شرف الزمان بمولد سيد ولد عدنان؛ (1) عـام المولد
الدكتور أحمد الإدريسي
شرف الزمان بمولد سيد ولد عدنان؛ (1) عـام المولد
بقـلم: الدكتور أحمد الإدريسي
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا وحبيبنا محمد، وعلى ءاله وصحبه، وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
إن الأحداث العظيمة يُمَهَّدُ لها عادة بأحداث عظيمة لكي تُجليَــها، وكانت هناك أحداث عظيمة مهدت لظهور النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وتشريفه لأهل الأرض والسماوات، وهي الأحداث التي سبقت مولده عليه السلام.
ومقام النبي صلى الله عليه وسلم عظيم عند الله تعالى، وقد شرف الزمان بمولد عليه السلام وحدث حوادث عظام، ومن شرف الزمان ما وقع من معجزات وكرامات عند مولده صلى الله عليه وسلم.
وسأتناول في هذه السلسة، بحول الله تعالى، بعضا مما وقع من حوادث ومعجزات تشرّف بها الإنسان والزمان والمكان، ومنها عام المولد وشهر المولد ويوم المولد.
1- حادثة الفيل:
وقعت حادثة الفيل في عام 571 ميلادي، حيث بنى أبرهة الحبشي كنيسة ضخمة في اليمن لصرف العرب عن الكعبة، وقاد جيشاً ضخماً يضم فيلة لهدمها، لكن الفيلة رفضت التقدم عند دخول مكة، وأرسل الله طيراً أبابيل رمتهم بحجارة من سجيل جعلتهم كعصف مأكول، وذكرت هذه المعجزة في القرآن الكريم.
حاول الملك المتجبر؛ أبرهة الحبشي أن يهدم الكعبة المشرفة قبلة العالم في ذلك الزمان، لأن الكعبة لم تكن قبلة لأهل الجزيرة العربية من العرب فقط، بل كانت قبلة للعرب ولكل الموحدين في ذلك الوقت ممن كانوا على الحنيفية السمحة على دين إبراهيم وإسماعيل، وعلى دين العرب كلهم من المشركين والموحدين، حيث كانت تهوى قلوبهم الكعبة المشرفة، فكانت المعجزة أن تولى الله الدفاع عن بيته الحرام، وقد قال عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم: “للبيت رب يحميه” فحمى رب البيت بيته.
فكان هذا الحدث العظيم الذي جعل أولئك الذين قدموا ليهدموا بيت الله في الأرض كعصف مأكول، هذا الأمر كان خارقا للعادة لم يجر على السنن الكونية، وكان أهل مكة قد استسلموا لواقع الأمر ولم يستطيعوا أن يدفعوا هذا البلاء عنهم فخرجوا إلى أعالي الجبال ينظرون ويترقبون ولم يخطر في خلد أحدهم أن تنجوا الكعبة من الهدم، إلا عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال: “للبيت رب يحميه”.
2- دلالات ومعاني هذه الحادثة:
لقد أراد الله تعالى أن يوثق العام الذي سيولد فيه رسوله صلى الله عليه وسلم، فالعرب قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يؤرخون بالأحداث العظيمة، ولم يكن لهم تأريخ يؤرخون به في ذلك الوقت، فأراد الله تعالى أن تكون لهم بداية تأريخ فكانت بداية تأريخهم عام الفيل، فكانوا يقولون: قبل عام الفيل بعام وبعد عام الفيل بعام حتى إذا ما قيل: متى ولد محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وسلم)؟ يقال: ولد عام الفيل.
يقول ابن كثير: “هذه من النعم التي امتن الله بها على قريش فيما صرف عنهم من أصحاب الفيل الذين كانوا قد عزموا على هدم الكعبة، ومحو أثرها من الوجود فأبادهم الله وأرغم أنوفهم وخيب سعيهم وأضل عملهم، وردهم بشر خيبة…، ولكن كان هذا من باب الإرهاص والتوطئة لمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه في ذلك العام ولد على أشهر الأقوال ولسان حال القدر يقول: لم ننصركم يا معشر قريش على الحبشة لخيرتكم عليهم، ولكن صيانة للبيت العتيق الذي سنشرفه ونعظمه ونوقره ببعثة النبي الأمي محمد صلوات الله وسلامه عليه خاتم الأنبياء”[1].
