الشريعة بين السعة ومغالطات الاختزال
بقلم: عز الدين صمبة
الحمد لله الذي وسع شرعه كل نازلة، وأحاطت حكمته بجميع الأحوال، فجعل في نصوص الوحي هداية لا تنقطع، وأودع في عقول العلماء أدوات لفهمه واستنباط أحكامه، فلا يضيق بالوقائع المستجدة، ولا يعجز عن استيعاب ما يجد في حياة الناس. وصلاة وسلام على النبي المصطفى ﷺ الذي ترك الأمة على المحجة البيضاء، لا يزيغ عنها إلا هالك، وعلى آله وصحبه الذين ضربوا أروع الأمثلة في الاجتهاد والفقه والفهم عن الله ورسوله.
غير أن واقعنا المعاصر يشهد صورا من الجدل تختزل هذه الرحابة في أسئلة ضيقة. فقد يتقدم أحدهم في ساحة النقاش بنشوة المنتصر، رافعا صوته: “أنا لي وقفة: هل هذا الأمر الذي تفعلونه طاعة أم معصية؟ إن كانت معصية، فلم تقومون بها، وإن كانت طاعة، فهل علمها رسول الله ﷺ أم جهلها؟ إن قلتم جهلها، فهذا طعن في مقام النبوة، وإن قلتم علمها، قلنا: أعطونا الدليل!” يخيل إليه أنه أحكم الحصار على مخالفيه، لكنه في الحقيقة وقع في فخ ثنائيات مغلوطة، تقزم علم الأصول، وتسّطح الشريعة، وتختزل سعة مقاصدها في سؤال مبتسر لا يليق بعمق الوحي ولا بجلالة الاجتهاد.
ومن هنا تبرز الإشكالية الحقيقية: هل يصح أن يبنى الحكم الشرعي على مجرد سؤال من قبيل: هل فعلها رسول الله ﷺ أم لم يفعلها؟ أو هل فعلها الصحابة أم لم يفعلوها؟ أو هل هي طاعة أم معصية؟
ومن هذه الإشكالية تتفرع أسئلة أخرى، توضح حجم الخلل المنهجي: هل يكفي النقل عن العلماء دون فقه للمقاصد والعلل؟ وهل يعد ترك النبي ﷺ أو الصحابة لشيئ دليلا قاطعا على منعه وتحريمه؟ وما أثر تغييب مراتب الأحكام الخمسة في حصر الشريعة بين ثنائية طاعة ومعصية؟ وما العاقبة لمن يتجرأ على إصدار الأحكام دون أدوات استدلال أصيلة؟
وهكذا يتضح أن المشكلة ليست سطحية، بل هي قصور في النظر وضعف في الفهم، يفضي إلى تضييق رحابة الشريعة، وإغلاق باب الاجتهاد، واختزال الدين في ثنائيات مخلّة لا تليق بعظمة هذا البحر الزاخر.
حين يختزل الترك في تحريم
من أبرز مواطن الخلل في فهم تروك النبي ﷺ أن يجعل مجرد تركه دليلا على التحريم، كما يجعل مجرد فعله دليلا على الوجوب. وهذا خلط بين؛ إذ إن النبي ﷺ قد يفعل الشيء استحبابا أو جبلة، كما قد يتركه لعدم الحاجة إليه، أو لمانع عارض، أو لكون غيره أولى. ومن ثم لا يصح أن يجعل من الترك أصلا للتحريم، ولا من الفعل أصلا للوجوب، إلا بمراعاة القرائن والمقاصد. وقد نبه الزركشي إلى هذا الأصل بقوله: “الترك فعل إذا قصد” (المنثور، 1/284)، مؤكدا أن الترك لا يكون دليلا إلا إذا كان مقصودا لذاته. وأوضح الشاطبي المعنى نفسه بقوله: “الأحكام الخمسة متعلقة بالأفعال، والتروك بالمقاصد” (الموافقات، 1/234)، أي أن الحكم الشرعي لا يثبت بمجرد الترك، وإنما يستفاد من مقصد التارك والقرائن الدالة عليه. بل صرح أيضا: “ليس الترك دليلا على التحريم إلا إذا اقترن بقرينة”. ولهذا قال الشيخ العلامة عبد الله بن الصديق الغماري في رسالته “حسن التفهم والدرك لمسألة الترك”:
الترك ليس بحجة في شرعنا * لا يقتضي منعا ولا ايجابا
فمن ابتغى حظرا بترك نبينا * ورآه حكما صادقا وصوابا
قد ضل عن نهج الأدلة كلها * بل اخطأ الحكم الصحيح وخابا
لا حظر إن لم يأت نهي زاجر * متوعدا لمخالفـيه عذابا
او ذم فعل مؤذن بعقوبة * او لفظ تحريم يواكب عيبا
فالترك لا يفيد حكما شرعيا بمفرده، بل لابد من قرينة تدل على المقصود. وقد اتفق العلماء على هذا الأصل، واستقر عمل الصحابة رضي الله عنهم على أن ترك النبي ﷺ لا يدل بمجرده على التحريم ولا حتى على الكراهة، وإنما يرجع في فهمه إلى القصد والقرائن. وهذا ما وعاه الفقهاء عبر العصور، فكانوا يتعاملون مع تروك النبي ﷺ بميزان دقيق، يفرق بين التشريع والترك العارض أو الجبلي أو المرتبط بالمصلحة.
