السياق السيري والعقدي لحدث الإسراء والمعراج
الدلالات والرهانات ج(1)
بقلم: فاطمة صربون
المقدمة
لا يمكننا قراءة حدث ‘الإسراء والمعراج’ بوصفه مجرد واقعة تاريخية خارقة للعادة أو معجزة مادية نُثبت بها صدق النبوة فحسب؛ بل إننا أمام انعطاف تاريخي كبير في مسار الدعوة الإسلامية، ولحظة فارقة أعادت ترتيب موازين القوى في وعي الجماعة المؤمنة في زمن النبوة، ونحن نعلم أن أمر آخر هذه الأمة لن يصلح إلا بما صلح به أوله.
وقد قال الإمام أبو الحسن الندوي: (لم يكن الإسراء مجرّد حادث فرديّ بسيط رأى فيه رسول الله ﷺ الآيات الكبرى، وتجلّت له ملكوت السماوات والأرض مشاهدة وعيانا، بل زيادة إلى ذلك اشتملت هذه الرحلة النبوية الغيبية على معان عميقة دقيقة كثيرة، وإشارات حكيمة بعيدة المدى) السيرة النبوية لأبي الحسن الندوي (ص218)
ولذلك فلابد لنا من تسليط الضوء على ذلك الخيط الرفيع الرابط بين ألم الابتلاء في شعاب مكة وأزقة الطائف، وبين أمل التمكين الذي فُتحت له أبواب السماء، ويتوجب علينا تفكيك السياق الزماني والمكاني لهذه الرحلة الفريدة، لنفهم كيف صِيغت عقيدة الأمة من خلال ‘الصلاة’ و’القدس’، وكيف تحولت المحنة إلى منحة، والضيق إلى سعة، ومحاولة استنطاقٌ الدلالات العميقة للإسراء والمعراج، وقراءةٌ في الرهانات المعاصرة التي تفرضها علينا مكانة المسجد الأقصى اليوم، كبوصلةٍ عقدية وركنٍ ركين في البناء الرسالي لأمتنا.
السياق السيري ( من المحنة إلى المنحة)
يكتسي السياق السيري لتفاصيل معجزة الإسراء والمعراج أهمية بالغة في استنباط الدروس والعبر من هذا الحدث الفارق في تاريخ أمتنا المحمدية، وتضمن هذا السياق ثلاث ركائز أساسية يظهر لي أنها الفيصل في البناء الدلالي للحدث.
1- الإطار الزمني للحدث وسياق توقيته
– يذكر صاحب الرحيق أنه بعد وفاة عمه ﷺ ثم بعده زوجه خديجة رضي الله عنها “اهتزت مشاعر الحزن والألم في قلب رسول الله ﷺ، ثم لم تزل تتوالى عليه المصائب من قومه، فقد كانوا تجرأوا عليه، وكاشفوه بالنكال والأذى بعد موت أبي طالب، فازداد غما على غم، حتى يئس منهم وخرج إلى الطائف، رجاء أن يستجيبوا لدعوته أو يؤووه وينصروه على قومه، فلم ير من يؤوي ولم ير ناصرا، وآذوه مع ذلك أشد الأذى، ونالوا منه ما لم ينله قومه”.
الرحيق المختوم (ص104)
وفي هذه الظروف، وبينما النبي ﷺ يكابد مشاق الدعوة وتقلبات الزمن والفقد وأذى القريب والبعيد، جاء النداء الإلهي والخلاص الرباني، بالإسراء إلى المسجد الأقصى في ليلة واحدة على ظهر البراق مظهرا قدرة الله العظيمة في خرق العادات الطبيعية المعروفة عند البشر، ومن ثم العروج إلى السماوات العلى، فأضحت معجزة متكاملة الأركان وسابقة لم يحض بها أحد من قبله ﷺ من الأنبياء، فكانت بذلك رحلة حبلى بالدلالات والعبر المهمة لهذا النبي المجاهد.