3- البحث عن حقيقة الخلق وسر الوجود:
أراد الله تعالى للناس أن يبحثوا عن حقيقة الخلق وسر الوجود وأن يرجعوا إلى عبادته، فعندما عجز العرب كلهم عن محاربة جيش الفيل، وكانت حادثة الفيل هي الحدث الأكبر على مستوى الدول العظمى في ذلك الزمان، لأن العرب كان لها ولاء للفرس والروم، والحبشة تربطها علاقات تجارية وعسكرية مع الفرس والروم.
كما عزز هذا الحدث مكانة العرب عامة وعبد المطلب خاصة في نفوس العالم كله، فعندما يئس الكفار من أصنامهم، لجأوا إلى الله وحده بالدعاء ويظهر ذلك من قول عبد المطلب لرسول أبرهة عندما جاءه يطلبه لمقابلة أبرهة، قال له: “والله ما نريد حربه (يقصد أبرهة) وما لنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم فإن يمنعه منه فهو بيته وحرمه، وإن يخلِّ بينه وبينه فو الله ما عندنا دفع عنه”.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: “وَلَمَّا رَدَّ اللَّهُ الْحَبَشَةَ عَنْ مَكَّةَ عَظَّمَتِ الْعَرَبُ قُرَيْشًا، وَقَالُوا: هُمْ أَهْلُ اللَّهِ، قَاتَلَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَكَفَاهُمْ مَئُونَةَ عَدُوِّهُمْ”، وقال القرطبي: (قَالَ عُلَمَاؤُنَا: كَانَتْ قِصَّةُ الْفِيلِ فِيمَا بَعْدُ مِنْ مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ كَانَتْ قَبْلَهُ وَقَبْلَ التَّحَدِّي، لِأَنَّهَا كَانَتْ تَوْكِيدًا لِأَمْرِهِ، وَتَمْهِيدًا لِشَأْنِهِ. وَلَمَّا تَلَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ السُّورَةَ، كَانَ بِمَكَّةَ عَدَدٌ كَثِيرٌ مِمَّنْ شَهِدَ تِلْكَ الْوَقْعَةِ، وَلِهَذَا قَالَ: أَلَمْ تَرَ وَلَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ أَحَدٌ إِلَّا وَقَدْ رَأَى قَائِدَ الْفِيلِ وَسَائِقَهُ أَعْمَيَيْنِ يَتَكَفَّفَانِ النَّاسَ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مَعَ حَدَاثَةِ سِنِّهَا: لَقَدْ رَأَيْتُ قَائِدَ الْفِيلِ وَسَائِقَهُ أَعْمَيَيْنِ يَسْتَطْعِمَانِ النَّاسَ. وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: رَأَيْتُ فِي بَيْتِ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ نَحْوًا مِنْ قَفِيزَيْنِ من تلك الحجارة، سودا مخططة بحمرة)[2].
وعن ابن شهاب قال: “أول ما ذكر من عبد المطلب أن قريشا خرجت فارة من الحرم خوفا من أصحاب الفيل، وعبد المطلب يومئذ غلام شاب، فقال: والله لا أخرج من حرم الله أبغي العز في غيره، فجلس في البيت وأجلت قريش عنه فلم يزل ثابتا في الحرم حتى أهلك الله الفيل وأصحابه، فرجعت قريش وقد عظم فيهم بصبره وتعظيمه محارم الله عز وجل”[3].
حتى إذا بعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم الهاشمي المطلبي لم يستغرب أحد ذلك فهو حفيد عبد المطلب وسيد قريش الذي برزت سيادته وعرف عنه ما عرف من تعظيم لشعائر الله، وهو الذي برز له الشرف الديني من خلال تعظيمه لبيت الله وحفره لزمزم كما جاءه في رؤياه.
والحمد لله رب العالمين.
[1]– تفسير ابن كثير.
[2]– أنظر تفسير القرطبي لسورة الفيل.
[3]– شرح نهج البلاغة لابن أبي حديد.