منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

البيئة وسؤال التنمية نحو خطاب بيئي ينصف الأجيال

رشيد أمشنوك

0

تنزيل كتاب: “التربية البيئية وسؤالا التنمية والأخلاق

مقدمة:

تتطلب المجتمعات الإنسانية في اللحظة الراهنة، التفاعل العلمي الجدي مع الأسئلة الإيكولوجية، أكثر من أي وقت مضى، إنه مطلب ملح وضروري، ولا يحتمل التأخير. فالبيئة بما هي مجال طبيعي مادي، تحتاج عناية خاصة لتكون مناسبة وصالحة لعيش آمن وكريم، يليق بالإنسان باعتباره أسمى الكائنات، بما ميزه الله تعالى بملكة العقل وخصيصة الأخلاق عن غيره. لكن ما تتعرض له المجالات البيئية من تدخلات إنسانية وخيمة العواقب والآثار، وضع يسائل علاقة المجتمع بالبيئة، ويفحص هشاشة السياسات الرسمية وغير الرسمية، ويضع مختلف الجهود على محك الاختبار، لاسيما وأن الإنسانية مهددة في أهم حقوقها الطبيعية وهي الحياة والبقاء، لما استحالت الأزمة الإيكولوجية بشتى مظاهرها وتجلياتها، شبحا مخيفا للأفراد والجماعات والحكومات؛ فالموارد المائية تتهددها الندرة، ومساحات كبيرة من الغابات معرضة للاختفاء، وغيرها من الكائنات الطبيعية  التي لم تسلم من هذه المخاطر فضلا عن ظواهر الاحتباس الحراري والأمطار الحمضية وتلوث مصادر المياه وسموم الصناعات ومخلفاتها ونفايات الرأسمالية المتوحشة. ومن ثمة أصبح مطلب “التوازن الإيكولوجي” رهانا أساسيا كي يستعيد المجتمع علاقته الصحيحة بالبيئة، ويرمم التصدعات التي خلفتها تدخلاته غير العقلانية وتدابيره غير الناجعة.

إن علاقة المجتمع بالبيئة تطرح إشكالات كثيرة، فإذا كانت الفلسفة الحديثة قد جعلت الإنسان مركز الكون، فألهته ومجدته، وأعطته المشروعية كي يسيطر على الطبيعة ويصير سيدا لها بالتعبير الديكارتي الشهير، ليحقق سعادته المزعومة ويشبع رغباته المادية بالأساس، فظل أسير التقنية بتعبير هايدغر[2]، ليكون أقدر على تحصيل أهدافه ومتطلباته، لكن على حساب المحيط ومجالاته الطبيعية، فاختل التوازن الذي يفترض أن يكون رهانا فكريا بالدرجة الأولى كي ينعكس على سلوكيات الإنسان وقناعاته. غير أن الواقع الاجتماعي يؤكد أن الهوة بين المجتمع والبيئة صارت عميقة، وأصبحت العلاقة متوترة، فالنظام الاجتماعي السائد بنمطه الاستهلاكي وعقلية فاعليه وايقاع تفكيرهم الأخلاقي يبين أن الأزمة الإيكولوجية مدعاة للتفكير الاجتماعي العميق، لمعرفة الأسباب السوسيولوجية ودراسة التداعيات على بنى المجتمع وأنساقه ومستقبلها، والتفكير كذلك في السبل الكفيلة باحتواء الوضع، قبل أن يستفحل أكثر ويزداد سوءا. ولا شك أن للحلقة العلمية دور كبير لا يستهان به في التنوير والتشخيص الموضوعي وتقديم التوصيات، ونروم من خلال هذه المقال تحليل أسباب التوتر بين البيئة والتنمية ومداخل بلورة خطاب بيئي ينصف الأجيال بتعبير راولز ويستعيد العلاقة السليمة بين مصالح الإنسان ومصالح الطبيعة.

1.البيئة بين النقد الفلسفي والرهان السوسيولوجي:

تعتبر البيئة منزلنا، نحن البشر، وحري بنا أن نهتم بسلامتها، كي تفي بكل وعودها للإنسانية جمعاء، لكن ما أن نفرط في صداقتنا معها، إلا ونجني من خيانتنا لها أشد الابتلاءات…، ويكاد يجمع الباحثون اليوم على أن منشأ هذا الخلل يعود إلى الإنسان الذي بلغت تأثيراته وضغوطاته على النطاق الإيكولوجي حد تحوله إلى قوة جيولوجية هائلة وفق تعبير إدوارد ويلسون[3]. لهذا السبب صار الموضوع محور نقد الفلسفة البيئية، من خلال فهم تأثير سلوكاته وقيمه وأنماط حياته على محيطه، في أفق بلورة تصور فلسفي بديل عن عالم أخضر خال من كل الأزمات والاضطرابات. وهذا لن يتأتى إلا بتعرية بشارة “الحداثة” المزعومة التي جعلت الإنسان مركز العالم بما تحيل عليه المركزية من معاني السيادة والسيطرة والتسخير والتأثير، مخلفة طبيعة مضطربة وبيئة مختلة وكوكبا متأزما.

