التعليل تقنية محورية في بناء النحو العربي
التعليل تقنية محورية في بناء النحو العربي / الدكتورة رشيدة مصلاحي
التعليل تقنية محورية في بناء النحو العربي
الدكتورة رشيدة مصلاحي
المبحث الأول: كيف عرفت العلّة مسلكها إلى النّحو العربي؟
التّعليل أصل من الأصول المعتبرة في النّحو العربي القديم، وهو أعرق الأصول وأقدم الطّرق المنهجية التي التجأ إليها النّحاة الأوائل؛ إذ اعتمدوها لتفسير أسباب الظواهر اللّغوية، والبرهنة على ما يوجد بينها من علائق وتناسق.
ويمكن القول إنّ المعرفة الإنسانية قديماً وحديثاً لا تخلو من نزعة تعليلية وحسّ تبريري. والسّـــؤال الذي يفرض نفسه -في هذه المرحلة من البحث- هو: كيف عرفت فكرة العلّية مسلكها إلى النّحو العربي؟ وهل كانت تعليلات النّحاة من صنعهم أم جاءت مراعاةً لكلام العرب؟
لا يمكن الحسم في هذه المسألة إلّا بالرّجوع إلى أقدم النّصوص المروية، واستنطاقها للخروج بخلاصة تساعدنا على معرفة الطّريقة التي وصل بها النّحاة إلى فكرة التّعليل؛ يروي الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء[1] ما يفيد أنّ العرب كانوا يتكلّمون بمراعاة هذه العلل كما يتّضح من الرّواية الآتية قال: «سمعت رجلا من اليمن يقول: فلان لَغُوبٌ[2]، جاءته كتابي فاحتقرها. فقلت له: أتقول جاءته كتابي! قال: نعم أليس بصحيفة»[3]؛ فحمله على المعنى.
فعلّة الحمل على المعنى تظهر في تأنيث الكتاب باعتباره صحيفة، وقد جاء ذكر ذلك كثير في كلامهم. ويذكر الإمام جلال الدين السيوطي وجود هذه العلّة في القرآن الكريم؛ إذ نجده يقول: «وعلة الحمل على المعنى مثل: «فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ»[4]. ذَكَّر فعل الموعظة وهي مؤنّثة حملاً على المعنى وهو الوعظ»[5].
إنّ هذه الرّواية تحمل في ظاهرها من القرائن؛ ما يُنْبِئ أنّ العرب كانوا يمارسون اللّغة بموجب مراعاة العلل، ممّا دفع النحويّين إلى الافتنان والإيغال في التعليل؛ ثمّ إنّ مبدأ الحمل على المعنى الذي تضمّنته هذه الرّواية اعتُبر أداةً تعليليةً، ووسيلةً لتوسيع ظواهر اللّغة غير المطّردة مع القواعد المتعارف عليها، وقد وظّفه ابن جني في مسألة تقبّل الصيغ اللّغوية الموسومة بالشّذوذ ومجافاة العُرف، ويبدو أنّ ابن جني قد استمدّه من أصحاب العربية أنفسهم[6].
يقول الأستاذ محمد حماسة عبد اللّطيف: «هناك وسيلة اصطنعها النّحاة العرب في منهجهم ليجبروا بها كل صَدْعٍ في بناء الجملة إذا لم يكن متوافقاً مع البنية الأساسية، وذلك بأن يُحمل الكلامُ على معناه لا على لفظه»[7]. ويقول ابن جني: «وباب الحمل على المعنى بحر لا ينكش[8]، ولا يفتج[9]»[10].
ويؤكّد الأستاذ محمد حماسة عبد اللّطيف أنّ في وسيلة الحمل على المعنى «يقوم العنصر الدّلالي بعلاج الكثير من المخالفات اللّفظية المنطوقة، وقد نسب النّحاة هذه الوسيلة المنهجية إلى العرب أنفسهم»[11]. وهو الأمر الذي جعل ابن جني يعلّق على الرواية المذكورة آنفاً بقوله: «أفتراك تريد من أبي عمرو وطبقته وقد نظرروا، وتدبّروا، وقاسوا، وتصرّفوا أن يسمعوا أعرابياً جافياً غُفْلاً، يعلّـل هذا الموضع بهذه العلّة، ويحتجّ لتأنيث المذكّر بما ذكره، فلا يهتاجوا هم لمثله، ولا يسلكوا فيه طريقته، فيقولوا: فعلوا كذا لكذا، وصنعوا كذا لكذا، قد شرع لهم العربي ذلك، ووقفهم على سَمْته وأَمِّه»[12].
المبحث الثاني: العلل وسيلة لإضفاء النّظام على اللّغة
العلل وسيلة لإضفاء النّظام على اللّغة، وهي من عنديّة النّحاة، وليس من الضّروري أن تكون واجبة، ويبدو أنّه ليس من الواجب أن نستنتج من خلال هذا النّص وحده أنّ العرب كانت تمارس الكلام وفقاً لجميع التعليلات التي أقرّها النّحاة؛ لذلك ليس من الضّروري أن يكون المتكلّم على وعي تامّ بالعلل التي استقرّت في أذهان النّحاة فيما بعد.
