منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ماذا أعرف؟ ج2 (5) تبسيط المعرفة 

الأستاذ عبد الصمد الخزروني

0

ماذا أعرف؟ ج2 (5) تبسيط المعرفة 

الأستاذ عبد الصمد الخزروني

مقدمة

تطرقنا في الحلقة السابقة إلى الجواب عن سؤال جوهري في المعرفة، هو ماذا أعرف؟ فكان الجواب في جزئه الأول حول المعرفة الإلهية. في الجزء الثاني منه سنتطرق إلى المعرفة الشرعية في حدّها الأدنى الذي يمكن لكل مسلم أن يتمكن منه ويستوعبه ويفهمه فهما بسيطا. فإن الله تعالى يُعبد عن علم وليس عن جهل. الحد الأدنى من هذه المعرفة في عبادة الصلاة والصيام والزكاة والحج وسائر العبادات الأخرى. ثم لطالب العلم المجال مفتوحا ليُبحر ويتعمق ويتخصص كيف يشاء.

من خلال هذه الحلقة سنضع رؤوس أقلام حول ما هو معلوم من الدين بالضرورة داخل إطار علوم مختلفة لا يمكن أن يستغني عنها المسلم بحال من الأحوال. كمعرفة الدين ومراتبه، والفقه وأحكامه، ومقاصد الشريعة، ومصادر التشريع الإسلامي، وغيرها.

الدين ومراتبه الثلاثة

أخرج مسلم وأبو داود والنسائي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: “بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال: صدقت. قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: فأخبرني عن الساعة. قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. قال: فأخبرني عن أماراتها. قال: أن تلد الأمة ربّتها، وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. قال: ثم انطلق. فلبثت مليا (أي قليلا) ثم قال لي: يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل أتاكم يعلّمُكم دينَكم”.

بحسب حديث جبريل عليه السلام المشهور الذي أوردناه، فإن الدّين هو أربعة أمور: إسلام وإيمان وإحسان وترقب للساعة. وهو يمثل سُلّما للترقي مراتبُه ودرجاتُه ثلاثة، وهي: الإسلام الذي يمثل أحكام الشريعة، ثم الإيمان الذي يمثل أحكام العقيدة، ثم فوقهما وبناء عليهما الإحسان الذي يمثل أحكام السلوك. بينما تمثل الساعة وهي الأمر الرابع، أحداث التاريخ ومجرياته وتحولاته وتغيراته.

فالإسلام يمثل القاعدة العامة المشتركة بين المسلمين والتي تجمعهم، ثم الإيمان الذي يمثل الأهلية لسماع خطاب الله عز وجل وندائه بــــــــ” أيها الذين آمنوا”، ثم الإحسان بعد ذلك الذي يمثل محط نظر ذوي الهمم العالية من الرجال والنساء المؤمنين والمؤمنات.

فللإسلام له أركان خمسة بُني عليها كما ورد في الحديث، وله خصائص يُعرف بها، وله صُوى ومنارات كمنارات الطريق. وللإيمان أيضا أركان ستة يُبنى عليها، وله خصائص يتميز بها، وله شُعَبٌ تبلغ السبعين تُشكّل لنهره روافد حتى يمتلئ. وللإحسان ركنان وهما مقاما المراقبة والمشاهدة. وله خصائص ومقامات ومنازل ذكرها أهل الاختصاص في علم التربية والسلوك. وللساعة كذلك خصائص وعلامات وإمارات[1].

مصادر التشريع الإسلامي

مصادر التشريع الإسلامي هي الأدلة الشرعية التي يُستنبط منها الأحكام الشرعية، والأدلة (جمع دليل)، والدليل في اللغة: الهادي إلى أي شيء حسي أو معنوي. وفي الاصطلاح: مصادر التشريع الإسلامي هو ما يتوصل بصحيح النظر فيه إلى حكم شرعي عملي مطلقاً. أي سواء أكان الاستنباط على سبيل القطع (أي اليقين) أم على سبيل الظن (وهو رجحان أحد الاحتمالين على الآخر بدليل)، فيصير الدليل قسمين: قطعي الدلالة، وظني الدلالة.

التشريع الإسلامي: هو مجموعة الأنظمة التي شرعها الله تعالى للأمة الإسلامية في القرآن الكريم، أو في السنة النبوية، وكذلك باجتهادات الفقهاء، فما ثبت فيه نص شرعي يقال لـه: شـريعة، وما تقرر بالاجتهاد في ضوء النص يقال له: فقه.

لمصادر التشريع الإسلامي تصنيفات، منها:

1-المتفق عليه والمختلف فيه: مصادر التشريع الإسلامي أو الأدلة المتفق عليها بين جمهور العلماء بالاسـتقراء، أربعة، وهي: الكتاب أو القرآن، والسنة، والإجماع، والقياس. أما مصادر التشريع الإسلامي المختلف فيها والتي لم يتفق جمهور الفقهاء على الاستدلال بها كثيرة، أشهرها سبعة، وهي: الاستحسان، والاستصلاح أو المصالح المرسلة، والاستصحاب، والعرف، ومذهب الصحابي، وشرع من قبلنا، وسد الذرائع.

