منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أهمية القراءة في بناء المعرفة (3) تبسيط المعرفة

عبد الصمد الخزروني

0

أهمية القراءة في بناء المعرفة (3) تبسيط المعرفة

إعداد: عبد الصمد الخزروني

 

المعرفة حاجة إنسانية (1) تبسيط المعرفة

مصادر المعرفة (2) تبسيط المعرفة

تقديم:

في هذه الحلقة الثالثة من تبسيط المعرفة سنتطرق للحديث عن أهمية القراءة في بناء معرفة الإنسان. إن من الوسائل المهمة التي يمكن للإنسان أن ينمّي بها معرفته ويوسعها ويطورها ويبنيها هي: القراءة والكتابة والمذاكرة والحوار والندوات وغيرها. فمما لا شك فيه أن القراءة تعتبر من أفضل الأعمال، ذلك لأنها تمنح القارئ معلومات ومعارف وأفكارا، وتعطيه نظرة عن الإنسان والكون والحياة، كما تجعل منه مثقفا وفاعلا إيجابيا في المجتمع، وأيضا تحسّن سلوكه وتنمّي معرفته. فلتحقيق قراءة فعالة ومفيدة لابد من وجود أمرين مهمين: الحوافز نحو القراءة، لماذا أقرأ؟ والمهارات في القراءة، كيف أقرأ؟

الحس القرائي

حقيقة عندما نستقرئ الواقع سنجد أن الحس القرائي أصبح ضعيفا جدا. لقد عشنا في الماضي بعض المواقف فقدناها اليوم للأسف الشديد. كنا ندخل إلى الحلاق فنجد كتبا ومجلات وجرائد على طاولة. وعند باب بعض الدكاكين تجد جرائد. وفي زاوية من زوايا كتب مفروشة على الأرض. اليوم أصبح من يحمل كتابا في يده أو يقرأه في مكان عمومي انسانا شاذا وغريبا.

يقول الأديب عباس محمود العقاد: “لست أهوى القراءة لأكتب، ولا أهوى القراءة لأزداد عمرا في تقدير الحساب، وإنما أهوى القراءة لأن عندي حياة واحدة، وحياة واحدة لا تكفيني. والقراءة هي التي تعطيني أكثر من حياة لأنها تزيد هذه الحياة من ناحية العمق”.

هناك مثل غربي يقول: “إذا أردت أن تسعد انسانا فحبِّب إليه القراءة”. لأن في ملكة القراءة متعة لا يدركها إلا من كان شغوفا بها. ففي الكتب عوالم لا تحدّها حدود الخيال ولا يتصورها العقل. إن حياة الإنسان الحقيقية لا تقاس بالأيام والشهور والسنوات وإنما تقاس بمقدار ما يمتلكه من المعرفة. إن القراءة تهبُ الإنسانَ خلاصة فكر من يقرأ لهم لأنها تمده بالمعرفة التي أودعوها أوراق كتبهم التي أمضوا أياما وشهورا وسنين من أعمارهم وهم يكتبونها.

تعريف القراءة

دعونا في البداية نقدم تعريفا بسيطا للقراءة، ففي اللغة نجد: قرأ الكتاب قراءة وقرآنا، بمعنى جمعه وضمه. وقرأ عليه السلام بمعنى أبلغه السلام. وقرأ الكتاب بمعنى تتبع كلماته بالأصبع وبالنظر. وبهذا فإن القراءة تعني الجمعَ والضمَّ والتتبعَ والإبلاغَ. جمع معرفة وضمها إلى الجهاز المعرفي، ثم تتبع الجديد فيها، ثم إبلاغها ومشاركتها الآخرين بالكتابة أو المذاكرة أو التعليم.
وقد عرف مفهوم القراءة تطورا ملحوظا عبر التاريخ. في البداية كانت القراءة عن طريق الحواس (أفلا ينظرون)، وصاحب ذلك التعبير الشفوي عن الاستنتاجات العقلية في الساحات والميادين، كما كان في اليونان وفي أسواق عكاظ، ثم تطورت بعد ذلك إلى قراءة الرموز المنقوشة، إلى أن انتهت بقراءة الكلمات وهو ما عرف بعصر التدوين. فكان ظهور الكتاب وطباعته علامة على تحول معرفي كبير في التاريخ سُمي بــ “عصر المعرفة” دخلت فيه البشرية عهدا جديدا من النهضة والحضارة.