فالخليل بن أحمد أوّل علماء العربية السبّاقين إلى الإشارة إلى التعليل، وذلك حين أجاب أحد سائليه يوماً عن مصدر تعليلاته هل أخذها عن العرب أم اخترعها من نفسه؟ فقال: «إن العرب نطقت على سجيتها وطباعها وعرفت مواقع كلامها، وقام في عقولها علله، وإن لم ينقل ذلك عنها، واعتللت أنا بما عندي أنّه علّة لما عللته منه، فإن أكن أصبت العلّة، فهو الذي التمست، وإن لم تكن هناك علّة له، فمثلي في ذلك مثل رجل حكيم دخل داراً محكمة البناء عجيبة النظم والأقسام، وقد صحّت عنده حكمة بانيها بالخبر الصادق أو بالبراهين الواضحة، والحجج اللاّئحة، فكلّما وقف هذا الرجل في الدّار على شيء منها قال: إنّما فعل هكذا لعلة كذا وكذا، ولسبب كذا وكذا، سنحت له وخطرت بباله محتملة لذلك، فجائز أن يكون الحكيم الباني للدار فعل ذلك للعلة التي ذكرها هذا الذي دخل الدار، وجائز أن يكون فعله لغير تلك العلة، إلا أن ذلك مما ذكره هذا الرجل محتمل أن يكون علة لذلك، فإن سنح لغيري علة لما عللته من النحو هو أليق مما ذكرته بالمعلول فليأت بها»[13].
وهكذا يبيّن لنا هذا النصّ أنّ العرب كانت تخضع في كلامها إلى الطّبع والسّجيّة، أي أنّ المتكلّم كان يستدمج القدرة على الكلام وكأنّها معرفة سابقة عن كلّ تعليل؛ لأنّ العلل المراعاة موجودة في عقل المتكلّم.
وهكذا فالعلل التي أتى بها الخليل ليس من الضّروري أن تكون مطابقة لتلك التي قامت في عقول العرب، وإنّما هي محاولة منه لاكتشاف نظام اللّغة، ولذلك يشبّه نفسه بمن دخل بناء منظّماً فشرع يفسّر أسباب وعناصر هذا النّظام؛ فإذا بدا لمفسّر آخر أن يؤوّل تأويلاً مختلفاً لتفسير هذا النّظام انطلاقاً من تعليل آخر؛ فليس في ذلك ما يؤدّي إلى إخلالٍ بهذا النّظام، وبذلك يمكن أن نلخّص نقط النّص كالآتي:
– علل القدماء ليس من الضّروري أن تكون مطابقة لما يدور في ذهن المتكلّم.
– اللّغة طبيعة وسجيّة[14] وهي نظام محكم البناء.
– العلل قائمة في عقول المتكلّمين باللّغة.
– علل الخليل محاولة منه لإضفاء النّظام على الظّواهر اللّغوية.
ولعلّ هذا ما جعل الفراهيدي يتحفّظ في كون العلل التي أتى بها مطابقة لتلك التي كان العرب يتكلّمون بمقتضاها، وأن تعليلاته ليس من الضّروري أن تكون هي نفسها التي اعتمدها المتكلّمون؛ ففي النّص الذي رواه الزجّاجي في كتابه الإيضاح في علل النّحو عن بعض شيوخه أنّ الخليل بن أحمد –رحمه الله- سُئل عن العلل التي يُعتلّ بها في النّحو. عن العرب أخذها أم اخترعها من نفسه؟ فأجاب: بأنّ «العرب نطقت على سجيّتها وطباعها، وعرفت مواقع كلامها، وقام في عقولها علله، وإن لم ينقل ذلك عنها واعتلل هو بما عنده.
وقد فتح ابن جني باباً متميزاً في كتابه الخصائص عنوانه: باب في أنّ العرب قد أرادت من العِلَل والأغراض ما نسبناه إليها، وحملناه عليها، وقد صرّح ابن جني في مقدّمته بأنّ في هذا الباب تصحيح لما ندّعيه على العرب: من أنّها أرادت كذا لكذا، وفعلت كذا لكذا. يقول ابن جني: «فإن قلت؛ فما تُنكِر أن يكون ذلك شيئا طُبِعوا عليهِ، وأجيئوا إليه، من غير اعتقاد منهم لِعللِه، ولا لقصدٍ من القُصود التي تنسبها إليهم في قوانينهِ وأغراضه، بل لأن آخِرا منهم حذا على نهج الأوّل فقال بهِ، وقام الأوّل للثاني في كونه إماما له فيهِ مَقام من هَدَى الأوّل إليهِ، وبعثه عليه، ملَكا كان أو خاطِرا؟
قيل: لن يخلو ذلك أن يكون خبرا روسِلوا به، أو تيقُّظا نُبِّهوا على وجهِ الحكمة فيه. فإن كان وَحْيا أو ما يجري مجراه فهو أَنْبه له، وأذهبُ في شرف الحال به؛ لأن الله سبحانه إنما هداهم لذلك ووَقَفهم عليه؛ لأن في طِباعهم قبولا له، وانطِواء على صحَّة الوضع فيهِ، لأنهم مع ما قدّمناه من ذكر كونهم عليه في أوّل الكتاب من لُطْف الحسّ وصفائه، ونصاعةِ جوهر الفكر ونقائه، لم يُؤْتَوْا هذه اللغة الشريفة، المنقادة الكريمة، إلاَّ ونفوسهم قابلة لها، مُحِسَّة لقوَّة الصنعة فيها، معترفة بقَدْر النِّعمة عليهم بما وُهِب لهم منها»[15].
ويقول ابن جني: «ولو كانت هذه اللغة حَشْوا مَكيلا، وحَثْوا مَهِيلا، لكثر خلافها، وتعادت أوصافها (…) بل جاء عنهم الكلام سُدًى غيرَ محصَّل، وغُفْلاً من الإعراب، ولاُستُغنِي بإرساله وإهماله عن إقامة إعرابه، والكُلَف الظاهرة بالمحاماة على طَرْد أحكامه. هذا كلّه وما أكْنِي عنه من مثله –تحاميا للإطالة بهِ- إن كانت هذه اللغة شيئا خوطبوا بهِ، وأُخِذوا باستعماله. وإن كانت شيئا اصطلحوا عليهِ، وترافدوا بخواطرهم وموادّ حُكْمهم على عمله وترتيبه، وقسمة أنحائه، تقديمهم أصولَه، وإتْباعهم إيّاها فروعَه –وكذا ينبغي أن يُعتقد ذلك منهم؛ لِمَا نذكره آنفا- فهو مَفْخَر لهم، ومَعْلَمٌ من معالم السَّدَاد، دلّ على فضيلتهم. والذي يدلُّ على أنهم قد أحسُّوا ما أحسسنا، وأرادوا وقصدوا ما نسبنا إليهم إرادته وقصدَه شيئان: أحدهما حاضر معنا، والآخر غائب عنا، إلا أنه مع أدنى تأمّل في حكم الحاضر معنا»[16].
