منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

في رياض سورة البقرة

سلسلة رياض القرآن الحلقة الثالثة مع الأستاذ محسن الخديسي

0

البقرة سورة عجيبة في كل شيء.
– هي أطول سورة في القرآن
– فيها أطول آية في القرآن وهي آية الدين
– فيها أعظم آية في القرآن وهي آية الكرسي
– فيها آخر آية نزلت في القرآن وهي قول الله عز وجل : وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
– فيها آيتان من قرأهما في ليلة تكفيانه وهما الآيتين الأخيرتين (آمن الرسول… فانصرنا على القوم الكافرين)
– سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم سنام القرآن و سميت فسطاط القرآن.
– اجتمع فيها ما تفرق في غيرها وتضمنت من الخير الكثير.
– فيها أحكام في العقائد والعبادات والمعاملات و الآداب.
– فيها تفصيل لبعض العبادات لا تجده في غيرها كالصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، بالإضافة لتركيزها على التوحيد، والعبودية، وتعظيم المولى عز وجل.
تنتقل فيها بسلاسة بين الحكم والحكمة و بين الحكمة والحاكمية. فتجد فيها الأحكام بصيغة الأمر والنهي خطابا للجوارح، يفصل الله فيها أحكام الصلاة والصيام والحج والصدقة والزواج والوصية والقصاص و القتال.

وتجد فيها الحكم على شكل قصص و حوارات تخاطب العقل و تنتصر له كقصة سيدنا إبراهيم مع النمرود وقصة أحياء الموتى. ثم تصادفك فيها معاني حاكمية الله فتصغي بقلبك لترجع الأمر لله من قبل ومن بعد و تعلم أن العقل والجوارح قد تقصر عن الفهم لكن الأصل هو الاستجابة والإنابة (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) (و قالوا سمعنا وأطعنا). وهو المعنى المقصود من قصة بني إسرائيل و البقرة (ومنها جاءت التسمية الغريبة) حين يغلب الجدل العقيم عن التنفيذ القويم وتنتصر النفس بأنانيتها ورعونتها على القلب للتوجه إلى الله عز وجل.

في آخر حزب منها اجتمعت أعظم آية و أطول آية و آخر آية مع آيتا الكفاية.
وآية الكرسي مرجع في توحيد الله وإخلاص العبودية له. تبدأ باسم الجلالة الله و تنتهي بصفة الله العظيم. فيها منتهى التعظيم و العبودية للحق سبحانه وتعالى.

بعد اسم الجلالة يأتي توحيد الله عز وجل (لا اله إلا هو الحي القيوم) وهي صيغة التوحيد التي تشمل نفيا وإثباتا. نفيا للشريك وإثباتا للألوهية.

وباقي آياتها تتأرجح بين نفي واثبات (لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض) (من ذا الذي يشفع عنده إلا باذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم) (ولا يحيطون بشيء من علمه الا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض) (ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم).
ويتكرر فيها ذكر الله عز وجل بأسمائه و صفاته وأفعاله 16 مرة مما يزيد من عظمة آية الكرسي لتجلي الله عز وجل فيها. وفيها صفات الجلال والكمال والجمال مفصلة في الآية و ملخصة في (الحي القيوم). والقيوم هو الذي قام بنفسه ولم يحتج إلى أحد وقام كل شيء به فكل ما سواه محتاج اليه كما قال ابن القيم رحمه الله.

أما آخر آيتين فيها فلهما قصة رواها مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه تثبت تفاعل الصحابة مع كتاب الله عز وجل محبة وهيبة وتذكر رحمة الله عز وجل بهذه الأمة بأن رفع عنها الخطأ والنسيان وحملها قدر طاقتها في الطاعات والعبادات.

قال تعالى:  إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ﴾ الْآيَةَ، قال: اشتدّ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَوْا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ بَرَكُوا عَلَى الرُّكَبِ فَقَالُوا:- أي: لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم- كُلِّفْنَا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا نُطِيقُ الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالْجِهَادُ وَالصَّدَقَةُ، وَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْكَ هَذِهِ الْآيَةُ وَلَا نُطِيقُهَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا؟ بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ»، فَلَمَّا قَرَأَهَا الْقَوْمُ وَذَلَّتْ بِهَا أَلْسِنَتُهُمْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِي أَثَرِهَا آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ نَسَخَهَا اللَّهُ فأنزل اللَّهُ: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها لَها مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لَا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا، قَالَ: «نَعَمْ»، رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا، قَالَ: «نَعَمْ»، رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا مَا لَا طاقَةَ لَنا بِهِ، قَالَ: «نَعَمْ»، وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ.

من العجيب في أواخر هذه الآيات قول الله عز وجل (واعف عنا واغفر لنا وارحمنا) ففي أولها (اعف عنا) جاء العفو منفصلا عن “نا” وجاءت عنا بحركة الشدة. أما في لفظ (اغفر لنا) فذهبت الشدة مع بقاء فصل المغفرة عن “نا” . ثم انتهت بلفظ (ارحمنا) حيث انمحت الشدة وتداخلت الرحمة بنا بل ذابت “نا” العائدة على المؤمنين في رحمة الله عز وجل فاستحقوا بذلك ان يتولاهم الله عز وجل وينصرهم على من عاداهم واعتدى عليهم (انت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين).
اللهم انا غارقون في فضلك ورحمتك وانا لا نثق الا في رحمتك و لا نرجو في الحياة وبعد الممات الا رحمتك فاعف عنا ما كان منا واغفر لنا الزلات ما ظهر منها وما بطن و هب لنا من لدنك رحمة و هيئ لنا من أمرنا رشدا. آمين

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.