أدوات مدرسية (قصة الطفل)
بقلم: حسناء ادويشي
عاد يوسف من عطلته الصيفية منذ يومين، لم تكن عطلة عادية، لقد كانت أجمل عطلة في نظره، قضاها بين مخيم للأطفال، ورحلات عائلية، مرة في البحر وتارة في الجبل، وقضى وقتا ليس بالقصير في القرية مع جدته، كانت فترة لاكتشاف عالم الحيوانات الأليفة، والأبقار والأغنام، والدواجن، وانواع الفواكه الصيفية والخضراوات، وطرق السقي، ووسائل معالجة التربة، وحماية المنتوحات من الحشرات الضارة، بل كانت له فرصة لمعاينة ولادة مهر صغير بحضور بيطري القرية.
الآن سيغادر عالم المتعة والحرية والاكتشاف بلاقيود، وينتقل إلى الجد والاجتهاد و الالتزام والانضباط.
فكر يوسف في البحث عن محفظته التي هجرها منذ أول يوم في العطلة بما تحمل في بطنها من دفاتر وأدوات.
هرع إلى خزانته، وأخرج محفظته، فوجدها قد تغطت بالغبار، فبادر إلى منديل وطفق يمسح ما علق بها، متأسفا على ما طالها من إهمال، ثم حاول أن يفتحها، فأبى قفلها أن يطاوعه، كرر المحاولة، ثم بعدها سم الله، وفتحت المحفظة أخيرا قفلها، وصاحت في وجه صاحبها يوسف معاتبة
– أهكذا تقابل الجميل بالنكران، والصداقة بالهجران، منذ أول يوم لك في العطلة، تركتني دفينة الخزانة، أتنفس الغبار، ولا يصلني نور الصباح، وكأنك كنت تنتظر العطلة لتنتقم من صديقة كانت لك نعم الرفقة، ماذا فعلت لك لتقابلني بالهجر والبعاد وكأنني عدو لدود.
حاول يوسف أن يدافع عن نفسه؛لكن الصدمة عقدت لسانه، فأسرع بحركة خفيفة يخرج ما بداخلها من أدوات متفقدا أحوالها، وخوفا من خصام أو عتاب. وفي محاولة منه للاعتذار، رد بجميل القول معبرا عن جميل الخصال التي تمنع عنه صفة الجحود والإنكار.
-صديقتي المحفظة(وهو يضمها الى صدره) لاتغضبي من صديقك الوفي، فأنت نعم المرافق والأنيس في رحلة الذهاب والإياب من البيت إلى المدرسة، تحت أشعة الشمس وحبات المطر، ووسط زهور الربيع وثلوج الشتاء. أنت من يضم كتبي ودفاتري وأدواتي، ومن يتطوع فيجمع في جيبه الخلفي علبة لمجتي، فأنا أحبك، وأشتاق لحملك، فهأنا قد عدت فلا فراق بيننا منذ اليوم.
أطلت الممحاة والقلم من المقلمة، وبصوت واحد ناديا على صاحبهما:
– صديقنا يوسف، حمدا لله على السلامة.
– عليكما أحلى تحية وسلام، هل أنتما مستعدان للمساعدة والعمل بجد ونشاط في موسم دراسي قد أطل، وينتظر منا المثابرة لتحقيق النجاح؟
في تثاؤب وكسل رد القلم الذي ظهر عليه العياء، فقد طعن في السن، ولم يبق من جسمه إلا ما يكفي لملء صفحة أول أقل:
– صديقي يوسف، كان بودي المساعدة، لكن هأنذا كما ترى قد نفذ زادي، وقربت نهايتي، فلا مناص من شراء قلم جديد يعينك في ما تستقبل من الأيام، أما انا فشرف لي أن تتركني للذكرى، فلم يعد فيّ جهد لمبراة تأكل ما بقي من خشبي، فإن شئت كرمتني وعلى رف الخزانة رفعتني، فلا منفعة مني ترجى.آسف، آسف.انتهى مشوار عملي.
يحمل يوسف قلم الرصاص العجوز ويضعه عاليا فوق رف الخزانة، شاكرا له حسن معروفه وجلادته وصبره وجميل صنيعه.
أما الممحاة فكان لها شأن آخر، فقد تقدمت بالتحية والسلام بزهو وفخار قائلة:
-صديقي يوسف، أنا لك جد ممتنة، فبفضل نظامك، وإتقانك لعملك، وحفظك ومثابرتك، كنت في أكثر الأحيان في إجازة، فنادرا ما تحتاج مساعدتي، لذلك فمازلت أحتفظ بجمالي وأناقتي، وأنا كلي استعداد لمتابعة المسيرة الدراسية معك.
– وأنا أيضا أحبك، وأحب ألوانك البهية، فلا غنى لي عنك، فأنت منقذي وممحاة زلاتي وعثراتي، فبفضلك أحافظ على جمال دفتري ونظام ورقتي.
– وأنا سعيدة بالتعاون معك، لكن شرط أن تحافظ على الإتقان والنظام والجد والاجتهاد، فلا تحتاج إلى مساعدتي إلا في النادر من الأوقات، فحبذا أن يكون العمل في القادم الآتي راحة لي دائمة كما مر ما مضى معك من حياتي.
ابتسم يوسف من كلامها، وعلق:
– لعلك ألفت الراحة.
فردت في جرأة:
– بل أبهرني جمال خطك، وحسن ترتيبك، ولطيف عنايتك بنظافة ورقتك، فلا مكان لأي تشطيب أو مسح بعد كتابة، فكان لذلك دفترك نموذج يحتذي به أي تلميذ، لأنه مشجع بحسنه على العلم والتحصيل.
– أشكرك على هذا الإطراء، ولذلك سأحرص على النظام، حتى أتركك تعيشين الهدوء والراحة والسلام.
تحركت المحفظة مرة أخرى، ونادت على صديقها يوسف، متسائلة:
-هل ستشتري محفظة جديدة وتتركني ياصديقي، فأنا مازلت أحافظ على جدتي، ولعهدي مع النقاء وفية؟
– اطمئني ياصديقتي، فأنا لن أفرط فيك، فمعك عرفت النجاح والتألق.
حمل يوسف محفظته، وأخرج ما بها من دفاتر وهو كله خوف وحذر من عتاب آخر من مسطرة قديمة أو مزواة أودفتر.