلمين بينا هم في صلاة الفجر يوم الإثنين -وأبو بكر يصلي بهم- لم يفجأهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم كشف ستر حجرة عائشة فنظر إليهم، وهم في صفوف الصلاة، ثم تبسم يضحك، فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يخرج إلى الصلاة… وقع هذا الحادث حين اشتدت الضحى من يوم الإثنين 12 ربيع الأول سنة 11هـ”[2].
2- دلالات تسمية شهر الربيع مولد النبي صلى الله عليه وسلم:
ارتبط ميلاد النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بشهر “ربيع الأول”، وفيه إشارات رمزية ومعنوية عميقة؛ فاسم الشهر مشتق من الربيع الذي يرمز إلى الحياة، النماء، والبهجة بعد جدب الشتاء، ليوافق ميلاده إحياءً للقلوب وبعثاً للهدى والنور بعد فترات طويلة من الظلام والضلال البشري.
ومن دلالات تسمية شهر مولد النبي صلى الله عليه وسلم
– يرمز اسم الربيع إلى البهجة والنماء بعد جدب الشتاء، وقد وافق ميلاده هذا الشهر وفيه دلالة على انبعاث النور بعد الظلام وإحياء القلوب وإنقاذها من الضلال.
– الاعتدال والرحمة: يتسم فصل الربيع بالاعتدال واللطف، وهو ما تجسد في صفات النبي صلى الله عليه وسلم الذي وصفه القرآن بأنه “رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ”.
– انبعاث الحياة: مجيء النبي في الربيع يماثل نزول الغيث الذي يحيي الأرض الميتة، كدلالة على إحياء النفوس الميتة بالجهل والشرك بنور الوحي.
– التفاؤل والبشرى: يعد الشهر بداية لانفراجة كبرى في تاريخ البشرية، تماماً كما يبدد الربيع قسوة البرد وظلامه.
خلاصة:
كل هذه الأحداث؛ “مولد النبي صلى الله عليه وسلم”، و”وصوله إلى المدينة المنورة” و”استقراره بها”، كلها وقعت يوم الإثنين، وكلها وقعت في شهر ربيع الأول، فما أعظم هذا اليوم وما أجمل هذا الشهر على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن العبر مستفادة من هذه الأحداث الجليلة:
– شكر النعمة: استحضار نعمة الهداية العظمى بإرسال النبي واستشعار فضل الله تعالى على الأمة الإسلامية وعلى البشرية.
– شرُف شهر ربيع الأول بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، وسيبقى شرف هذا الشهر إلى يوم الدين، وسيبقى مقام النبي صلى الله عليه وسلم عظيما في قلوب الأمة.
– تجديد العهد: اتخاذ الذكرى فرصة لمراجعة النفس، وتذكير الأجيال بسيرته العطرة وأخلاقه الإنسانية العالية.
والحمد لله رب العالمين.
[1]– الرحيق المختوم، للعلامة المباركفوري. الصفحة: 155- 156.
[2]– الرحيق المختوم، للعلامة المباركفوري. الصفحة: 429- 431.