منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حديث جبريل عليه السلام:أسرار وأنوار

حديث جبريل عليه السلام:أسرار وأنوار/ الأستاذ مصطفى الشاح

0

حديث جبريل عليه السلام:أسرار وأنوار

بقلم: الأستاذ مصطفى الشاح

يحكي سيدنا الفاروق قصة عجيبة وغريبة وفريدة. دقة تصوير للحدث تعكس نباهة وذكاء وتركيز الحاكي. حكي فيه سلاسة ونظم يشد السامع شدا وكأنه حاضر شاهد ومشارك كل طور من أطوار الحكاية.

بينما نحن جلوس عند رسول الله

كان دأب الصحابة الكرام رضوان الله عليهم الأنس بمجالسة المصحوب الأعظم في كل وقت وحين، يتعلمون أسرار القرآن الكريم ويتشربون أنوار النبوة بقرب الحبيب الطبيب.

كان شوقهم دليلهم لمجالس تتنزل فيها الرحمات وتعم بها السكينة وتغشاها الملائكة الأطهار وتذكر في الملكوت عند العزيز الغفار، وأُمروا بصبر النفس وحبسها في صحبة الذاكرين طلبا لمعالي *يريدون وجهه* سورة الكهف.

حتى قال الصديق: والله إني لأشتاق لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا بين يديه، بل جعل شوقه الدائم الجلوس بين يدي الحضرة النبوية والتملي بالطلعة البهية.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين *وتبقى حلق الذكر دائرة نورانية عزيزة من دوائر السنة المحمدية على جند الله أن يعطوها حقها!* (كتاب الاحسان) .

إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر

طلعة توحي بشأن عظيم وحدث استتنائي، طلعة تبشر بخير قادم ببركة جلسة مسجدية في حضرة الرسول الكريم.كيف لا نستبشر خيرا حين نكون راتعين في روضة من رياض الجنة مختومة بخاتم قدسي *ومن ذكرني في ملإ ذكرته في ملأ خير منه*.حديث قدسي.
لم يكن يسع الرجل الطالع إلا أن يكون حسن الطلعة أبيض المظهر والمخبر فقد حل بظل شجرة طيبة مباركة نبوية نورانية محمدية مبشرة مستبشرة أصلها ثابت وفرعها في السماء وهي نور على نور *ويهدي الله لنوره من يشاء* (سورة النور)

لا يُرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد

دقة وصف وسرعة بديهة وحضور فاعل وعطاء من الله متجدد، كان الفاروق حاضر بكليته كذا كان شأن كل الكرام الحاضرين، مخافة أن يحرموا بركة المجلس وعطاءه وخشية أن يكونوا من الغافلين والحاضرين أشباحا وأرقاما الغائبين قلوبا وأرواحا الفاترين عزما ورشدا وإدراكا، كانوا رضوان الله عنهم *بنيانا مرصوصا يشد بعضه بعضا* (حديث شريف).

كان مجلس المصطفى بابا واسعا يسع القريب والبعيد الصديق والغريب المقيم وعابر السبيل وكل ينال بحسب وعائه ومراده وما الأعمال والثواب والعطاء والنوال إلا بالنيات *ولكل امرئ مانوى* (حديث شريف)

حتى جلس إلى الرسول صلى الله وعليه وسلم

حتى حرف غاية وغاية الغايات الجلوس بين يدي السراج المنير نور الكائنات.
عرف منبع النور وقصد المعلم الرسول والصحابة لازالوا في ذهول والحاكي يتابع المشهد ويراقب كقناص حذر خوفا من ضياع الفرصة ويضيع الصيد الثمين. لم يتدخل الصحابة أدبا وحياء وثقة في الأمير لكن الحذر واجب والرجل لم يفصح عن هويته ولا زال يحمل بطاقة غريب ويشفع له شديد بياض الثياب وأن كان صاحب سمت حسن :نعم إنه فأل خير وبشارة.

أبشر أيها الحاكي فقد يكون يوم سعد وصيد. تمهل فبالصبر والتؤدة ينال العبد كل بركة وخير وأجر بغير حساب.

فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخديه وقال يامحمد

عرفه فقصده وجلس جلسة متعلم مؤدب عارف أسرار الرجال وأنوار وأسرار المجالس الحسان. هل هو سفير ونواياه حسنة؟! هل هو مبعوث وحامل أمانة يبلغها للرسول؟! أم تراه طالب علم وصاحب حاجة ووقف على باب الله الذي تقضى عنده الحاجات *ولوا أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما* (سورة النساء) فمجالس الرسول مجالس ذكر ومذاكرة وفتح وقضاء حاجات.
دار بين الغريب والحبيب حوار عجيب: سؤال وجواب الرجل يسأل والرسول يجيب والصحابة منتبهون عينهم على الحقيقة والغنيمة. والسائل يصدق المسؤول ويسلم الأمر ولا يعارض. والعجب كل العجب يلف أركان المجلس ويزيد العجب والحيرة ويكاد يذهب بفطنة الصحابة الكرام.

يسأله ويصدقه؟؟!!

كان جوهر الحوار عن مراتب الدين الموصلة إلى معرفة الله والقرب منه وطلب الكمال والغاية العظمى: الفوز بالله.

الدين مراتب إسلام وإيمان وإحسان وبعد ذلك آخرة ولقاء الديان،هذا ملخص الحوار الشيق الممتع. فرغ السائل وانطلق بهدوء دون إزعاج وترك المجلس على سجيته كما كان في حضن الجناح الشريف. ولبثوا ساعة يخالجهم شعور بالترقب على رؤوسهم الطير وعلى قلوبهم رباط خير.
وفي الختام أراد الرسول الكريم أن يرحم صبر الحاضرين ويكافئهم على حلمهم وأدبهم ويفك لغز الحكاية ويريح قلب الفاروق ويمنحه مفاتيح المشهد الفريد.

أتدرون من السائل؟؟!!

لم يحاول الصحابة الإجابة خوفا من ضياع الوقت فشوقهم لبلاغ النبوة جعلهم يسلمون ويستعجلون لأنهم بصدق مجالستهم للمعلم الأمين وفراسة قلوبهم علموا أن الأمر جد وأن الدرس بليغ وأن الزائر ضيف عزيز جاء ببشارة وكتاب مبين.

هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم

الله أكبر أمين السماء حضر في مجلس الرسول والصحب الكرام. رآه الحاضرين وأنسوا بقربه واستبشروا خيرا بقدومه وتأدبوا في حضرته حين نزل ضيفا على حبيبهم،بل كانوا هم الضيوف على مائدة العطاء الرباني وجبريل الخادم المطيع، سبحان الله الملك المقرب يعلم الصحابة الدين.

َكرامة وأي كرامة وعطاء وأي عطاء ومنة من الله على عباده المؤمنين ونحن اللاحقون نتعلم مما تعلم منه الصحابة ونشرب مما شربوا ونسقى بماء واحد وإن فضِّل بعضنا على بعض في الأكل. فعطاء الله دائم لا يحده زمان ولا مكان.

ونبقى نحن في زمن الخلافة الراشدة صابرين مرابطين العمر كله في مجالس الذكر والإحسان حتى يمن الله علينا بطلعة المبشر شديد بياض الثياب يبشرنا بالفتح المبين والعطاء الجزيل سيرا على درب المنهاج النبوي الكريم. بل نطمح زيادة في العطاء والنوال هناك في الأخرى يوم يقال: *وجوه يومئذ ناظرة إلى ربها ناظرة*

دروس وعبر من حكاية عمر

1- مجالس الذكر في حضن صحبة مباركة رياض جنة ووعاء عطاء.

2- حلق الذكر أسرار وأنوار وحياة للقلوب وملاذ المحبين الطالبين القرب في مقعد الصدق.

3- ذكر الله منشور الولاية وباب الله الأعظم لتحقيق كل غاية

4- الدين يُتعلم في صحبة وجماعة موصولة بالدائرة النورانية المحمدية والملائكة شهود.

5- الأدب عماد الطريق وسمة المريدين وباب كل فلاح ونجاح وتزكية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.