منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

فن الخطاب

فن الخطاب/ د. محمد جعواني 

0

فن الخطاب

بقلم: د. محمد جعواني 

الحمد لله الرحمن المنان “خلق الإنسان علمه البيان”، علمه بالقلم ما لم يعلم، والصلاة والسلام على النبي الأكرم إمام الوعاظ والخطباء وسيد الفصحاء والبلغاء، وعلى آله وأصحابه الغر الكرماء. ثم أما بعد:

فهذه عبارات موجزة ومنارات هادية في “فن الخطاب” موجهة لمعلمي الناس الخير، الدالين عباد الله على سبيل الرشاد وما فيه صلاحهم في المعاش والمعاد.

– منارات هادية.

– تمهيد: مفهوم الخطاب، أركانه، مقاصده، أشكاله ومضمونه، أهميته وآثاره.

– شذرات.

– مؤهلات الخطيب الناجح.

– مقومات الخطبة المؤثرة.

– مهارة التعامل مع الجمهور.

– عود على بدء.

منارات هادية:

واقع ومأمول:

خطب ركيكة لفظا، باردة شكلا، فارغة مضمونا… من مظاهر مجتمع الفتنة.

الدعوة إلى الله نداء من قلب مؤمن وعقل عالم إلى سمع الناس وعاطفتهم وعقلهم.

اللسان أداة هذا النداء، واللغة وسيلته، والفصاحة المقنعة المخلصة أسلوبه.

قصد ووسيلة:

الكلمة المربية الهادفة تتزين بزينة الله، وتتلطف بوسائل العصر وأشكاله من الألبسة المقبولة شرعا، ولا ينبغي أن تُلحِد بها جمالية الشكل وتميل عن الهدف وهو التبليغ والهداية والاستقامة.

مفهوم الخطاب:

خطَب، يخطُب، خُطبة وخِطابا. وهو خطيب، والجمع خطباء وخُطّاب، والخَطّاب كثير الخطبة.

والخِطاب الكلام. والخُطبة كلام منثور من فصيح في جمع لإقناعهم.

والخطاب: فن مشافهة الجمهور على نحو مقنع ومؤثر.

أو قل: هو التحدث إلى جمع من الناس لإيصال خبر أو فكرة ما إليهم، بأسلوب مقنع ومؤثر لتحقيق مقصد معين.

أشكال الخطاب:

قد يتخذ الخطاب أشكالا مختلفة، فقد يكون خطبة، أو موعظة، أو محاضرة، أو درسا، أو كلمة، أو مناظرة…لكل منها مميزاته وخصائصه.

موضوع الخطاب:

يتناول الخطاب جميع الموضوعات (الدينية والدنيوية) برؤية الوحي ومنظاره، تنويرا للعقول، واستمالة للعواطف، تحقيقا للتغيير والاستقامة.

أركان الخطاب:

الخطاب عملية تواصلية أركانها:

خطيب (مرسل)، وخُطبة (رسالة)، وجمهور (مرسل إليه)، ووسيلة يتم عبرها التواصل.

مقاصد الخطاب:

يبتغي الخطاب التأثير في الفكر والسلوك والموقف (تغييرا أو تعديلا…) وفق قيم الإسلام وأحكامه ومقاصده.

ويتم الخطاب من خلال البيان والتبليغ “لتبين للناس”، “ليبين لهم”، “بلغ ما أنزل إليك من ربّك”.

إفهاما، واستمالة، وتأثيرا وإقناعا، وصولا للاستجابة (صلاح وإصلاح).

فالخطاب يستهدف مخاطبة العقل والوجدان معا.

الخطاب علم وموهبة (وهبي وكسبي)‏

الخطاب علم له أصول وقواعد، يعنى بدراسة:

– طرق التأثير، ووسائل الإقناع، وطرائق الإلقاء.

– وما يلزم أن يكون عليه الخطيب من صفات وآداب ومؤهلات…

– وما ينبغي أن تكون عليه الخطبة إعدادا وتأليفا وإلقاء…

– وما يتطلبه حال السامعين مراعاة واقتضاء…

كل ذلك لامتلاك قدرة البيان والتأثير والإقناع وتحقيق الاستجابة.

