منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

اللغة العربية والإعلام العمومي بالمغرب

محمد عيا

0

اللغة العربية والإعلام العمومي بالمغرب

محمد عيا

باحث في سلك الدكتوراه

كلية الآداب والعلوم الإنسانية

جامعة محمد الأول – وجدة

 

 

مقدمة

تعد الثورة الإعلامية بأشكالها وصيغها المختلفة، من أبرز السمات التي تميّز عصرنا الحالي، هذه الثورة تشمل كل المفاهيم والتقنيات، وتتناول المنتج والمتلقي، ثورة تنتشر أجهزتها سواء المكتوبة أو المسموعة أو المرئية أو الالكترونية، في كل مكان، وتستحوذ على كل مفاصل الحياة الإنسانية وتفاصيلها.

نعم لقد أصبح الإعلام من أقوى الوسائل وأكثرها تأثيرا على الفرد والمجتمع، فهو يغطي كل جوانب النشاط الإنساني، ويحدد ويوجه معايير الحكم على الأشياء ونقدها، وقد بلغ هذا المستوى من التحكم في المستهلك لأنه يقدم النتائج للمتلقي، ويقرأها له، ويكتب له ويروي له، ويبيع له ويشتري له، بل يخترق شخصيته الحالية ويصنع شخصيته المستقبلية، فيمتد معه من الطفولة إلى الشيخوخة، وليس هذا فحسب بل إن للآلة الإعلامية سلطة كبرى في صنع القرار على المستوى السياسي والاقتصادي والرياضي والأدبي والعلمي…

وما كان للإعلام أن يحقق هذه الثورة العظيمة لولا وجود اللغة باعتبارها وسيلة فعالة وفائقة الدقة وبعيدة المدى في تحقيق الهدف وتوضيح الأفكار، فهي تشكل هوية الأمم وأساس وجودها وازدهارها، صمام أمان لتحقيق التواصل وتـوطـيـد العلاقات بين الناس، والـتـعـبـيـر عـن حـاجـاتـهم ومواقفهم، وتمكينهم من تـبـادل الأفـكـار والآراء والتجارب، وبها يمكن تصور ومعرفة عوامل تكوين الشعوب والأمم، كالتاريخ والدين والأدب والعلم.

إن المتتبع للإعلام العالمي والاعلام العمومي بالمغرب، سيرى مدى سطوة هذا المجال على غيره من المجالات ومدى توغله في كل دقائق الحياة العامة والخاصة، ثم ما يخضع له هذا العالم من ولم تُترك تجاذبات سياسية، من أجل تمرير أطروحات سياسية وتحقيق غايات مادية قد لا تلقي لنوع اللغة المستعملة بالا ولا تحسب لها حسابا، وفي المقال الذي سأتناول: “قضية اللغة العربية والاعلام العمومي بالمغرب” وذلك من خلال جملة من الأسئلة من قبيل:

ما اللغة؟

وما الإعلام؟

وما العلاقة بينهما؟

وما حظ اللغة العربية في الإعلام العمومي بالمغرب؟

المبحث الأول: اللغة، الإعلام، لغة الاعلام، العلاقة بين اللغة والاعلام

(1) – اللغة، الإعلام، لغة الاعلام

(أ) – اللغة

للُّغة تعريفاتٌ كثيرة باعتبارات متعددة، وسوف نقتصر هنا على تعريف أبي الفتح عثمان بن جنّي رحمه الله، حيث تشير معظم المصادر إلى أن هذا العالم هو أقدم من عرف اللغة في كتابه “الخصائص” إذ قال في باب القول على اللغة وما هي؟: أما حدها “فإنها أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم”[1].

وهذا التعريف لقي الكثير من الإشادة والرعايةَ والعناية من قبل معظم اللغويين، خصوصًا المحدَثين، فهو بحقٍّ من أفضل التعريفات وأوفاها، لأنه يعتبر قاعدة أساسية ينطلق منه كل من جاء بعد ابن جني، ويعتمدونه لأنه يشمل جميع جونب التعريف التي عرضها علم اللغة المعاصر.

