التخطيط اللغوي: قراءة تحليلية في الرؤية الاستراتيجية والقانون الإطار51.17
التخطيط اللغوي: قراءة تحليلية في الرؤية الاستراتيجية والقانون الإطار51.17/ د. عبد الرحيم ناجح
التخطيط اللغوي: قراءة تحليلية
في الرؤية الاستراتيجية والقانون الإطار51.17
د. عبد الرحيم ناجح[1]
نشر بمجلة النداء التربوي، العدد 25-26، السنة الثالثة والعشرون 1441 هـ – 2020م، الصفحات من 75 إلى 91
ملخص:
يهدف هذا البحث إلى تسليط الضوء على التخطيط اللغوي المدرسي في المغرب من خلال رصده في الوثيقة الخاصة بالرؤية الاستراتيجية 2015-2030 والقانون الإطار51.17. يتكون متن البحث من وثيقتين تنتظمان الوضع اللغوي في السياق المدرسي المغربي. في الفقرة الأولى، نسعى إلى تحديد مفهوم التخطيط اللغوي المدرسي ورصد مختلف مجالاته. ونتناول، في الفقرة الثانية، الإيديولوجية والمعتقدات التي تؤثر في التخطيط اللغوي المدرسي. ونهتم في الفقرة الثالثة بتتبع الوضع اللغوي بالرؤية الإستراتيجية. ونختم بالوضع اللغوي في القانون الإطار في الفقرة الرابعة.
Language planning in Moroccan school: an analytical reading in the strategic vision2015-2030 and Framework Document 17.51
Abstract:
This research aims to shed light on language planning in Moroccan schools, which was followed in the document Strategic Vision 2015-2030 and Framework Document 51.17. The corpus of research includes two documents that organize the linguistic situation in the Moroccan school context. In the first paragraph, we seek to define the concept of school language planning, by monitoring its different domains. The second paragraph deals with the ideology and beliefs that affect language planning at school. In the third paragraph, we are interested in monitoring the linguistic situation with the strategic vision. The fourth paragraph ends with the language situation in the framework document.
مقدمة
اعتمد المغرب رؤية استراتيجية لإصلاح التعليم تمتد من (2015) إلى (2030). بلورها المجلس الأعلى للتعليم استنادا إلى مشاورات مع مختلف الفاعلين والشركاء. وقد شملت مجموعة من المجالات التي تعد منطلقات للإصلاح المنشود. ولم يشذ المجال اللغوي عن هذا الاهتمام، حيث أولتها الرؤية الاستراتيجية أهمية خاصة، نظرا للدور الذي يضطلع به التخطيط اللغوي في تحقيق الأهداف السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية التي تتوق الرؤية إلى تحقيقها. وقد عقب الرؤية الاستراتيجية استصدار القانون الإطار (51.17) الذي أثار العديد من الآراء التي وسمت القضية اللغوية في المغرب. فانقسم الخائضون في القضية اللغوية إلى فريق يدافع عن اللغة العربية لغة للتدريس تحمله في ذلك قضايا الهوية والدين والتشبث بها، وفريق ينافح عن اللغات الفرنسية لغة للتدريس يحمله في ذلك هاجس المستقبل واللحاق بالركب الحضاري. وبين هذا الفريق وذاك، يتم تسييس القضية اللغوية وتعويمها في السجالات التي تفتقر إلى الحجج والمبررات العلمية. فعوض أن يُنظر إليها في أبعادها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتنموية، يُقتصر في الدفاع عنها بوصفها مكونا أساسيا في الهوية والدين فحسب.
صحيح أنه عادة ما يكون مصدر الصراعات حول السياسة اللغوية داخل المدرسة صراعات تعكس جانبا من الصراع على السلطة السياسية والموارد الاقتصادية. لذلك من أجل فهم السياسة اللغوية والنقاشات الدائرة حولها، يجب علينا دراسة العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية الكامنة وراءها؛ لأن القيمة الرمزية للغة عميقة. وبالتالي، فما نراه اليوم من نقاشات حول القضية اللغوية داخل المدرسة قد يمثل تفاوضا حول هويات معقدة موسومة بالتغيير المستمر. وقد يمثل تشبثا للجماعات المهيمنة التي تسعى إلى الاحتفاظ بمختلف أشكال القوة السياسية والاقتصادية من خلال تشبثها بأحد الخيارات اللغوية داخل المدرسة بوصفها الأداة المشرعنة لتمرير خطابها.
يشكل التخطيط اللغوي المدرسي أحد المباحث التي تعنى بالقضية اللغوية في السياق المدرسي، والإطار الأنسب لفهم ومقاربة هذه الإشكالات. ويسعى إلى مقاربة جملة من الأسئلة من قبيل: ما اللغات التي يتعين إدراجها داخل المدرسة؟ وكيف يمكن تدبير التعدد اللغوي داخلها؟ كيف يمكن أن تحقق السياسة اللغوية المتبعة داخل المدرسة الإنصاف والمساواة في الاستفادة من الخدمة التربوية؟ كيف يمكن أن تعمل السياسة اللغوية داخل المدرسة على مجاراة الرهانات السياسية والجيوستراتيجية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية التي ينخرط فيها المجتمع؟
نهتم في هذا المقال بعرض التخطيط اللغوي، كما تقدمه الرؤية الاستراتيجية والقانون الإطار. ونعمل على رصد مختلف التغييرات التي لحقت التخطيط اللغوي. ثم نعمل على رصد الفروقات بينهما.
1.التخطيط اللغوي المدرسي
ظهر التخطيط اللغوي بوصفه مبحثا يسعى إلى تقديم حلول للمشاكل اللغوية عقب نيل البلدان المستعمرة للاستقلال. وتحول اهتمامه، بعد ذلك، إلى الانشغال بإيجاد حلول للتغيرات الثقافية والإيديولوجية والاجتماعية والسياسية التي تلحق المجتمعات جراء القرار اللغوي المتخذ (ريسونتو (Ricento, 2000). وإذا كانت معظم الدراسات ذات الصلة بالتخطيط اللغوي تعمل جاهدة على استقصاء علاقة استعمال اللغات في الفضاء العام باعتباره الفضاء الذي يجسد المشترك، فقد أولى التخطيط اللغوي اليوم، اهتمامه إلى السياقات المؤسسية (institutional contexts)، مثل المدارس وأماكن العمل (معامل ومصانع،) (ريسونتو،2006). هذان التحولان اللذان وسما التخطيط اللغوي قادا إلى ما أصبح اليوم يعرف بالتخطيط اللغوي المدرسي أو التخطيط اللغوي في السياق المدرسي.