2ً ـ الأدلة النقلية والعقلية: المصادر أو الأدلة الشرعية إما نقلية (أي تعتمد على الحكاية الثابتة والنقل الصحيح) وإما عقلية (مرجعها الاجتهاد العقلي ممن توافرت لديه ملكة الاجتهاد). والأدلة النقلية: هي الكتاب، والسنة، والإجماع، والعرف، وشرع من قبلنا، ومذهب الصحابي. والأدلة العقلية: هي القياس، والمصالح المرسلة، والاستحسان، والاستصحاب، وسد الذرائع أو فتحها. وكل من القسمين مفتقر إلى الآخر، فإن الاجتهاد لا يقبل من دون الارتكاز على أساس الأدلة النقلية، والأدلة النقلية لابد فيها من التعقل والتدبر والنظر الصحيح المعتبر.[2]

الفقه وأحكامه الخمسة

أولاً: الواجب: وهو ما أمر به الشارع على وجه الإلزام، أي لابد من فعله. ثمرته: يثاب فاعله ويعاقب تاركه. مثاله: الطهارة، والصلاة، والزكاة، والحج، والإخلاص، والصدق، وغيرها فهذه كلها واجبات.

ثانيا: المحرم: وهو ما نهى عنه الشارع على وجه الإلزام، أي لابد من تركه فهو ضد الواجب. ثمرته: يعاقب فاعله ويثاب تاركه. مثاله: الربا، والزنى، والغيبة، والرياء، وغيرها فهذه كلها محرمات.

ثالثاً: المكروه: وهو ما نهى عنه الشارع على غير وجه الإلزام، أي من الأفضل تركه. ثمرته: لا يعاقب فاعله، ويثاب تاركه. مثاله: الالتفات لغير حاجة في الصلاة، والعبث القليل في الصلاة، وكذلك الاختصار فيها أي وضع اليدين في الخاصرة، وغيرها فهذه كلها مكروهات.

رابعاً: المسنون: وهو ما أمر به الشارع على غير وجه الإلزام، أي من الأفضل فعله. ثمرته: يثاب فاعله، ولا يعاقب تاركه. مثاله: السنن الرواتب، والوتر، والأكل والشرب بثلاثة أصابع، والنوم على الشق الأيمن، وغيرها فهذه كلها سنن.

خامساً: المباح: وهو ما لم يأمر به الشارع ولم ينه عنه، فالأصل فيه الإباحة، ففعله وتركه سواء لا ثمرة له في الفعل أو الترك، إلا إذا احتسب الإنسان في المباح خيراً فتتحول العادات إلى عبادات، أو المباح إلى طاعة، وذلك بحسن نيته. مثاله: أكل الإنسان لعشاءه أو غداءه أو أي وجبة في يومه وليلته هو أمر مباح، لكن إن نوى به التقوى على الطاعة أثيب على حسن نيته.

القواعد الفقهية الكبرى

 وهي التي تضم ما لا حصر له من الفروع، ويقصد بها القواعد الكلية الكبرى الخمس المعمول بها في كل المذاهب والمرتبطة ارتباطا وثيقًا بتجديد الفقه الإسلامي؛ حيث لا يصح للمجتهد أو المجدد إغفالها، إضافة إلى إلمامه بعلم أصول الفقه، القواعد بمثابة أركان الفقه الإسلامي، وهي:

  1. قاعدة “اليقين لا يزول بالشك”.
  2. قاعدة “المشقة تجلب التيسير”.
  3. قاعدة “الضرر يزال”.
  4. قاعدة “العادة محكمة”.
  5. قاعدة “الأمور بمقاصدها”.

مقاصد الشريعة الخمسة

 الشريعة الإسلامية: هي مجموعة القواعد والنظم والأحكام التي تُنظم حياة الناس. أما مقاصدها فمنها الكلية وهي ثلاثة: رفع الحرج. وقلّة التكاليف. والتدرج في التشريع. وأما الجزئية فتتألف من ثلاثة أقسام: (حفظ الضروريات – تحقيق الحاجيات – تحقيق التحسينات).

في قسم حفظ الضروريات نجد: حفظ الدين، حفظ النفس، حفظ العقل، حفظ المال، وحفظ النسل. وفي قسم تحقيق الحاجيات نجد الأمورَ التي يستطيعُ الإنسان العيشَ دونها ولكن غيابها يؤدي إلى المشقّة، كنظامِ النقود وأحكامِ البيوع وأحكامِ الزواج وأحكامِ الرخص في السفر والمعاملاتِ بشكلٍ عام. أما في قسم تحقيق التحسينات فهو ما يتم بها إظهارُ الفرد والمُجتمع بمظهرٍ جميل. مثاله: قضايا الأخلاق، والزينة، والطهارة، وجمال المجتمع مثاله: إظهار المسلمين بمظهرِ القوة والوحدة والأخوة.

خاتمة

هذا باختصار ما يمكن تبسيطه فيما يخص جزءا يسيرا من المعرفة الشرعية أو العلمي الشرعي، وهناك الكثير منه يمكن للمسلم والمسلمة صاحب الهمة والعزيمة أن يطّلع عليه ويجتهد في طلبه لمعرفته. هناك القرآن وعلومه، التفسير وعلومه، الحديث وعلومه، السيرة وعلومها وغيرها من العلوم.

إلى هنا ننهي هذه الحلقة الخامسة من “ماذا أعرف؟”، وإلى حلقة أخرى إن شاء الله حول العلوم الكونية. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


[1] – يُنظر كتابنا “تعلم الدين وتعليمه..التلقي والترقي والتوقي”. للحصول عليه الكترونيا يرجى الاتصال على الواتساب: +212618665587

[2] – https://islamonline.net/ مصادر التشريع الإسلامي (بتصرف).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.