إن علم الاجتماع كما يرى أنتوني جيدنز مصدر للتنوير[4]، لأنه يساعد على التحرر والتميز، وما يهم الباحث الاجتماعي في نظره هو أن يرى العالم بما فيه من مشكلات، حيث تستحيل موضوعات سوسيولوجية بعد بنينتها la  structurationبتعبير محمد الويز[5] أي حينما يتم إخضاعها لشروط المعرفة العلمية، ولاشك أن المشكلات البيئية هي مشكلات اجتماعية بالدرجة الأولى، لأن تفاعل المجتمع مع وسطه الطبيعي يخلف نتوءات في النظام الإيكولوجي الذي يحيط به، يمكن أن تهدد توازنه المادي، وهو ما قد ينعكس بشكل آلي على بنيات المجتمع وأنساقه والعلاقات بين الفاعلين الاجتماعيين فضلا عن نظام التفكير الاجتماعي السائد. إن دراسة البيئة إذن سوسيولوجيا يعني تحليل الأسباب والآثار الاجتماعية للظواهر البيئية[6] من قبيل التلوث والاحتباس الحراري والاستغلال المفرط للموارد الطبيعية، وتبذير المياه، والاستهلاك غير العقلاني لخيرات المحيطات وغيرها، أو بمعنى آخر التفكير النقدي في الظواهر الاجتماعية التي تخلفها تدخلات الإنسان في الطبيعة؛ التي تتعدد درجتها من مجتمع لآخر، حسب إيقاعه الاقتصادي والثقافي والسياسي، وتداعيات الأزمات البيئية على سلوكات الفاعل الاجتماعي، وآثارها الاجتماعية والثقافية، وانعكاساتها على منظومة المجتمع وقيمه وتمثلاته للعالم وغيرها من القضايا التي ينبري لها عالم الاجتماع بالنقد والفحص بالتعبير البورديوزي؛ إذ لا يكتفي بمجرد التحليل والتفسير السوسيولوجي أو الفهم التأويلي لسلوكات الأفراد، لكن يحاول مساءلتها منهجيا ونظريا، أو بتعبير عبدالكبير الخطابي  يقوم بتفكيك مفاهيم المعرفة السوسيولوجية[7] المنتجة وفحصها، كي تكون مؤهلة لتعبر عن حقيقة العلاقة بين البيئة والمجتمع، التي تحيل على علاقة الإنسان بالحياة، لذلك لا يمكن استسهال الجهود العلمية المبذولة، لاسيما النقدية منها، لتصبح البيئة ملاذا آمنا للمجتمع وليس شبحا مخيفا مهددا لمستقبله ونظام تفكيره وحياته الاجتماعية. يقول آلان تورين : “أن يكون المرء عالم اجتماع اليوم هو أن يتأمل شروط مجتمع جديد، والطريقة التي يمكن بها للأزمة والقطيعة من جانب والصراعات الاجتماعية من جانب آخر، أن تتَّحد جميعًا لوضع تنظيم اجتماعي وثقافي جديد، ومن العبث الحلم بمجتمع مثالي مع نسيان التمزقات والانقلابات التي توشك على الحدوث”[8]، من هذا المنطلق يمكن أن نعتبر التفكير السوسيولوجي في قضايا البيئة، بما خلفته من تمزقات اجتماعية واضطرابات اقتصادية، مدخلا نظريا مهما لوضع تنظيم ثقافي واجتماعي جديد يصحح العلاقة بين الإنسان ومحيطه الطبيعي، الذي يصير رأسماله الاجتماعي والثقافي بمجرد أن يتدخل في إدارته أو تسخيره لصالح إرادته. إذ إنه الفاعل الاجتماعي الصامت الذي لا يمكن أن نتجاهله في فهم المجتمع كمنظومة ثقافية تتأثر بشكل أو بآخر بالحتميات الطبيعية حينما تفرض عليه سلوكا اجتماعيا معينا أو تسهم في تشكيل عالمه الذاتي.

تصير إذن الظاهرة البيئية ظاهرة اجتماعية حينما تمارس قهرا وقسرا بالتعبير الدوركايمي على الأفراد، فتؤثر في نظام علاقاتهم الاجتماعية أو نمط حياتهم، وتسهم في تشكيل تمثلاتهم للعالم الاقتصادي من حولهم. فالظاهرة البيئية من حيث المبدأ هي ظاهرة فيزيائية طبيعية تمارس تأثيرا ماديا مباشرا على نظام الكون ونواميسه، لكن عندما تخضع للتدخلات البشرية المباشرة وغير المباشرة تغدو مطلبا سوسيولوجيا لأنها تعكس علاقة المجتمع بمحيطه الطبيعي، وبالتالي فالدرس السوسيولوجي مطالب أن يعي بحجم المشكلات التي تخلفها الأزمات الإيكولوجية في المجتمعات، من خلال نقدها ومساءلة أسبابها وتداعياتها، ودراسة موضوعية حصيفة لمختلف التجارب والبرامج التنموية الموجهة إلى حماية البيئة، لتوفير الأرضية العلمية المناسبة للتدخلات العقلانية المشروعة والمستدامة.

تأتي إذن السوسيولوجيا في سياق التحدي العلمي لما تتعرض له البيئة من تدهور وخدش معيب لا يليق “بالكائن الأخلاقي” الذي نسميه إنسانا بالتعبير الكانطي، لأن قيمة إنسانيته تتمثل في تقديره للواجب واحترامه لمحيطه المادي والمعنوي؛ إذ كلما تعمقت الهوة بينهما صارت الأطروحة الأخلاقية زعما مثاليا ورهانا طوباويا، وبالتالي لا محيد عن تخليق العلم كي يكون أكثر تعبيرا عن هواجس المجتمع الفاضل، ويستعيد توازنه القيمي الذي يمكن أن يواجه به تحديات العصر وديناميته الثقافية السريعة.

في الوقت الذي أعلن فيه العالم انتصاره على الطبيعة وأحكم قبضته على مقوماتها ونواميسها، تبين أنه لم يزد منظومته  الثقافية إلا تفككا  واضطرابا بتعبير سيرج لاتوش[9]، إذ إن تطوير التقنيات وتحرير الفرد والسير نحو اقتصاد الرفاه وغيره من مقولات السعادة المزعومة، جعلت الإنسانية تؤدي الثمن باهظا، ليس فقط على مستوى قيمها الأخلاقية التي التحقت بسوق السلع، وجردت من جوهرها، ولكن في النظام الإيكولوجي الذي يفقد توازنه كلما اختلت موازين البناء الاجتماعي وحادت المنظومة الاقتصادية والثقافية عن مساراتها الأخلاقية لتلتهمها “الماكينة الرأسمالية” وتنتشر قيم التسليع من أنانية مادية وإفراط استهلاكي وتتم رأسملة العلاقات والحياة الاجتماعية، لتصير البيئة المجال المادي الذي يخلد هذه الفلسفة بآثارها ومخلفاتها. وعل هذا ما يؤكد الحاجة الملحة لما أسماه إدغار موران “بالثقافة الكوكبية”[10] التي تحرر المجتمعات من تقوقعها وانغلاقها، وتكسر حواجزها الأيديولوجية لتفكر في الآخر وحياته، في أفق التشبع بما سماه الإمام ياسين “بالأخلاق الكوكبية”[11] لتواصل سفينة الإنسانية مسيرتها في إطار من التسامح والتراحم والتعارف والتواصل بين الإنسان وأخيه الإنسان. حينها يمكن للبيئة أن تحظى بتقدير الإنسان واحترامه أنى كان، وكيفما كانت مرجعيته الثقافية والأيديولوجية.