حين يُجعل اجتهاد الصحابة حكما أبديا
الخلل الثاني يظهر في حصر الحجة في مجرد فعل الصحابة أو تركهم. فالصحابة رضي الله عنهم هم خير القرون، وقد زكاهم الله تعالى في كتابه وأثنى عليهم نبيه ﷺ، فهم عدول الأمة وخير قدوة في الفهم والتلقي والاتباع. لكن مع ذلك، فإن اجتهاداتهم – وإن كانت محل اعتبار – تبقى اجتهادات بشرية قد تصيب أو تخطئ. فقد يتركون شيئا لانشغالهم بغيره، أو لعدم قيام الحاجة إليه في عصرهم، أو لاعتبارات ظرفية وزمانية. فهل يصح أن نجعل من تركهم لشيء دليلا أبديا على التحريم أو الكراهة؟
إن الصحابة عدول ثقات، واجتهاداتهم تكشف عن عمق فقههم وسعة نظرهم، إذا اتفقوا جميعا على أمر دل ذلك على الإجماع، وهو حجة شرعية ملزمة باتفاق الأصوليين، لأنه لا يُتصور اجتماعهم على خطأ. أما مجرد ترك بعضهم لشيء فلا يصلح دليلا على التحريم أو الكراهة، إذ الترك لا يُفيد حكما شرعيا إلا بقرينة.
ومن ثم فإن الموقف الصحيح هو أن ننظر إلى اجتهادات الصحابة باعتبارها نماذج عملية عظيمة على مرونة الشريعة، وجرأتهم في الاجتهاد في غير المنصوص، واستعدادهم لمواجهة النوازل بروح المقاصد لا بجمود الحروف، دون أن نحولها إلى أحكام أبدية قاطعة لا تتغير.
حين تُحبس الشريعة بين طاعة ومعصية
الخلل الثالث هو حصر الأحكام في طاعة أو معصية. بينما علم الأصول قرر أن الأحكام التكليفية خمسة: واجب ومندوب ومباح ومكروه وحرام. فحصر الدين بين طاعة ومعصية اختزال يوقع في فوضى الأحكام، ويطمس مراتبها، ويعطل مساحات المباح والمندوب والمكروه، التي بها تتوازن حياة المسلم وتستقيم. ولولا هذا التصنيف البديع الذي جمع بين الإلزام والاختيار، لما أمكن للشريعة أن تراعي ضعف الإنسان وفطرته وتنوع أحواله. إن تضييق هذه المساحات هو في حقيقته تشويه لصورة الدين، وإلغاء للرحابة التي جعلت الشريعة صالحة لكل زمان ومكان.
حين تغيب المقاصد عن النظر
تُعدّ المقاصد الشرعية روح التشريع الإسلامي وغاية أحكامه، إذ بها يتضح أن الشريعة لم تُبن على مجرد الأوامر والنواهي المجردة، وإنما على تحقيق المصالح ودفع المفاسد، بما يكفل للإنسان حياة متوازنة في دنياه وآخرته. ومن هنا كان النظر المقاصدي أساسا في الاجتهاد، وميزانا في تنزيل النصوص على الوقائع، وبدونه يضيق الفقه عن مواكبة النوازل والمستجدات. فالأحكام الشرعية كلها دائرة على رعاية المصالح. ومن هنا، فقد تواطأت كلمات العلماء، قديما وحديثا، على بيان هذه الحقيقة، والتأكيد أن الشريعة كلها قائمة على جلب المصالح ودرء المفاسد. ومن أبرز ما قيل في هذا الباب:
قال الإمام العز بن عبد السلام:
“إن الشريعة كلها مصالح؛ إما درء مفاسد، أو جلب مصالح”. (القواعد الكبرى، ج1، ص9 )
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ” إن الشريعة الإسلامية جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها”.( منهاج السنة النبوية، ج1، ص147)
وقال تلميذه الإمام ابن قيم الجوزية: “الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها ورحمة، ومصالح كلها وحكمة كلها“.( إعلام الموقعين عن رب العالمين، ج3، ص1)
فالمقاصد هي روح الشريعة ولبّها؛ وبالتالي، فإن أي اجتهاد جديد يحقق مصلحة معتبرة دون مخالفة نص قطعي فهو مشروع، سواء كان متعلقا بفعل النبي ﷺ أو الصحابة أو بمستجدات الحياة. كما أن استحضار المقاصد يفتح الباب لفهم أدوات الاجتهاد التي تمكن الفقهاء من التمييز بين ما هو مشروع وما هو بدعة مذمومة.