(ب) – الإعلام

يقوم الإعلام على أساس الإخبار، وتوصيل المعلومات إلى الجمهور، وتشكيل الحوارات، وبناء الرأي العام وديمومة الانفعال مع القضايا التي يطرحها، وذلك عبر مختلف قنواته المكتوبة والمسموعة والمرئية، والإلكترونية بمختلف أقسامها، وللإعلام تعريفات متعددة منها:

الإعلام لغة: مصدر الفعل الرباعي أعلمَ، يقال: أعلَمَ يُعلِمُ إعلاماً.. وأعلمتُه بالأمر: أبلغته إياه، وأطلعته عليه، جاء في لغة العرب: (استعلم لي خبر فلان وأعلمنيه حتى أعلمه، واستعلَمَني الخبر فأعلمته إياه)[2].

“الاعلام هو تزويد الناس بالأخبار الصحيحة والمعلومات السليمة، والحقائق الثابتة التي تساعدهم على تكوين رأي صائب، في واقعة من الوقائع، أو مشكلة من المشكلات، بحيث يعبر هذا الرأي تعبيرا موضوعيا عن عقلية الجماهير واتجاهاتهم وميولهم”[3]

ويقول الدكتور محمود سفر: الإعلام في اللغة: التبليغ، ويقال: بلغت القوم بلاغاً: أي أوصلتهم بالشيء المطلوب، والبلاغ ما بلغك أي وصلك، ففي الحديث: ” بلغوا عني ولو آية[4].

أما الإعلام في الاصطلاح فله في كتب المعاصرين عدة تعريفات، منها:

 تعريف سامي ذبيان بأنه: “هو تلك العملية الإعلامية التي تبدأ بمعرفة المخبر الصحافي بمعلومات ذات أهمية، أي معلومات جديرة بالنشر والنقل، ثم تتوالى مراحلها: تجميع المعلومات من مصادرها، نقلها، التعاطي معها وتحريرها، ثم نشرها وإطلاقها أو إرسالها عبر صحيفة أو وكالة أو إذاعة أو محطة تلفزة إلى طرف معني بها ومهتم بوثائقها[5].

(ج) – لغة الإعلام

يشير مصطلح اللغة الاعلامية الى تلك اللغة المستخدمة في وسائل الاعلام (الصحافة، والاذاعة، والفضائيات) وقد ارتبط ظهور وتطور هذا المصطلح بتطور وسائل الاعلام، ورغم شيوع مصطلح اللغة الإعلامية وتداوله في كثير من الكتب والأبحاث فإنه لا يوجد تعريف محدد لهذا المصطلح فكل من تحدث عن هذه المسألة يسعى إلى توصيفها أكثر من تعريفها ثم ذكر خصائصها وسماتها أكثر من ذكر عناصر واختلافها وتميزها. يقول الدكتور خليل محمود: “اللغة الإعلامية هي الاداة التي يقوم الاعلاميون من خلالها بتحويل المعلومات والأفكار الى مادة مقروءة او مسموعة او مرئية يمكن تلقيها وفهم واستيعاب ما تحمله من مضامين توضع في اشكال فنية معينة”[6].

وتتميز لغة الإعلام بمجموعة من الخصائص أبرزها:

الوضوح: ويعني أن تصاغ المادة الإعلامية بلغة سليمة مستوحاة من القاموس المعجمي المعاصر للفئة المستهدفة، وذلك من أجل تحقيق الوظيفة الإبلاغية.

الملاءمة: ونقصد بها تكييف اللغة مع تقنيات صياغة المضمون ونوع الوسيلة التي يقدم بها.

الاختصار: استعمال الجمل القصيرة، بدلاً من الجمل الطويلة، واستعمال الفقرات القصيرة بدلاً من الفقرات الطويلة، مع اختصار المدة الزمنية.

التطور: وهو أن لغة الإعلام في عصرنا ليست كلغة الإعلام في السبعينات مثلا، فهنا اختلاف وتغير في معجم اللغة ونبرة الخطاب والزمن الخاص بالمادة الإعلامية.