2- الرسالة النفسية:
بعد ما عاناه نبينا ﷺ من حزن على فراق أحبابه، وما لاقاه من أذى أهل الطائف، لجأ عليه الصلاة والسلام إلى ربه يناجيه ويشكو له همه، فقال: ((اللَّهُمَّ إلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَأَنْتَ رَبِّي، إلَى مَنْ تَكِلُني؟ إلَى بَعِيدٍ يتجَهَّمني؟ أَمْ إلَى عَدُوٍّ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي؟ إنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ عليَّ غَضَبٌ فَلَا أُبَالِي، وَلَكِنَّ عَافِيَتَكَ هِيَ أَوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظلماتُ، وَصَلُحَ عَلَيْهِ أمرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ أَنْ تُنزل بِي غَضَبَكَ، أَوْ يَحِلَّ عليَّ سُخْطُك، لَكَ العُتْبَى حَتَّى ترضَى، وَلَا حولَ وَلَا قوةَ إلَّا بك))
سيرة ابن هشام ت طه عبد الرؤوف سعد (2/ 48)
فلم يتأخر عنه جل في علاه وهو الرحمان الرحيم الودود، فأكرمه بالإسراء والمعراج ليقول للنبي ﷺ ولنا من بعده، أنه إذا انغلقت أبواب الأرض في وجه الدعوة وتبليغ كلمة الحق، وإن تخلت عنك كل المخلوقات، فإن الخالق لن يتخلى عنك، وأبواب السماء لا تُغلق أبداً، وقدرة الله أعظم وأقوى من كل الظروف، فكانت بحق عملية “جبر خاطر” رباني، ونقلة معجزة من ضيق الحصار إلى سعة الملكوت.
فما عرفت الأرض جبرا لخاطر أعجب من جبر الله عز وجل خاطر نبيه عليه الصلاة والسلام في عز هذه المحنة.
3- التحول الاستراتيجي:
مثّل حدث الاسراء والمعراج “نقطة ارتكاز” انتقلت بها الدعوة من مرحلة الاستضعاف والمظلومية في مكة، إلى مرحلة الاستعداد للتمكين في المدينة؛ فمن شاهد ملكوت السماوات، واطلع على آيات ربه الكبرى، وأمَّ الأنبياء في محراب الأقصى، تلاشت في عينه هيبة الطغيان المادي لقريش، وتصاغرت أمامه كل أنواع الجبروت من القوى الأرضية.
فأمدت هذه المعجزة العصبة المؤمنة باليقين التام في النصر والتمكين ووعدتهم بالعلو والسؤدد، فلم يعودوا يهتمون بتفاصيل الجهاد اليومي ضد الكفر وأعوانه، بل تحول نظرهم إلى تشوف لبناء صرح دولة الإسلام القوية المنيعة.
وقد وفى الله بما وعد به عباده الصالحين في قوله: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡـٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ﴾ [النور: 55]
البعد العقدي (تربية وتثبيت)
يكتسي البعد العقدي لمعجزة الاسراء والمعراج النبوي أهمية كبيرة بوصفه المحضن التربوي والمنطلق الذي أعاد تثبيت معان الإيمان في قلوب الرعيل الأول؛ فلم تكن هذه الرحلة مجرد خرقٍ للقوانين المادية، بل كانت مدرسةً لترسيخ اليقين بالغيب أمام طغيان ‘المحسوس’، وتأكيداً على مقام العبودية الخالصة لله وحده، ومن هذه الأبعاد العقدية التي أبانت عنها هذه الرحلة السماوية أذكر أربع أساسية.