1.1 مفهوم التخطيط اللغوي المدرسي
يقصد بالتخطيط اللغوي المدرسي القرارات المتخذة من أجل التأثير في بنية اللغات في المحيط المدرسي وفي وظائفها وطرق اكتسابها. ويعد التخطيط اللغوي المدرسي أحد أهم الاتجاهات التي حظيت ابتداء من سنة (1980) بأهمية بالغة، حيث تحول اهتمام التخطيط اللغوي بوضع اللغات داخل المدرسة عوض اهتمامه بها بالفضاء العمومي، كما أشرنا إلى ذلك سابقا. ويرجع السبب الأول، تبعا لفيشمان (Fishman,1972)، إلى تعليم فئات يتكلمون لغات مختلفة في سياق مدرسي موحد. ومن ثمة، يقوم التخطيط اللغوي المدرسي على الفكرة التي تفيد أنه يتعين الاهتمام بالبيئة اللغوية من خلال اعتبار كل لغة من اللغات موردا ينبغي الحفاظ عليه. ويقوم السبب الثاني على ما يفيد أن البيئة المدرسية لا ينبغي أن تكون عاملا من عوامل فقدان لغة من اللغات (كورسان (Corson, 1999). في هذا الصدد، أشار هوجن (Haugen,1983) إلى أن التربية تعد عاملا قويا ساهم في ظهور التخطيط اللغوي المدرسي. ويعد سبولسكي (Spolsky,1978 ;1979) أحد الرواد الأوائل الذين اهتموا بمبحث التخطيط اللغوي المدرسي، ودعاه سياسة تعليم اللغة. (language éducation policy) وسماه كوبر (Cooper,1989) تخطيط الاكتساب (planning acquisition).
ويرجع سبب تحول اهتمام التخطيط اللغوي بوضع اللغات في المدرسة إلى دور هذه الأخيرة في إحداث التغير المنشود بوصفها آلية تغيير قوية؛ لأنه “عندما يتم تفعيل السياسة اللغوية في المدرسة، فإنها تكون مقرونة بالسلطة والعدالة الاجتماعية في مختلف أبعادها” (كورسن،6:1999). و”رغم أن الأنظمة السياسية والاقتصادية تستدعي قدرات لسانية، فإنها تخلق شروطا وسياقات تمنع الغالبية العظمى من امتلاك هذه القدرات اللسانية. وتعد السياسة اللغوية داخل المدرسة إحدى أهم الآليات الموظفة لتحقيق هذه الغاية” تولفسون (Tollefson,1991 :7). في هذا السياق، خلصت مجموعة من الدراسات التجريبية والنظرية إلى مساهمة مدارس في انقراض لغات، كما ساهمت مدارس أخرى في الحفاظ على لغات أخرى، وفي إغنائها. وبالتالي، تعد المدرسة آلية من الآليات الأساسية لتفعيل السياسة اللغوية.
2.1.مجالات التخطيط اللغوي المدرسي
يغطي التخطيط اللغوي المدرسي ثلاث مجالات: تخطيط المتن وتخطيط الوضع وتخطيط الاكتساب. ويقصد بتخطيط المتن ثلاث عمليات أساسية: المعيرة (standardization)، وتطوير نظام الكتابة(graphization)، والعصرنة (modernization). ويراد بالمعيرة تحديد نظام القواعد التي تمكن من التمييز بين الاستعمال السليم للغة، والاستعمال المجانب للصواب. ويمثل نظام الكتابة النظام المعتمد لكتابة اللغة موضوع التعلم. وتقوم العصرنة على اتباع خطة محكمة لإدماج وانتقاء مفردات جديدة فرضتها التحولات والتفاعلات والاتصالات التي يعرفها النظام اللغوي مع مختلف الأنساق اللغوية المتاحة، وكذا الأنساق الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها. ويقصد بتخطيط الوضع المعايير التي ينضبط لها اختيار تدريس لغة ما في مرحلة عمرية، إضافة إلى المعايير المعتمدة من أجل تحديد لغة التدريس بناء على ما يحصل من تحولات بسبب الهجرة أو التطور التكنولوجي أو تحولات ثقافية واجتماعية وسياسية تلحق النسيج المجتمعي. فاختيار لغة التدريس لا ينضبط فقط للهواجس الإيديولوجية أو الثقافية، وإنما تحكمه عوامل متعددة، يتداخل فيها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي وغيرها. ويشترط، في المقام الأول، وجود العديد من اللغات المهيأة للاضطلاع بهذا الدور؛ فلا مجال للحديث عن اختيار لغة التدريس إلا في نطاق فيه الاختيار ممكن وواقع. وعادة ما يرجع اختيار لغة التدريس إلى كونها لغة معيارا، بحيث تتيح إمكانية توظيف الموارد البشرية والمناهج والمقررات الدراسية على أوسع نطاق.
2.الإيديولوجيا والمعتقدات التي تؤثر في التخطيط اللغوي المدرسي
يمكن التمييز بين اللغة بوصفها أداة للتواصل بين الأفراد داخل الجماعة اللغوية، وواسمة للهوية وخزانا للمعتقدات. وعندما ينظر إلى اللغة بوصفها واسمة لهوية المجموعة، وعاملا حاسما للوصول إلى السلطة السياسية والموارد الاقتصادية، فإنه يزداد احتمال الصراع اللغوي، ويمكن تعبئة المجموعات الإثنية اللغوية حول قضايا اللغة. وبالتالي، فإن الصراع اللغوي داخل المدرسة هو صراع حول السلطة السياسية والموارد الاقتصادية في المستقبل على المدى المتوسط والبعيد.
