منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أمانة التبليغ؛ الخطبة (13) مسؤولية القول والمعاصي اللسانية

الدكتور أحمد الزقاقي

0

أمانة التبليغ؛ الخطبة (13) مسؤولية القول والمعاصي اللسانية

الدكتور أحمد الزقاقي

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وآله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين،

أيها المؤمنون،  أيتها المؤمنات

إن الله سبحانه قد تعبدنا ببذل المعروف وكف الأذي، وذاك هو الخلق الحسن الذي يكتمل به إيمان المؤمن والمؤمنة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا”، وبالخلق الحسن يتميز المؤمن وتتميز المؤمنة عن زمرة المنافقين الذي يدعون الإيمان ولكنهم لا يتورعون عن نهش الأعراض، وانتهاك الحرمات، وإفساد العلاقات، وإشعال العداوات، ومنذ خلق الله الإنسان الأول، آدم عليه السلام، والتوجيهات الربانية تتتالى لتنظم علاقته بأخيه الإنسان، وبالعالم الذي يعيش فيه، فدعاه للسير في الأرض على هدى منه، والإتيان بأحسن القول وأحسن العمل ليفوز في الابتلاء والاختبار ، قال عز وجل:﴿ الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا ﴾ ، ولقد بنى المسلمون طيلة تاريخهم بطاعة الله والخلق الحسن والعمل الصالح مجتمعات إيمانية إنسانية علمت الشعوب والقبائل معاني الرحمة والتعاون والتراحم والعدل والتضحية والجهاد والاستشهاد والعلم والصبر والبذل قال تعالى : :﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس تامرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتومنون بالله﴾، وإن وصفة العودة الدائمة إلى الخيرية مضمنة أيضا في كتاب الله ، قال تعالى:﴿ ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويامرون بالمعرف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون﴾.

عباد الله، إذا كانت أعضاء الجسم تعجز عن أداء وظائفها بسبب الأمراض والعلل التي تصيبها، فكذلك المجتمعات البشرية، وإن هنالك داء خطيرا وشرا مستطيرا يجهل الكثير من المسلمين أثره السيئ على وحدة مجتمعاتهم وتماسكها وقوتها، لأن ذلك الداء يزرع الشك بين الأفراد، ويزعزع ثقة بعضهم في بعض  ويُوَلد أعظم الشرور، ويُنتِجُ أشدّ المفاسد، فكمْ من أفئدة أدْمِيَتْ ،وكم من أكباد قرحَتْ ، وكم من أرحام قطعتْ، وكم من أبرياء قتلوا، وكم من مظلومين سجنوا وعذبوا، وكم من أسر تفككت، وكم من بيوت هدمت،وكم أثيرت من نعرات،  وكم من فتن وحروب أوقِدَتْ، هذا الداء الخطير هو النميمة، النميمة الاجتماعية والنميمة السياسية والنميمة الإعلامية، فاكهة مجالس البطالين والمبطلين، والطابور الخامس الذي يريد هدم العلاقات الاجتماعية المتينة بين المسلمين ليقعوا فريسة سهلة بين أنياب المتآمرين والأعداء الدوليين والإقليميين والمحليين، والسلاح هو الاعتصام بحبل الله والحرص على الوحدة:﴿ ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة﴾.

إن النميمة هي إحدى المعاصي اللسانية التي أمرنا الله تعالى باجتنابها، والمسلم والمسلمة عباد الله يطلب إليهما التنزه عن النجاسة الحسية والنجاسة المعنوية، والنميمة من النجاسة المعنوية التي تذهب بالإيمان والأخلاق،أخرج البخاري ومسلم في الصحيحين: «مر النبي ﷺ على قبرين فقال: إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، ثم قال: بلى، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستنزه من البول ،فأخذ جريدة رطبة فشقها نصفين، ثم غرز على كل قبرٍ واحدة، وقال: لعله يخفف عنهما ما لم تيبسا” ، فأحدهما عذب لعدم تنزهه عن النجاسة الحسية والآخر لعدم تنزهه عن النجاسة المعنوية (النميمة)، فما هي النميمة؟ إن النميمة تطلق على أربع معان:

الأول: نقل كلام الناس من قوم إلى قوم بقصد إفساد العلاقات الأخوية، والثاني: التحريش بين الناس ، والثالث: كشف ما يكره كشفه من الأقوال والأفعال، والرابع: إفشاء السر، وهتك الستر عما يكره كشفه، والخلاصة هي أن موضوع النميمة هو أخبار الآخرين، وتزجية الوقت في ذكرها وتداولها على جهة الاستهزاء أو التهكم أو السخرية أو التحقير أو الانتقاص، ويستوي في ذلك الرجال والنساء على عكس ما يردده البعض بأن النميمة تكثر في أوساط النساء، ففي دراسة علمية أجريت ثبت أن الرجال يقضون في المتوسط 76 دقيقة في اليوم مع أصدقائهم أو زملائهم في العمل للنميمة، مقارنة بـ 52 دقيقة فقط للنساء، ويفضل الرجال مكان العمل للنميمة بينما تفضل النساء المنزل.

عباد الله، علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من الرذائل التي يرتكبها كثير من الناس ربما من دون وعي بمخاطرها، وتنعكس آثارها على الفرد والمجتمع شراً وبيلاً: الوشاية ونقل الكلام الذي يدور في المجالس أو بين الإخوان والأصدقاء، على سبيل الإفساد وهذا من أشر ما يصاب به المجتمع من الأمراض، وهو بلا شك خلق مذموم يوغر الصدر ويوقد نار الفتنة ويذكي لهيب البغضاء والعداوة ويورث الضغائن والأحقاد ويمزق بين الأحبة وذوي القربى أواصر المودة، وليست النميمة قاصرة على القول فقط، ولكن مفهومها أعم وأوسع، وقد ذكر الله سبحانه صفات النمامين ومن على شاكلتهم وذكر أفعالهم القبيحة التي يأتونها ويعبرون عنها بالقول أو بالفعل أو بلغة الجسد قال تعالى:﴿ وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ﴾، صفات متواليات، ونعوت متتابعات، كل خصلة أشد من الأخرى قبحا وفحشا، “حلاف” كثير الحلف؛ لأنه يعلم من نفسه عدمَ صدقِه وشكَّ الناس فيه وانتزاعَ الثقة منه. “مَهين” حقيرٌ ولو بدا جميلَ الهيئة بهيّ الطلعة؛ لأنه لم يكرم نفسه في داخله، ولم يُقدّرْ غيره من الناس. “همّاز” غمّاز باللحظ واللفظ والإشارة والحضور والغيبة. “مناع للخير” عن نفسه وعن غيره. “معتد” متجاوز للحق والعدل والإنصاف. “أثيم” واقع في المحرمات، والغ في المعاصي والمنكرات. “عتلّ” فظ قاس مكروه، ولو بدا فيه لطف متصنع ورِقة متكلفة. “زنيم” شرّير يحب الإيذاء، ويستمتع ببذل الشرّ وزرع الأحقاد، إنها صفات ذميمة حري بالمؤمنين والمؤمنات أن يتجنبوها لاسيما في شهر الله الأعظم “رمضان” وفي كل وقت وحين.

جعلنا الله وإياكم ممن يستمعون القول ويتبعون أحسنه،آمين والحمد لله رب العالمين

الخطبة الثانية

عباد الله

إن النمام إنسان نسيَ نفسه، واشتغل بعيوب غيره. إن علم خيرا أخفاه، وإن اطلع على شر أفشاه، وإن لم يعلم هذا ولا ذاك امتطى مطية الكذب والافتراء، النميمة شر وخبث ونفاق؛ فالنمام ذو وجهين؛ يقابل هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه، يتلوّن حسب المواقف والمصالح الدنيئة الحقيرة، فتراه يُثنِي على الواحد في وجهه، ويَذمّهُ عند الآخر،إنه شرّ الناس، بشهادة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ ففي الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن شر الناس ذو الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه”، وعن أسماء بنت يزيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أخبركم بخياركم»؟ قالوا بلى يا رسول الله. قال: «الذين إذا رؤوا ذكِرَ الله تعالى». ثم قال: «ألا أخبركم بشراركم؟. المشاءون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة، الباغون للبرآء العنت”.