عوامل مساعدة على القراءة

للقراءة عوامل تساعد عليها، تنقسم إلى قسمين:

أولا: عوامل ذاتية: تتمثل في الحافز، وهو وجود الرغبة في القراءة. والتركيز على الكتاب والاهتمام به. والأفضل أن تختار كتابا في مستوى أعلى منك حتى يرقى يفكرك ويزيد في معرفتك. ثم ضرورة التفاعل مع الكتاب والتفكير بجدية في ما تقرأه. الصفاء الذهني والنفسي. اختيار الوعاء الزمني المناسب كوقت السحر أو الصباح أو المساء أو أي وقت يراه القارئ مناسبا له. اختيار الفضاء المناسب البعيد عن المشوشات كالحديقة أو المكتبة أو أي مكان تتوفر فيه شروط التهوية والإضاءة والراحة المناسبة.

ثانيا: عوامل موضوعية: وتتجلى في وجود البيئة المشجعة على القراءة، داخل الأسرة أو المدرسة أو المجتمع أو ما نسميه بالحس القرائي. وجود المكتبات والخزانات للكتب وفتحها حتى يعتادها الناس ويزورونها في أوقات فراغهم. الاهتمام بالقراءة وتحبيبها للناس والتشجيع عليها من خلال الأنشطة الثقافية المتنوعة، كالمحاضرات والندوات والمسابقات والمجموعات القرائية. وجود إعلام هادف يسهم في نشر الوعي بأهمية القراءة والمعرفة بصفة عامة. يقول عالم الطبيعيات الانجليزي جلبرت وايت (1720-1793): “ليس هناك كتب أو أكوام من الأوراق الميتة على الأرفف، بل هي عقول حية”.

الناس على اختلاف مللهم ونحلهم يحبون القراءة ويتحدثون عنها، ويشجعون عليها، لكنهم لا يحبون ممارستها فعليا بقراءة الكتب والمطالعة لتطوير جهازهم المعرفي. وحتى إن وجدنا فيهم من يقرأ فمن أجل تعديل المزاج والتخفيف من التوتر والاستمتاع بالقصص والروايات، مع أن القراءة الجيدة ليست لتعديل المزاج، بل من شروطها أن يكون القارئ في مزاج جيد. صحيح هناك نسبة من الناس تقرأ، لكن هناك نسبة قليلة تعلم ما تقرأ، ونسبة أقل بكثير تقرأ لكنها تقرأ لتبدع انتاجات فكرية ومعرفية جديدة. وهم الكتاب والباحثون والمفكرون. فنحن لا نريد طاحونة نسمع لها جعجعة بلا طحين. لا نريد استهلاكا للقراءة بلا انتاج. يقول المفكر الفرنسي “فرانسيس باكون”: “إن بعض الكتب يجب أن نتذوقها، وبعضها الآخر يجب أن نبتلعه، وقلة قليلة من الكتب يجب أن نمضغها ونهضمها”. من هنا نفهم أنه حتى لا تبقى قراءتنا للكتب مُشتَّتة، لابد من تنظيم عملية القراءة لتكون مثمرة وفعالة. ولا يكون ذلك إلا بوضع برنامج قرائي.

أهداف القراءة

والقراءة لها أهداف، هناك من يقرأ من أجل المتعة وهم أكثر القراء، خاصة الذين يقرأون الروايات والقصص. وهناك من يقرأ من أجل جمع المعلومات، وهم أقل من الفئة الأولى. وهناك من يقرأ من أجل تعميق الفهم، وهم أقل من الفئة الثانية، وهناك من يقرأ من أجل الإبداع بإضافة قيمة معرفية جديدة، وهم القلة القليلة جدا.
المطلوب أن نكون من الفئة الرابعة المبدعة، فإذا لم نكن منها فعلى الأقل أن نكون من الفئة الثالثة الحريصة على تحصيل الفهم. يقال إن من يملك معلومة كمن يملك قطعة ذهبية، أما من يملك منهجا في القراءة فكمن يملك مفتاح منجم من الذهب. في البداية ما يهمنا هو إعادة النظر في علاقتنا بالقراءة، ثم نتدرج في هذا الفعل القرائي.