ومعنى ذلك أن باب التّعليل مفتوح وأنّ اللّغة قابلة للوصف بتعليلات مختلفة، ولذلك فعلل الخليل ليست واجبة؛ خصوصاً إذا بدا ما هو أكثر كفاية منها. وهذا معناه أنّ القدماء أنفسهم اعتقدوا بأنّ عللهم يمكن أن تتجاوز خلافاً لما نجده في الدراسات العربية المعاصرة.
المبحث الثالث: التعليل عند سيبويه
لا نبعد عن الحقيقة إذا قلنا إن كتاب سيبويه أوّل كتاب اهتم بالعلّة النحوية اهتماماً منقطع النظير؛ إذ نجده يكثر من ذكرها بعد كل حكم نحوي، ولا تكاد تخلو مسألة من مسائل الكتاب من التعليل، يقول شوقي ضيف: «وتكثر التعليلات في كتاب سيبويه كثرة مفرطة، سواء للقواعد المطّردة أو للأمثلة الشاذة، يقول في فواتح كتابه: «وليس شيء يضطرون (العرب) إليه إلا وهم يحاولون به وجها» فهو لا يعلل فقط لما كثر على ألسنتهم واستنبطت على أساسه القواعد، بل يعلل أيضا لما يخرج على تلك القواعد، وكأنما لا يوجد أسلوب ولا توجد قاعدة بدون علة. (…) وبذلك وسع التعليل فشمل ما هو واقع وما لم يقع»[17].
لقد ثبّت سيبويه جذور التّعليل في النّحو والصّرف، «ومدّها في جميع قواعدها ومسائلها، فليس هناك شيء لا يعلل، بل لكل شيء علته يمسك بها في يمينه»[18]. وكانت أكثر تعليلات سيبويه مُسْتقاة من نفسه؛ إذ كان حاذقاً ومتقناً للعربية، وعارفاً بأسرارها، ومتمكّناً من أساليبها، يعلم أوجه العرب في كلامها، فهو يوازن بين آراء العلماء، وينتصر للرأي الأقوى بالأدلّة.
وكانت لـسيبويه شخصية قويّة في التّرجيح والتّعليل، وقد كان كتابه مَعيناً ثرياً لآراء النّحاة الذين سبقوه، وكان للخليل النّصيب الأكبر فيما نقله، ومن الطبيعي أن تكثر تعليلات الخليل في كتاب سيبويه وتتّسع، ما دام يعتقد أنّ لكلّ ما نطقت به العرب علّة مرعية؛ ثمّ إنّ من يقرأ أقوال سيبويه في الكتاب يحسّ بأنّه ليس عنده شيء لا يعلّل حتّى ما جاء شذوذاً أو اضطراراً؛ غير أنّ الخليل لم يتعصّب لعلله التي اعتلّ بها، بل أوضح أنّها مجرّد حدس وتخمين، ويمكن لغيره من النّحاة أن يأتوا بما يرونه مناسباً من العلل.
المبحث الرابع: أنواع العلل النحوية عند سيبويه
ويبقى التّعليل في كتاب سيبويه قائماً على أنواع مختلفة من العلل النحوية، وقد قُسّمت من طرف الدّارسين[19] إلى أقسام متباينة منها:
– علّة التخفيف: إذ يُهْرب من ثقل اللفظ إلى خفته، مثل حذف حرف الجر في نحو: لقيته أمسِ، إنّما أصلها: لقيته بالأمس؛ وعلّة التخفيف أبرز علل الكتاب.
– علّة كثرة الاستعمال: وهي مرتبطة بسابقتها ويمكن ربطها كذلك بعلّة الاختصار؛ فكثرة استعمال تركيب ما يعرّضه للتغيير، والحذف طلبا للخفّة، مثل ترخيم المنادى لكثرته في كلامهم، وهذه العلّة لم ترد عند السيوطي، وهي لا تختلف -عند شذى جرار- عن علّة التخفيف، ويمكن ربطها هي الأخرى بعلّة الاختصار.
– العلّة القياسية: وقد جمع فيها الباحث أمان الدين حتحات نوعين من علل السيوطي وهما: علّة التّشبيه وعلّة النّظير، فالعلّة القياسية عنده هي ربط المتشابه بعضه ببعض، والكشف عن النّظائر، مثل: «إن زيدا قائم» فيكون السؤال: لم نصبت زيدا بإن؟ ولم وجب أن تنصب إن الاسم؟ ويكون الجواب لأنها وأخواتها ضارعت الفعل المتعدي إلى مفعول واحد.
– علّة المعنى: وهي إرجاع الظاهرة النحوية إلى المعنى منهجاً في التعليل. وهي المعبّر عنها -في نظر شذى جرار- بعلّة دلالة الحال أو مقتضى الحال.