ولذلك كان العلماء يقولون: “النصوص متناهية، والوقائع لا تتناهى”؛ فلا بد من ميزان جامع يضبط غير المنصوص، والمقاصد هي هذا الميزان. ومن أهملها ضيّق على الناس واسعا، وجرّ الاجتهاد إلى العجز عن مواكبة الحياة وتجددها.
حين تهمل أدوات الاجتهاد
الشريعة لم تترك الناس أمام فراغ، بل زودت العلماء بأدوات الاجتهاد: القياس، والاستحسان، والمصالح المرسلة، وسد الذرائع، والعرف، وغيرها. فالاكتفاء بثنائية الفعل والترك تعطيل لهذه الأدوات، وإهدار لطاقات الاجتهاد التي بها يتجدد الفقه وتستمر الحياة. وقد تفاوت الأئمة في استعمال هذه الأدوات، فمنهم من توسع في القياس، ومنهم من اعتمد المصلحة المرسلة، ومنهم من أولى العرف مكانة معتبرة. وكلها تدل على أن الدين دين عقل ونظر، لا دين تقليد جامد. فإهمال هذه الأدوات يسجن الفقه في الماضي، ويجعله عاجزا عن الإسهام في حاضر الأمة ومستقبلها.
حين يستسهل التبديع والتضليل
ومن نتائج هذا الخلل المنهجي كثرة التبديع والتضليل بلا فقه ولا روية. فيكفي أن يرى المرء عملا لم يفعل في عصر النبي ﷺ أو الصحابة حتى يسارع إلى وصفه بالبدعة. والحق أن البدعة لا تعرف بمجرد عدم الفعل، بل بمخالفة أصول الشريعة ومقاصدها. أما ما يحقق المقاصد ولا يعارض أصلا، فهو من المصالح المعتبرة، لا من البدع المذمومة. وقد ميز السلف بين “البدعة الحقيقية” التي تبتدع عبادة لا أصل لها، و”البدعة الإضافية” التي تبني على أصل مشروع لكن بطريقة جديدة. والفقهاء الراسخون لم يغلقوا الباب أمام كل جديد، بل نظروا في علله ومآلاته، فقبلوا النافع، وردوا ما يخالف المقصد أو يفتح باب الشر.
خلاصات وخاتمة
إن الشريعة الإسلامية أوسع أفقا وأرحب مدى من أن تُحصر في ثنائية ضيقة من قبيل: هل فعلها النبي ﷺ أم لم يفعلها؟ وهل هي طاعة أم معصية؟ والفقه أعمق من أن يبنى على تقسيمات سطحية لا تراعي مقاصده الكلية ولا أدواته المنهجية. ولأجل ذلك نشأ علم أصول الفقه بما يتضمنه من قواعد وضوابط ومراتب، ليكون حصنا يحمي العقل المسلم من الاختزال والتبسيط المخل.
ومن هنا وجب التنبيه والتحذير من خطورة هذا النمط من الجدل المبتسر؛ إذ يهدم جلال العلم، ويزرع الفوضى في عقول الناشئة، ويحول دون التذوق الحق لرحابة الشريعة ومقاصدها. ومن يتصدر لمثل هذا الخطاب، فليتق الله في نفسه وفي أمته، وليعلم أن الدين أمانة، وأن القول على الله بغير علم من أعظم الكبائر.
فلنجعل من علم الأصول بوصلة نهتدي بها في فهم النصوص، وضبط الفتاوى، ونستوعب من خلاله المستجدات، لنحفظ للشريعة سعتها، ولمقاصدها صفاءها، وللعقل المسلم رشده وتوازنه. وبهذا وحده نرتقي من ضيق الجدل العقيم إلى رحابة النظر الرشيد، ومن فوضى الثنائيات المبتسرة إلى أفق العلم الهادي والبصيرة النافذة.
وخاتمة القول: إن الأمة أحوج ما تكون اليوم إلى إحياء روح الأصول، وإلى خطاب يوازن بين النصوص والمقاصد، وبين الوفاء للتراث والانفتاح على قضايا العصر، حتى تبقى شريعتنا كما أرادها الله تعالى، رحمة للعالمين، وهداية للناس أجمعين.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، واجعل فرحنا به طاعة لك، واقتداء بهديه، ونصرة لعبادك المستضعفين.
#محمد_قدوتنا_فلسطين_قضيتنا