اعتناء بني مرين برعاية الأرامل والمكفوفين | الرعاية الاجتماعية في عهد بني مرين
الدكتور عبد اللطيف بن رحو
اعتناء بني مرين برعاية الأرامل والمكفوفين | الرعاية الاجتماعية في عهد بني مرين
الدكتور عبد اللطيف بن رحو
يمكنكم تحميل كتاب العمل الاجتماعي في عهد الدولة المرينية (1244 – 1465م) من الرابط التالي
المبحث الخامس: رعاية الأرامل والمكفوفين
من مفاخر الإسلام أن تعاليمه مبنية على الرحمة والرأفة وتشريعاته تقوم على المساواة، وجبر الخواطر، وتفريج الكرب والهم، وإيناس الوحشة، وتهوين الفاجعة.
ومن الأمثلة الواضحة على تحقيق هذه المعاني في تشريعات الإسلام ما رتبه من حقوق للأرملة، ودعا إلى السعي في مد يد العون لها.
حث الإسلام ورغب على رعاية الأرملة، فقضاء حوائجها والسعي على مساعدتها، له أجر عظيم عند رب العزة، خصوصا الأرملة التي ترعى العيال الصغار. فقد جاء عن المصطفى ﷺ أنه قال: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله أو كالذي يصوم النهار ويقوم الليل.»
وذكر ابن حجر عن الإمام مالك رحمه الله أن الساعي على الأرملة والمسكين له صدقة. فالساعي الذي يذهب ويجي في تحصيل ما ينفع الأرملة والمسكين. والأرملة بالراء المهملة التي لا زوج لها.
جعلت الشريعة الإسلامية من ضمن أولى أولوياتها المحافظة على كرامة هذه الشريحة من المجتمع «الأرامل»، فتكفلت بتغيير نظرة المجتمع إليها فضلا عن توفير العيش لها، وإحاطتها بالعطف والحنان للتخفيف من مصيبتها بفقدان زوجها، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك حين جعلت من خدمة هذه الشريحة قربة من القربات العظيمة تتساوى مع أجر المجاهد في سبيل الله، وأجر من واظب على قيام الليل وصيام النهار، ولم يكتف النبي ﷺ بالتوجيه القولي، بل قام بكفالة بعض أرامل المسلمين الذين استشهدوا في حركة الجهاد، فقد جاء في صحيح البخاري أنه بعد استشهاد جعفر بن أبي طالب في غزوة مؤتة، جاءت زوجته أسماء بنت عميس إلى رسول الله ﷺ بولديها عبد الله ومحمد، وجعلت تذكر ترملها ويتم ابنيها، فقال النبي ﷺ: «العيلة تخافين عليهم وأنا وليهم في الدنيا والآخرة.»
وانطلاقا من هذا التوجيه النبوي الشريف أخذت الأمة تعمل على إيجاد آليات تجسيد رعاية الأرامل في الواقع الملموس من خلال حركة اجتماعية مؤسسية تقوم على مبدئ التكافل الاجتماعي، لمساعدة هذه الشريحة في المجتمع، وقد كان حكام الدولة الإسلامية على رأس الرواد في مباشرة هذا العمل الاجتماعي السامي، فهذا الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يخطط قبل استشهاده لتقديم إعانة دائمة للأرامل، إلا أن استشهاده حال دون تحقيقه لهذا الهدف في حياته، وكان عمر رضي الله عنه قد بدأ في تقديم المعونات للأرامل في المدينة المنورة. وقد تطور العمل الاجتماعي في الحضارة الإسلامية لخدمة هذه الفئة إلى درجة إنشاء مؤسسات اجتمـاعية متخصصة لرعــاية الأرامل والنســــــــــــــاء المطلقات، أو اللواتي هجرن من قبل أزواجهن، أو اللواتي تقدم بهن السن.
المطلب الأول: مفهوم الأرملة
- الفرع الأول: الأرملة لغة
تقول العرب أرمل القوم: نفذ زادهم، وأرملوه أنفذوه قال السليك بن السلكة:
إذا أرملوا زدا عقرت مطية
تجر برجليها السريح المخد ما
والمرمل الذي نفذ زاده. ورجل أرمل وامرأة أرملة: محتاجة وهم الأرملة والأرامل والأراملة، كسروه وتكسير الأسماء لقلته، وكل جماعة من رجال ونساء أو رجال دون نساء أو نساء دون رجال أرملة، بعد أن يكونوا محتاجين. ويقال للفقير الذي لا يقدر على شيء من رجل أو امرأة أرملة، ولا يقال للمرأة التي لا زوج لها وهي موسرة أرملة.
والأرامل المساكين. ويقال جاءت أرملة من نساء ورجال محتاجين، ويقال للرجال المحتاجين الضعفاء أرملة، وإن لم يكن فيهم نساء.
وجاء في القاموس المحيط رجل أرمل وامرأة أرملة: محتاجة أو مسكينة جمع أرامل وأرملة، وقيل الأرملة: الرجال المحتاجون الضعفاء. وكذلك نسوة أرملة، والأرملة هي التي مات زوجها. ورجل أرمل ذهب زاده.
- الفرع الثاني: الأرملة اصطلاحا
عرف الإمام النووي الأرملة فقال: «اسم الأرامل يقع على من مات زوجها، والمختلعة والمبتوتة، دون الرجعية، والأيامى غير ذوات الأزواج، هذه عبارة الأستاذ وبها أخذ الإمام وقال: الفرق أن الأرملة من كان لها زوج، والأيم لا يشترط فيها تقدم زوج ويشتركان في اشتراك الخلو عن الزوج في الحال. وعبارة صاحبي «المهذب» و»التهذيب» لا يعتبر تقدم زوج في الأرملة. وفي اشتراط الفقر الوجهان المذكوران في الأيتام. وقطع الإمام بالاشتراط هنا. وفي دخول رجل لا زوجة له في الأرامل وجهان. والأصح تخصيص الأرملة بمن فارقها زوجها، والأصح أن الرجل لا يدخل في الأرامل.»