– علّة الاستغناء: ويرصد بها سيبويه عند استخدامها أسلوباً من أساليب لغة العرب. وقد عقد ابن جني في خصائصه باباً كاملاً في الاستغناء بالشيء عن الشيء[20]. مثل:الاستغناء عن ماضي يدع ولا نسمع ودَعَ، كقوله تعالى»وذرهم في خوضهم..» فلا نسمع وذَرَ(ماضي)
– علّة التوهّم: وهي المعبّر عنها بعلّة المجاورة، وتعدّ هذه العلّة تخريجاً لطيفاً لما قلّ سماعه عن العرب، ولا قياس فيه، ويعتبر سيبويه أوّل من أشار إليها نقلاً عن شيخه الخليل.مثل: «دخلت جحر ضب خرب» والأصل: دخلت جحر ضب خربا لأن الخراب وصف للجحر لا للضب، وإنما جر بالمجاورة.
– علّة العوض أو علّة التعويض، وتوجد في كثير من الأحكام النحوية والصرفية في الكتاب.
– علّة طول الكلام: مثل جواز حذف الضمير في صلة الموصول بقولنا: فلان الذي رأيت.
– علّة النيّة: علّة طريفة استحدثها سيبويه نقلاً عن الخليل، وهي من مثل تجويز دخول الألف واللّام على الحال نيّة إسقاطها كما في الشّاهد: «فأرسلها العِراكَ»[21]، وقد تُحذف الألف واللّام على نيّة وجودها من مثل: وصف المعرفة بالنّكرة، وهي علّة خُرّج بها بعض المسموع عن العرب، وتظنّ الأستاذة شذى جرار أنّها علّة السّماع عند السيوطي.
– علّة المشابهة: وهي العلّة القياسية[22].
ويلاحظ أغلب الدارسين أنّ جميع العلل، والتي وردت في الكتاب تكاد تكون من النّوع الأوّل الذي يُمكِّن من تعلّم كلام العرب؛ فالعلل التي كثُر وُرودها في الكتاب هي: كثرة الاستعمال، والاستخفاف، والاستثقال، والقبح، وخوف الالتباس، والتمكّن، والأصل، والاستغناء، والإعلام بالأصل، والمشابهة، والمخالفة، والفرق، والإجحاف، والعوض، والتّوكيد. وقد تمّ الاكتفاء بالإشارة إلى هذه العلل في الكتاب وهي كثيرة جداً، وأغلبها يخصّ موضوعات صرفية.
المبحث الخامس: أسلوب سيبويه في التعليل
ثمّ إنّ أسلوب سيبويه في التّعليل واضح، ويتّسم بعدم التّصريح دائماً بلفظ العلّة على الرّغم من كثرة التعليلات في كتابه، ويكتفي في أغلب الأحيان بأن يقول : «لأي شيء» أو «لأنّه» أو»لأنّ» أو «وذلك لأنّ» إلى غير هذا من الألفاظ والعبارات التي تدلّ على كون ما بعدها علّة لما قبلها من حكم أو نحوه.
وهذا الأمر شجّع كثيرا من الباحثين على أنّ التّعليل لم يكن غاية سيبويه وهمّه، وإنّما كان يسوقه لتفسير الأحكام والمسائل وتوضيحها وتعزيزها، وهذا الأسلوب في التّعليل هو الذي كان معروفاً وسائداً عند النّحاة القدماء حتّى أواخر القرن الثاني الهجري؛ أي قبل أن يأتي ابن جني وأمثاله من علماء العربية الذين توغّلوا في ظواهر التّعليل وفلسفوا البحث فيها.
ويمكن القول إنّ الذي دفع بسيبويه أن يسلك هذا النّهج في التّعليل النّحوي هو أنّه كان يريد أن تكون علله تعليمية، فنحن نجده في أغلب تعليلاته النّحوية يورد العلّة ثم يبدأ بشرحها، وتوضيحها بالأمثلة التعليمية تجنّباً للغموض وعدم الفهم.
فمثال تعليله لعدم بناء الماضي على السّكون وعلّته هي لأنّ فيه بعض ما في الفعل المضارع. ثمّ يلتجئ إلى شرح هذه العلّة وتوضيحها بالأمثلة إذ يقول: «والفتح في الأفعال التي لم تجر مجرى المضارعة قولهم: ضَرَبَ، وكذلك كلُّ بناء من الفعل كان معناه فَعَلَ. ولم يُسكِّنوا آخر فَعَلَ لأنّ فيها بعض ما في المضارَعة، تقول: هذا رجل ضَرَبنا، فتصف بها النّكرة، وتكون في موضع ضاربٍ إذا قلت: هذا رجلٌ ضارب. وتقول: إن فعل فعلتُ، فيكون في معنى إن يفعل أفعل، فهي فعلٌ كما أنّ المضارع فعل وقد وقعت موقعها في إن، ووقعت موقع الأسماء في الوصف. كما تقع المضارعة في الوصف، فلم يسكِّنوها كما لم يسكّنوا من للأسماء ما ضارع المتمكّن ولا ما صُيِّر من المتمكّن في موضع بمنـزلة غير المتمكّن. فالمضارع : من عَلُ، حرَّكوه لأنّهم قد يقولون : من عل فيُجرونه. وأمّا المتمكّن الذي جُعل بمنـزلة غيـر المتمكّن في موضع فقولك ابدأ بهذا أوّلُ، ويَاحَكَـمُ»[23].
وهكذا، نجد أنّ أغلب تعليلات سيبويه النّحوية، معزّزة بالأمثلة التّعليمية، مدعومة بها، وهذا أسلوب يتّبعه سيبويه ابتغاء توضيح العلّة بما يناسبها من الأمثلة التعليمية من كلام العرب، وهذا أيضاً يؤكّد لنا تعليمية علله، وأنّها تتمّ من داخل لغة العرب، وباجتهاد من أهلها.
