اعتناء بني مرين برعاية اليتيم | الرعاية الاجتماعية في عهد بني مرين
الدكتور عبد اللطيف بن رحو
اعتناء بني مرين برعاية اليتيم | الرعاية الاجتماعية في عهد بني مرين
الدكتور عبد اللطيف بن رحو
يمكنكم تحميل كتاب العمل الاجتماعي في عهد الدولة المرينية (1244 – 1465م) من الرابط التالي
المبحث الثاني: رعاية اليتيم
اهتم الشرع الحنيف بموضوع كفالة ورعاية اليتيم، ومما زاد اليتيم شرفا أن سيد المرسلين وخاتم النبيين ﷺ كان يتيما، فآواه الله جل جلاله وهداه وأغناه فقال عز وجل: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيما فَـَٔاويٰ﴾ [سورة الضحى الآية:6]. فمنزلة اليتيم في الإسلام منزلة عزيزة لفقده من يقوم برعايته وسبب وجوده الأول، فحث ربنا سبحانه المجتمع كله على رعاية الأيتام بتنوع جميل. فتارة يحثهم على رعايته بالترغيب لقوله تعالى: ﴿ وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ اِ۬لْيَتَٰام۪ى قُلِ اِصْلَٰح لَّهُمْ خَيْرۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَٰنُكُمْۖ وَاللَّهُ يَعْلَمُ اُ۬لْمُفْسِدَ مِنَ اَ۬لْمُصْلِحِۖ﴾ [سورة البقرة الآية:218] وتارة يحثهم على ذلك بالترهيب بقوله: ﴿ فَأَمَّا اَ۬لْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْۖ﴾ [سورة الضحى الآية:9].
ومما لاريب فيه أن الإســــلام حــرص على رعـــاية الإســلام لليتيم والعنــاية به، بل وأَوْلَاه اهتــماما خاصــا نظـــرا لفقدانه سند الأسرة، التي يقوم عليه الطفل الصغير، واعتبر كفالة اليتيم من أجَل أفعال الخير التي لا يكون جزاؤها إلا الجنة. حتى أن منهجنا الإسلامي يقوم على الاحترام والتعاون على إقامة البر والإحسان لهذه الفئة المكْلُومة، بل طالب الشارع في جلب المصلحة له والحفاظ على ماله، ودفع المضرة عنه، والطفل اليتيم هو بحاجة ماسة إلى رعاية خاصة باعتباره محروما من والديه أو وأحدهما، فكم من آية في القرآن الكريم أوجبت بر اليتيم والإحسان إليه، وكان أمرا مقضيا من الله تعالى.
فقال تعالى: ﴿ يَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَۖ قُلْ مَآ أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْر فَلِلْوَٰلِدَيْنِ وَالَاقْرَبِينَ وَالْيَتَٰم۪يٰ وَالْمَسَٰكِينِ وَابْنِ اِ۬لسَّبِيلِۖ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْر فَإِنَّ اَ۬للَّهَ بِهِۦ عَلِيمۖ﴾ [ سورة البقرة الآية:213]
وجاء في الحديث الشريف عن ابن أبي حازم قال: حدثني أبي قال: سمعت سهل بن سعد عن النبي ﷺ قال: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وقال بِإِصْبَعَيْه السبابة والوسطى.»
وتقوم حقوق الأيتام في الإسلام على قواعد الإسلام الكلية وتنبع من فيض عدالته وحكمته، حيث انطلقت أسسها من منطلقات ثابتة مستمدة أصولها من الإسلام، ونحن هنا نعدد الأسس التي تقوم عليها حقوق الأطفال الأيتام في التشريع الإسلامي، ليعلم أن ما يقدم لليتامى ليس منطلقا من عطف مؤقت، أو رحمة عارضة أو إحسان يمارسه المسلم في يومه ويتلاشى في غده، بل تقوم رعاية اليتامى في الإسلام على أسس ركيزة ومنطلقات راسخة تحفها تعاليم هذا الدين العظيم.
وصفوة القول إن الإسلام اعتنى بالأيتام عناية كبيرة، وما تلك الآيات العديدة في كتاب الله وذلك الحث المتوالي من رسول الله ﷺ إلا دليل ومؤشر قوي على هذه العناية، والتي ترجمتها القرون الأولى عمليا وتعاملت معها أمرا واقعا، فمن يتتبع التاريخ الإسلامي يرى بوضوح مقدار الحرص على رعاية اليتيم وكفالته بحثا عن الأجر ومرافقة النبي ﷺ في الجنة.