من مؤشرات اضطراب العلاقة بين المجتمع والبيئة نلفي ما سماه مقبول بمرض المدينة أو تشوهات حياتنا المدنية التي تعتبر في نظره نتيجة مباشرة للإقبال على المدينة من دون تخطيط أو تفكير[12]، فمجالاتها البيئية والاجتماعية أضحت تعكس كل اختلال في منظومة المجتمع؛ إن على مستوى قيمه ونظام تفكير مكوناته أو تدبير إشكالات هذا العمران الاجتماعي؛ ففي الوقت الذي ينتظر فيه أن يكون “المجال الحضاري” مجالا إيكولوجيا يلبي حاجات الأفراد ويستجيب لمطالبهم ويؤمن حياتهم الاجتماعية والاقتصادية، صار مصدر “الأزمة البيئية” واختلال التوازن الإيكولوجي بسبب النظام الاستهلاكي السائد، ونسق التصنيع وبنيته الإنتاجية المفرطة، وتلوث الهواء والفكر والنظر، وتداعيات ذلك على العلاقات الاجتماعية والإيقاع السريع للحياة الحضرية. من هذا المنطلق بات من الضروري نقد “المركزية البشرية” anthropocentrism لأنها أساس الأزمة البيئية كما تقول الإيكولوجية العميقة deep ecology، لذلك لابد من كبح جماح السلوكات البشرية وتقنينها وتأطيرها أخلاقيا وقانونيا، لتكون في خدمة البيئة ويصير الإنسان صديقا لها، لا عدوا مستنزفا لخيراتها.

إلى جانب هذا الرهان الفلسفي الأخلاقي الذي نادت به توجهات فلسفية عديدة في الغرب وغيره، يمكن الإشارة في هذا السياق أن التفكير السوسيولوجي في البيئة ومداراتها الاجتماعية ينخرط في سياق مساءلة “المسؤولية الاجتماعية للأفراد” عن هشاشة الرابط القيمي بين المجتمع الاستهلاكي والمحيط، وأسباب هذا التراخي الأخلاقي في تقدير الطبيعة ومقوماتها، والبحث عن تفاصيل ذلك في الحياة اليومية، وتأتي السوسيولوجيا كذلك لتضع التنمية البيئية في سياقاتها الصحيحة والمناسبة، إما عبر نقد النظريات التنموية الغربية التي تكرس واقع التبعية الثقافية والنماذج الاقتصادية الغربية، أو عبر مناقشة ابستيمولوجية لشروط التنمية ومنطلقاتها في إطار معرفة تنموية تستوعب ثالوث المجتمع والاقتصاد والبيئة، وتخضع لمعادلة التوزان بين متطلبات المجتمع والسياسات الاقتصادية ومقومات البيئة السليمة. مما يتطلب حسب توماس بيري نقد ثقافة الاستهلاك السائدة التي تدعمها المنظومة الاقتصادية المكرسة إعلاميا واجتماعيا، لتحيا العلاقة من جديد بين الإنسان والكوكب، ويقاوم المجتمع كل إيكولوجيا ضحلة وأنانية استهلاكية وخيمة العواقب، في أفق بلورة فلسفة تنموية مستدامة تجيب عن الإشكالات الاقتصادية والبيئية والاجتماعية، أو فلسفة إنسانية تؤمن بالأخلاق البيئية، كرهان يفرض نفسه في مجتمعاتنا المعاصرة للاهتمام بالمجال الحيوي والإنسان على حد سواء كما يقول مايكل زيمرمان[13] ، لاسيما في ظل التطورات التقنية التي رفعت من درجة تأثير الإنسان على محيطه الطبيعي.

2.جدل التنمية والبيئة:

البيئة هي حيثما نعيش جميعا، والتنمية هي ما نفعله جميعا في السعي لتحسين حياتنا في هذه البيئة. وهذان المفهومان متلازمان لا ينفصلان[14] من حيث المبدأ، لكن الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي يظهر التوتر القائم بينهما، وعدم انسجامهما  كما تؤكد الوقائع من حين لآخر؛ إما لأن فلسفة التنمية لا تراعي الاعتبارات البيئية، أو لأن هذه الأخيرة لا تسعف الإنسان في السياق الاجتماعي على تحقيق متطلباته. إن هذا الاضطراب المفتعل بين الفعل التنموي الإنساني والمعطى البيئي يحتاج إلى مصالحة أخلاقية ناجزة لتعود العلاقة إلى سلامتها. ويتبدد التوتر الحائل دون بيئة تنموية صالحة للإنسان ومحيطه.

لم يكن هذا الإشكال جديدا في مجال البحث، لكن الاهتمام به قديم،  خصوصا وأن التحديات البيئية التي تطرحها إشكالية التنمية ليست هينة، إلى أن استحال الحديث عن فلسفة التنمية ضربا من الوهم في ظل ما تخلفه منهجيتها من توتر في توازن المجتمع واختلال في بنائه الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وبالتالي فالنظر إلى الديالكتيك القائم بين التنمية والبيئة أصبح من المداخل الأساسية لإقرار فلسفة إيكولوجية تحمي هذا الكوكب وتداوي آفاته الطبيعية البشرية، لكن ما هي التنمية الكفيلة بتحقيق هذا الرهان الإيكولوجي ؟ هل التنمية المستدامة بإمكانها المساهمة في تشييد دعامات التوازن البيئي ؟ هل يمكن للفكر البيئي أن يؤطر مقولات التنمية لاسيما في البلدان الصناعية ؟

مما لا مرية فيه أن التنمية خلقت لتخدم الإنسان وتحميه وتذود عن مستقبله وتلبي حاجاته وتشبع رغباته، وتعتبر البيئة المجال الطبيعي الذي يسخره  المجتمع الإنساني ليحقق ما يتوق إليه، فهي المادة الأولية لكل تحدي تنموي والوسط الذي لا يمكن تصور المشاريع التنموية خارج دائرته، لكن لما اختلت الموازين فصارت “الفلسفة التنموية” ألذ أعداء البيئة والتنمية على حد سواء، بتنا نتحدث عن الفكر البيئي أو الإيكولوجيا العميقة للحد من عنف الإنسان وعدائه للطبيعة، واستغلاله المفرط لخيراتها. إن الحفاظ على البيئة هو أجل خدمة يمكن أن تسدى للإنسانية جمعاء، ومن الوهم الاعتقاد بأن ذلك يعوق جهود التنمية ويحول دونها كما يقول كمال طلبة[15]، إذ إن فلسفة التنمية الحقيقية في نظره هي التي تحقق التوازن بين البيئة والموارد والمجتمع والتنمية، فكل ما يصيب البيئة المادية لن يسلم منه الإنسان في أي مكان، وبالتالي فالمعركة كوكبية ولا تخص بلدا دون آخر، وهذا يحتم على الدول التي لا تراعي الاعتبارات البيئية في جهودها التنموية أن تستفيق من وهدتها، لأن العالم لا يحتمل مزيدا من الاختلالات الاجتماعية والبيئية غير المسؤولة. لاسيما وأنه صار في عصر “الحداثة السائلة” قرية كونية بتعبير باربرا جاكسون، وبالتالي فتوجيه البوصلة التنموية لتعالج قضايا الفقر واللامساواة الاجتماعية والاستنزاف المفرط للموارد الطبيعية وعقلنة تدبيرها، وغيرها من الواجهات التي لابد من اتخاذها كمداخل أساسية لتنمية مستدامة حقيقية[16].