وهذا النّوع من العلل تحدّث عنه أبو القاسم الزجاجي (ت337هـ) في كتابه الإيضاح يقول: «فأما العلل التّعليمية فهي التي يُتَوَصَّل بها إلى تعلّم كلام العرب، لأنا لم نسمع نحن ولا غيرنا كلَّ كلامها منها لفظا، وإنما سمعنا بعضا فقسنا عليه نظيره، مثال ذلك أنا لما سمعنا قام زيد فهو قائم، وركب فهو راكب، عرفنا اسم الفاعل فقلنا ذهب فهو ذاهب، وأكل فهو آكل وما أشبه ذلك، وهذا كثير جدا وفي الإيماء إليه كفاية لمن نظر في هذا العلم. فمن هذا النوع من العلل قولنا إن زيدا قائم، إن قيل بم نصبتم زيداً؟ قلنا بإنَّ: لأنها تنصب الاسم وترفع الخبر لأنا كذلك علمناه ونعلمه. وكذلك قام زيد. إن قيل: لمَ رفعتم زيدا؟ قلنا: لأنه فاعل اشتغل فعله به فرفعه. فهذا وأشبهه من نوع التعليم، وبه ضبط كلام العرب»[24].
المبحث السادس: أهمية التعليل في النحو العربي
يعتبر مبدأ العلية محوراً مركزياً في بناء النحو العربي ونظامه على الخصوص، لذلك كان النحو كله عوامل؛ فبالعلّة سعى النحاة إلى تفسير شامل للظواهر اللغوية، وبواسطتها تمكّنوا من جمع معطيات للمقارنه بينها واستنباط حكم يعمّها أو قاعدة تجمع شتاتها.
وبالعلة أيضا تسنّت ممارسة القياس باعتباره وسيلة للتعميم؛ إذ لابدّ في كل علم من التّجريد والتعميم، ولم يكن النحاة العرب ليصلوا إلى تعميم الأصول التي جرّدوها إلّا بالاعتماد على العلّة النحوية؛ لأنّها رابطة بين الحسّي والعقلي، أو بعبارة أخرى العلّة هي الصّفة التي تجعل حكم الأصل ينتقل إلى الفرع أو تجعل بين المنقول وغير المنقول علاقة معيّنة.
ونستخلص ممّا قيل أنّ بداية النحو العربي اقترنت بالتعليل، أي أنّ مرحلة تأسيس النحو بدأت حين تبلور مفهوم معيّن للعلة، وبالرّجوع إلى كتاب «طبقات النحويين واللغويين» نجد أنّ أوّل من تحدّث عن العلل هو عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي؛ يقول الزبيدي: «هو عبد الله بن أبي إسحاق مولى آل الحضْرمي (…)؛ أخذ عن الأقرن. وهو أوّل من بَعج النحو ومدّ القياس وشرح العِلل، وكان مائلا إلى القياس في النحو»[25]. أي أنّه كان مهتمّاً بتعليل القواعد والأحكام كما أنّه كان يميّز بين مجال الأقيسة والعلل.
يقول أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي الأندلسي: «ولم تزل العرب تنطق على سجيتها في صدر الإسلام وماضي جاهليتها؛ حتى أظهر الله الإسلام على سائر الأديان (…) واجتمعت فيه الألسنة المتفرقة، واللغات المختلفة، ففشا الفساد في اللغة العربية، واستبان منه في الإعراب الذي هو حليّها، والموضح لمعانيها؛ فتفطَّن لذلك مَنْ نافر بطباعه سوء أفهام الناطقين من دخلاء الأمم بغير المتعارَف من كلام العرب، فعظُم الإشفاق من فُشُوِّ ذلك وغلبته حتى دعاهم الحذَرُ من ذهاب لغتهم وفساد كَلامهم (…) فكان أوَّل من أصَّل ذلك وأعمل فكره فيه، أبو الأسود ظالم بن عمرو الدُّؤليّ، ونصر بن عاصم، وعبد الرحمن بن هرمز. فوضعوا للنحو أبواباً، وأصَّلوا له أصولاً؛ فذكروا عوامل الرّفع والنصب والخفض والجزم، ووضعوا باب الفاعل والمفعول والتعجّب والمضاف. وكان لأبي الأسود في ذلك فضل السبق وشرف التقدم. ثم وصل ما أصَّلوه من ذلك التَّالون لهم، والآخذون عنهم؛ فكان لكل واحد منهم من الفضل بحسب ما بسط من القول، ومدَّ من القياس، وفتق من المعاني، وأوضح من الدلائل، وبين من العلل»[26].
والرّواية الآتية توضّح ذلك: «قال ابن سلّام: فقلت أنا ليونس ابن حبيب هل سمعتَ من أبي إسحاق شيئاً؟ قال: نعم، قلت له: هل يقول أحد «الصَّوِيق؟ يعني السّويقَ، قال: نعم، عمرو بن تميم تقولها، وما تريد إلى هذا؟ عليك بباب من النحو يطّرد وينقاس»[27].
هذا النص يبيّن أنّ العرب كانوا يميّزون بين اللّغة كمفردات والنّحو كقواعد، وفي النّص تداخل اللّغات، حيث يُسمّى الشّيء في لغة باسم ويسمّى في أخرى باسم آخر، ومعنى النّص أنّ الحضرمي لا يهتم برواية اللّغة، أي لا يهتم بالنّقل وإنّما ينصرف إلى النحو باعتباره مناط القياس والتعليل؛ أمّا اللّغة فهي سماعية لا تتطلّب قياساً ولا تعليلاً، والسّماعي يستعصي على الحصر بينما النحو عقلي تجريدي يسعى إلى تحديد قوانين اللّغة المرويّة؛ لذلك ينصح الحضرمي بالاتّجاه إلى النّحو لأنّه يخضع للاطّراد، أما اللّغة فلا سبيل لحصرها وعلى حدّ تعبير ابن الأنباري: «فإن إثبات ما لا يدخل تحث الحصر بطريق النّقل محال»[28].