كما تنوّع الأسلوب التشريعي في بيان حقوق اليتيم الاجتماعية، ولكنه شرع معه من حين الطفولة المبكرة لما لهذه المرحلة من الأهمية البالغة في احتضان اليتيم، وإيوائه ليعيش في جو من الحنان الدافئ لينسيه مرارة اليُتْم، وليعوض عليه ما فاته من عواطف الأبوة. ولذلك نرى الكتاب الكريم يسلك طريقا جديدا للوصول إلى بيان حقوق اليتيم الاجتماعية ذلك هو توجيه الخطاب إلى النبي الأكرم ﷺ، متخذا من الواقع المرير الذي مر به وهو طفل خير درس يوجهه إلى الأفراد لرعاية اليتيم. فمن هذه النقطة سيكون المنطلق لمسيرة الإسلام مع الحملة التوجيهية لليتيم.
المطلب الأول: مفهوم اليتيم
- الفرع الأول: اليتيم لغة
اليُتْم الانفراد عن يعقوب، واليتيم الفرد. واليُتْم واليَتْم: فقدان الأب. وقيل اليتم في الناس من قبل الأب وفي البهائم من قبل الأم، ولا يقال لمن فقد الأم من الناس يتيم ولكن منقطع. واليتيم الذي يموت أبوه. ويقال يتم ويتم وأيتمه الله، وهو يتيم حتى يبلغ الحلم. فاليتيم الذي مات أبوه فهو يتيم حتى يبلغ الحلم، فإذا بلغ زال عنه اسم اليتم. والجمع أيتام ويتامى. وأصل اليتم الغفلة وبه سمي اليتيم يتيما لأنه يتغافل عن بره. واليتم الابطاء، ومنه أخذ اليتيم لأن البر يبطئ عنه. وتدعى الأرامل اليتامى يتيمة ما لم تتزوج فإذا تزوجت زال عنها اسم اليتم.
وجاء في القاموس المحيط، اليتم بالضم: الانفراد، أو فقدان الأب، ويتمان: ما لم يبلغ الحلم، جمع أيتام ويتامى ويَتَمَة وميتمة.
وقيل يتم ييتم يتما يتم ويتما أعبا وأبطأ وفتر وقصر ومن الأمر انفلت يتم ييتم يتما: يتم. وقيل أيتمت المرأة: صار ولدها يتيما. وقيل الحرب ميتمة تهلك الرجال فيصير أولادهم يتامى، ونسائهم أيامى. وقيل اليتم: الهم والضعف والحاجة.
- الفرع الثاني: اليتيم اصطلاحا.
عرفه الشيخ أبو بكر أحمد الشيباني فقال: «اليتيم من مات أبوه من الذكور ولم يبلغ الحلم ومن الإناث من لم تحض.»
عرفه ابن قدامة وهو من فقهاء الحنابلة فقال: «هو من لا أب له، غير بالغ، لأن اليتيم فقد الأب مع الصغر، ويدخل فيه الغني والفقير لشمول الاسم لهم.»
وعرفه الحطاب الرعيني بقوله: اليتيم من لا أب له، مات وتركه صغيرا.
عرفه الشيرازي بقوله: «اليتيم هو كل صغير فقير لا أب له، فأما من له أب فلا حق له فيه لأن اليتيم هو الذي لا أب له، وليس لبالغ فيه حق، لأنه لا يسمى بعد البلوغ يتيما.»
وعرفه أبو بكر القرطبي فقال: «اليتيم الذي لا أب له وقد مات أبوه.»
عرفه الشيخ الطاهر بن عاشور بقوله: «اليتيم الصبي الذي مات أبوه، وقد كان أبو النبي ﷺ توفي وهو جنين أو في أول المدة من الولادة.»
المطلب الثاني: الحالة الاجتماعية لليتيم في عهد بني مرين
بادرت السلطة المرينية في وضع وإرساء لبنات البر والإحسان وسط المجتمع المريني المعوز، والتي تمثلت خصوصا في رعاية الأيتام باعتبارهم الفئة المتضررة من الجانب الأسري، فكانت الالتفاتة إلى هذه الفئة من الرعية، فسخرت جهودا حتى يستغني اليتيم عن التكفف، وحتى لا يتلاطم اليتيم بين أمواج الحياة. فاليتم يترك أثرا في النفس وبؤس وروعة فكانت الدولة في العهد المريني ترى أن كفالة اليتيم يجزل الثواب وبه تنصر الأمة وبه يغاث الناس حين ينقطع القطر من السماء. وكانت قاعدتهم الأساسية أنه من لم يهتم بأمر المسلمين ليس منهم. فلقيت دعوتهم استجابة من أهل البر والخير والإحسان فتكفل الناس يومها باليتيم واعتنوا به عناية بالغة، بغية الثواب والفوز بصحبة خير المرسلين عليه السلام.