إن المعتقدات التي تؤثر في التخطيط اللغوي تتنازعها عدة عوامل تبعا للسياق المجتمعي. ففي حالة السياق الإسرائيلي، يؤكد فيشمان (2006ب) أن التخطيط اللغوي المدرسي ينضبط إلى عاملين: العامل الثقافي الذي يعلي من قيمة اللغة العبرية، والعامل النفعي الذي يعلي من قيمة اللغة الإنجليزية لاعتبارات اقتصادية وسياسية وغيرها. أما في حالة المغرب، فهناك عوامل متعددة تتنازع التخطيط اللغوي المدرسي. فالعامل الحضاري والديني والارتباط التاريخي يعليان من قيمة اللغة العربية. والعامل الهوياتي والسوسيوثقافي يؤثران في وضع اللغة الأمازيغية. كما أن العامل السياسي والجيوستراتيجي وعامل الترقي الاجتماعي يمنحان اللغة الفرنسية قيمة اعتبارية داخل البيئة المدرسية. ويتم إيلاء اللغة الإنجليزية القيمة النفعية بوصفها اللغة الأكثر تداولا في العالم، كما تشير إلى ذلك الرؤية الاستراتيجية. وتعد اللغة الإسبانية لغة تختزن قيم الانفتاح الجغرافي والقرب والجوار الثقافي والعلاقات الثنائية المشتركة. إن هذا التوتر بين هذه القيم هو ما يضفي مشروعية على التخطيط اللغوي المدرسي، ويجعل منه آلية لتدبير الوضع اللغوي تدبيرا لخلق التوازن بين هذه القيم المختلفة.
ومن بين العوامل الإيديولوجية الأساسية التي يمكن أن تفسر مشروعية التخطيط اللغوي المدرسي القوة التواصلية التي تسم لغة ما في علاقتها باللغات الأخرى المتواجدة معها في البيئة المجتمعية. وهو ما يسميه دوسوان (de Swaan,2001) بالقيمة-كاف. (Q-value) ويراد بها عدد الأفراد الذين يحتمل التواصل معهم عند توظيف لغة من اللغات. إن هذا المعتقد يؤثر على تعليم اللغات وتعلمها. فالقيمة-كاف للغة الفرنسية؛ أي الأفراد الذين يحتمل التواصل معهم بها ينتمون إلى قطاعات معروفة، مثل قطاع الجيش والصحة والهندسة بمختلف أنواعها، وأن القيمة-كاف للغة العربية تنحصر في أفراد ينتمون إلى مجالات بعينها. ورغم أن القيمة-كاف للغة الإنجليزية منخفضة داخليا، إلا أن قيمتها مرتفعة خارجيا نظرا إلى الاعتقاد بقيمتها العلمية في العصر الحاليـ وفي إمكانية التواصل بها على نطاق واسع. إلى جانب هذا، ورغم أن اللغة العربية واللغة الأمازيغية لغتان رسميتان بموجب دستور2011، ورغم ارتباط الأولى بالاعتقاد الديني والحضاري، والثانية بالتنوع الثقافي، فإن القيمة-كاف لكل منهما ضعيفة جدا، مما يؤثر على تعليمهما وتعلمهما. في ضوء اختلاف القيمة-كاف لكل اللغات في البيئة المجتمعية المغربية، يتعين أن ينظر التخطيط اللغوي المدرسي إلى المراحل العمرية التي يتعين أن تدرج فيها اللغة موضوع التعلم، وإلى طرق تعليمها وتقويمها.
إضافة إلى ما سلف، يميز (غاردنر ولامبرت (Gardner & Lambert,1972) بين الوظيفة الأداة والوظيفة الإدماجية للغة اللتين يمكن أن تؤثر في تعليم اللغات وتعلمها. ويقصد بالوظيفة الأداة اعتقاد المتعلم أن الغاية القصوى من تعلم لغة ما، تتمثل في إقداره على التواصل بها في وضعيات تستدعي هذا، بينما يقصد بالوظيفة الإدماجية اعتقاد المتعلم أن الهدف الكامن وراء تعلم اللغة يتمثل في اندماجه الثقافي والهوياتي داخل الجماعة. وإذا عدنا إلى الوثيقتين المعنيتين بالتحليل، فإننا سنجد أن الوظيفة الإدماجية مرتبطة باللغتين العربية والأمازيغية، في حين ترتبط اللغات الأجنبية بالوظيفة الأداتية، كما سنبين في الفقرتين (3) و(4).
ويعد الدين قوة كبرى لتعديل وضع اللغة. في هذا الصدد، يرى كوبر (1989) أن الدين يعد من بين العوامل التي تحدد الاختيارات اللغوية داخل المدرسة، مثلما حصل بالنسبة للغة العربية والعبرية من أجل الحفاظ على النصوص المقدسة. واعتبر كابلان وبالدوف (Kaplan & Baldauf,1997) أن انتشار المسيحية ضرب من الإمبريالية اللسانية. عموما، لم تحظ العلاقة بين الدين والسياسية اللغوية بما يكفي من الدراسات. ومع ذلك، تعد بعض الدراسات مؤسسة للبحث في هذه العلاقة. ويمثل فرغيسون (1982) أحد الرواد الذين عنوا باستقصاء مداخل العلاقة بين الدين والسياسة اللغوية. في هذا السياق، يؤكد فرغيسون أن”توزيع أنظمة الكتابة في العالم مرتبط بتوزيع الديانات الرئيسية”. وبالتالي، أينما انتشرت المسيحية إلا وقدمت مجموعة متنوعة من أنظمة الكتابة اللاتينية لكتابة لغات لم تكن مكتوبة سابقًا. وبالمثل، أينما انتشر الإسلام إلا وارتبطت لغات البلدان بنظام الكتابة العربي. وقد استخدم اليهود الحروف الهجائية العبرية لكتابة العديد من اللغات الأم الأخرى التي اكتسبوها على مر القرون (أصناف من اللغة العربية والفارسية ولغات أخرى)” (سبولسكي،49:2004).
