قصص للأطفال من وحي الخصال؛ قصة اليوم: مدرسة المسجد
عبد الصمد فناني
قصص للأطفال من وحي الخصال
قصة اليوم: مدرسة المسجد
للكاتب: عبد الصمد فناني
الملخص
القصة ترسم رحلة وعيٍ لتلميذٍ أدرك متأخرًا أن الوقت ليس لهوًا ولا فائضًا، بل هو العمر نفسه يتساقط حبّة حبّة. حين ضاع منه النجاح، اكتشف أن الانضباط وحده يفتح أبواب المستقبل، وأن الإصلاح ممكن مهما تأخر.
القيمة التربوية
الوقت أمانة ورأس مال، من يبدّده يخسر العلم والفرص، ومن يقتصد فيه ويستثمره بحكمة يبلغ الفلاح. الانضباط في الزمن ليس عادة مدرسية فحسب، بل خلقٌ يربّي على المسؤولية ويصنع النجاح في الدنيا والآخرة.
قصة: مدرسة المسجد
في “مدرسة المسجد”، كان سلمان تلميذًا في المستوى السادس، ذكياً خلوقًا، لكنه أسير اللهو وفرط الحركة. كان يملك قلبًا نقيًا وعقلاً متقدًا، غير أنّه يبدّد وقته بين المزاح واللعب، ويؤجل واجباته حتى آخر اللحظة، كأنّ الزمن عنده بحرٌ لا ينضب. وكان يردد دائمًا عبارته المحببة: “لا بأس، عندي وقت كثير”.

وجاء يوم الامتحان الموحد، امتحان إشهادي حاسم، يوليه الأهل عناية خاصة، ويترقبون نتائجه بشوق كبير، فهو شهادة العبور إلى مرحلة واعدة، هي مرحلة الثانوي. جلس سلمان أمام ورقته، فأخذ يجيب بسرعة، كيفما اتفق، فقط ليُعفي نفسه من الجهد، ويتفرغ للهوه المعتاد. كان يتخيل أبطال عالمه الافتراضي، يحدثهم ويسدد إلى مهاجميه وكأنه في صراع واقعي، حتى أصدر صوتًا مزعجًا أثار انتباه الجميع. عندها اقترب الأستاذ منه بصرامة، وقال:
“هل انتهيت؟ سلّم ورقتك واخرج، لا تزعج زملاءك، من فضلك”.
خرج سلمان بخطوات متعالية، وقد انتصر على قيود الصف وضوابطه المملة، فها هو يفعل ما يشاء ولا يهتم لشيء، حتى في أشد الظروف رهبة.
حين اقتربت النتائج، خيّم الصمت على محيط المدرسة، الأنفاس معلّقة بين رجاء وخوف، والعيون تترقب الأصعب. وأخيرًا وُضعت لوائح الناجحين. لكن المفاجأة كانت قاسية: لا وجود لاسم سلمان ولا لرقمه المعلوم. شعر بالحرج أمام زملائه، وكلمات العائلة اللاذعة. فأغلق على نفسه باب غرفته، يخفي دموعه خلف الجدران، هاربا من العيون والمقارنات.

في تلك العزلة، كانت أخته سوسن تزوره وتواسيه، تقول له بلطف:
“تذكّر يا سلمان، ليس أبدًا متأخرًا أن تبدأ من جديد وتفعل الأفضل.”
سلمان (منكسرًا): “أشعر أني ضيعت كل شيء.”
سوسن: “البكاء لا ينفع الآن يا سلمان”.
وذات صباح، جمع الوالد أبناءه في الحديقة، ووضع أمامهما ساعة رملية كبيرة، وقال:
الأب: “اليوم سنلعب لعبة الوقت. لكل منكما مهمة في الحديقة، وعليكما إنجازها قبل أن ينتهي الرمل”، ووعدهما بهدية مجزية.

بدأت سوسن تنظف بذكاء، توزع جهدها وتقتصد في حركتها، حتى أنجزت مهمتها قبل أن ينتهي الوقت. أما سلمان، فقد لمح الأرجوحة المعلقة، فابتسم وقال في نفسه:
“لا تضيع الفرصة، العب قليلًا لتستعيد أنفاسك، فالوقت طويل.”
ظل يتأرجح حتى أوشك الرمل أن ينفد، ثم بدأ متأخرًا، ولم يكمل مهمته حين عاد الوالد.
اقترب الأب منهما، نظر إلى سوسن مبتسمًا، وأهداها كتابًا قيما بعنوان “تدبير الوقت مفتاح النجاح”، وقال لها: “بوركت يا ابنتي، هذا الكتاب لكِ لتزدادي تألقا”.
ثم التفت إلى سلمان، وقدم له لوحة جميلة عليها قول الحكيم:
” ليكن وقتك ميزانية تنفق منها، فكن بوقتك شحيحًا”.
وأضاف الوالد في حزم:
“إن اجتهدت يا بني وتغيّرت، فسأسمح لك بالمشاركة في رحلات المدرسة، أما إذا عدت إلى لهوك وتفريطك، فسوف تُحرم من الخرجات.”
طأطأ سلمان رأسه، وشعر بالخيبة، لكنه رفعه بعد لحظة وقال:
“لن أضيع وقتي بعد اليوم، سأخطط لكل ساعة في حياتي.”
ومنذ ذلك اليوم، تغيّر سلمان، صار منضبطًا، لا يلهو في وقت الجد، ولا يؤجل عمله، وعلّق لوحته في غرفته كما أوصاه والده، وجعلها نبراسًا لحياته.