(2) – العلاقة بين اللغة الاعلام

إن الباحث في العلاقة بين اللغة والإعلام بمختلف فروعه وعمق تحولاته، سيجد أنهما متلازمان، فالإعلام دون لغة رصينة، مبسطة، لا يستقيم أمره، فوسائل الإعلام تؤدي وظائفها بمساعدة اللغة، على اعتبار أنها تحقق مبدأ التواصل بين المرسل والمتلقي، وبذلك تمكن الاعلام من تزويد الناس بالأخبار الموثوقة والمعلومات الدقيقة لمساعدتهم على تكوين رأي خاص بهم حول واقعة من الوقائع أو قضية من القضايا، كما أشرنا في تعريف هذا القسم، ومن ناحية أخرى لا يمكن للغة أن تؤدي رسالتها في الانتشار وتعميم الذوق الراقي، والمساهمة في توفير شروط النهوض بالمجتمع، نحو الأفضل، دون وجود إعلام متطور، لأن اللغة واحدة، من الأدوات الرئيسة، لتبليغ مكونات الحضارة، والأخذ بأسباب التقدم والازدهار، كما أن الإعلام، مجموعة من الآليات والقنوات الناقلة للمعرفة، وللرسائل الحضارية، فهو يعتمد على اللغة في تحقيق رسالته، وهي تعتمد عليه لتحقيق النمو والانتشار والتوسع، ويمكن للإعلام أن يرتقي باللغة، ويساهم في تطويرها، كما يمكنه أن يؤدي إلى العكس مما ذكرنا فيهدم اللغة بدل بنائها.

ويتضح مفهوم العلاقة بين الجانبين في كون أحدهما لا يستغني عن الآخر، فالإعلام وسيلة تواصل فعالة بين أفراد المجتمع الواحد، وبين المجتمعات المختلفة، وهنا لابد من أنه يقدم خدمة خاصة للغة بنشرها ونشر ثقافتها خارج نطاقها الجغرافي لإن اللغة، كما هو معلوم، باختلاف وظائفها لا تقتصر عند الإنسان على التعبير عن حاجاته الأساسية فقط، بل إنها لسان للفكر والقيم، وهي غنية بالمفاهيم، الدينية، والعلمية والأدبية والفنية، وحاملة للمبادئ القيَمية، وهي بدورها تقدم خدمة جليلة لوسائل الإعلام عبر تمكينها من تبليغ محتواها كيفما كان، دينيا، اجتماعيا، ثقافيا، سياسيا، اقتصاديا، علميا، رياضيا…

المبحث الثاني: اللغة العربية واستعمالاتها في الإعلام العمومي

إن الحديث عن استعمال اللغة العربية في الإعلام العمومي، يفرض علينا معرفة طبيعة اللغة التي نقصدها؛ هل اللغة العربية الصحيحة الفصيحة؟ أم لغة عربية سهلة، بسيطة ومرنة؟ وهل هذه اللغة سواء كانت الأولى أو الثانية قادرة على التعبير عما يريد الإعلامي إبلاغه؟ وإلى أي مدى يمكن أن تؤثر اللغة العربية في الفرد وتهذب ذوقه وترتقي بلهجته إلى مستوى اللسان العربي الفصيح؟

قبل إيراد ما نراه جوابا لهذه الأسئلة لابد من وقفة موجزة مع اللغة العربية، فهي لغة الدين والدنيا، فهي لسان الوحي الكريم، وقد حملت إلينا هذه اللغة وعلى امتداد العصور، ثمار العلوم وابتكارات العلماء، وأخبار القرون والأمم الغابرة، هذه العربية ركن من أركان شخصيتنا، يحق لنا أن نفتخر بها، وأن نعتز بها، ويجب علينا أن نذود عنها ونحافظ على سلامتها ونحرص عليها من اللحن والعجمة، كما يجب أن نعي جيدا أنها كائن حي، قوي وغزير، قادر على المنافسة ومسايرة التقدم في كل الجبهات، وهي لغة غير عاجزة بل يعجزها بعض أهلها و من لا يريد بالأمة خيرا. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “عُجِّزت العربية وخذلها أهلها، ما هي عجزت وهي القوية على حمل رسالة الله، ولا ضاقت وهي الواسعة، ولا أجذبت وهي الخصبة”[7].