3.الوضع اللغوي في الرؤية الاستراتيجية 2015-2030
قبل عرض الوضع اللغوي الذي تقدمه الرؤية الاستراتيجية، نفضل أن نعالج مجموعة من التساؤلات الأساسية التي تطرح في التخطيط اللغوي المدرسي، وهي كما يلي:
أولا، ما اللغة التي يتعين أن تكون لغة تدريس؟ يطرح هذا التساؤل لمجموعة من الاعتبارات. أولا، غالبا ما يكون الأطفال الوافدون على المدارس غير متحكمين في اللغة أو اللغات التي تريد المدرسة ترويجها (سبولسكي، (1974. ثانيا، عادة ما يتحدث الأطفال صنوفا من اللهجات داخل البيت، وبالتالي يتوقعون تعلم لغات (رسمية، دينية، ممعيرة، كلاسيكية،…) بالمدرسة. لذلك، يسعى التخطيط اللغوي المدرسي إلى ردم الهوة بين لغات منطوقة في البيت ولغات موضوع تعلم داخل السياق المدرسي.
ثانيا، في أي عمر ينبغي أن يتم فيه تعلم اللغات في المدرسة؟ في هذا الشأن، ينبغي أن نشير إلى وجود نموذجين مشهورين. أولا، النماذج التعليمية لمستعمرات بريطانيا التي تقوم على تدريس اللغة الأم في البداية. ثم يتم إدراج اللغة الرسمية أو اللغة المعيار في السنوات القليلة الأولى. ثانيا، النماذج الذي تتبعه المستعمرات الفرنسية والبرتغالية القائمة على تعليم اللغات الرسمية أو اللغات المعيار. وبين هذين النموذجين، توجد العديد من الخيارات. منها الخيار الذي يتبنى تعليم اللغة المعيار، ويسمح بتداول اللغات المحلية بين المدرسين والمتعلمين داخل الفصول الدراسية. وهناك الخيار الذي طور نموذجا مركبا من التفاعل بين اللغة الأم واللغات غير اللغات الأم. إلى جانب هذا، هناك خيار يرى ضرورة التحكم في اللغة الأم قبل الشروع في تعليم اللغات المعيار أو اللغات الكولونيالية وإدراجها في المحيط المدرسي (سبولسكي،2004).
ثالثا، ما اللغات التي يمكن تدريسها في المحيط المدرسي؟ إن مقاربة هذا السؤال تستدعي البحث عما يجعل اختيار لغة ما مبررا في السياق المدرسي، وفي أي مستوى من المستويات يمكن ذلك؟ من الضروري اختيار اللغات الرسمية أو اللغات الدستورية؛ لأنها لغات تقوم عليها رهانات مختلفة؛ سياسية واقتصادية ودينية وثقافية وغيرها. ومن المعتاد أن يتم اختيار لغة أجنبية واحدة على الأقل قصد تعليمها. وعادة ما تكون اللغة الأكثر تداولا، كما هو الشأن بالنسبة للغة الإنجليزية، أو لغة دولة جارة من أجل إرساء العلاقات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وقد يؤول اختيار لغة إلى علاقات تاريخية، كما هو الحال بالنسبة للغات الكولونيالية. وفيما يلي، نقدم الوضع اللغوي وفق الرؤية الاستراتيجية 2015-2030.
الجدول (1) اللغات المدرسة ولغات التدريس وفق الرؤية الاستراتيجية 2015-2030
| السلك التعليمي | اللغات المدرسة | لغات التدريس |
| التعليم الأولي | عربية (السنة الأولى) + فرنسية (السنة الأولى) | عربية |
| التعليم الابتدائي | عربية (السنة الأولى) + أمازيغية (السنة الأولى) + فرنسية (السنة الأولى) + إنجليزية (السنة الرابعة) | عربية |
| التعليم الإعدادي | عربية + أمازيغية + فرنسية +إنجليزية | عربية +فرنسية (بعض المضامين أو المجزوءات على المدى المتوسط) |
| التعليم الثانوي | عربية + أمازيغية +فرنسية +إنجليزية + لغة اختيارية، مثل الإسبانية) | عربية+ فرنسية (بعض المضامين أو المجزوءات على المدى القريب) + إنجليزية (المدى المتوسط بعض المضامين والمجزوءات) |
| التعليم الجامعي | غير محددة | غير محددة |
| التكوين المهني | غير محددة | اللغات المعتمدة+ إنجليزية |
لم تحدد الرؤية الاستراتيجية المقصود ب «المضامين أو المجزوءات” التي يتعين أن تتخذ اللغة الفرنسية أو الإنجليزية لغة للتدريس. كما أنها لم تحسم في خيار لغة تدريس العلوم والتقنيات في الجامعات والمعاهد العليا، ما عدا إشارتها إلى ضرورة “إدراج وحدة مدرسة باللغة العربية في المسالك المدرسة باللغات الأجنبية في التعليم العالي بالنسبة للمغاربة”. وهو ما يوحي بنهج سياسة التناوب بين اللغة العربية واللغات الأجنبية بالنسبة للمتعلمين المغاربة فقط. ولم تحدد الرؤية الاستراتيجية المقصود بالوحدة المدرسة؛ أهي وحدة علمية أو وحدة من وحدات العلوم الإنسانية؟
عموما، قدمت الرؤية الاستراتيجية تصورا يخص اللغات المدرسة ولغات التدريس، بحيث نزعت إلى تنويع عرض لغات التدريس بالمدرسة المغربية لأول مرة في تاريخ النظام التعليمي المغربي. ومع ذلك، لم تحسم خيار لغة تدريس العلوم والتقنيات في جميع الأسلاك التعليمية. وجعلت تدريس العلوم والتقنيات، مثل تدريس الإنسانيات وغيرها من التخصصات.
