منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مصادر المعرفة (2) تبسيط المعرفة

عبد الصمد الخزروني

0

مصادر المعرفة (2) تبسيط المعرفة

إعداد: عبد الصمد الخزروني

تقديم

مع الحلقة الثانية من حلقات تبسيط المعرفة، والتي سيكون حديثنا فيها عن مصادر المعرفة. وقبل ذلك نذكر السادة القراء أننا في الحلقة الأولى تحدثنا عن معنى المعرفة بأنها العلم بالشيء عن طريق الإدراك، أو هي الصورة المنعكسة للعالم الخارجي في العقل. وتحدثنا أيضا عن الفرق بينها وبين الفهم والعلم والثقافة. وتحدثنا كذلك عن حاجة المعرفة إلى التطور والبناء حتى تصبح معرفة علمية التي تجمع بين العلم والعمل وإلا بقيت مجرد ثقافة متكدسة في الذهن. وتحدثنا عن الكمال المعرفي الذي هو آخر ما يطلبه الإنسان في حياته، وذلك في مرحلة من مراحل وعيه ويقظته.

في الحلقة الثانية نشير إلى أن التاريخ كله يشهد ويؤكد أن الإنسان فقط هو من يستطيع أن يعرف، ويُنتج معرفة بهذا الشكل، مقروءة ومسموعة ومرئية. وبالمعرفة عُرف الإنسان عبر التاريخ، وبها تميّز عن غيره من المخلوقات. ذلك أنه يمتلك مصادر تمكنه من اكتساب هذه المعرفة. يقول الله تعالى: (ألم نجعل له عينين، ولسانا وشفتين). العينان للنظر في كتاب الكون المنظور، واللسان والشفتان للتعبير عن تلك الحقائق التي توصل إليها عن طريق النظر والتأمل أو لقراءة كتاب الله المسطور.

المصدر الأول: الحواس

أول هذه المصادر التي يكتسب بها الإنسان هذه المعرفة هي الحواس. حاسة البصر يكتشف بها الأشياء الموجودة أمامه بألوانها (أحمر، أخضر، أزرق، أبيض…) وبأشكالها (كبير، صغير، مربع، مثلث، دائري…). ثم حاسة السمع التي يكتشف بها الأصوات المتنوعة ويميز بينها، هل هي أصوات للإنسان أم للحيوان أم للسيارات، أم للطيور. ثم حاسة الشم التي يكتشف بها الروائح المختلفة ويميز بينها، هل هي طيبة أم طبيعية أم كريهة. ثم حاسة الذوق التي يكتشف بها أنواعا من الأطعمة والأشربة، هل هي حلوة أم مُرّة أم مالحة. وأخيرا حاسة اللمس التي يكتشف بها طبيعة الأشياء، هل هي صلبة أم رطبة، سائلة أم جامدة، باردة أم ساخنة، ناعمة أم خشنة.

المصدر الثاني: العقل

وعندما يتقدم الإنسان في عمره سيشعر بأن هذه الحواس التي يستعملها في الوصول إلى المعرفة أو تحصيلها غير كافية، لكونها إما عاجزة، لأنها تكتفي بمظاهر الأشياء دون حقائقها. وإما خادعة لأنها تُظهر الأشياءَ في بعض الأحيان على غير حقيقتها. فمثلا إنها تُظهر الشمسَ كرغيف وهي ليست كذلك، وتُظهر العصا في الماء منكسرا، وهو غير منكسر. مما سيضطر الإنسان إلى البحث عن مصدر آخر ثان يستعين به ويكون هذه المرة أكثر دقة وفعالية. لأن ما وصل إليه وهو طفل يافع من مرحلة الذكاء جعله يميل إلى الاكتشاف والسؤال والبحث أكثر فأكثر. وهذا المصدر الثاني لا يكون إلا العقل. وكمثال على ذلك، لنعتبر ذهن الإنسان كالحجرة المظلمة، يأتيها الضوء من النوافذ وهي ما تقوم به الحواس باعتبارها نوافذ. هذا في النهار، فكيف يأتيها الضوء في الليل، فكان لابد من إيقاد مصباح حتى يضيء المكان ويدرك به الإنسان ما حوله. وهو ما يقوم به العقل باعتباره مصباحا. العقل مصباح وملكة للإدراك والتمييز والحكم. لإدراك الأشياء، ثم للتمييز بينها، ثم أخيرا للحكم على طبيعتها.