وترافع العربية عن نفسها فتقول على لسان الشاعر الكبير حافظ إبراهيم رحمه الله

وسعت كتاب الله لفظا وغاية ***** وما ضقت عن آي به وعظات

فكيف أضيق اليوم عن وف آلة***** وتنسيق أسماء لمخترعات[8]

هذه هي اللغة العربية؛ تتحدث بكل ثقة ويقين، وتحث الأمة على الاستيقاظ من الغفلة، والعمل بجد والأكل من عمل اليد بدل العيش على موائد الآخر واستهلاك أشيائه والتكلم بلسانه، هذه هي العربية وهي تستنهض الأمة بلسان القرآن وتوقظ فيها حماس القدوة بأسد اللغة الأحياء عند ربهم والأحياء في هذه الأولى، وكلاهما مرابط في ثغور الدفاع عن العربية.

وبالعودة إلى ما تفرضه طبيعة الأسئلة الافتتاحية لهذا المحور، فإنه ومن خلال الحديث عن العربية ومرونتها، وقدرتها على التعامل مع أي تقدم، ومنه ما حصل من تطور تكنولوجي في مجال الإعلام، خاصة على مستوى البث الفضائي، فلا شك أن وسائل الاعلام تستطيع توظيف اللغة العالية في أداء مهامها بكل بساطة، مع احترام قواعدها الأساسية، والاسهام في بناء مجتمع ذي مستوى ثقافي راق.  يقول فريال مهنا: “إن الإعلام إذا ما احترم القواعد البنائية للغة العربية، يمكنه أن يساهم في نقل ثروة لغوية غنية إلى الجمهور للرفع من مستواه الإدراكي والمعرفي والثقافي”[9].

ثم إن العربية بإمكانها أن تبرز لنا لغة وسطى عبر تهذيب اللهجات ورفعها إلى مستوى يقرب من مستوى اللغة العربية الفصيحة، وهذا ما تحدث عن الدكتور شرف خفاجي بقوله: “إن اللغة الوسطى هذه، اعتبرت بمثابة لغة مشتركة بإمكانها أن تكون لغة الإعلام”[10].

(1) – اللغة العربية في البرامج الإخبارية والثقافية والسياسية والإنتاج الدرامي

الإعلام العمومي: هو الاعلام الذي تموّله الدولة وتشرف عليه، وتوجهه ليكون لسان سياستها الرسمية في مختلف الميادين، وينص الدستور المغربي نسخة 2011، على تنظيم هذا القطاع في الفصلين 28 و165. حيث جاء الفصل 28: “يحدد القانون قواعد تنظيم وسائل الاعلام العمومية ومرقبتها، ويضمن الاستفادة من هذه الوسائل مع احترام التعددية اللغوية والثقافية والسياسية للمجتمع المغربي”[11]. وفي الفصل 165: “تتولى الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري السهر على احترام التعبير التعددي لتيارات الرأي والفكر والحق في المعلومة في الميدان السمعي البصري، وذلك في إطار احترام القيم الحضارية الأساسية وقوانين المملكة”[12].

ويتشكل المشهد الإعلامي الرسمي بالمغرب من تسع قنوات فضائية، إلى جانب مجموعة من الإذاعات، تتكون جدولة البث التلفزي والإذاعي لهذه الوسائل من برامج إخبارية، ثقافية، سياسية، ترفيهية، وبرامج الإنتاج الدرامي…

وبخصوص اللغة يستعمل الاعلام العمومي المغربي، العربية الفصحى واللغات الأجنبية في بث برامجه الإخبارية والثقافية، (نشرات، أفلام وثائقية…) وفي هذا الجانب يمكن القول إن العربية تستفيد بحيز بسيط من الاهتمام بها.