4. الوضع اللغوي في القانون 51.17
أفرد القانون الإطار للمسألة اللغوية المادة (31). وروجت مجموعة من المفاهيم الجديدة متمثلة في “الهندسة اللغوية”، و”التناوب اللغوي”، و”التملك الوظيفي للغات”. ويقصد بالهندسة اللغوية إعمال مجموعة من المبادئ عند التعامل مع الشأن اللغوي داخل المدرسة. وحددها القانون الإطار في سبعة مبادئ نوردها، كما يلي:
- “ينضبط التخطيط اللغوي المدرسي في المغرب إلى اختيار اللغات في بعدها الوظيفي. ويقصد بالبعد الوظيفي ما يلي:
أولا، ترسيخ الهوية الوطنية. ثانيا، إكساب المعارف والكفايات. ثالثا، تحقيق الانفتاح على المحيط المحلي والكوني. رابعا، ضمان الاندماج الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والقيمي”.
يبدو من خلال ما تم إيراده في هذا المبدأ، أن الخيارات اللغوية تتجاذبها قوتان تتمثلان في الهوية والاستثمار. وبالتالي فالمبدأ تتنازعه اللغة بوصفها أداة لتحقيق مجموعة من الأهداف ذات الصلة بالفرد والمجتمع، واللغة بوصفها واسمة للهوية من خلال التأكيد على دورها في ترسيخ الهوية الوطنية. يقوم ربط الخيارات اللغوية ببعدها الوظيفي على نزوع براغماتي يخفي توجها يرمي إلى تجاوز ربط اختيار اللغات بالصراع على السلطة السياسية والموارد الاقتصادية إلى ربطها بوظيفتها بالنسبة للجماعة والأفراد على حد سواء. والسؤال المطروح: هل من وظيفةٍ للغات داخل السياق المدرسي غير الصراع على السلطة السياسية وبلوغ الموارد الاقتصادية وتحقيق الهيمنة الإيديولوجية؟ وما هي اللغات التي يمكن أن تضطلع بهذه الوظائف التي حددها القانون الإطار؟
إن ترسيخ الهوية الوطنية بوصفها الرابطة القيمية والتاريخية التي توحد المغاربة بمختلف تلويناتهم اللغوية ومشاربهم الثقافية قائم على تعليم اللغات الوطنية التي تعكس ثقافة المغاربة وقيمهم وعاداتهم وتاريخهم المشترك. وإذا كانت اللغتان الرسميتان العربية والأمازيغية هما اللغتان اللتان يتجذر فيهما المشترك المغربي، فإن المقصود بالخيار اللغوي المرتبط بترسيخ الهوية الوطنية مرهون باللغتين العربية والأمازيغية. ومع ذلك، يبقى هذا الخيار غير قادر على استيفاء المشترك في كليته، طالما أن “العربية المغربية” بوصفها نسقا لغويا مستقلا بذاته الأقرب وظيفيا إلى ترسيخ الهوية الوطنية؛ لأن المغربي لا يختلف عن غيره بالعربية أو بالأمازيغية فحسب، وإنما بالعربية المغربية.
وإذا تساءلنا عن اللغة أو اللغات التي يمكن أن تسهم في “إكساب المعارف والكفايات”، فإننا لا محالة سنجد أنفسنا غير قادرين على تحديد هذه اللغات التي يمكن أن تضطلع بهذا الدور؛ فكل اللغات، سواء اللغات الرسمية أو الأجنبية يمكن أن تضطلع بهذه المهمة إذا روعي في تعليمها الشروط والمقتضيات الديداكتيكية والبيداغوجية الضرورية. وبالتالي، فإن ربط الخيار اللغوي داخل السياق المدرسي ببعده الوظيفي المتمثل في “إكساب المعارف والكفايات”، لا يعد عاملا مباشرا في تحديد لغات، أو إقصاء أخرى من السياق المدرسي.
وإذا انطلقنا من الوظيفة المتمثلة في “تحقيق الانفتاح على المحيط المحلي والكوني” سعيا إلى البحث عن اللغة أو اللغات التي يمكن أن تضطلع بهذا الدور، فإننا سنصطدم بتحديد المقصود بالانفتاح، وبتحديد أبعاده، سواء على المستوى المحلي أو الكوني. لذلك، ستتيح هذه العبارة تأويلات مختلفة، قد تسهم في إخفاء الرغبة في فرض الهيمنة الإيديولوجية والسياسية؛ لأن جميع اللغات تتيح الانفتاح على المحيط الكوني كل بحسب تداولها. وبصرف النظر عن المقصود بالانفتاح ومستوياته، تعد الإنجليزية اللغة الأقرب إلى الاضطلاع بمهمة الانفتاح على المحيط الكوني اقتصاديا وسياسيا وثقافيا؛ لأنها لغة كونية (global language) ومتداولة. أما بالنسبة إلى الانفتاح على المحيط المحلي، فجميع اللغات سواء العربية أو العربية المغربية أو الأمازيغية بتلويناتها الثلاثة قادرة على لعب هذا الدور.
أما فيما يتعلق ب “ضمان الاندماج الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والقيمي”، فيرتبط بإثارة مسألة التخطيط اللغوي في علاقتها بالعولمة (بلومارت (Blommaert,2010)، و(كوبلان (Coupland, 2003))؛ لأن “الاندماج” رغبة في أن يكون الاقتصاد والقيم والثقافة الوطنية متساوقة مع مقومات الاقتصاد والثقافة والقيم العالمية؛ لأن العولمة (globalization) والمحلية (localization) مفهومان مرتبطان. في هذا الصدد يقول (كولينز وآخرون (Collins et al. (2009: 1)):”إذا كنا نعيش في عالم معولم، فنحن نعيش فيه من خلال الظروف المحلية. لذلك، ترتبط العولمة بالمحلية بالضرورة”. لذا، يُفترض أن تكون اللغات التي تتيح انخراط المغرب في سياق العولمة، هي اللغات المحلية، من خلال إيلائها المكانة اللازمة في الاضطلاع بأدوارها الثقافية.
- يخضع التخطيط اللغوي المدرسي في المغرب لضرورة تمكين المتعلم من اللغتين الرسميتين (العربية والأمازيغية)، واللغات الأجنبية، ولا سيما في التخصصات العلمية والتقنية، مع مراعاة مبادئ الإنصاف وتكافؤ الفرص.