فيما يخص أنواع القراءة نجد هناك القراءة الاستكشافية المتصفحة. هناك القراءة السريعة التي تعتمد على العين وتمرير الأصبع، وفيها الصامتة والجهرية. وهناك القراءة الانتقائية بالاختيار بين الكتب. وهناك القراءة التحليلية وهي القراءة العميقة. يقول عالم الرياضيات الفرنسي الذي عاش بين (1596 و1650): “إن قراءة الكتب الجيدة هي بمثابة التحاور مع أعظم العقول التي عاشت عبر العصور”.

القضية في الأخير ليست كم تقرأ من الكتب، بل كم استفدت من هذه الكتب، الحصيلة القرائية. قد اقرأ كتابا واحدا قراءة جيدة بحصيلة قرائية جيدة، خير لي من قراءة العشرات من الكتب من غير فائدة. اقرأ كتابا هذا يعني أن يكون له في حياتي أثرا يظهر في تغير سلوكي إلى أحسن وارتقاء فكري نحو الأفضل. وحين نقول ماذا نقرأ؟ فإن جوابنا في الوهلة الأولى ينبغي أن يكون هو قراءة القرآن، لأنه أجود الكتب وأعظمها على الإطلاق، ولأن فائدته من أعظم الفوائد.

القراءة أمر إلهي

يقول الله تعالى في أول ما نزل من القرآن على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: [اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الانسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم] (العلق:1-3). فهذه السورة الكريمة تلخص لنا الأمر الإلهي بالقراءة، ومنطلقها، وموضوعها ماذا اقرأ؟ وعم اقرأ؟ وتبين لنا أيضا موضوع القراءة، وكذلك وسيلة تعليم هذه القراءة، بماذا تكون.

فالأمر بالقراءة إلهي من الله تعالى. والمنطلق أن تكون القراءة بسم الله، بعون من الله وبتوفيق منه. الموضوع هو معرفة الله الخالق الذي خلق كل شيء. وليس الوالدين ولا الطبيعة. ثم معرفة المخلوق الانسان الذي خلقه الله تعالى من علق وليس الذي جاء عن طريق القرد. أما الوسيلة إلى القراءة فتكون بالقلم. وهل لهذه القراءة من حدود؟ لا نهاية للمعرفة الإنسانية. [اقرأ وربك الاكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم]. (مالم يعلم) هي المعرفة التي لا يمكن أن نصل إليها عن طريق الحواس والعقل. وإنما نصل إليها عن طريق الوحي المنزل.
إن النبي محمد صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يحدث تحولا في قومه وفي العالم من بين ما ركز عليه إلى جانب التحول العقدي من الشرك إلى الإيمان، والتحول المنهجي من الفوضى إلى النظام، ركز على التحول المعرفي من الجهل والأمية إلى العلم والتفكر. والتفكر وسيلة مهمة في إنتاج المعرفة عوض الاعتماد في الأغلب على الموجود المكتوب.

حينما نقول القراءة والكتابة فإننا نعني بذلك التمكن من الحدّ الأدنى من اللغة وقواعدها وأساليبها. لأن اللغة تساعد كثيرا على الفهم وبالتالي على العلم. والإنسان باعتباره له قابلية واستعداد لأن يتعلم اللغة ويحسن استعمالها أُطلق عليه “الإنسان الرمزي”، نسبة إلى تمكنه من رموز اللغة.

خاتمة

القراءة يجب أن تبدأ من الصغر حتى يتعود عليها الإنسان وتصبح جزء من حياته ووقته وبرنامجه. ومن هنا نوجه الكلام للآباء والأمهات، إذْ عليهم أن يعلموا دائما أن القراءة ينبغي أن تكون تجربة ممتعة بالنسبة للأطفال، وليس فرضا أو التزاما روتينيا. ومن الواجب عليهم أيضا أن يتعاونوا مع المعلمين على تحسين مهارات أطفالهم في القراءة. ثم إن إدخال الصغار إلى عالم القراءة وتعويدهم عليها وتحبيبهم بها، سيكون له أثر بالغ في جعلهم قراء دائمين عندما يكبرون. يقول بورس فريدريك سكينر وهو عالم النفس والكاتب الأمريكي الشهير (1904-1990): “يجب علينا قبل أن نوجه الناس على قراءة الكتب العظيمة أن نعلمهم حب القراءة”.
إلى هنا ننهي هذه الحلقة الثالثة، فإلى حلقة جديدة قادمة إن شاء الله، تقبلوا منا أجمل التحيات، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.