مذكرات سائق سيارة الأجرة (قصة قصيرة)
عبد الفتاح بلخوار
مذكرات سائق سيارة الأجرة (قصة قصيرة)
بقلم: عبد الفتاح بلخوار
فكرت كثيرا في أن أحكي ذكرياتي، باعتباري سائق سيارة أجرة، و ذلك لاعتقادي أن هذه المهنة، تمكن الإنسان من معرفة الواقع، وتتبع تطوراته، و استكشاف مكامن الخلل فيه، و أعتقد جازما أن علم الاجتماع، لا يستغني أبدا إن أراد فهم الواقع، عن استشارة المعنيين، ومن أهم المعنيين المعايشين، سائق سيارة الأجرة، الذي بحكم عمله تعرض عليه حالات كثيرة، متناقضة في غالب الأحيان من المجتمع، من هنا جاء اهتمامي بهذا الموضوع، و إصراري على الكتابة فيه، رغم ما يكتنفه من مشاكل و عقبات.
وعلى بركة الله أبدأ الحكاية؛
اجتزت المرحلة الثانوية بنجاح، حصلت بموجبها على شهادة الباكلوريا، و كنت أحلم بالمستقبل الزاهر الذي ينتظرني، الباسم الثغر، الزهري اللون، المشرق كالبدر ليلة اكتماله، التحقت بالجامعة، و اخترت تخصصا أحبه، و أرتاح عند مدارسته، اخترت الأدب العربي و كلي شوق لمعرفة أكثر و علم أوفر، يربطني بشخصيات لطالما أحببتها، و استمتعت و أنا أقرأ إبداعاتها الخالدة، شخصيات رسمت لها رسومات في مخيلتي، فكان اختياري لهذا التخصص بهذا الدافع، و لأجل هذا الهدف.
مرت أربع سنوات داخل “الحرم الجامعي”، سريعة فقدت خلالها اتصالي بالعالم الخارجي، فكنت كمن فقد الذاكرة، بهرت بواقع الساحة الجامعية، و التحقت بنضال الحركة الطلابية العادل، و سرقت مني الأيام والشهور، تعلمت أشياء كثيرة خلال الفترة الجامعية، و تعرفت على الواقع السياسي كما هو، بتناقضاته وتحالفاته، بشعاراته و خطاباته، بألوانه المختلفة، الداكن منها و الفاتح، تعرفت على الصادق منها و الكاذب … تعلمت أمورا كثيرة في الجامعة، غير أن ما دخلت من أجله إليها لم أجده بالشكل الذي كنت أتوقعه، فكان تعلمي في الساحة أكبر مما تعلمته في المدرج، و هذا موضوع آخر يتعلق بالبرنامج التعليمي، ليس لنا الوقت للخوض فيه و نقده و مناقشته.
حصلت على الإجازة، و صدمت بواقع مرير، خرجت لعالم لا رحمة فيه، طرقت الأبواب باحثا عن العمل، جوبهت إما بالصد أو بالرد اللبق، و هما في نظري سيان، و ما زلت أتذكر يوما قررت الذهاب فيه إلى الوكالة الوطنية للتشغيل التي تختصر ب “سيوب siop” استقبلني الموظف المكلف بالاستقبالات، بابتسامة “منافقة”، طلب مني التسجيل، و لحسن حظي أن الوثائق كانت في جيبي، و هي في حقيقة الأمر لم تفارقه منذ خرجت من الجامعة، أعطاني البطاقة، و أرسلني إلى مكتب آخر، لأقابل موظفا آخر، انتظرت أمام الباب لأن الضحايا كانوا كثر، حان دوري بعد ساعة تقريبا، تحدثت خلالها مع زملائي المرتقبين في كل شيء، في جميع الموضوعات، في السياسة و الاقتصاد في البطالة و حلم العمل، دخلت، استقبلني الموظف بنفس ابتسامة زميله، طلب مني الجلوس، بلكنة عراقية ربما، و هي على كل حال ليست مغربية، و تساءلت في نفسي، ألا يوجد مغربي ليشغل هذا المنصب؟ سألني عن دراستي، عن الوضع الاجتماعي، عن العائلة و الإخوة، و اعتقدت في وقت من الأوقات، أنني في مخفر للشرطة، في آخر المطاف، و بكل خشوع و بعينين لامعتين متأثرتين، قال لي هذا الرجل الطيب، هذا الموظف المستورد من بلادنا العربية الشقيقة، ما أنصحك به يا بني، و صمت برهة، تخيلت فيها جميع النصائح الممكنة، تخيلت فيها أنني توظفت، و أنه أصبح لي كيان، و أيقظني الموظف بصوته المتأثر الرخيم، باعثا لي برسالة حارة، أنصحك يا بني أن تبحث لك عن عمل! أحسست بزلزال كبير، يهدم كل ما بنيته في خيالي، و ما يزال هذا الحدث محفورا في ذاكرتي، زادني إحساسا بعمق معاناتي، و عظم المشكلة التي أعيشها.
بقيت ما يقارب السنة دون عمل، أمد يدي لوالدتي، أطلب دريهمات من أجل الاستحمام، أفعل ذلك على استحياء ، و لكن لا مفر، و أخيرا اشتغلت في مركز للنسخ، ما يزيد على العشر ساعات يوميا، أتقاضى لأجل ذلك خمسمائة درهم شهريا، لا تغطي مصاريف تنقلي من البيت إلى العمل، بعد سنتين وفرت مما كنت أتقاضاه مبلغا مهما، أو هو كذلك في اعتقادي ألفا درهم، توجهت في الحال إلى مدرسة لتعليم السياقة، حصلت على رخصتي، و ضعتها في جيبي، و لم يكن لي أي هدف من التحاقي بالمدرسة، سوى الرخصة، و من أقدار الله سبحانه و تعالى، التقيت أحد أصدقائي الضحايا، و أبلغني خبرا سارا، أنه حصل على رخصة الثقة، التي يستطيع بها أن يشتغل سائقا لسيارة الأجرة، و أنه بإمكاني أنا أيضا أن أحصل عليها، و أن الدولة تتعامل بمرونة مع أصحاب الشواهد، عند اجتيازهم للامتحان، جمعت الأوراق المطلوبة، و ضعتها عند الجهة المعنية، و انتظرت ما يقارب الشهرين تنظيم الامتحان، اجتزته وكان فعلا مثل ما قال صديقي، وأصبحت رسميا سائق سيارة الأجرة.