لا يختلف المبدأ الثاني عن المبدأ الأول؛ لأن الحديث عن”ترسيخ الهوية الوطنية” غير منفصل عن تعليم اللغتين الرسميتين وتعلمهما، وأن تمكين المتعلم من اللغات الأجنبية غير منفصل بدوره، عن تحقيق الانفتاح على المحيط المحلي والكوني، وله علاقة وطيدة بضمان الاندماج الثقافي والاجتماعي والثقافي والقيمي. ومع ذلك، يعمل المبدأ الثاني على إدراج ربط تدريس التخصصات العلمية والتقنية، ولا يخصها بلغة معينة، كما ورد في الرؤية الاستراتيجية التي نصت صراحة على تدريس “بعض المضامين أو المجزوءات” باللغات الأجنبية. إضافة إلى هذا، لم يتم تحديد اللغات الأجنبية التي يمكن أن تضطلع بهذه المهمة، رغم أن الرؤية الاستراتيجية أجرأت هذه المسألة، كما أشرنا إلى ذلك في الجدول (1) (ناجح،2019)، إن إيراد “لا سيما” يفيد أن اللغات الأجنبية كلغات للتدريس داخل السياق المدرسي، ينبغي أن يقتصر على اللغات الأجنبية دون تحديدها في القانون الإطار، رغم أن الواقع يظهر أن الأمر يتعلّق باللغة الفرنسية وليس أي لغة أخرى. وذلك، بخلاف الرؤية الاستراتيجية. وبالتالي، تميز كل الوثيقتين بين اللغات بوصفها واسمة للهوية، واللغات كأداة للتواصل. وتعد اللغات الرسمية مرتبطة بالهوية الوطنية، وخزانا للثقافة الوطنية والتاريخ المشترك، واللغات الأجنبية كأداة للاستثمار في الرأسمال البشري في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والمعرفية والثقافية.
- اعتماد اللغة العربية لغة أساسية للتدريس، وتطوير وضع اللغة الأمازيغية في المدرسة ضمن إطار عمل وطني واضح ومتناغم مع أحكام الدستور، باعتبارها لغة رسمية للدولة، ورصيدا مشتركا لجميع المغاربة بدون استثناء.
يصرح المبدأ الثالث بلغة التدريس. ويعد اللغة العربية اللغة المخولة لذلك في مختلف الأسلاك التعليمية. ولا يختلف هذا عما صرحت به الرؤية الاستراتيجية. ويشير إلى ضرورة تطوير وضع (statut)اللغة الأمازيغية في المدرسة. ويقصد بالوضع مختلف الوظائف التي يمكن أن تضطلع بها داخل المدرسة وفقا للقوانين التي تحدد ذلك. السؤال: ما الوظائف التي يمكن أن توكل للغة الأمازيغية داخل السياق المدرسي؟ هل يقصد من وراء ذلك أن ترتقي من لغة مدرسة إلى لغة مدرسة ولغة تدريس في الآن ذاته؟ هل يراد بتطوير وضع اللغة الأمازيغية أن تتحول من لغة موضوع تعلم إلى لغة منتجة للثقافة والفكر، ومساهمة في بالبناء الحضاري للمشترك المغربية؟
إن ربط تطوير وضع اللغة الأمازيغية داخل المدرسة ب «عمل وطني واضح ومتناغم مع أحكام الدستور” يقرب المسافة لمقاربة الأسئلة المثارة سابقا. فبما أن اللغة الأمازيغية لغة رسمية وفقا لأحكام الدستور، فإن هذه “الرسمية” يقصد بها أن يصبح عمل السلطات الثلاثة التشريعية والتنفيذية والقضائية مزدوجة تتم باللغتين الرسميتين في نفس الوقت. وبالتالي، فالمطلوب من تنتج هذه السلطات مجتمعة مختلف الوثائق والخطابات باللغتين العربية والأمازيغية. وإذا اقتصرت على إنتاجها باللغة العربية فقط، فإن ذلك يعد خرقا سافرا لمقتضيات الدستور وأحكامه. وإذا كان يُنظر إلى اللغة الأمازيغية بوصفها كذلك، فإن تعليمها لا ينبغي أن يقف عند حد تعليم أبجدياتها، وإنما ينبغي أن تلحق اللغة العربية في الاضطلاع بمهامها على مستوى القضاء والتشريع وسن القوانين وغيرها. ولن يتأتى لها ذلك، إلا إذا أصبحت لغة اقتصاد وسياسة وقانون.
إن التشديد على كون “اللغة الأمازيغية رصيدا مشتركا لجميع المغاربة” دون استثناء يخرجها من دائرة لغة فئة معينة إلى لغة “وطنية”، ومن لغة واسمة لهوية فئة معينة إلى لغة واسمة للهوية المشتركة، مما يساهم في إخراجها من دائرة الصراع، ويسحبها من لائحة المطالب ذات الصلة بالحقوق اللغوية. وهو نزوع خفي إلى اعتبارها “لغة ثقافة” على حد تعبير عبد الكبير خطيبي (19:2009)، أو لغة وطنية. وتتميّز اللغة الوطنية عن اللغة الرسمية في كون اللغة الرسمية هي اللغة التي توظفها السلطة السياسية بوصفها أحد مقومات الدولة إلى جانب الشعب والإقليم. أما اللغة الوطنية، فيمكن ألا تكون لغة رسمية، ومع ذلك، تعد لغة وطنية؛ لأنها تختزن التاريخ والقيم المشتركة بين أفراد الجماعة اللغوية. ضف إلى هذا، أن استعمال”رصيد” يعد استعمالا استعاريا؛ إذ استعير من مجال الاقتصاد. وبما أن الرصيد يمكن أن يكون موسوما بالانتعاش، ويمكن أن يكون موسوما بالتضخم، فإن اللغة الأمازيغية تمثل رصيدا منتعشا عندما تضطلع بالوظائف الثقافية الموكولة إليها، وتروج القيم المشتركة المنوطة بها على الوجه المطلوب. وقد تصبح رصيدا متضخما عندما تتخلى عن وظائفها الثقافية، والقيم المشتركة الخاصة بها لصالح لغة أخرى تجاورها تتعايش معها؛ لأن اللغات عندما تتجاور في سياق من السياقات تلجأ إلى استراتيجيتين. فإما أن تتخلى لغة عن بعض الوظائف التي تضطلع بها لصالح لغة أخرى توجد معها في نفس الحيز الجغرافي، وإما أن يتم خلق لغة مشتركة (Linguafranca) من اللغات التي تعيش في نفس الحيز لتضلع ببعض الوظائف المقتطعة.