1- امتحان الفطرة
في هذا السياق العقدي، تبرز حادثة اختيار النبي ﷺ للبن حين عُرض عليه مع الخمر، فقد ذكر في رواية الحدث أن النبي ﷺ قال: ((ثُمَّ أُتِيَ بِثَلَاثَةِ آنِيَةٍ، إنَاءٌ فِيهِ لَبَنٌ، وَإِنَاءٌ فِيهِ خَمْرٌ، وَإِنَاءٌ فِيهِ مَاءٌ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “فَسَمِعْتُ قَائِلًا يَقُولُ حِينَ عُرضتْ عَلَيَّ: إنْ أَخَذَ الْمَاءَ غَرِقَ وَغَرِقَتْ أمتُه، وَإِنْ أَخَذَ الْخَمْرَ غَوي وغَوتْ أمتُه، وَإِنْ أَخَذَ اللَّبَنَ هُدِيَ وهُديت أمتُه”. قَالَ: “فأخذتُ إنَاءَ اللَّبَنِ، فَشَرِبْتُ مِنْهُ، فَقَالَ لِي جِبْرِيلُ عليه السلام: هُديتَ وهُدِيَتْ أمتُك يا محمد”))
سيرة ابن هشام ت طه عبد الرؤوف سعد (2/ 32)
هذا المشهد هو عبارة عن إعلان رسمي لهوية الأمة الإسلامية، فاللبن له رمزية قوية في اختبار الفطرة الإنسانية السوية، وهو يرمز كذلك للنقاء والصفاء، ويعبر عن الوسطية والاعتدال، واختيار النبي ﷺ للبن يجسد في طياته أن هذا الدين ينسجم مع طبائع البشر السليمة، فلا عنت فيه ولا غلو ولا تغييب للعقل، بل وسط كما قال عز وجل: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا ﴾ [البقرة: 143]
وهو تأصيل للمنهج الإسلامي فالتمكين الذي هو المقصد الرئيسي للجماعة المؤمنة في الأرض لا يمكن أن يتحقق إلا بالاستقامة على الفطرة؛ إذ الأمة التي تضيع فطرتها وتتبع “خمر” الشهوات وتتفرق بها السبل والغايات وتزيغ عن المقاصد العليا، تضل وتنحرف عن طريق المعراج والارتقاء.
2- صدق الإتباع
كان حدث ومعجزة الإسراء والمعراج اختباراً صريحا ومباشرا لصدق الاتباع، فحين قال الناس لسيدنا أبوبكر رضي الله عنه: “إن صاحبك يزعم كذا”، قال أبو بكر كلمته الخالدة: “إن كان قد قال فقد صدق”؛ فنجح خليل المصطفى ﷺ في الامتحان ورسب من رسب من غيره.
وهذا الإخبار الغيبي عن حدث لم يكن للعقول طاقة لتصديقه لم يأتي عبثا بل جعله الله وسيلة ليرسخ في ذهن المسلمين أن العقيدة تصديق مطلق بالوحي يتجاوز حدود العقل المادي، فليس كل ما لا نراه ولا ندركه بعقولنا مستحيلا على فاطر السماوات والأرض.
3- العبودية والسيادة
إن في وصف الله نبيه في سورة الإسراء بـ “عبدِهِ”؛ بدل نبيه أو غيرها من الألقاب التي يكنى به من فضلهم الله على بقية خلقه، ما جاء هذا الوصف إلا ليخبرنا الله تعالى أن هذا الذي أسري به وارتقى في دجى الليل إلى سبع سماوات، ما هو إلا عبد من عباده، ويبين لنا الله جل وعلا من خلال ذلك أن أعلى مراتب التشريف والسيادة البشرية إنما تنال بتمام العبودية له وحده و يثبت لنا أن العبوديةَ له سبحانه هي أسمى المراتب التي يصل إليها الإنسان، فالعبودية لله عزة ما بعدها عزة، وعطاء ما بعده عطاء ففي سورة الكهف يقول الحق سبحانه: ﴿ فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا ﴾[ الكهف:65]
4- فرضية الصلاة
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا مَّوۡقُوتٗا ﴾ [النساء: 103]
إعجاز في زمان ومكان فرضيتها، وإعجاز في أوقات إقامتها، فهي الفريضة الوحيدة التي فرضت على المؤمنين من فوق سبع سماوات، وذلك لتكون “معراجاً يومياً” للمؤمن، وصلة مباشرة لا تنقطع مع الخالق جل في علاه، تتكرر بذلك خمس مرات في اليوم.
ولعظم شأنها استدعي لها النبي الكريم ﷺ جسدا وروحا، فمن حفظها فقد فهم ووعى دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع، وهو ما جاء عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قوله: “إن أهم أمركم عندي الصلاة، فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع” أخرجه مالك في الموطأ