أهمية الخطاب وآثاره:

اهتم الإسلام بالخطاب ودعا إلى تعلمه وإتقانه، واعتبره من أهم وسائل الدعوة والبلاغ، والإفهام والإقناع. ولذلك كان الخطاب المؤثر سمة الأنبياء وكبار المصلحين والمجددين على مر العصور.

قال تعالى عن نبيه داود عليه السلام: “وَءَاتَينَٰهُ ٱلحِكمَةَ وَفَصلَ ٱلخِطَابِ” [ص، 20] أي: فاصلا بين الحق والباطل، بليغا مبينا جامعا للمعنى المقصود.

وقال تعالى: “أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا” [النساء، 63] قولا بليغا مؤثرا.

من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه، قال: “وعَظَنَا رسولُ اللهِ – صلى الله عليه وسلم- مَوْعِظَةً وجِلَتْ منها القلوبُ، وذَرَفَتْ منها العيونُ… ” (رواه أبو داود) خطاب مؤثر لامس القلوب.

وقالت أمنا عائشة رضي الله عنها: كان كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كلاماً فصلاً يفهمه كل من سمعه. (رواه أبو داود) فصلا واضحا بينا.

شذرات:

هل تعلم أن:

–  أول من دون علم الخطابة هم اليونانيون.

–  أول كتاب في فن الإلقاء هو لأرسطو صاحب كتاب الخطابة

–  أشهر من كتب في الخطابة ومواصفات الخطيب الجيد من القدامى هو الجاحظ في كتابه “البيان والتبيين”.

–  من مشاهير خطباء الضلال…فرعون:

“وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُون أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَساوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ” [الزخرف، 51-54]

وقد وصلتنا خطب بليغة من العصر الجاهلي وأشهرها خطب قُسُّ بن ساعدة الإيادي: “أيها الناس اسمعوا وعوا من عاش مات ومن مات فات وكل ما هو آت أت… “

مقومات الخطيب الناجح:

مؤهلات ثلاثة: تربوي، وعلمي، ومهاري

مقومات عشرة:

قابلية، وربانية، وصدق، وقدوة حسنة، وعلم، ومهارة لغوية، وإعداد جيد، ومراعاة السامعين، واستماع جيد، وشخصية قوية.

– القابلية: رغبة واستعداد، واقتحام واستمداد. موهبة ودربة ومران.

– الربانية: إخلاص وإخبات، قلب منيب ولسان ذاكر، تدرج قاصد وخطاب راشد. رحمة وتبشير وتيسير.

– الصدق: “لسان صدق” في المشاعر والحديث والنقل.

– القدوة الحسنة: دعوة الحال قبل المقال.

– العلم: تمكن بالموضوع، وإحاطة بالمطلوب، ذاكرة قوية واستظهار بارع. دوام طلب وجثي بالركب.

– المهارة اللغوية: «إن من البيان لسحرا» فصاحة وبيان بلا تقعر أو ابتذال. السهل الممتنع.

– الإعداد الجيد: تحضير وتخطيط، وإتقان وإلمام.

– الشخصية القوية: رباطة جأش وسرعة بديهة، عزم وحزم، إقدام واقتحام

– مراعاة أحوال السامعين: معرفة الجمهور وحاجاتهم ومستوياتهم.

– الاستماع الجيد: قبول للنقد وقابلية للتطوير والتجويد.

مقومات الخطبة المؤثر:

اختيار موفق، وإعداد جيد، وإلقاء فعال.

الاختيار الموفق للموضوع:

– تضرع وافتقار، استخارة واستشارة. حضور وتهمم ومتابعة… “وشاهدا”

– موضوع راهن جذاب، مناسب للجمهور والزمان والمكان. [(تحديد الأهداف بدقة، معرفة المخاطَب جيّدا (السن، المستوى، السياق، المناسبة، وجود المخالف)].