إن التنمية التي نتحدث عنها في هذا السياق، هي عملية التغيير المجتمعية الواعية ذات الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية الهادفة إلى رفع مستوى معيشة الفرد وشعوره بقيمته ومكانته في المجتمع؛ وهي كذلك التنمية التي تفكر في مستقبل الأجيال القادمة، تلك التي تحمل هم المستقبل المشترك، إنها التي تسائل جشع الأنظمة الاقتصادية وتدعو إلى الحد من استنزاف خيرات الكوكب، وتسعى إلى إقرار عدالة إنسانية كونية مستدامة تستجيب لحاجات الأمم الحالية دون أن تلحق الضرر البيئي بالأجيال اللاحقة.  ولا شك أن هذا النضال التنموي لا ينفصل عن النضال السياسي[17]، بل هو جزء من المعركة الحقيقية نحو مستقبل إنساني آمن، إذ إن مشكلات الاستدامة وثيقة الصلة بهياكل الاقتصاد والسلطة في المجتمع، لذلك تتطلب التنمية المستدامة تحولات جوهرية[18] في المجتمع بمختلف واجهاته وأنساقه الثقافية والاجتماعية والسياسية ومنظومته الاقتصادية والصناعية.

إن البيئة والتنمية وجهان لعملة واحدة، فكليهما يؤثر في الآخر، وطبيعة التأثير ودرجته مرتبط بعوامل عديدة، تشمل السياسة الرسمية والمنظومة الاقتصادية والثقافة الاستهلاكية والإنتاجية السائدة، فضلا عن نسق القيم التي تتحكم في وعي الإنسان وضميره الأخلاقي، فالمسؤولية البيئية بقدر ما هي جماعية ومؤسساتية فهي كذلك فردية وذاتية، ومن ثمة فتوثيق العلاقة بين البيئة والتنمية يستوجب رؤية شاملة وبنيوية تستحضر موقع كل واحد في تحقيق الرهان المنتظر؛ من جهة المجتمع السياسي باعتباره كائنا منظما يجسد الإرادة العامة؛ إذ منه تصدر القرارات الرسمية والتدابير اللازمة، ثم الأفراد كفاعلين اجتماعيين أساسيين في تفعيلها وتوفير الشروط الذاتية لنجاحها، فضلا عن مؤسسات المجتمع المدني لتدبير الجهود وتنظيمها بما يساهم في ترسيخ وعي تنموي يحمي البيئة من عسف الإنسان وسلطته.

إن التنمية كفلسفة في التغيير والنهوض بشؤون الإنسان، لا تنفصل إذن عن أدلوجة المجتمع ونظامه الفكري، بل تعبر عن اختياراته الثقافية وتعكس ميولات أفراده وطموحاتهم، أو هكذا ينبغي أن يكون، حتى تنسجم التنمية مع المجتمع وقيمه ومنظومته الثقافية، لكن عندما تتعطل هذه الخلفية النظرية والعملية تستحيل “التنمية” وعاءا فارغا بلا روح، أو صنيعة ممتنعة بتعبير ياسين لأن القاع مخروم، ويحتاج لأرضية قيمية صلبة تؤسس لتنمية فعلية تتجاوز “أزماتها” البنيوية التي رسختها “المركزية الإنسية” في الغرب كما يقول إدغار موران[19] ، ومن ثمة السعي نحو التخلي عن الأفكار الزائفة التي علقت بها لردح من الزمن، وأهمها الربط الحتمي بين النمو الصناعي والتنمية البشرية-الاجتماعية، في غياب تام للوعي إلإيكولوجي الذي يشكل جزءا هاما في مغامرة التنمية حسب موران دائما.

إن الأزمة الإيكولوجية في نظر موران ما هي إلا عرض وتجلي من تجليات الأزمة الحضارية والخلل الذي أصاب نظام تفكير المجتمعات ومنظومتها الثقافية؛ فما كنا نزعمه أساس التقدم والنماء والرفاهية والسعادة، صار مصدر الآلام والآفات والأزمات، إنها التنمية التي لم تعد سوى أسطورة تاريخية إلى جانب جيرانها العقل والعلم والتقدم، وزعيمتهم الحداثة، فباتت الحجة ملحة لفلسفة أخرى تنقذ الإنسان من صخب الحضارة المادية الزائفة والأنانية الاستهلاكية المفرطة التي عاثت في محيطه كسادا. يقول إدغار موران: “إن أزمة التنمية لا تكمن فقط في أزمة الأسطورتين الكبيرتين للغرب الحديث: غزو الطبيعة (الموضوع) من قبل الإنسان (الذات/ سيدة العالم) ، وانتصار الفرد البورجوازي المعزول. إنه تعفن النموذج الإنساني – العقلاني للإنسان الذكي / صانع الأدوات، حيث كان يعتقد أن العلم والتقنية سيحققان ازدهار النوع البشري”[20].

كانت التنمية في الغرب مرتبطة بسيادة الإنسان وسيطرته على الطبيعة، وباتت مقرونة بالتطور العلمي والصناعي والازدهار الاقتصادي، وبالتالي كان هدفها الأساس هو محو كل الفروقات الاجتماعية ومحاربة كل أشكال التخلف الثقافي كي يسعد الإنسان ويتحرر من بؤس “القروسطوية”، لكن هذه البشارة الحداثية لم تكن مجرد عاصفة فكرية غربية عابرة لم تدم طويلا لتفي بوعودها للإنسان الغربي الحديث، فصارت “التنمية” من أكثر المفاهيم التباسا وحساسية وغموضا في رهاناتها وأهدافها، ليس في الغرب فقط، بل في كل مناطق العالم، فالمفارقات العديدة التي تحملها فلسفتها الثقافية والاجتماعية، تظهر أكثر حينما نستحضر “السؤال الإيكولوجي” الملح، الذي يخفت لما تتعالى الأصوات الصناعية والإنتاجية غير آبهة بتنمية المشترك الطبيعي وحماية الكوكب من تناقضات المجتمع البشري، وبالتالي فأي رهان تنموي منتظر لا يتفاعل إيجابا مع المطلب الإيكولوجي لا يهدف سوى لتعميق الأزمة الإيكولوجية واختلال البناء الاجتماعي وتكريس التفاوتات الاجتماعية وكل أشكال اللاعدالة في الاستفادة من الخير العام. لهذا السبب يرى فلورنس رودولف Florence Rudolf أن الأزمة الإيكولوجية ما هي إلا مظهر من مظاهر انسداد أفق الحداثة[21] التي بشر بها الغرب العالم،  بالنظر لما خلفته من منظومة إنتاجية وتحديثية وقيمية لا تراعي البناء الاجتماعي للبيئة وأسسه الثقافية. إذ صارت مقولات السيادة والسيطرة والتحكم غير ذي جدوى في ظل نسق إيكولوجي كوني مضطرب، حيث تحولت علاقة الإنسان بمحيطه إلى معترك لفرض الوجود بإيقاع أحادي منفعي لا يبالي بالمستقبل المشترك للإنسانية.