وفي البرامج السياسية يستعمل هذا الفضاء العربية بالإضافة الى عامية مهذبة قريبة من الفصحى، لأن معدي هذه الفقرات يستجيبون لرغبة ضيوفها الذي يفضلون التحدث بالعامية، وهي في نظرهم تساعد على نقل ما يقولون للمشاهدين، وفي هذا لا بد من التأكيد على أن خدمة العربية في الإعلام العمومي غائبة بشكل كبير.

 وبخصوص البرامج الترفيهية فإنها تقدم بالعامية المشكلة من العربية مع استعمال ألفاظ اللغات الأجنبية بشكل كبير، ولا خدمة للعربية في هذا الحيز قطعا.

أما في الإنتاج الدرامي، وإنتاج المسرحيات يعتمد الاعلام العمومي في غالبيته العامية المغربية على اعتبار أن أحد أهداف هذا الإنتاج هو الترفيه عن الجمهور، بدعوى أن هذه العامية تحمل بين طياتها تقاليد وقيماً محلية قد يرتاح لها المشاهد العادي، وعليه فهي بكل التأكيد لا تخدم اللغة العربية في الانتشار كما لا ترقى بذوق المشاهد اللغوي.

(2) – اللغة العربية والبرامج الإعلانية في الاعلام العمومي المغربي

للوصلات الإعلانية أو الإشهارية، أهمية كبرى لا يجهلها إلا من يجهل دور الاعلام وقوته في إثبات الحقائق وتغييرها حسب رغبة من يديرونه، والإعلان ليس دائماً ذا بعد تجاري، فأحيانا يرتدي لباسا تجاريا وأحيانا لباسا ثقافيا، وفي أوقات معلومة يظهر بوجهه السياسي، الذي يسوق لفكرة ما قد تتعلق بالانتخابات أو بحث المواطنين على التسجيل في اللوائح الانتخابية أو لأغراض أخرى…لكن ما يهمنا في هذا السياق هو بأي لسان يخاطبنا هذا القسم؟

ذلك أن لغة الخطاب الإعلاني تكتسي أهمية خاصة لدى مهندسي الإعلانات الإشهارية، لأنها ستكون سبباً فاعلاً في إيصال فكرة معينة وفي التأثير على المستقبل وإقناعه، ثم أن الطبيعة التقنية للإعلان، والتي تقوم على مبدأ تكرار الوصلات الاشهارية مع إيجاز التعبير اللغوي، تجعل لسانه متحررا من القواعد البنائية للغة العربية، رغم أهميتها بنص الدستور المغربي، ورغم القيود القانونية، التي تفرض على المعلنين استعمال لغة عربية سليمة، بعيدة عن النابية أو الألفاظ الأجنبية إلا أن الواقع يؤكد العكس تماما.

إن الاعلام العمومي بالمغرب يوظف اللغة العربية الفصحى لكن ليس بالقدر المطلوب، حيث يعتمد وبشكل أكبر على العامية، أو اللغات الأجنبية  كوسائل أساسية لتبليغ المادة الإعلانية للجمهور المستهدف، وتمرير الخطاب التجاري، وفي بعض الحالات الخطاب السياسي، وهذا الأمر لم يكن في صالح دعم وتعزيز العربية، لأن هذه العامية دخلها الكثير من الألفاظ الأجنبية وهذا لا يفيد حتى الثقافة المغربية، لأن هذه اللغة لا تتصل حتى بالمنابع الأصلية للأمازيغية المغربية ولهجاتها المتعددة، بل تقتبس الكثير من المفردات من  الفرنسية، أو الاسبانية، وهي الدول التي كانت تحتل المغرب ومازالت لغاتها تستحوذ على قطاعات حيوية بالمغرب، إما بصفة كلية أو جزئية، وذلك بدعوى العلاقات التاريخية والاقتصادية مع الاحتلال الفرنسي أو الاسباني.

