قصص للأطفال من وحي الخصال؛ قصة اليوم: عودة الغائب
عبد الصمد فناني
قصص للأطفال من وحي الخصال
قصة اليوم: عودة الغائب
للكاتب: عبد الصمد فناني
الملخص
عبد الصبور يعيش في القرية، يعمل نجارًا ويعلّم القرآن، لكنه يحمل جرحًا غائرًا بسبب غياب أخيه فؤاد. حين يسعف رجلًا مجهولًا سقط من الجبل، يكتشف أنه أخوه الضائع الذي أعادته المحنة إلى موطنه. اللقاء يصبح لحظة مصالحة مؤثرة، حيث اندمل جرح الفراق.
القيمة التربوية
القصة تبرز أن التؤدة من الأخلاق النبوية الرفيعة التي تقرّب المطلوب. وتُعلّم أن الصبر مع الفقراء والتمسك بالقرآن يفتح أبواب الرحمة ويعيد الأرحام المقطوعة. وتُظهر أن التؤدة جسرٌ من نور يعيد الروح إلى القلب، ويزرع البسمة والفرح بعد طول غياب.
قصة: عودة الغائب
في قرية صغيرة بين الجبال الوعرة، حيث يختلط صدى الريح بترتيل القرآن، عاش عبد الصبور في بيت قديم ورثه عن أبيه، مع زوجته حليمة وأطفاله الثلاثة: بشرى، ورفيق، وتأني. بيت يحمل ذاكرة الجدود، ويخفي بين جدرانه غياب أخٍ عزيز رحل وراء الثروة.

أما عبد الصبور فقد تمسّك بالقرية مع البسطاء، يعمل نجارًا، يذهب كل صباح إلى الغابة ليقطع الخشب، ثم يعود ليصنع أدوات بسيطة يبيعها في السوق. وبعد العصر، يجلس في زاوية القرية ليعلّم الصغار القرآن، وفي أعماقه شوق لا يهدأ إلى أخيه المسافر.
في ليالي الشتاء، حين يسكن كل شيء، كان يجلس أمام نار صغيرة ويحدّث نفسه:
“أين أنت يا فؤاد، أخي الوحيد، وصية والدي، ظل طفولتي؟ لقد تركتني وحيدًا، وأعيش كل يوم على أمل أن تعود، لكنك لم تعد. جرحك ما زال ينزف في قلبي يا فؤادي.”
وذات صباح، بينما كان عبد الصبور في طريقه إلى الغابة، سمع صراخًا يتردد بين الجبال.
رفع رأسه فإذا برجل يتدحرج من منحدر عالٍ على حافة الطريق السيار، كأن الجبل يلفظه من جوفه. ارتجف قلبه، لكنه أسرع إليه، يجرّ خطواته على طريق متعرج، كأن الجبال تختبر صبره.
في البيت القديم، اجتمعت الأسرة حول الرجل المصاب:
بشرى جلست بجانبه، تزرع التفاؤل في نفسه: “لا تقنط من رحمة الله، فالله لطيف بعباده.”
رفيق كان يداوي جروحه برفق، يطهرها بلين حتى لا يتألم، فكانت يده كالبلسم.
تأني كانت تطعمه بتمهل، وتناوله الدواء، وتقرأ على جرحه سورة الفاتحة.
مضت الأيام، وبدأ الرجل يستعيد عافيته، لكن ذاكرته بقيت مضطربة. حتى جاء الصباح الذي استيقظ فيه وقد بدا عليه صفاء غريب. جلس يحدّق في عبد الصبور، وفي أبنائه، وفي سقف البيت القديم، ثم دمعت عيناه وقال بصوت مرتجف: “أنا… أنا فؤاد.”
اقترب عبد الصبور مذهولًا، وقال: “فؤاد؟! أخي فؤاد؟!
فأجابه الرجل باكيًا: “نعم يا عبد الصبور، أنا أخوك. غرّتني الدنيا، وأعمتني عنك وعن أهلي. واليوم، بعد أن وقعت في فخ اللصوص، وهربت من الموت، أعادني الله بين يديك.”
انهمرت دموع عبد الصبور، واحتضن أخاه بحرارة، وهو يردد:
“إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد… كم بكيتك يا فؤاد، كم دعوت الله أن يجمعني بك. لقد تركتني وحيدًا، لكن الله برحمته أعادك إليّ. اليوم فقط حق لي أن أبتسم.”
اقتربت العائلة والتفت حول فؤاد، وهو يشكر ويكرر:
“لقد عوّض الله صبرك يا أخي ظفرًا… عائلة جميلة تلهج بالذكر، على طريقة والدنا الحبيب. سامحوني كثيرًا، فقد عشت أعمى حين ابتعدت عن القرآن، وعن صبر النفس مع الفقراء الرائعين.”
اجتمع الجميع في بيت الجد القروي، حيث عادت البسمة إلى وجه عبد الصبور بعد طول انتظار، وعاد فؤاد إلى حضن العائلة وموطنه الجميل الأصيل.