ما فتئت التقارير الأممية والدراسات الاقتصادية والمستقبلية تؤكد بأن التنمية المستدامة قضية أخلاقية وإنسانية ترتبط بمصير المجتمعات والأمم، لذلك فهي ضرورة استراتيجية وحاسمة يلزم الوعي بها والتفكير في مقتضياتها لتغدو واقعا إيكولوجيا متوازنا. والتخلص من رهنها بالحسابات السياسية والاقتصادية والمصالح المادية للجهات النافدة في الدولة التي ليس من اليسير أن تقتنع بتغيير أفكارها ومعتقداتها، لذلك فرهان “الاستدامة” قد تحول دونه تحديات كثيرة قد تكون قيمية وثقافية، وبالتالي فتغيير نمط الإنتاج الاقتصادي وفلسفة العمل لا تتطلب فقط قرارات سياسية أو اقتصادية، رغم أهميتها، لكن تستوجب كذلك حلولا تربوية وتعليمية حول تدبير المحيط وتأطير العلاقة بين الإرادة البشرية ونسق الطبيعة. كي يتحقق الاندماج الاجتماعي الكامل للأفراد في منظومة المجتمع ونسقه الثقافي العام. وأهم مؤشرات هذا الانسجام هو إيمان الجميع بضرورة حماية الكوكب من أي اضطراب أو اختلال، كي يضمن أهله حياتهم الطبيعية في أمن وسلام.  وهو ما يعبر عنه عبادي بقوله: “وجب أن نَخْضَرَّ جميعا من أجل أن ننقد بيئتنا”[22]، في سياق حديثه عن اخضرار العلوم والدراسات. ويبدو أن الإنسانية بحاجة إلى وعي أخضر يقوم علاقة الإنسان بالطبيعة، لنهتم بها جميعا كملاذ مشترك لا محيد عن الاعتناء به لتسلم الأسرة البشرية من كل توتر يهدد سلامة عمرانها الاجتماعي.

3.الخطاب البيئي ونقد الحداثة:

لا يمكن الحديث عن تنمية مستدامة حقيقية دون العودة لجوهر الأزمة ومسار تشكلها، فبداية الوعي بأهمية المسألة البيئية وموقعها في المنظومة الفكرية والثقافية الغربية، لم يكن إلا عبر مسار نقد “أوهام الحداثة” وفلسفتها القاضية بسيادة الإنسان في العالم وإعطاء المشروعية لمركزيته وتأكيد قيمة مداركه العقلية وغيرها من العناوين التي تؤطر علاقة الإنسان بالعالم والطبيعة على وجه الخصوص وفق نموذج “الحداثة”، لكن هذه البشارة الفلسفية الغربية لم تحقق كل الطموحات المنتظرة لتسعد العالم وتحرره من ربقة التفكير الأسطوري والتفسير الميتافيزيقي لظواهر الطبيعة، فهي وإن كانت قد أعلت من شأن العلم وقدرت العقل  تقديرا مبالغا فيه، بل وألهته، إلا أن هذه الثورة العقلانية والعلومية فتكت بنظام المجتمع وتوازن البيئة، حينما شرعت لنظام رأسمالي إنتاجي لا يؤمن سوى بمنطق الربح ولغة المال، ليخلف أزمات اجتماعية كثيرة وضعت الحداثة على مشرحة التفكير والمساءلة، بالنظر للأزمات الأخلاقية التي تنخر بنيتها. في هذا السياق ينتقد السوسيولوجي الألماني هوركهايمر العقلانية وممارستها العملية حيث اعتبرها عقلانية هشة وزائفة حالما توجد في خدمة لاعقلانية الربح والعدد. وبالتالي أصبح العقل الأداتي وسيلة للاضطهاد وفرض الهيمنة، لا لإنصاف الإنسان وحماية محيطه. من هنا يتقاطع الخطاب البيئي مع نقد الحداثة وتجلياتها العملية وقيمها الفلسفية، فالعتمة التي ينتظر أن تضيئها الحداثة المزعومة، صارت أكثر غموضا لما استحالت في خدمة الأقوياء على حساب الضعفاء، لتصبح منهارة اليوم بتعبير آلان تورين[23]، لأنها لم تف بوعودها للإنسان. ولأن “المجتمع العقلاني المزعوم” الذي تقوده “النزعة العلموية” لم يحقق مزاعم السعادة والرخاء والحرية والإنسانية في ظل “أزمة معنى” فعلية تنخر الحضارة الغربية مخلفة في أوساطها الاجتماعية خواء روحيا واضحا.

إن أسلحة الحداثة فتاكة لا تفتك بالإنسان فقط بل مجهزة بالطبيعة كذلك، ويحدد ياسين هذه الأسلحة في ثلاثة: ” سلاح النقد الذي تُشَغِّله الإيديولوجية الحداثية، والسلاح الرأسمالي الذي يعبد صنم الربح، والسلاح المادي لإخلاء الطريق أمام الرأسمالية والأفكار التي تبنيها”[24]. وتزداد فلسفة الحداثة إجهازا وتوحشا حينما ترعى السياسة الاستعمارية التوسعية لتذكي المنافسة الضارية بين القوى الشرسة المتحكمة المتسارعة على من يحكم أكثر وينتج أشد الأسلحة فتكا ودمارا.

خلقت الحداثة إذن في نظر نقادها[25]  أزمة حقيقية في معنى الوجود الإنساني؛ إذ عمقت الهوة بين الإنسان والطبيعة، لذلك لم تسلم من انتقاداتهم لأسسها وفلسفتها العملية، وتفكيك منطلقات العقلانية المادية، وواجهاتها الأداتية التي يُزعم أنها حررت الإرادة الإنسانية المبدعة لتحقيق الذات وسيادتها المطلقة،  لكنها برأي أدورنو ظلت مستلبة وعاجزة عن فهم ما يجري من حولها وتحول العقل إلى “أداة استئصالية وشمولية” أو “عقل تكنولوجي” منفعي يرضخ للحضارة المادية الصاخبة، وفي أتون هذا النقد السوسيولوجي ظلت “الحداثة” تعيش على وقع التناقضات، مما سرع بانهيارها لتحل محلها “الحداثة الثانية” أو الحداثة الفائقة متجاوزة سابقتها. ما يهمنا في هذا الصدد هو تبيان أن تحقيق رهان التنمية البيئية لا يتطلب فقط جهودا مؤسسية، لكن كذلك ثورة فكرية موازية في عوالم الاقتصاد والإنتاج ونمط الاستهلاك وحياة الرفاه، لاسيما وأن هذه النماذج الاجتماعية لا تعكس سوى تجليات الفلسفة السائدة لردح غير يسير من الزمن في الغرب وفي غيره من أصقاع العالم الذي يستورد الوصفات الاقتصادية غير مبال بتبعاتها الاجتماعية والثقافية والإيكولوجية.

