فقه العمل الاجتماعي في الإسلام(1)مفهوم العمل الاجتماعي
الدكتور عبد اللطيف بن رحو
فقه العمل الاجتماعي في الإسلام(1)مفهوم العمل الاجتماعي
الدكتور عبد اللطيف بن رحو
المطلب الأول: مفهوم العمل
الفرع الأول: العمل لغة
يقال: أعمل فلان ذهنه في كذا وكذا إذا دبره بفهمه. وعمل فلان العمل يعمله عملا فهو عامل.
وقال الليث: يقال عاملت الرجل أعامله معاملة في المبايعة وغيرها والعملة: القوم الذين يعملون بأيديهم ضروبا من العمل في الطين أو صخر أو غيره.
وقالت امرأة من العرب: ما كان لي عملة إلا فسادكم، أي ما كان لي عمل.[1]
والعمل المهنة والفعل، والجمع أعمال، عمل عملا وأعمله غيره واستعمله، واعتمل الرجل عمل بنفسه. قال الأزهري: عمل فلان العمل يعمله عملا فهو عامل.[2]
وذكر صاحب القاموس المحيط أن العمل محركة: المهنة والفعل جمع أعمال.[3]
وقيل عملا لأنه فعله، أو فعله بنوع من المشقة، أو فعله بجوارحه فهو عامل جمع عملة وعمال.[4]
والعمل كالجبل: اسم رجل ومنه قول قيس بن عاصم وهو يرقص ابنه: «أشبه أبا أمك أو أشبه عمل». وكذا استشهد به الجوهري، وقال أبو زكريا: «إنما أراد أو أشبه عملي ولم يرد أنه اسم رجل. وفلان ابن عمل: إذا كان قويا.»[5]
فالعين والميم واللام أصل واحد صحيح، وهو عام في كل فعل يفعل قال الخليل: عمل يعمل عملا، فهو عامل، واعتمل الرجل، إذا عمل بنفسه. والعمالة أجر ما عُمل، والمعاملة: مصدر من قولك عاملته. والعملة: القوم يعملون بأيديهم ضروبا من العمل، حفرا أو طيا، أو غيره.[6]
الفرع الثاني: العمل اصطلاحا
العمل الفعل والمهنة والعمل يعم أفعال القلوب والجوارح. والعمل لا يقال إلا فيما كان من فكرة ورؤية، ولهذا قرن بالعلم حتى قال بعض الأدباء: قلب لفظ العمل عن لفظ العلم، تنبيها على أنه من مقتضاه. قال الأصفهاني: تركيب الفعل يدل على إحداث شيء من العمل وغيره، فهذا يدل على أن الفعل أعم من العمل.[7]
وذكر صاحب كتاب التوقيف: أن العمل هو كل فعل من الحيوان بقصد فهو أخص من الفعل، لأن الفعل قد ينسب إلى الحيوان الذي يقع منه فعل بغير قصد، وقد ينسب إلى الجماد والعمل قَلَّما ينسب إلى ذلك.
والعمل الصالح: هو العمل المراعي من الخلل وأصله الإخلاص في النية وبلوغ الوسع في المجادلة بحسب علم العامل وأحكامه، ذكره الحوالي قال: والعمل ما دبر بالعلم.[8]
عرفه الشيخ محمد أبو زهرة: «العمل هو العنصر الفعال في كل طرق الكسب التي أباحها الإسلام.
والوصايا النبوية تتجه إلى الحض على العمل وإلى دفع أجور العاملين، وتفيد عبارتها شرف العمل، وأن الله تعالى سخر الكون للإنسان ليعمل فيه.»[9]
ويمكن القول: إن العمل كل ما صدر عن الإنسان من أقوال أو أفعال صالحة، ظاهرة أو باطنة، وتجمع كل العبادات والمعاملات ونحو ذلك، بشرط الإخلاص لله تعالى والمتابعة لرسوله محمد ﷺ.
وقد تطلق هذه الكلمة على بعض تصرفات الإنسان وسلوكه كيفما كانت فيقال عمل طيب، أو معروف، أو منكر أو تصرف، أو سلوك طيب، أو معروف، أو منكر.
وتطلق كلمة “العمل” بالاصطلاح الفلسفي على نشاط الإنسان الإرادي المقترن بالجهد أي التعب والمشقة لغرض نافع غير التسلية واللهو.[10]
وتطلق كلمة «العمل» بالمعنى الديني أيضا على التعبد والقيام بالفرائض والواجبات أو المستحبات الدينية.
ولقد تضمنت كلمة “عمل” في الدين الإسلامي المعنى الديني والاجتماعي السلوكي الاقتصادي أيضا.[11]
المطلب الثاني: مفهوم الاجتماعي
الفرع الأول: اجتماعي لغة
تقول العرب: تجمعوا تَجَمُّعَ بيت الأدم، لأن بيت الأدم تجمع فيه أطرافه وزعانفه. ويقال للقوم إذا اجتمعوا قد اعصَوصَبُوا، واستحصَفُوا، واستحصدوا.