 النميمة أيها المؤمنون، أيتها المؤمنات: سبب في تأجيج الصراعات، ووقوع النزاعات، وانتشار العداوات؛ فإذا وقعت النميمة بين الأسر والأزواج، أضْرِمت النارَ في البيوت العامِرة، ونشرت الفرقة في الأسَر الكريمة، وأوغرت الصدور، وتقطعت بسببها الأرْحام، وإذا وقعت بين الجيران والأصحاب، انقلبت الصداقة إلى عداوة، والمحبة إلى بغضاء،وإذا وقعت بين الموظفين والمسؤولين وأصحاب الأعمال، أدت إلى مفاسد كثيرة وشرور عديدة؛ فتحرَم بسببها حقوق وتضيع مستحقات مالية ووظيفية، وإذا وقعت بين مذاهب وطوائف ودول اندلعت حروب أهلية وعالمية، إن النمام جند من جنود إبليس، يفرق بين المرء وزوجه، وهذا هو أحب الأعمال إلى الشيطان. فقد روى مسلم في صحيحه عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا. فيقول: ما صنعت شيئا. قال: ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته. – قال – فيدنيه منه، ويقول: نِعْمَ أنت”، والنمام محروم من رحمة الله والجنة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” لا يدخل الجنة قتات” أي نمام.

عباد الله، إن الله تعالى حذرنا من ترويج الأكاذيب والأخبار الزائفة ، ودعانا إلى التثبت قال تعالى:﴿ يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ﴾، وإن من أجدر الجهات التي يجب أن تعمل بمقتضى هذا التحذير هي الجهات الإعلامية التي يلجأ بعضها إلى التشهير وكشف أسرار الناس، وترويج الأخبار الكاذبة،

أيها المؤمنون، أيتها المؤمنات إن هذا العضو الصغير “اللسان” عظيم الخطر، إن لم ينضبط لأخلاق الشريعة، فمن جاهد لسانه حتى يستقيم لله ، فلا يخرج منه إلا خير، ولا يستعمله إلا في أمر بمعروف أو نهي عن منكر، أو نصرة مظلوم قال تعالى: ﴿ لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم ﴾، واذا استقام اللسان استقام القلب أيضا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه”، واللسان هو الذي يعبر به عن كل شيء حقا كان أم باطلا،قال الإمام الغزالي رحمه الله:” ما من موجود أو معدوم خالق أو مخلوق متخيل أو معلوم مظنون أو موهوم إلا واللسان يتناوله ويتعرض له بإثبات أو نفي”، وقد أحصر رحمه الله عشرين معصية من المعاصي اللسانية هي “”آفة الكلام فيما لا يعني، ثم آفة فضول الكلام، ثم آفة الخوض في الباطل، ثم آفة المراء والجدال، ثم آفة الخصومة، ثم آفة التقعر في الكلام بالتشدق وتكلف السجع والفصاحة والتصنع فيه وغير ذلك مما جرت به عادة المتفاصحين المدعين للخطابة، ثم آفة الفحش والسب وبذاءة اللسان، ثم آفة اللعن إما لحيوان أو جماد أو إنسان، ثم آفة الغناء بالشعر، ثم آفة المزاح، ثم آفة السخرية والاستهزاء، ثم آفة إفشاء السر، ثم آفة الوعد الكاذب، ثم آفة الكذب في القول واليمين، ثم بيان التعاريض في الكذب، ثم آفة الغيبة، ثم آفة النميمة، ثم آفة ذي اللسانين الذي يتردد بين المتعاديين فيكلم كل واحد بكلام يوافقه، ثم آفة المدح، ثم آفة الغفلة عن دقائق الخطأ في فحوى الكلام، ثم آفة سؤال العوام عن صفات الله عز وجل وعن الحروف أهي قديمة أو محدثة وهي آخر الآفات وما يتعلق بذلك وجملتها عشرون آفة”

نسأله سبحانه أن يجنبنا وإياكم معاصي القلوب والجوارح والألسنة،وأن يوفقنا إلى صيام رمضان وقيامه إيمانا واحتسابا، وأن يرحم أمتنا ويرفع عنها البلاء والغلاء، وأن يكفيها شر الأعداء وشر من يوالونهم، اللهم إنا نسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم، آمين والحمد لله رب العالمين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.