ومن خلال النصّين السّابقين يمكن إدراك الأهمية التي كانت تحتلّها فكرة العلّية عند الحضرمي، وكيف أنّه كان يميّز بين مجالين: أحدهما لا أهميّة للقياس فيه. وثانيهما يقوم على العلّة واستعمال الأقيسة؛ لذلك نقول إنّ بداية النحو العربي تقترن بالتعليل وبعبد الله بن ابي إسحاق الحضرمي.
المبحث السابع: التعليل تقنية محورية في العلوم العربية
لم يكن مفهوم العلّة وقفاً على النحاة وحدهم؛ بل نجده عند المتكلّمين والفقهاء وغيرهم، ومع نهاية عصر التّدوين ظهرت أسس النحو المنهجية واستقلت عليه، وظهر علم أصول النحو الذي سيعنى بتحليل هذه الأسس، وبذلك بدأ تصنيف العلل حسب اعتبارات مختلفة، نكتفي هنا بذلك التقسيم الذي يعتمد مقياس الوظيفة، وهو الذي أتى به الزجّاجي في النّصف الأوّل من القرن الرابع الهجري، والذي قسّم فيه العلل إلى: تعليمية وقياسية وجدلية ونظرية.
إلّا أنّ التعليل قد جعل النحو عُرضة للتخريجات الذهنية التي تتعارض مع طبيعة اللغة، كما أنّ تعليلات النحاة جرّت عليهم إقحام الأفكار الفلسفية والدينية والكلامية. ولا مناص من التطرّق إلى قضية التعليل النحوي في علاقته بأضرب التعليل الأخرى.
إنّ علل النحويين ترجع إلى مقولتي الخفّة والفرق، وهو الذي جعلها أكثر اتّصالاً بعلل المتكلّمين. يقول ابن جني في باب ذكر علل العربيّة أكلاميّة هي أم فقهيّة؟ «اعلم أنّ علل النحويين (…) أقرب إلى علل المتكلمين، منها إلى علل المتفقهين. وذلك أنهم إنما يحيلون على الحس، ويحتجون فيه بثقل الحال أو خفّتها على النفس؛ وليس كذلك علل الفقه. وذلك أنها إنما هي أعلام، وأمارات، لوقوع الأحكام، ووجوه الحكمة فيها خفيّة عنا»[29].
فابن جني يقرّر في هذا النصّ أنّ علل النحويين أقرب لعلل المتكلّمين، وليست مطابقة لها، والسّبب في ذلك أنّ علل المتكلّمين يصعب نقضها؛ أمّا علل النحاة فمن الممكن نقضها. يقول ابن الأنباري في كتابه الإنصاف وهو يعرض رأي البصريين في العوامل: «وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إن العامل هو الابتداء وإن كان الابتداء هو التعرّي من العوامل اللّفظية لأن العوامل في هذه الصناعة ليست مؤثّرة حسّية كالإحراق للنار والإغراق للماء والقطع للسيف، وإنما هي أمارات ودلالات، وإذا كانت العوامل في محل الإجماع إنما هي أمارات ودلالات فالأمارة والدلالة تكون بعدم شيء كما تكون بوجود شيء، ألا ترى أنه لو كان معك ثوبان وأردت أن تميز أحدهما من الآخر فصبغت أحدهما وتركت صبغ الآخر لكان ترك صبغ أحدهما في التمييز بمنزلة صبغ الآخر؟ فكذلك ها هنا»[30].
أمّا علاقة العلة النحوية بالعلّة الكلامية فتكمن في كون النحويين يحتجّون بالثّقل والخفّة، وهو مظهر التّشابه بين العلّتين، ومن جانب آخر يمكن أن نسجّل أنّ ابن جني لا يلغي علاقة النحاة بالفقهاء، وإنّما يقرّر أنّ هذه العلاقة دون مرتبة علاقة النحاة بالمتكلّمين؛ لذلك يقول في سياق آخر: «واعلم أنا –مع ما شرحناه وعنينا به فأوضحناه من ترجيح علل النحو على علل الفقه، وإلحاقها بعلل الكلام- لا ندعي أنها تبلغ قدر علل المتكلمين، ولا عليها براهين المهندسين؛ غير أنا نقول: إن علل النحويين على ضربين: أحدهما واجب لابدّ منه؛ لأن النّفس لا تطيق في معناه غيره. والآخر ما يمكن تحمّله؛ إلا أنه على تجشّم واستكراه له»[31]. ويقول في نفس الباب: «فأوّل ذلك أنا لسنا ندّعي أن علل أهل العربية قي سمت العلل الكلامية البتّة، بل ندّعي أنها أقرب إليها من العلل الفقهية، وإذا حكّمنا بديهة العقل، وترافعنا إلى طبيعة الحس، فقد وفّينا الصّنعة حقّها، وربأنا بها أرفع مشارفها. وقد قال سيبويه: وليس شيء مما يضطرّون إليه، إلا وهم يحاولون به وجهاً»[32].
فإذا كانت علل المتكلّمين تنبني على الحسّ، وتطلب التّخفيف فعلل النحاة كذلك؛ أمّا علاقة النحاة بالفقهاء في مجال التعليل؛ فتتّضح إذاً ما علمنا أنّ ما بدا من علل النحاة شبيهاً بعلل الفقهاء إنّما هو موافق للطّبع والحس، وإلّا فتعليل الفقه لا يبحث في الغايات التي من شأنها أن تكون خفيّة عن العقل البشري، وهو الأمر المفضي إلى النتيجة الآتية: علل النحاة متقدّمة على علل الفقهاء ومتأخّرة عن علل المتكلمين[33].
وينبغي أن ندخل في الاعتبار أنّ مصطلح المتكلّمين ينصرف إلى التعليل بمعناه الاعتزالي، وذلك انسجاماً مع قناعة ابن جني المذهبية، ولا يخفى علينا أنّ المعتزلة كانوا يعتبرون العلّة مؤثّراً ذاتياً؛ على خلاف الأشاعرة الذين يعتبرونها مؤثّراً بفعل فاعل.