العقل آلة تساعد على الانتقال من المعرفة الصورية إلى المعرفة المجردة. ومن الحقائق المعلومة إلى الحقائق المجهولة. العين قد ترى الأشياء تسقط على الأرض لكن العقل هو من يدرك أنها الجاذبية. العين ترى الأشياء مثل السفن تطفو فوق سطح الماء، لكن العقل هو من يدرك بأن المسألة تتعلق بالكثافة، أي عندما تكون كثافة الأجسام أقل من كثافة الماء فإنها تطفو فوق سطحه.

ولأهمية هذه الحواس الخمسة وهذا العقل في تحصيل المعرفة أمرنا الشرع بالحفاظ عليها ماديا ومعنويا حتى تقوم جميعا بوظائفها التي خُلقت من أجلها. فالحواس وظيفتها عبودية الجوارح. والعقل من وظيفته عبادة التفكر.  فالحفاظ على الحواس من الحفاظ على النفس. فنحن عندما نحافظ على الحواس ليس لأنها مصدرٌ من مصادر المعرفة فقط، بل لأن لها قيمة أيضا مادية كبيرة في جسم الإنسان، عَلِمها من عَلمها، وجَهِلها من جهلها. مثلا إن قلتَ لأحد سأعطيك مليارا مقابل أن تعطيني بصرك أو سمعك أو ذوقك. لا يقبل. ربما لا يفكر في هذا أصلا وبالأحرى أن يتفاوض معك عليه. فإذن من هذا المنطلق وجب الحفاظ على هذه الحواس لأنها ثمينة جدا. أما العقل فبه يتميز الإنسان عن الحيوان، وبه تتم عملية التفكير. إذْ لا يمكن أن يستقل عنه. فهو مناط التكليف، إذا فقده الإنسان رُفع عنه القلم وصار مجنونا.

والعقل عقلان: عقل معاشي، وهو الذي يُستعمل في طلب العيش، والطريقة التي سيتم بها هذا العيش. وعقل مُفكر ومتفكر يُستعمل في تحصيل المعرفة وبنائها وطلب الكمال الإيماني والمعرفي.

المصدر الثالث: الخبر

ثم يتقدم الإنسان في العمر من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الشباب وما بعدها من مراحل النضج، فيدرك خلال هذه المراحل أنه لا مصدر الحواس ولا مصدر العقل يمكن أن يجد من خلالهما الأجوبة الكافية والشافية والمقنعة للأسئلة الجديدة والكبيرة الواردة عليه والتي تطرحها عليه فطرته. العقل والحواس نعم يكسبانه المعرفة إلا أنهما غير قادرين على الحصول على كل المعرفة. نعم الحواس تنقل الضوء من الخارج إلى حجرته المظلمة، كما يمكن أن يطل بها على ما في الخارج أيضا. نعم العقل يضيء الغرفة في ظلام الليل ليدرك ما حوله، لكن من ينقل إليه الأخبار البعيدة والغائبة عنه. أخبار ما وراء الجبال والبحار، بل ما وراء الدنيا من عالم الغيب. فالمعرفة واسعة وليست نهائية، بمعنى أن هناك مجالات أخرى لا يستطيع العقل والحواس أن يصلا إليها، لأنها خارجة عن قدرتهما وحدودهما. وهذه المجالات تدخل في إطار ما يسمى بعالم الغيب. لأن الموجودات الخارجية بالنسبة للإنسان قسمان:

الأول: موجودات عالم الشهادة، وهي الأشياء التي تحيط بالإنسان في عالم الطبيعة من إنسان وحيوان ونبات وجماد، ويدركه بحواسه.

الثاني: موجودات عالم الغيب، وهو العالم الذي ليس باستطاعة الإنسان أن يدركه بالحواس، وهو داخل في ما يسمى بالميتافيزيقا أو عالم ما وراء الطبيعة. منها: معرفة الله، الملائكة، العرش، اللوح المحفوظ، الروح، الجن، الآخرة، الجنة والنار. بل وحتى معرفة الإنسان بنفسه أمر لا يستطيع إدراكه بالحواس والعقل فقط. يقال: “من عرف نفسه فقد عرف ربه”. سواء كانت نفسه أو حتى نفسية الآخرين. تجد من العلماء من صعد إلى الفضاء، ومنهم من غاص في الأرض إلى الأعماق، لكن أن يعرف ما يجول في نفس من هو جالس بجانبه لا يستطيع. ولذلك صرح علماء النفس أن أصعب العلوم على الإطلاق هي علوم الإنسان. عرفوا مظهره الخارجي وعجزوا عن معرفة حقيقته الجوهرية. ولذلك يحتاج إلى مصدر آخر ثالث للمعرفة يمكّنه من الوصول إلى هذه المعرفة الغيبية. وهذا المصدر الثالث هو الخبر. والخبر لابد له من مُخبر يحمله وينقله ويبلغه.