الإعداد الجيد:

– اطلاع كافٍ (بحث واستقصاء، جمع للمادة وإحاطة بالموضوع من مصادره المعتبرة).

– تخطيط محكم للموضوع (عنوان، مقدمة، عرض، خاتمة)

– عنوان جذاب ومثير (ثلاثيات، أعداد وترية، استفهام…)

– مقدمة مشوقة وبراعة استهلال، عرض مقنع وماتع، خاتمة مركزة.

– وحدة موضوع من غير تشعب وتخليط (لا تقل كل شيء…)

– تجنب الاختصار المخل والإطناب الممل، بلغة سلسة سليمة من اللحن، وعبارات واضحة مفهومة، مع تجنب الغريب والحشو والتقعر، من غير ابتذال ولا بذاء…

– “استدلال واستشهاد صحيحان ومناسبان، عقليان ووجدانيان، مع التركيز على الأدلة المناسبة لكل شكل من أشكال الخطاب. فمثلا في الوعظ والخطابة يستحسن التركيز على الأدلة الوجدانية (قصة، ترغيب وترهيب، وعد ووعيد، تصوير، أمثلة…)

مهارات الإلقاء الفعّال والتعامل مع الجمهور:

– هندام لائق (حضارة الصورة والشكل)، وتموقع جيد (رؤية واضحة “تَرى وتُرى”)

– ابدأ بابتسامة جميلة ونظرات قاصدة (توزيع النظرات، لا تشر ولا تركز على جهة، لا تنظر للسقف أو للخارج…)

– لا تبدأ ولا تختم بالاعتذار…

– براعة استهلال (قصة قصيرة، خبر جديد، حقيقة علمية)

(ثلاث دقائق حاسمة…أصعب مراحل الطيران…الإقلاع والهبوط)

– شكر وترحيب، دعاء وترحم، دعاء وتبريك (حسب المناسبة) بدءا وختاما.

– كن طبيعيا.. أنت أصل.. لا تقلد فتصير نسخة لغيرك (اقتباس بلا تقمص تام)

– لغة سهلة ممتنعة (وضوح في العبارة والمضمون، وقفات دالة.. بعد البدء وبعد الأفكار المهمة وبعد الختم وقبل الشكر، تركيز…)

– لغة جسد باعتدال (تجنب اللازمة اللفظية أو الحركية، حركة متوازنة متناسبة مع الكلام…)

– تنويع في نبرات الصوت رفعا وخفضا، حماسة وهمسا،

– رباطة جأش وسرعة بديهة، معالجة الخوف والاضطراب، ثقة من غير غرور، تعامل لبق مع الطوارئ (سؤال مباغت، اعتراض معترض، تشويش، حَصَر…)

– خاتمة مركزة (آخر ما يَعلَق)، تلخيص لما سبق، تجنب فتح موضوع جديد، التركيز على السلوك العملي، ابتسامة وشكر.

عود على بدء:

  • النجاح سُلّم يرتقى، وليس فرصة يتيمة.
  • هو مشروع عمر، دوام ومداومة.
  • لا تستطيع التسلق مكتوف اليدين.
  • فكر راشد وجهد قاصد وعمل مسدد.
  • تدرب ثم تدرب ثم تدرب.
  • استعن بالله دائما…ولا تعجز.

مراجع مفيدة:

– فن الخطابة وإعداد الخطيب، لعلي محفوظ.

– الخطابة: أصولها، تاريخها في أزهر عصورها عند العرب. لمحمد أبو زهرة.

– فن الخطابة ومهارات الخطيب، لإسماعيل علي محمد.

– تحدث كما في تيد، أسرار الخطابة التسعة لأفضل العقول المتحدثة في العالم. لكارمين غالو، ترجمة عماد إبراهيم عبده.

– الخطيب القوي. لجيري وايزمان

– فن الإلقاء الرائع، لطارق السويدان.

– المتحدث الجيد، لعبد الكريم بكار.

 – فن الخطابة، لديل كارنيجي.

– البيان والتبيين للجاحظ.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.