قال الأصمعي: يقال: هم عليه يَدٌ واحدة إذا اجتمعوا عليه. ويقال أمر القوم دماج، أي: مجتمع. وقد دامجتك على هذا الأمر، أي: جامعتك عليه.[12]
واجتمع ضد تفرق، كاجْتَمع وتجَمَّعَ واستجمع، والرجل: بلغ أشدَّهُ، واستوت لحيته. واستجمع السيل: اجتمع من كل موضع وله أموره: اجتمع له كل ما يسره، والفرس جريا: بالغ. وتجمعوا: اجتمعوا من ها هنا وها هنا. والمجامعة: المباضعة، وجامعه على أمر كذا: اجتمع معه.[13]
وقيل: جمع الشيء عن تفرقة يجمعه جمعا وجمعه وأجمعه فاجتمع واجْدَمَعَ، وهي مضارعة وكذلك تَجَمَّع واستجمع.ونقول أمر جامع: يجمع الناس وفي التنزيل ﴿ إِذَا كَانُواْ مَعَهُۥ عَلَيٰٓ أَمْر جَامِع لَّمْ يَذْهَبُواْ حَتَّيٰ يَسْتَٰذِنُوهُۖ﴾ [سورة النور الآية: 60]
وقيل المسجد الجامع: الذي يجمع أهله، نعت له لأنه علامة للاجتماع.[14]
ونقول استجمع الفرس جريا. وجَمع مكة سمي لاجتماع الناس به وكذلك يوم الجمعة. وأجمعت على الأمر اجماعا وأجمعته.
ويقال فلاة مجمعة: يجتمع الناس فيها ولا يتفرقون خوف الضَّلال.[15]
الفرع الثاني: اجتماعي اصطلاحا
الظاهرة الاجتماعية في نظر علماء الاجتماع المحدثين كما في نظر ابن خلدون أيضا، لها طابع الشمول فتكاد تشمل كل أنواع التصرفات الانسانية.
وعَرفها عبد الله محمد الدرويش محقق مقدمة ابن خلدون فقال: «هي طريقة توحيد وجهة نظر الجماعة وإيجاد قيم ومعايير وأهداف مشتركة بينهم.»[16]
وقيل الاجتماع: تعبير عن غريزة مستكينة في أعماق نفس هذا الإنسان، والجماعة صفة لازمة من صفاته.[17]
وعَرَّفَهُ مالك بن نبي بقوله: «تجمع أفراد ذوي عادات متحدة، ويعيشون في ظل قوانين واحدة، ولهم فيما بينهم مصالح مشتركة.»[18]
عرفه روبيرت ماكيفرو شارلز بيج: «أنه نسق مكون من العرف المنوع والاجراءات المرسومة، ومن السلطة والمعونة المتبادلة، ومن كثير من التجمعات، وشتى وجوه ضبط السلوك الإنساني والحريات.
وأنه نسيج العلاقات الاجتماعية.»[19]
ويمكن القول إن الاجتماعي تعني أيضا ذلك النسق من عدد كبير من الأشخاص أو الأفراد تجمعهم روابط اجتماعية ومصالح مشتركة. وقد اختلفت تعاريف الاجتماعي باختلاف الباحثين الذين تدارسوا هذا الموضوع فهم كثيرا ما يستخدمون معاني مختلفة حسب الثقافات والخلفيات التي تجمعهم.
يقول محمد أبو زهرة: «كل اجتماع يتجه إلى غاية رابطة، وتتضافر الجهود كلها للوصول إلى هذه الغاية، والغاية الإنسانية العالية هي فعل الخير وتجنب الشر، وما من جماعة فاضلة إلا جعلت الخير أساس اجتماعها، والابتعاد عن الشر عنصر اتحادها.»[20]
المطلب الثالث: التعريف الاصطلاحي للعمل الاجتماعي
عرفه أحمد عبده عوض فقال: «العمل الاجتماعي هو أن يتضامن أبناء المجتمع، ويتساندوا فيما بينهم سواء كانوا أفرادا، أم جماعات، حكاما، أم محكومين على اتخاذ مواقف إيجابية كرعاية الأيتام، ونشر العلم، بدافع من شعور وجداني عميق ينبع من أصل العقيدة، ليعيش الفرد في كفالة الجماعة، وتعيش الجماعة بمؤازرة الفرد»[21]
وعرّفه الدكتور علي بن إبراهيم النملة، أنه ذلك الأداء المنوط بكيانات إدارية، حكومية كانت أم غير حكومية، تعمل على تحقيق الرفاه الاجتماعي، ومحصلته النهائية عمل خيري، بالمفهوم الشامل للعمل الخيري حتى وإن تعددت أهدافه وتنوعت وظائفه.[22]
ومن تعاريف العمل الاجتماعي أيضا، أنه تلك الطريقة العلمية لخدمة الإنسان، ونظام اجتماعي يقوم بحل مشكلاته وتنمية قدراته ومعاونة النظم الاجتماعية الموجودة في المجتمع للقيام بدورها، لتحقيق رفاهية أفراده.[23]
يتبن من خلال هذه التعاريف أن العمل الاجتماعي هو عمل شامل يخدم الأمة في مختلف الميادين، ويستهدف جميع الفئات لأجل الرفاهية، وحل المشكلات الاجتماعية التي تواجه المجتمع.
