ثقافة المحاصصة وأثرها في تآكل القيم الاجتماعية
هبة مجد الدين صباهي
ثقافة المحاصصة وأثرها في تآكل القيم الاجتماعية
بقلم: هبة مجد الدين صباهي
في مشهدٍ عابر من تفاصيل الحياة اليومية، كان رجلٌ يحاول النزول من الحافلة مثقلاً بأمتعته، فبادر شاب إلى مساعدته وحمل بعض أغراضه عنه. لم يكن المشهد عادياً في دلالته؛ إذ لم يكن المبادر فتىً غضًّا، بل قد خالط الشيب بعض شعره، بينما وقف عدد من الشباب الأصغر سنًّا موقف المتفرج، بلا اكتراث أو إحساس بواجب المبادرة. عند هذه اللحظة، لم يكن السؤال عن تصرّف فردي، بل عن خللٍ اجتماعيٍّ أعمق أخذ يتشكّل في بنية الوعي الجمعي لدى الجيل المعاصر.
هذا المشهد يعيد إلى الذهن سؤال القيم المؤسسة للسلوك، ويستدعي مراجعة المنهج التربوي الذي نشأ فيه الأبناء. وليس من الإنصاف المنهجي أن يُدان الجيل الجديد بتهمة اللامبالاة وضعف روح التعاون، دون مساءلة السياق الذي صاغ وعيه، ولا مساءلة الأسرة بوصفها الحاضنة الأولى للقيم. فالقرآن الكريم حين يقرّر المسؤولية الأخلاقية، يربطها بمنظومة التنشئة والقدوة، لا بمجرد الأوامر المجردة؛ إذ يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾، فجعل الوقاية مسؤولية ممتدة تبدأ من داخل البيت.
إن مقارنةً هادئة بين نمط الحياة الأسرية القديم ونظيره الحديث تكشف تحولات عميقة في آليات بناء القيم. فقد كانت الأسرة – في صورتها التقليدية – تمارس التربية من خلال العيش المشترك لا عبر الخطاب الوعظي المباشر. فعلى مستوى المأكل، كان الاجتماع حول طبق واحد ممارسة يومية تُنمّي في النفس معاني الإيثار والمراعاة، وتُدرّب الأبناء عمليًا على تقديم الآخر على النفس، في صورة قريبة من المعنى القرآني: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾. لم تكن المشاركة هنا مجرد عادة اجتماعية، بل كانت مدرسة أخلاقية صامتة، يتعلم فيها الطفل أن الطعام ليس حقًا فرديًا محضًا، بل مساحة اختبار للرحمة والانتباه للغير.
وعلى مستوى المجلس الأسري، كانت الجلسات العائلية فضاءً حيًّا تتجاور فيه مستويات الخطاب المختلفة؛ حديثٌ للكبار في شؤون الحياة الجادة، تقطعه مداخلات طفولية بريئة تكسر حدة الواقع. وبين متابعة شاشة واحدة، كانت تتشكل مهارات الإصغاء والحوار، فيتعلم الصغار لغة الكبار، ويتعلم الكبار الإنصات إلى عالم الصغار. وهذا النمط من التفاعل يعكس مقصدًا قرآنيًا أصيلاً في بناء الجماعة على أساس التعارف والتواصل، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾، فالتعارف هنا ليس معرفة الأسماء فحسب، بل معرفة العوالم النفسية وتبادل الفهم.
أما على صعيد الحياة اليومية والنوم، فقد كانت الغرفة الواحدة تحتضن أنشطة متعددة: طفل يلهو، وآخر يذاكر، وثالث يتحاور مع جده، وأم تمارس عملها اليدوي. هذا الاجتماع المكاني لم يكن فوضى عشوائية، بل تدريبًا عمليًا على قيمة “الحرية المنضبطة”، حيث يمارس الفرد نشاطه دون أن يلغي حضور الآخرين، في صورة قريبة من الميزان الذي قرره القرآن للعلاقات الإنسانية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾؛ ميزان يضبط السلوك بين الإفراط والتفريط.
في المقابل، نشأ الجيل الجديد في ظل ثقافة المحاصصة: لكل فرد وجبته الخاصة، جهازه الخاص، غرفته الخاصة، وفضاؤه الرقمي المنعزل. هذه الخصخصة المفرطة للحياة اليومية أضعفت مساحات التفاعل الإنساني، وسلبت الأبناء جملةً من المهارات الاجتماعية التي لا تُكتسب إلا بالمشاركة والمعايشة. وليس من الدقة ردّ هذا التحول إلى العامل المادي وحده؛ فحتى إن أسهم تحسن مستوى المعيشة في تكريسه، فإن القيم لا ينبغي أن تكون أول ما يُضحّى به عند اتساع الخيارات.
لقد أفضت هذه المحاصصة إلى فجوة تواصلية بين الأجيال؛ جيل لا يمتلك المهارات التي تشكّلت لدى آبائه عبر العيش المشترك، ولا يشعر – في الوقت نفسه – بحاجة ملحّة للتواصل معهم. إنه جيل يكتفي بذاته، والاكتفاء الذاتي في هذا السياق ليس علامة نضج، بل مؤشر عزلة؛ لأن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، لا يكتمل وعيه إلا بالآخرين، كما يشير القرآن إلى طبيعة الاجتماع البشري في قوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾، وضعفه هنا لا يُجبر إلا بالتكافل والتساند.
إن الإنسانية الاجتماعية لا تُكتسب لاحقًا بالوعظ الطارئ، بل تُغرس منذ الطفولة الأولى داخل البيت. فالأسرة هي التربة الأولى للقيم، وإذا افتقد الغرس بذرة المشاركة، فأنّى للبرعم أن يفتق؟ إن إعادة النظر في تفاصيل العيش اليومي، لا في الشعارات الكبرى وحدها، هي الخطوة الأولى لاستعادة روح التعاون التي غابت، دون أن نشعر، عن كثير من مشاهد حياتنا المعاصرة.