فأهل الثراء والبر لم يغفلوا أيضا عن المشاركة في رعاية اليتيم فكان الجاري بالمغرب أن يقوم جماعة من العدول بتقديم أحدهم على صبي يتيم الأب تقديما مطلقا لرعايته والاهتمام بشؤونه، كما ألمحت إحدى النوازل إلى أن رجلا أوصى لصبية يتيمة بأن يدفع لها بعد وفاته ريع حانوته، وينفق عليها منه إلى أن تتزوج. وهناك إشارة إلى رجل كان يكفل يتيما فأوصى له قبيل وفاته ببقرة ومبلغ من المال ليتعيش من ذلك.
- الفرع الأول: إجراء الأجرة المادية والعينية على الأيتام
سن أبو الحسن المريني سنة كتب الله أجرها وأجر من يعمل بها وهي أنه أجرى لسائر الأيتام من سائر القبائل ما يتماشى به أحوالهم ويستغنون به عن التكفف والعالة، فسوغ لهم فيما علمت محرث زوجين ومجباها في كل وطن بحسب خراجه وجبايته وفيه كفاية حتى إذا بلغ حد الخدمة، ألحق بمن عاده فلا يكاد يقع بصره على اليتيم في بلاد المغرب إلا وهو مكفول.
وأكثر من ذلك فإن أبا الحسن أعطى كل يتيم قطعة من الأرض تكفيه. كما خصصت الدولة مبلغا من المال لفائدة اليتيم الذي حدد نصابه في عشرة دراهم.
واهتم أيضا أبو الحسن المريني بإسعاف طبقات من اليتامى الفلاحين في سائر القبائل قطعا أرضية مقدار حرث زوجين لكل فرد، مع إعفاء الأرض الممنوحة من اللوازم الجبائية (وحرث زوجين يقدر بنحو 16 هكتارا).
- الفرع الثاني: ختان اليتامى وكسوتهم
كانت عاشوراء موسما لختان اليتامى وكسوتهم فكانت الدولة تصرف لكل يتيم قميصا واحزاما.
وتابع المــرينـيــون عادة ختــان اليتــامى في كل سنــة، وهي مــبرة عرفت في المغــرب من العصـر الموحــدي وبالضبط أيام يعقوب المنصور، حيث يسجل ابن عذارى أنه عمل لم يسبق إليه أحد من الملوك المتقدمين، وفي المعجب أنه كان يأخذ في الاستعداد لذلك عند دخول السنة الهجرية. وفي العصر المريني-الذي نعرضه- استمر هذا التقليد واستقر يوم عاشوراء موعدا له، فكان من عمل أبي يوسف المريني ماهد الدولة أن قرر القيام في كل عاشوراء بتطهير الأيتام وختانهم وكسوتهم والإحسان عليهم بالدراهم والطعام.
ولا تعدوا إشارات لوتورنو عن سعادة الأطفال والصبية سواء الأيتام أم غيرهم في يوم عاشوراء فهم لم يعرفوا الحزن يَوْمَهَا، نظرا للعطاء الذي يغدو عليهم والمنايا التي تحذوهم. يقول لوتورنو: «وبقطع النظر عن الأسباب فإن أطفال فاس لم يعرفوا الحزن في يوم عاشوراء.»
وبقي اعذار اليتامى معلَّق بأثواب البر والإحسان، حين تابع السلطان أبو الحسن دأب أسلافه وأجداده، فكانت حسناته مستمرة على اليتامى وأجزل العطاء والعناية للأيتام، ولنترك صاحب سره وكاتبه يسرد لنا ما قام به السلطان قِبَل اليتامى فقال: «ومن صدقاته الجارية وحسناته المستمرة التي سنَّها هو أن في كل عاشوراء من سائر بلاده يجمع الأيتام الذين يفتقرون إلى الختان فيختن كل واحد ويكسوه قميصا وإحراما ويعطي عشرة دراهم وما يكتفي به من اللحم فيجتمع في كل عاشوراء من الأيتام من سائر البلاد ما لا يحصى وهو عمل مستمر في بلاده وسنة جارية قام بها الخلفاء من أولاده من بعده.»
وغير بعيد عن هذا، أكد السلطان أبو عنان هذه الاستمرارية بعد والده، وتابع منواله بإعذار اليتامى وكسوتهم في يوم عاشوراء تأسيا بأسلافه. وهذا ما أورده ابن جزي فيقول: «ومنها إعذار اليتامى من الصبيان وكسوتهم يوم عاشوراء.
فهذه العنــاية البالغــة والمتــابعة من طرف السلاطــين نسجت خيــوط التــواصـل ومــدت يــد أهــل البــر والإحسان لإكمال حلقة التعاون في مجال إعذار اليتامى ماديا ومعنويا.