- إرساء تعددية لغوية بكيفية تدريجية ومتوازنة تهدف إلى جعل المتعلم الحاصل على الباكلوريا متقننا للغة العربية قادرا على التواصل باللغة الأمازيغية. ومتمكنا من لغتين أجنبيتين على الأقل.
يطرح المبدأ الرابع مفهوم التعددية اللغوية (multilinguism) داخل السياق المدرسي. وبالتالي، فاستنادا إلى القانون الإطار، يعد السياق المدرسي المغربي سياقا متعدد اللغات. ويحدد عتبة التحكم في اللغات سواء اللغتين الرسميتين أو اللغات الأجنبية، حيث يخص كل لغة من اللغات المكونة لهذا التعدد بصفة معينة عند نيل شهادة الباكلوريا. وبالتالي، يقرن اللغة العربية ب”الاتقان”، ويخص اللغة الأمازيغية ب”القدرة على التواصل”، ويربط اللغات الأجنبية ب”التمكن”. ويشترط الحد الأدنى في اللغات الأجنبية. ولم يحدد العدد الأقصى من اللغات التي يمكن أن تمثل التعدد المومأ إليه. إن ربط كل لغة بعتبة التحكم لم يخضع للمعايير الدولية التي تحدد مستوى التحكم، والعناصر المنضوية تحته. ولذلك، كان يتعين العودة إلى نظام القياس الدولي في مجال تعليم اللغات وتعلمها تفاديا لكل التباس يمكن أن يسم أجرأة قياس التحكم في اللغات وتنزيله، ودرء لكل غموض يهم هندسة الإطار المرجعي للإشهاد.
- إعمال مبدأ التناوب اللغوي من خلال تدريس بعض المواد ولا سيما العلمية والتقنية منها أو بعض المضامين أو المجزوءات في بعض المواد بلغة أو لغات أجنبية.
يطرح المبدأ الخامس “التناوب اللغوي” بوصفه مفهوما جديدا يسم التعدد اللغوي داخل السياق المدرسي. ويقصد به التناوب بين اللغة العربية واللغات الأجنبية في تدريس بعض “المواد”، أو في بعض “المجزوءات” أو في بعض “المضامين” العلمية أو التقنية، بحيث بُتوقع أن يتم اختيار مادة الرياضيات، فيتم تدريسها تارة باللغة العربية وتارة أخرى بلغة أجنبية، أو بعض مضامينها. السؤال المطروح: ما المبررات الديداكتيكية التي يمكن أن يستند إليها هذا النوع من التناوب اللغوي؟ بتعبير آخر، هل هناك دراسات تجريبية استقصت أثر التناوب اللغوي على تعلم العلوم وتعلّمها؟ وهل هناك تصور واضح لأجرأة التناوب اللغوي وتنزيله؟
- العمل على تهيئة المتعلمين من أجل تمكينهم من إتقان اللغات الأجنبية في سن مبكرة، وتأهيلهم قصد التملك الوظيفي لهذه اللغات، وذلك خلال أجل قصاه ست سنوات ابتداء من تاريخ دخول هذا القانون-الإطار حيز التنفيذ.
يبدو أن المبدأ السادس لم يحمل جديدا عدا كونه يشترط تمكين المتعلمين من “اتقان” اللغات الأجنبية في سن مبكرة، إضافة إلى تحديد ست سنوات كأجل أقصى ابتداء من تاريخ تفعيل القانون الإطار. ويلاحظ أن هذا المبدأ يورد “اتقان” اللغات الأجنبية، في حين يطرح المبدأ الرابع “التمكن” من اللغات الأجنبية. وبالتالي، يصعب من الناحية الديداكتيكية بلورة روائز تخص قياس مستويات تعلّم اللغات الأجنبية بالنظر إلى الالتباس الذي يسم عتبات التحكم. إضافة إلى هذا، يتم إيراد مفهوم “التملك الوظيفي” الذي يقصد به استعمال اللغة كأداة لتحقيق الحاجيات المختلفة (هاليداي (Halliday,1973)). وبالتالي، لا ينبغي تدريس اللغات الأجنبية كغاية في حد ذاتها، وإنما من أجل إقدار المتعلم على تحقيق حاجياته المختلفة.
- يتعيّن على المؤسسات التربوية الأجنبية العاملة بالمغرب الالتزام بتدريس اللغة العربية لكل الأطفال المغاربة الذين يتابعون تعليمهم بها على غرار المواد التي تعرفهم بهويتهم الوطنية، مع مراعاة الاتفاقيات الثنائية الدولية المبرمة من قبل المملكة المغربية والمتعلّقة بوضعية هذه المؤسسات.
يخصص المبدأ السابع لتقنين تدريس اللغات بالمؤسسات الأجنبية. وتلزم بتدريس اللغة العربية وباقي المواد ذات الصلة بتعريفهم بهويتهم الوطنية، لجميع الأطفال المغاربة في إطار احترام الاتفاقيات الدولية. ويستفاد من هذا، أن القانون الإطار يطرح مفهوم السيادة اللغوية بوصفها جزء من السيادة السياسية. ويعتبر أن السيادة اللغوية تشمل المواطن المغربي، سواء كان في المناطق الخاضعة للقانون المغربي، أو في المناطق الخاضعة لقانون الدول الأجنبية، وفقا للاتفاقيات الثنائية الدولية المبرمة مع المملكة المغربية.