[1] تهذيب اللغة لأبي منصور الأزهري [مادة عمل] تحقيق محمد على النجار. الدار المصرية للتأليف والترجمة مصر. الجزء: 2. الصفحة: 421.
[2] لسان العرب لابن منظور. [مادة عمل] دار صادر بيروت. لجزء:11. الصفحة: 475.
[3] القاموس المحيط للفيروز آبادي [مادة عمل] راجعه واعتنى به أنس محمد الشامي وزكريا جابر أحمد دار الحديث القاهرة سنة 2008 الصفحة: 1143.
[4] معجم متن اللغة لأحمد رضا [مادة عمل]. دار مكتبة الحياة بيروت سنة 1958. الجزء:4. الصفحة: 209.
[5] التكملة والذيل والصلة لمرتضى الحسيني الزبيدي [مادة عمل] تحقيق محمد حجازي. الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية القاهرة الطبعة: 1. سنة: 1986. الجزء:6. الصفحة:209.
[6] معجم مقاييس اللغة لأحمد بن فارس [مادة عمل] تحقيق عبد السلام محمد هارون دار الفكر سنة 1979. الجزء: 4. الصفحة:145
[7] الكليات لأبي البقاء الكفوي تحقيق عدنان درويش ومحمد المصري مؤسسة الرسالة بيروت الطبعة:2 سنة:1998 الصفحة:616.
[8] التوقيف على مهمات التعاريف لعبد الرؤوف بن المناوي، تحقيق عبد الحميد صالح حمدان، عالم الكتب القاهرة الطبعة:1 سنة 1990.
الصفحة:247.
[9] التكافل الاجتماعي في الإسلام لمحمد أبي زهرة. دار الفكر العربي القاهرة. طبعة جديدة سنة 1991. الصفحة:41.
[10] مفهوم العمل وأحكامه العامة في الإسلام لصادق مهدي سعيد. مؤسسة الثقافة العمالية بغداد سنة 1983. الصفحة:9.
[11] المرجع نفسه ص:9.
[12] تهذيب الألفاظ لابن السكيت يعقوب [باب الاجتماع]. تحقيق فخر الدين قباوة مكتبة لبنان. الطبعة:1. سنة: 1998.الصفحة:38 -39.
[13] القاموس المحيط [مادة جمع] ص:294.
[14] لسان العرب [مادة جمع] ج/8. ص: 53-54.
[15] معجم مقاييس اللغة لابن فارس [مادة جمع]. ج/1. ص: 480.
[16] مقدمة ابن خلدون تحقيق عبد الله محمد الدرويش. دار يعرب دمشق. الطبعة: 1. سنة:2004. الجزء: 1. الصفحة: 63
[17] المجتمع الإسلامي لمحمد أمين المصري. مكتبة دار الأرقم الكويت. الطبعة:1. سنة: 1980. الصفحة:11.
[18] ميلاد مجتمع لمالك بن نبي. ترجمة عبد الصبور شاهين. دار الفكر دمشق. الجزء: 1. الصفحة: 13.
[19] المجتمع لروبيرت ماكيفر وشارلز بيج. ترجمة علي أحمد عيسى. مكتبة النهضة المصرية القاهرة. سنة 2000.الصفحة: 16-17.
[20] تنظيم الإسلام للمجتمع. لمحمد أبي زهرة. دار الفكر العربي. القاهرة (بدون رقم طبعة ولا تاريخ) الصفحة: 54.
[21] التكافل الاجتماعي في الإسلام لأحمد عبده عوض دار ألفا للنشر والتوزيع، الطبعة:1سنة: 2008، الصفحة: 17-18.
[22] العمل الاجتماعي والخيري التنظيم-التحديات-المواجهة. لعلي بن إبراهيم النملة. بيسان للنشر والتوزيع بيروت. الطبعة:2 سنة:2014 الصفحة:17.
[23] أساسيات العمل في الخدمة الاجتماعية لسماح سالم ونجلاء صالح عالم الكتب الحديث، الأردن الطبعة:1 سنة: 2010 الصفحة:13.