وأمّا الجانب الآخر الذي يتمثّل فيه الشّبه بين العلّتين الفقهية والنحوية، فيكمن في كون العلّة النحوية أمارة على الحكم؛ ولا يهمّها الوصول إلى المرامي. وقد كان القدماء يدركون العلاقة بين النحو والفقه، كما كانوا يدركون أن طرق الاستدلال في النحو تشبه إلى حد كبير -إن لم نقل هي نفسها- طرق الاستدلال في الفقه.
المبحث الثامن: التعليل عند ابن جني
لقد رفرف عَلَمُ ابن جني عالياً في مجال العلل النحوية؛ حتّى قال أبو الحسن محمد بن عبد الله الورّاق في كتابه علل النحو: «الكلام في العلل تكامل على يدي ابن جني (…) فهو لم يقتصر على بيان العلل وانتزاعها من كلام المتقدّمين (…) بل تجاوز ذلك إلى ما يمكن أن يسمى فلسفة العلل»[34]. وتقول شذى جرار في نفس السياق: «عقد ابن جني في خصائصه أبوابًا، وكانت أشبه بآراء ونظريات حول مبحث العلّة، فقد أشبع العلّة في الخصائص دراسةً نظريةً ثم تناثرت العلل التي أقام عليها أحكامه في جميع ملفاته التي أطلقت الأحكام على اختلاف في النهج والدراسة والعناية بعرضها»[35].
ويلاحظ المتصفّح لكتاب الخصائص أنّ ابن جني قد استهلّ أوّل باب فيه حول العلّة بسؤال: علل العربية أكلامية هي أم فقهية؟ وإجابة ابن جني على هذا السّؤال أظهرت إدراكه الصّحيح للعلل النحوية، وأثبت أنّ تمييزها عن غيرها لا يستطيعه إلا الحذّاق من النحويين.
وعقد ابن جني باباً جديداً في تخصيص العلل، وهو مستعار في العربية من أصول الفقه، ويذهب فيه إلى أنّ محصول ما يذهب إليه اللغويون «ومتصرّف أقوالهم مبني على جواز تخصيص العلل»[36].
ومعنى تخصيص العلل في الفقه «أن يتخلّف الحكم مع وجود العلة. ومن أمثلة هذا في الفقه أن يعلّل الرّبا بالطّعم، فيورد على هذا العرايا، وهي بيع الرّطب بالتمر، والعنب بالزبيب، ففيها الطّعم. والتعارض فيها مع جهل التماثل ليس بحرام في مقدار معين مبين في الفروع. فقد وجدت العلة وتخلّف الحكم. ويختلف الفقهاء في هذا: فمنهم من يراه قدحاً في العلة، ويسميه نقضاً. ومنهم من لا يراه نقضاً، ويعود به على العلة بالتخصيص»[37].
ويربط ابن جني بين علل النحو وعلل الفقه؛ فيرى «أن أكثرها إنما يجري مجرى التخفيف والفرق»، ويرى أنّه «لو تكلّف متكلّف نقضها لكان ذلك ممكناً –وإن كان على غير قياس– ومستثقلاً»[38].
– العلّة الموجبة والعلّة المجوّزة:
ويضيف ابن جني باباً في الفرق بين العلّة الموجبة والعلّة المجوّزة، وقدّم لهذا الباب بكون أكثر العلل مبناها على الإيجاب نحو: نصب الفضلة وما شابهها، ورفع كل من المبتدأ والخبر والفاعل، وجر المضاف إليه.
وأمّا العلّة المجوّزة وهي «في الحقيقة سبب يجوز ولا يوجب» نحو «قلب واو وقتت همزة أقتت»، ويرى ابن جني أنّ علّة ذلك أنّ الواو انضمّت ضمّاً لازماً، وأنت مع ذلك تُجيز ظهورها واواً غير مُبْدلة، فتقول: وُقّتت»، ويضيف ابن جني «أن الجواز معنى تعقله النفس؛ كما أن الوجوب كذلك؛ فكما أن هنا علة للوجوب فكذلك هنا علة للجواز»[39].
ونلاحظ أنّ ابن جني يفرّق بين العلّة والسّبب، ويسمّي الأولى: العلّة الموجبة، والثاني: العلّة المجوّزة.
– إدراج العلّة واختصارها:
وهو باب قصير مُخْتصر (لا يتعدّى الصفحتين من الخصائص)، ومعنى إدراج العلّة: «طيها وترك بسطها والإسراع في إيرادها بحذف بعض مقوماتها. والإدراج في اللغة: الطي؛ تقول أدرجت الكتاب إذا طويته»[40].
ويمثّل ابن جني للإدراج بأنّه لو سأل سائلٌ عن قولهم: «آسيت الرجل، فأنا أواسيه، وآخيته فأنا أواخيه» ما أصله؟ وما علّته في التغيير؟ فإنّ الجواب أنّ الأصل أؤاسيه وأؤاخيه، وأمّا علّته في التغيير: «اجتمعت الهمزتان فقلبت الثانية واواً لانضمام ما قبلها».
ويرى ابن جني أنّ في هذا إدراجاً، وذلك من وجهين: أحدهما أنّك لم تستوف ذكر الأصل، والآخر أنّك لم تتقصّ شرح العلّة؛ ثمّ يشرع ابن جني باستيفاء ذكر حقيقة أصل الكلمتين، واستقصاء علّة تغيير الهمزة واواً، فيقول: «أصله أؤاسوك لأنّه أفاعلك من الأسوة، فقلبت الواو ياءً لوقوعها طرفاً بعد الكسرة، وكذلك أواخيك أصله: أؤاخوك لأنه من الأخوة، فانقلبت اللام لما ذكرنا؛ كما تنقلب في أعطي واستقصي. وأما تقصّي علة تغيير الهمزة بقلبها واواً فالقول فيه أنه اجتمع في كلمة واحدة همزتان غير عينين، الأولى مضمومة والثانية مفتوحة، وهي حشو غير طرف، فاستثقل ذلك، فقلبت الثانية على حركة ما قبلها – وهي الضمة– واواً»[41].