والخبر أنواع: إما أن يكون صحيحا (%100)، وإما ظنا (%75) من الصحة، وإما شكا (%50)، وإما وَهْما (%25)، وإما كذبا (%0) من الصحة أي خبر مردود. أما المخبر الناقل للخبر فيشترط فيه أن يكون عاقلا وصادقا وأمينا وفاطنا.

ومن أنواع الخبر الصحيح: الوحي الإلهي الذي نقله وحمله وبلّغه لنا الصادق الأمين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل. وهو من أعلى مصادر المعرفة وأسماها، لأنه يعتبر بمثابة العلم اليقيني.

المصدر الرابع: الإلهام

وهناك مصدر رابع إلى جانب المصادر الثلاثة الحواس والعقل والخبر التي ذكرناها، وهو مصدر الإلهام القلبي أو الحدس. وهو مصدر مختلف عليه له أصحابه وفلسفته. يقول الله تعالى: [اتقوا الله ويعلمكم الله]، ويقول كذلك سبحانه وتعالى عن العبد الصالح في سورة الكهف: [فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا] (الكهف:65). وفي الأربعين النووية للإمام النووي حديث حسن عن وابصة بن معبد الأسدي أنه قال: “أتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ فقال: جئتَ تسألُ عن البرِّ والإثمِ؟ قال: نعم، فقال: استفتِ قلبكَ: البرُّ ما اطمأنتْ إليهِ النفسُ، واطمأنَ إليهِ القلبُ، والإثمُ ما حاكَ في النفسِ وترددَ في الصدرِ، وإن أفتاكَ الناسُ وأفتوكَ”.

هذا المصدر القلبي يسميه الصوفية “الإشراق” والذوق والكشف، ويسميه الفلاسفة “العقل الفعّال” المؤيد بشدة صفاء النفس، ويُسمّيه غيرهم “البصيرة” التي يرى من خلالها صاحبُها بواطن الأشياء وحقائقها كما يرى بالبصر ظواهر الأشياء ووجودها. ويرى أهل السنة كما ورد في [فتاوى ابن تيمية 10/473] رحمه الله تعالى أن الإلهام يمكن أن يكون مصدرا للمعرفة فيما لم يرد فيه دليل شرعي نقلي أو عقلي. فيستعمل من باب الترجيح وفق ضوابط متفق عليها.

وعن هذه المصادر الأربعة نتجت المذاهب، فهناك من يؤمن بالحواس فقط كمصدر وحيد للمعرفة. وهناك من يلغي الحواس ويؤمن فقط بالعقل كمصدر وحيد للمعرفة. وهناك من يعتمد المصدرين الحواس والعقل ويلغي ما سواهما من المصادر. أما الإسلام فيعتمدها كلَّها الحواس، والعقل والخبر والإلهام.

ختاما

إن العجيب في مجال المعرفة أنها لا تتوقف، فهي تتطور وتتجدد. نعرف لنُنتج، ولنُبدع إنتاجات معرفية جديدة. أما الاكتفاء بالاستهلاك المعرفي فقط كما يقع الآن فهذا ما يدفع بالمعرفة إلى الجمود والركود، وبالتالي الموت على مستوى العقل، والتردي على مستوى الحضارة، فتتأخر النهضة والتقدم.

وتبقى الغاية من المعرفة ومن هذا المجهود الكبير لتحصيلها هو الوصول إلى الحقيقة، حقيقة الوجود، حقيقة الحياة، حقيقة الإنسان، وأكبر حقيقة يمكن الوصول إليها على الإطلاق، هي معرفة الله وهو الحق سبحانه وتعالى. يقول الله تعالى: (ذلك بأن الله هو الحق، وأن ما يدعون من دونه هو الباطل، وأن الله هو العلي الكبير). صدق الله العظيم.

إلى هنا ننهي هذه الحلقة الثانية من تبسيط المعرفة، على أمل اللقاء بكم في حلقة ثالثة إن شاء الله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. والحمد لله رب العالمين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.