منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ٍوَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي -نسأل الله ونسأل عنه-

الحلقة الثانية من سلسلة رياض القرآن للأستاذ محسن الخديسي

0

يقول الحق عز وجل : (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبنائهم)
هكذا يجب أن تكون معرفتنا وعلاقتنا بكتاب الله نتفقده ولا ننام حتى نظفر منه بنصيب وننظر إليه. نحبه ونشفق عليه ويطير بنا الشوق إذا ما غبنا عنه. نعرف تفاصيله ونفهم تعابيره لأننا رأيناه يكبر فينا ويكبر معه حبنا له. نحس به من دون أن نفهمه ونسعى لفهمه وتدبره.
كان أحد الصحابة يقرأ في كل ركعة ويختم بسورة الإخلاص فلما سئل في ذلك وكان في سرية بعثه عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنها صفة الرحمان فأنا أحب أن أقرأ بها. فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال “أخبروه أن الله يحبه”. الحديث رواه البخاري عن عائشة ام المؤمنين رضي الله عنها.
نعم كان يربط الصحابة بكتاب الله علاقات حب وهيبة وتفاعل إيجابي.
من الآيات التي أجدها قريبة إلى نفسي حبيبة إلى قلبي قول الله عز وجل: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني فليستجيبوا لي وليومنوا بي لعلهم يرشدون)
وهاته الآية وردت بين آيات فرض وفقه الصيام. تتحدث عن قرب الله عز وجل وهو الذي يتحقق ويزيد بالصيام والقيام. فالله عز وجل قريب مجيب لعباده في رمضان كما في غير رمضان. كيف لا وللصائم في كل يوم منه دعوة لا ترد. كيف لا والله عز وجل جعل الصيام له وهو الذي يجزي به على خلاف كل عمل ابن آدم كما في الحديث القدسي.
مما يزيدني حبا في هذه الآية أن حركة الكسرة تكررت فيها فكأنما هي نسيم عليل يصيب قلب المحب لله عز وجل ويطمئنه ويسري عنه بقرب الله عز وجل ويخفف عليه من كل شوق يعتلج قلبه.
كما أن الله عز وجل يتجلى فيها بذاته وصفاته وأفعاله. بذاته في “عني” و “فإني” و “لي” و “بي” وبصفاته في “قريب” وبأفعاله في “أجيب”. وجاء فيها ذكر الله عز وجل ثمان مرات بصيغ مختلفة رغم قصر الآية. وبهذا يتحقق القرب منه بمجرد قراءتها.
ومما يظفي ملامح الرحمة عليها ان الله عز وجل استخدم لفظ الإجابة عوض الاستجابة. والإجابة آكد في تحقق معنى عطاء الله عز وجل لأن الاستجابة طلب الإجابة وليس عينها.
والإجابة تكون للدعوة لا للدعاء أو الطلب. والدعوة اسم حال (كما: جلسة أو وقفة) يدل على أن الداعي استغرق بكليته في الدعاء حتى أصبح حالا له وليس فقط كلاما يردده. وقد جاء في الأثر ان سيدنا موسى، مر على راعي غنم، وهو يدعو ويبكي فقال: (يا رب) يريد شيئاً، فقال موسى برحمة النبوة: يا رب! لو الأمر بيدي لاستجبت له، فقال الله تعالى: (يا موسى! صاحبك يدعوني بلسانه وقلبه عند غنمه، وأنا لا أستجيب لعبد لسانه معي وقلبه مع غيري).
ومن شروط إجابة الدعوة تحقيق الإيمان والاستجابة لأمر الله عز وجل كما في الآية.

ومن أجمل ما في هذه الآية بدايتها. (وإذا سألك عبادي عني). الخطاب هنا موجه للنبي صلى الله عليه وسلم وهو شرط وجواب الشرط ينبغي أن يكون “فقل لهم إني قريب” لكن الجواب جاء مباشرة من الله عز وجل زيادة في التقرب والتودد من المولى عز وجل.

من لطائف هذه الآية كذلك أنه لا بد أن نسأل عن الله عز وجل لا فقط أن نسأله. فذكر الله أسبق من دعائه وأولى لأنه كما جاء في الحديث القدسي “من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين”.

كثير من الناس من يسأل الله وقليل من يسأل عن الله.
ولا يسأل عن الله إلا خبير كالنبي صلى الله عليه وسلم ومن ورث عنه.

منذ ما يقارب العشرين سنة كنت ألقي درسا (لا أذكر موضوعه) في مسجد اوتاوا بكندا وبعد نهاية الدرس كانت أسئلة فقهية كثيرة عن هل تضع الساعة في اليمين أو الشمال وعن فقه الوضوء وجبر الصلاة. تقدم بعدها شاب لا يتجاوز الثامنة عشرة يتكلم الفرنسية بلكنة أهل الكيبيك وهو مغربي مزداد بكندا ليسأل السؤال التالي: ماذا أفعل كي يحبني الله عز وجل؟
لم أستطع الإجابة وتبعثرت أفكاري وكلماتي واحتقرت نفسي الدنيئة لضعف همتها وخسة إرادتها ثم قلت له: جزاك الله خيرا فسؤالك حقا هو الدرس فهو أجمل معنى مما قلته في كلامي وأبلغ من جميع الأسئلة التي طرحت. أن تسأل عن الله يتطلب قلبا محبا حيا يقظا منجمعا على الحق جل وعلا. أن ترتفع همتك لطلب الله عز وجل لا طلب ما عنده مرتبة عالية ومقام رفيع.

اللهم هب لنا قلوبا محبة محبوبة منجمعة عليك، واجعلها اللهم سليمة لتصلح لك.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.