المطلب الثاني: مفهوم المكفوف
- الفرع الأول: المكفوف لغة
قيل الرجل مكفوف أي كف بصره من أن ينظر.
وجاء في القاموس المحيط المكفوف هو الذي كف بصره بالفتح والضم: عمي.
والكفيف الذي ذهب بصره. كما يقال كف بصره فهو مكفوف. جمع مكافيف وهو كفيف أيضا.
- الفرع الثاني: المكفوف اصطلاحا
المكفوف هو الذي ذهب بصره كله من العينين كلتيهما وهو العمي والجمع عميان، وهو عبارة عن منع البصر عما يبصر. والكفيف أو المكفوف فأصلها من الكف ومعناها المنع والمكفوف هو الضرير.
وهناك ألفاظ كثيرة مستعملة للتعريف بالشخص الذي فقد بصره وهذه الألفاظ هي: الأعمى، الضرير العاجز، المكفوف والكفيف.
وليس كل المكفوفين يولدون عميانا، فلا يصح إطلاق الكلمة بتعميم واستغراق، وقد أثبتت الإحصاءات أن أكثر المكفوفين قد أصيبوا بكف البصر في حياتهم، من جراء الإهمال في العلاج أو غير ذلك من الأسباب.
- الفرع الثالث: مكانة المكفوف في نظر الفقهاء
جرت العادة عندنا على اعتبار المكفوف غير صالح تماما لكثير من الأمور والواجبات الاجتماعية كالإمامة والولاية في الزواج والقضاء…ولكننا حينما ننظر في الفقه الإسلامي نجد أن الأئمة قد حفظوا للمكفوف كرامته وراعوا شخصيته، وإذا كانوا قد منعوه من بعض الأعمال، فإنما فعلوا ذلك تيسيرا عليه لا تحقيرا له. فمن احترام الفقهاء مثلا لشخصية المكفوف قولهم بوجوب الاجتهاد عليه في الأواني، لأنه يعرف بالملمس والشم اعوجاج الإناء، واضطراب الغطاء، وحال الماء، وما إلى ذلك من العلامات…وكأن هذا إيحاء منهم إلى المكفوف بأن لا يتواكل، أو يتكل على كف بصره، بل عليه أن يتحرك، وأن يستخدم مواهبه، وأن يبذل جهده، ويقدم ما يستطيع. ويجوز له الاجتهاد في أوقات الصلاة، وجاء عن الإمام مالك والإمام أبو حنيفة «إن المكفوف يجوز منه البيع والشراء.»
فعاهة الأعمى الكفيف توجب النفقة إذا كان صغيرا تجب نفقته باسم الصغر، وباسم العارض، وإذا كان بالغا تجب له النفقة باسم العارض وحده وهذا محل اتفاق بين الأئمة الأربعة.
المطلب الثالث: الرعاية الاجتماعية للأرامل والمكفوفين في العهد المريني
استطاعت الدولة المرينية أن تحقق بعض جوانب الرعاية الاجتماعية، خصوصا وأنها وفرت المال المطلوب للغرض، سواء من الضرائب أو الجزية أو الزكاة ومعونات المحسنين وغيرها، وبذلك استعملت الدولة موارد بيت المال والأوقاف في المجال الإحساني المتمثل في مساعدة فئات المجتمع المعوزة خصوصا الأرامل والمكفوفين.
وساعد المرينيون الأرامل والمكفوفين بالطعام والملابس، فالسلطان يوسف بن يعقوب المريني رتب لفقراء العاهات والعمي والأرامل مالا معلوما يقبضونه كل شهر من جزية اليهود.
كما بني السلطان يعقوب بن عبد الحق الزوايا في الفلوات وأوقف لها الأوقاف الكثيرة لإطعام عابري السبيل وذي الحاجات.
ويسترسل العلامة محمد المنوني الحديث عن المؤسسات الإحسانية التي تخص هذه الفئة من ذوي الاحتياجات والأرامل فيقول: «ومن المؤسسات الإحسانية في نطاق الأشغال العامة بهذا الدور: بنايات تتشابه إلى حد مع شكل المدارس، غير أن هذه تكون معدة لإرفاق المسافرين وذوي الحاجات، وكانت هذه البنايات تعرف الواحد منها باسم الزاوية، وصارت في هذا الدور تبنى بأرباض المدن.»
وأجرى السلطان أبو يوسف يعقوب المريني على المعوقين والمكفوفين مرتبات منتظمة عند كل شهر.
وفي هذا الجانب يقول صاحب الاستقصا: «وكذلك فعل بالجذمى والعمي والفقراء رتب لهم مالا معلوما يقبضونه كل شهر من جزية اليهود.»
وعلاوة على هذا خصصت دار بين الصاغة ورحبة قيس لتزويج العمي.
وكان السلطان أبو الحسن المريني يهتم بالأرامل، والأيتام والمحتاجين والضعفاء والمساكين، وأهل السجون، ويقدم لهم الجرايات في المناسبات المختلفة ويستمع إلى مظالمهم وانشغالاتهم مرة في الأسبوع. وكانت عطاياه لا تعد ولا تحصى. فضلا عن مكافأته للأعيان والفقراء والصلحاء، والكتاب وذوي الوجاهة من أهل تلمسان.
وخصص السلطان أبو الحسن المريني فندقا خاصا لسكنى المكفوفين المواجه لدار الوضوء التابعة لمدرسة الأندلس.