يعتبر إذن الخطاب البيئي بمثابة خطاب ثقافي ممانع هدفه حماية الكوكب المشترك وتعزيز فرص الاستفادة من خيراته بشكل عادل عبر طرد كل أشكال النفايات الملوثة للبيئة، ليس فقط المادية المألوفة بل الفكرية كذلك التي خلفت تبعية ثقافية استهلاكية غير مسؤولة وحررت الاقتصاد العالمي ليتخلص من الموانع ويسيح في الأرض من شرقها إلى غربها، وبذلك يتم إخلاء السبيل للعقل حسب تورين[26] ليحقق مبتغاه الحداثي، وعلى أساس هذا النقد الإيكولوجي انتقلت البيئة من موضوع للفعل البشري الحداثي إلى فاعل يجب احترامه في ذاته، ومن ثمة إعادة التوازن في العلاقة بين الإنسان والطبيعة، عبر إعادة الاعتبار للدور الحيوي لمقومات هذه الأخيرة، واحترام توازناتها الخاصة ودورها في تواصل الوجود البشري، إذ كلما اختل التوازن بين الفيزيائي والكيميائي والبيولوجي والبشري، تختل معه حياة الإنسان، بل قد تنتفي أصلا”[27].

يحمل الخطاب البيئي إذا، بعدا قيميا، من حيث كونه يعتبر معركة أخلاقية كونية ضد الاستغلال المفرط للموارد الإيكولوجية، والاستنزاف المستدام لخيرات الطبيعة، الذي قد يلحق الضرر بالأجيال اللاحقة، وتحرم من حقها في بيئة آمنة ومستقرة تستجيب لحاجياتها، وهذا يؤكد ضرورة التفكير الجدي في سبل إقرار ضمانات عدالة بيئية تنصف الأجيال كلها كما يرى راولز، وتصحح العلاقة المختلة بين المجتمع والبيئة. وعلى هذا الأساس يقوم الخطاب البيئي على التأسيس لأخلاق الواجب ليتحمل الإنسان مسؤولية ما يقوم به، ويتخلص من التفكير الربحي الحر والأنانية الاستهلاكية المفرطة، ويسخر التقنية والعلم ليخدما هذا الرهان الأخلاقي المنتظر، لا أن يكونا أشد أعدائه. وفي السياق ذاته يؤكد الاقتصادي جيمس توبن،  أن “عدالة الأجيال” هي الحارس الاستراتيجي لمستقبل الإنسانية، والمدخل الأساسي لإدارة الحاضر بعقلانية، بما يضمن لجميع الفئات مواردها وخيراتها، في إطار مصالحة شاملة بين المصالح الإنسانية والمصالح الطبيعية، وبين الحاضر والمستقبل. وهذا يستوجب، ما يسميه إرنست بلوخ بالوعي الاستباقي، كي يتمكن الإنسان من  تجاوز عثرات ماضيه وامتلاك تفكير استراتيجي ينير عتمات الهشاشة ومطباتها في علاقة الإنسان بعالمه الخارجي. إنها لحظة نقدية لابد منها كي يستعيد المجتمع الإنساني بوصلته في تفاعله مع الحياة كمقوم أنطولوجي تشترك فيها الكائنات جميعا. إنها ملك للجميع ويحق للكل أن يحيا كما يريد، وبالتالي فكل تجاوز يمكن أن يلحق دائرة التمتع بهذا الحق الطبيعي الأصيل، يمكن أن يشكل تهديدا مباشرا لحاضر الإنسانية ومستقبلها. وهو ما يتطلب كما أسلفت الذكر، عدالة بيئية تحمي الوجود الطبيعي من أي أذى معيب.

في سياق هذه العدالة البيئية برز ما يسمى بالتنمية المستدامة كرهان إنساني بالدرجة الأولى، كي يخلص السياسات الاقتصادية الرسمية من مقارباتها الكلاسيكية، ليستعيد المجتمع توازنه بإقرار ثقافة بيئية كونية تتجاوز الزمان والمكان لتفكر في الإنسان وحياته في المستقبل، وتخفف من حدة تدهور المحيط الحيوي بفعل تطور الحضارة التكنولوجية ونسق التحديث التقني. من هذا المنطلق، لم يعد الحفاظ على البيئة مطلبا علميا فقط، بل صار مطلبا سياسيا وحقوقيا في ظل بروز جيل جديد من الحقوق البيئية التي تعتبر البيئة فاعلا أساسيا في معادلة الحياة يلزم احترامه وتقديره كباقي الكائنات الأخرى. وأمست البيئة تتصدر مطالب الحركات الاجتماعية والسياسية ومختلف الفاعلين المدنيين كما هو الحال في أمريكا في بداية الستينيات من القرن العشرين ليستمر إلى الآن في كل بلدان العالم. مما يلزم الحكومات المحلية بضرورة مراعاة الاعتبارات البيئية في صياغة البرامج الوطنية والمشاريع التنموية، وهي الخطوة التي لا تزال تراوح مكانها في العديد من دول العالم، إما بسبب عدم استقلالية قراراتها الاقتصادية والسياسية، أو لوجود بنية سياسية واقتصادية منغلقة لا تجرؤ على تفعيل مقتضيات التنمية المستدامة، خوفا على مصالحها الإنتاجية ومآربها.

لكي تفرض الدول قيودا على بيئتها الاقتصادية، لا تحتاج فقط إلى الاقتناع بما تستوجبه التنمية المستدامة من إجراءات وقرارات جريئة، لكن تحتاج كذلك إلى انتقال سياسي موازي يؤمن بالعيش المشترك والتوزيع العادل للخيرات، وأهمها الموارد الطبيعية التي تُستنزف بلا رقيب أخلاقي، ومن ثمة يلزم أن تفكر في سياسات اقتصادية بديلة صديقة للبيئة؛ مما سيساهم في التخفيف من حدة الاستهلاك وحياة الرفاه والرغد المفرط. وفي السياق نفسه تحتاج لمنظومة اقتصادية مستقلة ومتحررة من نير التبعية وربقة الاستهلاك الأعمى للنماذج التنموية المستوردة بلا مساءلة ولا نظر.

