منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

صحبة القرآن الكريم

سلسلة رمضان والحجر الصحي ـ الحلقة الثالثة ـ عثمان غفاري

0

القرآن الكريم كتاب هذه الأمة، هو روحها وباعثها، وقوامها وكيانها، وهو حارسها وراعيها، هو بيانها وترجمانها، هو دستورها ومنهاجها، وهو زاد الطريق، أنزله الله عز وجل في شهر رمضان الكريم شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ (1) ولأمر ما لا يعلمه إلا الحق سبحانه، نجد هذا الشهر الفضيل هو شهر نزول جميع الكتب السماوية لما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال:” أُنزلت صحف إبراهيم أول ليلة من شهر رمضان، وأُنزلت التوراة لِسِتٍ مضت من رمضان، وأُنزل الإنجيل لثلاث عشرة مضت من رمضان، وأُنزل الزبور لثمان عشرة خلت من رمضان، وأُنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان” (2).

ففي ليلة القدر قضى الله عز وجل باتصال الأرض بالسماء، وتنزل الوحي بالنور والضياء، فأشرقت الأرض بنور ربها وانقشعت ظلمات الجاهلية الجهلاء، ومن يوم ذاك أصبح شهر رمضان هو شهر القرآن، يشهد لذلك أنّ النبيّ عليه الصلاة والسلام كان يعرضه على جبريل عليه السلام في رمضان من كلّ عام، وفي العام الذي تُوفّي فيه رسول الله، عَرَضه عليه مرَّتَين. (3) كما كان السلف الصالح يحتفون بالقرآن في هذا الشهر الفضيل احتفاء واحتفالا متنوع الأشكال، فحق علينا التشبه والتأسي بالرجال، خاصة في زمن الحجر الصحي الذي أتاح لنا نعمتا الوقت والفراغ، فما السبيل سادتي وأحبتي لصحبة القرآن الكريم خلال الشهر العظيم، هذا ما سنتناوله بإذن الله من خلال هذه الورقة المتواضعة، سائلا من المولى أن يرفع عنا بصحبتنا للقرآن كل وباء وبلاء.

إنّ صحبة القرآن قراءة وحفظًا تعلُّمًا وتعليمًا، مدارسة ومذاكرة، تدبُّرًا وتفهُّمًا، عناية وتطبيقًا، دعمًا ومساندة، إن ذلك كله لمِن سمات الأخيار وعلامات الأبرار، وكلما ازدادت الأمة وازداد المسلمون تمسُّكًا بكتاب الله وعناية به وصحبة له تعلُّمًا وتعليمًا، زادت فيهم الخيرية ونمى فيهم الفضل، وكثر فيهم الخير؛ فقد صح أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: “خيركم من تعلَّم القرآن وعلَّمه (4)، ولصحبة القرآن الكريم خلال شهر رمضان الكريم أقترح عليكم ثلاثة مسارات لكل مسار أصل وفضل وأهل.

1) المسار الأول: الإكثار من التلاوة عبر تكرار الختمات

فالأصل في رمضان أن نحرص على قراءة الثواب والختم تحصيلا لأكبر قدر من الحسنات، وتكرار الختم قدر الإمكان؛ وتحصيل الأجر العظيم والثواب الكبير، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول “ألم” حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف”(5)، وهذه القراءة هي أكثر أنواع القراءة شموليّة، ويتّبعها العوامّ من المسلمين، ويُشار إلى أنّ السلف الصالح كانوا يقرأون على هذه الطريقة وعلى غيرها، فهم قدوتنا وأهلنا إذ بارك الله عز وجل في أوقاتهم وفي أعمارهم فتيسر لهم أن يختموا القرآن مرة بعد مرة، فيكون التالي منهم حالاًّ مرتحلاً كلما اختتم القرآن مرة افتتح أخرى، فقد نُقل عنهم رضي الله عنهم أنهم كانوا يستندون على العصي من طول القيام، ويقلعون عما سواه من الأعمال المباحة، فهذا إمامنا مالك رحمه الله كان إذا دخل رمضان غلّق كتب العلم؛ كتب الحديث والفقه وغيرها فلا يشتغل إلا بالقرآن، ونقل الإمام الذهبي عن الإمام الشافعي رحمهما الله جميعا بأنه كان يختم القرآن في رمضان ستين ختمة، وهذا قتادة بن دعامة السدوسي رحمه الله كان يختم القرآن كل سبع في الأيام العادية، فإذا دخل رمضان كان يختمه كل ثلاث، وإذا دخلت العشر الأواخر كان يختمه في كل ليلة مرة. وهنا يطرح إشكال مفاده التعارض بين ما أشرنا إليه من فعل السلف والخلف، وما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من النهي عن الختم في أقل من ثلاث: ” لم يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث”(6)، وهو تعارض أجاب عنه الأئمة بثلاثية وهي:

المزيد من المشاركات
1 من 63
  • التفسير الأول: أن ” المقصود بالنهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث المداومة على ذلك فأما في الأوقات المفضلة كشهر رمضان، خصوصا في الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر أو الأماكن المفضلة كمكة لمن دخلها من غير أهلها فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن اغتناما للزمان والمكان، وهو قول أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة وعليه يدل عمل غيرهم كما سبق ذكره ” (7).
  • التفسير الثاني: أن ” المقصود بالنهي هنا النهي عن الزيادة ليس على التحريم، كما أن الأمر في جميع ذلك ليس للوجوب وعرف ذلك من قرائن الحال التي أرشد إليها السياق، وقال النووي: أكثر العلماء أنه لا تقدير في ذلك وإنما هو بحسب النشاط والقوة فعلى هذا يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص ” (8)
  • التفسير الثالث: أن المقصود بالحديث أن من قرأ القرآن في أقل من ثلاث لم يفقه أي لم يفهم ظاهر معانيه في هذه المدة كذا قال صاحب شرح الجامع الصغير وصاحب شرح سنن ابن ماجه، فلا يفهم من الحديث أن قراءته في أقل من ثلاث لا تجوز، إذ المنفي في الحديث هو الفقه والفهم وليس ثواب القراءة، فلا يلزم من عدم فهمه في أقل من ثلاث تحريم قراءته في أقل منها، كذا قال العراقي.

2) المسار الثاني: الاعتبار بالتلاوة عبر ختمة التدبر

بعد ومع قراءة الأجر والختم لا بد من قراءة التدبُّر والتأمُّل في كلام الله تعالى، بالوقوف مع ما جاء به من المأمورات، والمَنهيّات، والإرشادات، وهي من أفضل أنواع القراءات، وأصلها قول الله تعالى: ” كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ” (9) وفعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقد قام في ليلة، وقرأ فيها سورة البقرة، وآل عمران، والنساء، مُتدبّراً إيّاها، ومُستعيذاً ممّا جاء فيها من آيات التخويف، وسائلاً الله الرحمة فيما جاء من آيات الترغيب، وقد سار على هذا النهج في القراءة الصحابة والتابعون والمُفسِّرون ؛ لأنّ عمل المُفسّر الأساسيّ هو تدبُّر كلام الله تعالى، والتأمُّل فيه؛ وقراءة التدبر والتأمل على مراتب تختلف باختلاف الهدف من القراءة، واختلاف المستوى العلميّ للقارئ، ومن تم يمكن أن نخصص خلال الشهر العظيم ختمة للتدبر في الأحكام واستخلاص القيم، خاصة في الثلث الأخير من الليل والناس نيام ” فإن الليل تنقطع فيه الشواغل ويجتمع فيه الهم، ويتواطأ فيه القلب واللسان على التدبر كما قال تعـالى: “ إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا “”(10)

3) المسار الثالث: الحفظ والمراجعة عبر حصص الاستظهار

فعلى المسلم أن يجعل لنفسه مقدارا يوميا من الحفظ ومثله من المراجعة، وإن كان قد حفظ ونسي فهي فرصة عظمى لتثبيت الحفظ واسترجاع ما ذهب، ولست بحاجة إلى التذكير بجلالة منزلة الحافظ لكتاب الله ورفيع مكانته، وحسبه أنه قد استدرج النبوة بين جنبيه إلا أنه لا يوحى له.

” القرآن! القرآن! القرآن! ما أروع أن يشد المؤمن والمؤمنة معاقد العزم ليحفظ القرآن ويجمعه ويحافظ عليه. ما أحسن أن يبسط المرء ساعد الجد والإرادة إلى كسل نفسه وغفلة حسه يخاطبها ويؤنبها ويدفع بها: “هذه السنة سنة القرآن!” فعل ذلك… أفراد، ونحن نريد من أولي العزم في الحفظ والفهم والعلم والعمل جماعات. وليصبر على الهوان والضعة والضياع من لا يحرك همته قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في دار الدنيا فإن منزلك عند آخر آية تقرأ بها “(11) حسبه يومئذ من الخيبة والخسران أن يحملق في القراء العالمين العاملين وهم إلى صعد وهو بمستقر انحطاطه” (12).

على سبيل الختم

مقالات أخرى للكاتب
1 من 5

اعلم أخي أن القرآن الكريم شفاء من الوسوسة والحيرة، فهو يصل القلب بالله، فيرضى ويستروح، والقرآن شفاء من الرجز والرجس والهوس، والقرآن شفاء من العلل البدنية والنفسية والآفات الاجتماعية التي تهدد تماسك الأسر والمجتمعات، القرآن شفاء وتحصين من نزغات الشياطين واتجاهات المبطلين الضالين المنحرفين، من استمسك به نجا ومن هجره تكاسلا أو طعنا فيه على نفسه جنا، وحكم الله في خلقه ماض وإن أبى من أبى. ولله ذر القائل:

” كم صدوا عن سبيله صدا، ومن ذا يدافع السيل إذا أهذر؟ واعترضوه بالألسنة ردا، ولعمري من يرد على الله القدر “


(1) البقرة الآية 185

(2) رواه أحمد وابن عساكر، والطبراني في ” معجم الكبير ” وحسنه الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” (1575)

(3) رواه الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما.

(4) رواه البخاري في صحيحه عن عثمان بن عفان.

(5) أخرجه أبو داود (1394) والترمذي (2949) وقال حديث حسن صحيح.

(6) رواه الترمذي وأبو داود والدارمي، وصححه الألباني

(7) ابن رجب الحنبلي، لطائف المعارف ص 360

(8) ابن حجر العسقلاني، الفتح الرباني 9/97

(9) سورة ص الآية 29

(10) ابن رجب الحنبلي، لطائف المعارف ص 355

(11) رواه أحمد وأبو داود والترمذي بسند حسن.

(12) عبد السلام ياسين،الرسالة العلمية ص 11 – 12

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.