إن التداخل بين اللغة العربية الفصحى والعامية واللغات الأجنبية في الخطاب الإعلامي، ليس أمرا بريئاً أو عفوياً، بل مقصود، يسعى إلى عزل اللغة العربية الفصيحة، بما تحمله من قيم دينية وعمق تاريخي، وإحلال العامية الممزوجة باللغات الدخيلة محل العربية وهذا خطر كبير على هذه الأخيرة، خصوصا أن الإعلام بمختلف أشكاله المكتوبة والمسموعة والمرئية، يعد أكثر لزوما والتصاقاً بالجمهور والواقع ولهذا فهو أداة فعالة في تحقيق أهداف من يسيطر عليه عبر توجيه الرأي العام وفق ما يخدم مصالحه.

كما إن تركيز الاعلام على توظيف اللهجة العامية، على حساب اللغة العربية الفصحى هو انحراف واضح على مستوى المرجعية اللغوية التي تعد أساس الهوية العربية، وأساس الانتماء الحضاري للأمة الناطقة بلغة الضاد، لغة القرآن الكريم، ولغة الحديث النبوي الشريف، هذه اللغة المباركة الشريفة تنفرد عن غيرها من اللغات العالمية بأنها كانت ولا تزال وستظل تمثل هوية الفرد العربي وهوية الجماعة على حدٍّ سواء.

إن التفريط في هذه اللغة في المجال التداولي الإعلامي، هو تفريط في المرجعية الحاضنة لها، التي قوامها الامتداد في عمق التاريخ، والحضارة، والتماسك بين العناصر المكونة لها، وما يقتضي ذلك من أصالة وثبات، على نقيض ما تحيل عليه اللغة الهجينة المميزة للخطاب الإعلامي المعاصر في معظم برامجه، لأن هذه اللهجة لا هوية حقيقية لها، ولا مرجعية محددة تحضنها، إنما هي خليط من عاميات، ولغة فصيحة، وفرنسية وإسبانية، وغيرها، وأيّ لسان بهذه المواصفات لا يمكن أن يسهم في خلق الإبداع، وصناعة الثقافة وبناء الحضارة، بل إن وضعاً لغوياً من هذا النوع سيقوّض الإبداع الثقافي والإنتاج الفكري، لأن اللسان الغريب عن التربة الحضارية للأمة سينجب ثقافة غريبة، وفكراً مغتربا، بل وإنساناً مغترباً عن محيطه المحلي، فاقدا لهويته وانتمائه الحقيقي.

خاتمة

إن الأمة اليوم تعيش فترة المخاض العسير لميلاد فجر جديد وهذا يضع على عاتقنا مسؤولية جسيمة قوامها البناء المتين والعمل المتقن، والتسلح بالمعرفة الحقة، ولا سبيل إلى ذلك في ظل تراخي اللسان وضعفه، وانحلال وسائل الإعلام وتقاعسها ممارسة دورها في تحصين الثقافة المغربية، ونشر الوعي الحضاري، وبناء المواطن القدوة، الذي يتسلم رسالة أسلافه ويحملها، إلى الأجيال القادمة فيجعل منهم ليوثا في الذود عن حياض الأمة، وتحصين لغتها، وكبح جماح الإعلام الغازي.

وفيما يلي بعض المقترحات والتوصيات التي قد تسهم في الرقي بالأداء اللغوي في الإعلام:

  • ضرورة اعتماد إصلاح لغوي شامل يأخذ بعين الاعتبار التمسك باللغة العربية الفصحى وتيسير سبل استعمالها وفرْض احترامها، وتشجيع البحث فيها والتأليف بها، والاستفادة من تجارب الأمم الرائدة في مجال التخطيط اللغوي والإعلامي واستلهام روح التجربة لا لغة التجربة.
  • وضع تصور حضاري لما ينبغي أن تكون عليه لغة الإعلام في المغرب، مع تقليص استعمال العامية في العمل الإعلامي والرفع من استعمال المصطلح العربي الفصيح، وزيادة مساحة وزمن البرامج التثقيفية باللغة العربية الفصيحة.
  • الأخذ بعين الاعتبار قدرات الطالب في اللغة العربية، واعتبارها شرطاً أساسيا للالتحاق بكليات ومعاهد الإعلام المغربية.
  • اعتماد تدريس اللغة العربية في كليات ومعاهد وأقسام الإعلام المغربي، مع تنظيم دورات تكوينية لممارسات العمل الصحفي باللغة العربية الفصيحة.
  • التعاون بين مراكز الأبحاث اللغوية الجامعية واللغويين والمعجميين وبين من يعملون في الاعلام لرفع وتطوير المستوى اللغوي لرجل الاعلام.
  • الترويج لجهود الجامعات والمجامع اللغوية والهيئات والمنظمات التي ترعى اللغة العربية الفصحى
  • عقد لقاءات وحلقات لفقهاء العربية وعلمائها.
  • تنبيه الإعلاميين إلى أبرز الخدمات التي تقدمها المجامع اللغوية لمن يعمل في الإعلام.
  • استثمار الثورة الإعلامية والبث الفضائي في خدمة العربية بتخصيص برامج أساسية لها.
  • تشجيع إنتاج الأعمال الدرامية والسينمائية باللغة العربية الفصحى.

مراجع البحث

  • الإعلام العربي بين الفصحى والعامية: فريال مهنا: مجلة اتحاد الإذاعات العربية عدد 2، 2000.
  • الإعلام موقف: محمود محمد سفر، مطبعة تهامة، السعودية، ط 1، 1982م.
  • انتاج اللغة في النصوص الإعلامية: خليل محمود، الدار العربية للنشر والتوزيع، ط 1، 2009.
  • جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب: أحمد الهاشمي، تحقيق: لجنة من الجامعيين، مؤسسة المعارف، بيروت، ج 2. (د.ت).
  • حوار مع صديق أمازيغي: عبد السلام ياسين، ط 1، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، المغرب، 1997.
  • الخصائص: أبو الفتح عثمان بن جني، جزء 3، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط 4.
  • دستور المملكة المغربية 2011، مركز الدراسات وأبحاث السياسة الجنائية.
  • الدعاية والاعلام: عبد اللطيف حمزة، مطبعة المعارف، ط 2، بغداد،
  • الصحافة اليومية والإعلام، مدخل نظري وعملي إلى علم الإعلام: سامي ذبيان، دار المسيرة للطباعة والنشر، بيروت، ط 2، 1987.
  • لسان العرب: ابن منظور، ج 9، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط 1، 1988،
  • النحو لرجال الإعلام: شرف وخفاجي، ط 1، القاهرة، 1982.

[1] الخصائص: أبو الفتح عثمان بن جني، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط4، (د.ت) جزء 3، ص 34.

[2] لسان العرب، ابن منظور، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط 1، 1988 م، ج 9، ص 371.

[3] الدعاية والاعلام: عبد اللطيف حمزة، مطبعة المعارف، بغداد، ط 2، 1968، ص 75.

[4] الإعلام موقف: محمود محمد سفر، مطبعة تهامة، السعودية، ط 1، 1982 م، ص 21.

[5] الصحافة اليومية والإعلام، مدخل نظري وعملي إلى علم الإعلام: سامي ذبيان، دار المسيرة للطباعة والنشر، بيروت، ط 2، 1987 م، ص 35

[6] انتاج اللغة في النصوص الاعلامية، خليل محمود، الدار العربية للنشر والتوزيع، ط 1، 2009، ص 20.

[7] حوار مع صديق أمازيغي: عبد السلام ياسين، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، المغرب، 1997، ط 1، ص 126.

[8] جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب: أحمد الهاشمي، تحقيق: لجنة من الجامعيين، مؤسسة المعارف، بيروت، ج 2. (د.ت).

[9]  لغة الإعلام العربي بين الفصحى والعامية: فريال مهنا: مجلة اتحاد الإذاعات العربية، عدد 2، 2000، ص 33.

[10] النحو لرجال الإعلام: شرف وخفاجي، ط 1، القاهرة، 1982، ص 30.

[11] دستور المملكة المغربية 2011، مركز الدراسات وأبحاث السياسة الجنائية، الفصل 28، ص 24.

[12] نفسه: الفصل 165، ص 62.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.