خاتمة وتوصيات
تناولنا في هذا البحث التخطيط اللغوي المدرسي في المغرب من خلال تسليط الضوء على الوضع اللغوي في الوثيقة الخاصة بالرؤية الاستراتيجية 2015-2030 القانون الإطار 51.17، حيث تتبعنا بالتحليل مختلف المبادئ الناظمة للوضع اللغوي. في الفقرة الأولى، سعينا إلى تحديد مفهوم التخطيط اللغوي المدرسي رصد مختلف مجالاته. وتناولنا في الفقرة الثانية الإيديولوجيا والمعتقدات التي تؤثر في التخطيط اللغوي المدرسي. وانشغلنا في الفقرة الثالثة بتتبع الوضع اللغوي بالرؤية الاستراتيجية. وختمنا الفقرة الرابعة بالوضع اللغوي في القانون الإطار. وفيما يلي، يقدم البحث التوصيات التالية:
–ضرورة مراعاة الأبعاد الثقافية والدينية والاجتماعية، والرهانات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية والديموقراطية التي انخرط فيها المغرب، من أجل تحقيق تخطيط لغوي مدرسي يستجيب إلى مختلف الحاجيات الفردية والجماعية؛
–ضرورة مراعاة التغييرات الاجتماعية المنشودة من قبل المجتمع؛
–ضرورة أن تصاغ المبادئ الناظمة للوضع اللغوي داخل المدرسة صياغة واضحة لا تترك مجالا للتأويلات المختلفة؛
–ضرورة المزاوجة في التخطيط اللغوي المدرسي بين اللغة كواسمة للهوية وأداة للاستثمار؛
– تحديد اللغات الأجنبية المعنية بالتعلم والتعليم تحديدا دقيقا؛
– ضرورة مراعاة المبادئ الديداكتيكية والبيداغوجية عند اقتراح بعض المفاهيم، مثل “التناوب اللغوي” و”التملك الوظيفي”؛
–ضرورة أن تشكل صياغة القانون الإطار بؤرة التقاء مختصين من مشارب مختلفة؛ قانونية وتربوية وسياسية ولسانية واجتماعية.
المراجع
- خطيبي، عبد الكبير. (2009). المغرب العربي وقضايا الحداثة، ترجمة أدونيس، أميرة الزين، الحبيب السالمي، عز الدين الكتاني، فريد الزاهي، محمد بنيس، المعطي قبال، مراجعة محمد بني، الطبعة الأولى، مشورات الجمل، بيروت لبنان.
- الرؤية الاستراتيجية 2015-2030، المملكة المغربية.
- القانون الإطار51.17، المملكة المغربية.
- ناجح، عبد الرحيم. (قيد النشر). التخطيط اللغوي: تدريس العلوم بين اللغات الأم واللغات الأجنبية، مجلة التخطيط والسياسة اللغوية، العدد9. مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز لتعليم اللغة العربية، المملكة العربية السعودية.
- Blommaert, J. (2010). The Sociolinguistics of Globalization (Cambridge: Cambridge University Press).
- Collins, J., Slembrouck, S. and Baynham, M. (eds). (2009). Globalization and language in contact: Scale, migration and communicative practices (London and New York: Continuum).
- Cooper, R. L. (1989). Language planning and social change. Cambridge: Cambridge University Press.
- Corson, D. (1999). Language policy in schools: A resource for teachers and administrators. Mahwah: Lawrence Erlbaum.
- Coupland, N. (2003). ‘Introduction: Sociolinguistics and globalisation’ Journal of Sociolinguistics 7, 4, 465–72.
- De Swaan, A. (2001). Words of the World: The Global Language System. Cambridge: Polity Press.
- Ferguson, Charles. (1982). Religious factors in language spread. In: Cooper, Robert L. (Ed.): Language spread. Bloomington: Indiana University Press, 95-106.
- Fishman, J. A. (Ed.). (1972). Advances in the sociology of language (Vol. 1–2). The Hague: Mouton.
- Fishman, J. A. (2006b). A week in the life of a man from the moon. In O. García, R. Peltz, H. Schiffman, & G. S. Fishman (Eds.), Language loyalty, continuity and change: Joshua A. Fishman’s contributions to international sociolinguistics (pp. 111–121). Clevedon: Multilingual Matters.
- Gardner, R. C., & Lambert, W. E. (1972). Attitudes and Motivation in Second Language Learning. Rowley, MA: Newbury House Publishers.
- Halliday, M. A. K. (1973). Explorations in the functions of language. London: Edward Arnold.
- Haugen, E..(1983). The implementation of corpus planning: theory and practice. In Juan Cobarrubias and Joshua A. Fishman (Eds.), Progress in Language Planning: international perspectives. Berlin: Mouton, pp. 269-289.
- Kaplan ,R. B. & Baldauf, R. B.(1997). Language Planning from Practice to Theory. Clevedon, UK: Multilingual Matters.
- Khubchandani, Lachman M. (2003). Defining Mother Tongue Education in Plurilingual Contexts, Language Policy, volume 2, Issue 3, pp 239–254.
- Ricento, T. (2000) ‘Historical and theoretical perspectives in language policy and planning’ Journal of Sociolinguistics 4, 2, 196–213.
- Ricento, T. (2006). An introduction to language policy: Theory and method (Malden, MA: Blackwell).
- Spolsky, Bernard. (1974). Linguistics and the language barrier to education. In Thomas A. Sebeok, Arthur S.Abramson, Dell Hymes, Herbert Rubenstein, Edward Stankiewicz & Bernard Spolsky (Eds.), CurrentTrends in Linguistics: Linguistics and adjacent arts and sciences(Vol. 12, pp. 2027-2038). The Hague: Mouton.
- Spolsky, B. (1978). Educational linguistics: An introduction. Rowley: Newbury House.
- Spolsky, B. (1979). Contrastive analysis, error analysis, interlanguage and other useful fads. Modern Language Journal, 62, 250–257.
- Spolsky, B. (2004). Language Policy. Cambridge University Press, Cambridge.
- Tollefson, J.W. (1991). Planning Language, Planning Inequality: Language Policy in the Community. London: Longman.
[1] مفتش تربوي- أكاديمية مراكش آسفي.