ينتقد ياسين التنمية الاستهلاكية السرطانية، معتبرا اياها نمط جاهلي مبني على التبذير والتكاثر وإفساد البيئة، إذ هي إفراز للرأسمالية العادية[28]، ويصبح لهذا النقد معنى في نظره حين تتحرر الإرادات وتحصل العلوم والصناعات، وحين يتم الاستغناء عن استيراد الخبرات والتقنيات[29]، في سياق منظومة اقتصادية إسلامية تكرم الإنسان والبيئة على حد سواء، فالدول وإن كانت مقتنعة مبدئيا بمقتضيات الخطاب البيئي والأهمية القصوى للتنمية المستدامة، إلا أن هذا الاقتناع يظل حائلا ما لم ترفده إرادة سياسية حقيقية وقرار اقتصادي مؤثر في الاختيارات البيئية وموجه لتدخلات الإنسان.

خاتمة:

في خاتمة هذه المقالة يمكن التأكيد على أن دراسة المسألة الإيكولوجية أصبح رهانا ضروريا، لا يمكن الاستنكاف عنه لتضمن المجتمعات سلامتها في الحاضر والمستقبل، فالتنمية بقدر ما هي خيار مجتمعي ضروري للأمم لتنفض عنها غبار التخلف والركود، فإنها كذلك مزلق اقتصادي وتحدي إنساني كوني كبير، حينما تستحيل شبحا مخيفا مهددا للبيئة ومقدراتها مجهزة على حقوق الأجيال الصاعدة. وبالتالي فتشييد نموذج تنموي أخضر، قمين ببلورة رؤية شاملة تبدأ بمعرفة الأسباب الفعلية التي أدت إلى هذا التوتر الحاصل بين البيئة والتنمية والذي يعتبر الإنسان محورها، كما تؤكد العديد من الأنساق الفلسفية والنظريات السوسيولوجية، وتواصل بنقد الحداثة الاستهلاكية وأوهامها الرأسمالية ومختلف مخلفاتها القيمية والثقافية المنتشرة، فضلا عن مساءلة البنى الاقتصادية والسياسية التي تستورد النماذج التنموية دون أية اعتبارات إيكولوجية، عدا مصالح الأقوياء وأصحاب القرار.

إن الحاجة ماسة إلى خطاب بيئي ينصف الأجيال بتعبير جيمس توبن، وهذا لا يتطلب فقط سياسات اقتصادية خضراء، لكن كذلك لثورة أخلاقية فعلية تكبح جماح الأهواء والميول، وتنهي أمد الأنانيات الاستهلاكية، وتصحح العلاقة بين الإنسان والطبيعة في إطار منظومة مجتمعية متكاملة تقدر فيها الثقافة السائدة العيش المشترك بما يعنيه من تقدير للآخرين وحقوقهم البيئية، وتصير فيها السياسة المحلية والدولية الحارس الاستراتيجي لكل تجاوز قانوني غير مشروع، فضلا عن تشجيع اقتصاد إيكولوجي يحمي الكوكب من الانهيار ويحمي معه الإنسان وباقي مكوناته.

أخيرا يمكن القول إن الحضارة الاستهلاكية التي ترعاها الحداثة الفيلسوفة غير صالحة لقيادة البشرية إلى مرافئ الأمان، إذ لا تعتبر المجتمعات المستضعفة إلا مساحات شاسعة لنفاياتها وسمومها الاقتصادية ومختبرات لتجريب الوصفات، في إقصاء تام للآخر وحقوقه، ومدخل أي خطاب بيئي موازي يجب أن لا يغفل هذا التقاطع الواضح بين الأزمة الإيكولوجية المستفحلة والنقد الأخلاقي لأسس الحداثة وقيمها الرأسمالية وفلسفتها في التحديث والتصنيع والإنتاج والربح وحياة الرفاه وغيرها من المقولات الملازمة لها. يقول مقبول: “آفات تلويث البيئة وظلم الإنسان وتفاقم الفجوة بين الأغنياء والفقراء. قضايا تحتاج أن تناقش وتحل بأخلاق كوكبية تزم النزوات الاستغلالية الرأسمالية وتنشر العدل والسلام”[30].

أي انتصار إذاً، يمكن أن ننسبه للعقل الحداثي، في ظل الأزمات البيئية التي عمقت جراح المجتمعات وهددت سلامة الأجيال وحقوقها الطبيعية ؟ وهل تبعاته التنويرية المزعومة هي تهديد المستقبل المشترك والتمركز حول الذات وإقصاء الآخر أم هي تحرير الرأسمالية المتوحشة لتفتك أكثر بمقدرات الإنسانية ؟

إن أهم مظاهر الأزمة في نظر غيدنز هو أن تفقد الإنسانية ثقتها في المستقبل، لأن المخاطر البيئية والمجتمعية تزداد شساعة. وهذا  وحده كفيل بأن نعي حجم ما يتربص بنا.

لائحة المراجع:

  • تورين، آلان. نقد الحداثة، ترجمة: أنور مغيث، المجلس الأعلى للثقافة (المصري) بشراكة مع المشروع القومي للترجمة، 1997.
  • جيدنز، أنتوني. علم الاجتماع، ترجمة فايز الصياغ، المنظمة العربية للترجمة، ط1، 2005.
  • حيدر، خضر. مفهوم التقنية: دلالة المصطلح ومعانيه وطرق استخدامه، الاستغراب، ربيع 2019.
  • الخولي، أسامة. البيئة وقضايا التنمية والتصنيع، عالم المعرفة، عدد 285، 2002.
  • زيمرمان، مايكل. الفلسفة البيئية: من حقوق الحيوان إلى الإيكولوجية الجذرية، ترجمة معين شفيق رومية، المجلس الوطني للثقافة و الفنون والآداب – الكويت، 2006.
  • العيسوي، إبراهيم. مراجعة كتاب تدريس التنمية المستدامة: التحديات الأخلاقية والسياسية، عمران، العدد31، 2020.
  • كاترين فان بويك وليف أوستمان ويوهان أومان، تدريس التنمية المستدامة: التحديات الأخلاقية والسياسية،أكسفورد: روتليدج؛ نيويورك: أبنجدون، 2019 .
  • كامل عارف، محمد. مستقبلنا المشترك، منشورات عالم المعرفة، عدد142، الكويت، ـأكتوبر 1982.
  • اللجنة العالمية للبيئة والتنمية، مستقبلنا المشترك، ترجمة محمد كامل عارف، عالم المعرفة، عدد142، 1989.
  • مقبول، إدريس. المدينة العربية الحديثة: قراءة سوسيولسانية في أعراض مرض التمدن، عمران، العدد16، 2016،
  • ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ما وراء السياسة، إفريقيا الشرق، 2016.
  • موران، إدغار. تنمية أزمة التنمية، ترجمة مصطفة ناجي، اطلعت عليه يوم 30/03/2020 على هذا الرابط: https://elmawja.com/blog/%D8
  • نينة، عبدالكامل. إدغار موران: نحو ثقافة وهوية أرضية [المجتمع الكوكبي، موقع كوة، نشر بتاريخ 9 يونيو 2019. اطلعت عليه يوم 21/03/202 على هذا الرابط: https://couua.com/2019/06/09
  • الويز، محمد. المنهج السوسيولوجي، دراسات، العدد14، 2011.
  • ياسين، عبدالسلام. الإسلام والحداثة، دار الآفاق، 2000.
  • ـــــــــــــــــ حوار مع الفضلاء الديموقراطيين، مطبوعات الأفق، ط1، 1994.

 

 

  • Khatabi, «Sociologie du monde Arabe: Positions,» BESM, no. 126 , 1975.
  • Latouche, S. l’occidentalisation du monde, la découverte, Paris, 2005.
  • Philippe,B. L’apport de la sociologie de l’environnement à l’analyse des modes de vie. Contextes et perspectives, in  Dobré & S. Juan (dir.), Consommer autrement. La Réforme écologiques des modes de vie, Paris, L’Harmattan, Coll. Environnement, 2009..
  • Rudolf, F. La sociologie de l’environnement ou le naturalisme revisité, Socio-Logos, n° 12 ,O 2017…
  • Touraine,A. Lettre à une étudiante, Paris, Seuil, 1947.

 

 

 

 

[1]  باحث في علم الاجتماع.

[2] حيدر، خضر. مفهوم التقنية: دلالة المصطلح ومعانيه وطرق استخدامه، الاستغراب، ربيع 2019، ص 184-300.

[3]  زيمرمان، مايكل. الفلسفة البيئية: من حقوق الحيوان إلى الإيكولوجية الجذرية، ترجمة معين شفيق رومية، المجلس الوطني للثقافة و الفنون والآداب – الكويت، 2006. (مقدمة المترجم).

[4]  جيدنز، أنتوني. علم الاجتماع، ترجمة فايز الصياغ، المنظمة العربية للترجمة، ط1، 2005،  ص52.

[5]  الويز، محمد. المنهج السوسيولوجي، دراسات، العدد14، 2011، ص177.

[6] Boudes, Philippe. L’apport de la sociologie de l’environnement  à l’analyse des modes de vie. Contextes et perspectives, in M.Dobré & S. Juan (dir.), Consommer autrement. La Réforme écologiques des modes de vie, Paris, L’Harmattan, Coll. Environnement, 2009, pp. 57-69.

 

[7]Khatabi, Abdelkébir. «Sociologie du monde Arabe: Positions,» BESM, no. 126,1975, pp. 13.

[8]Touraine, Alain. Lettre à une étudiante, Paris, Seuil, 1947, p22.

[9] Latouche, Serge. l’occidentalisation du monde, la découverte, Paris, 2005.

[10] نينة، عبدالكامل.  إدغار موران: نحو ثقافة وهوية أرضية [المجتمع الكوكبي، موقع كوة، نشر بتاريخ 9 يونيو 2019. اطلعت عليه يوم 21/03/202 على هذا الرابط: https://couua.com/2019/06/09

[11]  مقبول، إدريس. ما وراء السياسة، إفريقيا الشرق، 2016، ص 404.

[12]  مقبول، إدريس. المدينة العربية الحديثة: قراءة سوسيولسانية في أعراض مرض التمدن، عمران، العدد16، 2016، ص48.

[13] زيمرمان، مايكل. الفلسفة البيئية: من حقوق الحيوان إلى الإيكولوجية الجذرية، ترجمة معين شفيق رومية، المجلس الوطني للثقافة و الفنون والآداب – الكويت، 2006.

[14]  اللجنة العالمية للبيئة والتنمية، مستقبلنا المشترك، ترجمة محمد كامل عارف، عالم المعرفة، عدد142، 1989، ص18.

[15]  الخولي، أسامة. البيئة وقضايا التنمية والتصنيع، عالم المعرفة، عدد 285، 2002، ص19.

[16]  عارف، محمد كامل. مستقبلنا المشترك، منشورات عالم المعرفة، عدد142، الكويت، ـأكتوبر 1982، ص360.

[17] فان بويك، كاترين. وليف أوستمان، ويوهان أومان، تدريس التنمية المستدامة: التحديات الأخلاقية والسياسية،أكسفورد: روتليدج؛ نيويورك: أبنجدون، 2019، ص25 .

[18]  العيسوي، إبرهيم. مراجعة كتاب تدريس التنمية المستدامة: التحديات الأخلاقية والسياسية، عمران، العدد31، 2020، ص 171-181.

[19] موران، إدغار. تنمية أزمة التنمية، ترجمة مصطفة ناجي، اطلعت عليه يوم 30/03/2020 على هذا الرابط: https://elmawja.com/blog/%D8

 

[20] موران، إدغار. المرجع السابق.

[21] Rudolf, Florence. La sociologie de l’environnement ou le naturalisme revisité, Socio-Logos, n° 12 ,O 2017, P1.

[22]http://www.arrabita.ma/events/%D9%81%.

[23]  تورين، آلان. نقد الحداثة، ترجمة: أنور مغيث، المجلس الأعلى للثقافة (المصري) بشراكة مع المشروع القومي للترجمة، 1997، ص 23.

[24]  ياسين، عبدالسلام. الإسلام والحداثة، دار الآفاق، 2000،  ص25.

[25]  تورين، هوركهايمر، أدورنو، زيجمونت باومان، وائلا الحلاق وغيرهم من رواد ما بعد الحداثةPostmodernisme.

[26]Touraine, Alain. Critique de la modernite, éditions Fayard, Paris. Communication, Flammarion, Paris 97 نقلا عن ياسين، مرجع سابق، ص49

[27]  العبيدي، عبدالحميد. محاولة في فهم تقاطعات الخطاب البيئي مع مسار نقد الحداثة، عمران، العدد31، صص 115-135.

[28]  ياسين، عبدالسلام. حوار مع الفضلاء الديموقراطيين، مطبوعات الأفق، ط1، 1994، ص203.

[29]  المرجع نفسه، ص204.

[30]  مقبول، إدريس. مرجع سابق، ص405.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.