ونخلص إلى ما بدأنا به هذا المبحث وهو أنّ «الكلام في العلل تكامل على يدي ابن جني (…) ولم يقتصر على بيان العلل وانتزاعها من كلام المتقدّمين وما قد يعن له من تقليب وجوه النظر في أعطاف المأثور من كلام العرب، بل تجاوز ذلك إلى ما يمكن أن يسمى فلسفة العلل وذلك في كتابه الكبير (الخصائص). وكانت الفكرة الموجهة له هي ما يظهر بوضوح في ثنايا كلامه من إيمانه الراسخ بسمو الفطرة العربية التي تجلّت في لسانها فجاءت أوضاع كلامهم على ما تقتضيه الحكمة، وأنهم كانوا يحسّون بقوّة طباعهم بالعلل التي يعلل بها النحاة ما يستنبطونه من أحكام كلامهم، وأنهم يريدون ذلك ويقصدون إليه»[42].
ويستدلّ ابن جني على إحساس العرب بتلك العلل، وقصدهم إليها بقوله: «والذي يدل على أنهم قد أحسوا ما أحسسنا، وأرادوا وقصدوا ما نسبنا إليهم إرادته وقصده شيئان: أحدهما حاضر معنا، والآخر غائب عنا؛ إلا أنه مع أدنى تأمّل في حكم الحاضر معنا. فالغائب ما كانت الجماعة من علمائنا تشاهده من أحوال العرب ووجوهها وتضطرّ إلى معرفته من أغراضها وقصودها: من استخفافها شيئاً أو استثقاله، وتقبّـله أو إنكاره والأنس به أو الاستيحاش منه، والرضا به، أو التعجّب من قائله، وغير ذلك من الأحوال الشاهدة بالقصود، بل الحالفة على ما في النفوس»[43].
ومن المعروف أنّ أبا القاسم الزجاجي قد بنى «كتابه الإيضاح في علل النحو في أبواب النحو ومسائله وَلِمَ كانت على الوجه الذي هي عليه. وقد وطّن كلامه عن العلل في أقسام الكلام خاصّة وما يتفرّع عنها من معان دلالية وصرفية. أما أبو الفتح ابن جني فقد أفاد في القضية وأجاد، ذلك أنه تفرّس في العلل من وجوهها المختلفة وبذل جهداً كبيراً في البرهنة على أن علل العربية هي من العربية، وهي ضرب من الحكمة الصامتة التي تستنطق بالاستخراج والتصنيف. ولقد بحث في طبيعة علل العربية أعقلية هي أم نقلية، واعتبر العرب راعوا في إهمال ما أهمل ما أدركه النحويون، وفرّق بين العلة الموجبة التي عليها مقاد كلام العرب وبين العلة المجوّزة أو السّبب غير الموجب، وتكلّم عن تعارض العلل، واشتراط تعدّي العلة لكي تصح، وردّ على من اعتقد فساد علل النحويين، ثم أكّد من جديد أن العرب أرادت من الأغراض والعلل ما نسبه إليها النحويون وحملوه عليها، وذلك أدلّ على حكمتها من أن تنسب إلى التكلّف… وقد علق على كلام لأبي بكر السراج عن علة العلة، واعتبر هذه التسمية تجوز في اللّفظ أمّا في الحقيقة فإنها شرح وتفسير وتتميم للعلة المقدمة عليه… والجدير بالذكر أن لابن جني كتابا في علل التثنية. إن العلة تفسير مستنبط –بالتأمل والنظر- من جسم العربية وليس تفسيرا مقحما يعقّد النحو»[44].
نستنتج أن التعليل النحوي –عند ابن جني وغيره من النحاة واللغويين- ما هو إلّا «صياغة جديدة لما كان يتردد على ألسنة أصحاب اللغة أنفسهم كما تشهد بذلك الروايات[45]، بل إنّ تعليل النحّاة ليس إلّا بياناً لما قام في نفوس المتكلّمين وعقولهم؛ كما قال الخليل ابن أحمد»[46]. ويمكن لمن أراد رصد الأسباب التي ذكرها علماء النّحو –ومنهم ابن جني- عن التعليل، أن يتعرّف على الأفكار الآتية:
– التعليل النحوي يكشف حكمة الله في الصّيغ وأوضاع الكلام.
– أنّ هذه العلل قد قامت في عقول العرب ونيّاتهم عند النّطق، والنحّاة يعلّلون لما قام في النيّات والعقول.
– الإحساس بالخفّة أو الثّقل والأنس بالشّيء أو الاستيحاش منه، وهو أمر يعود إلى إحساس النحوي وذوقه الخاصّ.
– إنّ العرب قد علّلوا لنطقهم، ومن حقّ النحاة أن يأخذوا عنهم ما علّلوا به[47].
وهكذا، يصير الكشف عن العلّة -عند الكثير من الدّارسين المحدثين- نوعاً من بيان حكمة العرب. والمهمّ هو أنّ التّعليل كان يفسح المجال لاحتواء النّظام اللّغوي لاستعمالات لغوية نادرة؛ لذلك لم يكن ابن جني يُخطّئ مستعملي اللّغة أو يصف كلامهم باللّحن مهما اجترءوا على تراكيب اللّغة.
وليس البحث عن دلائل الإعجاز إلا وجهاً آخر للبحث عن دلائل الحكمة في اللغة العربية عند ابن جني، حيث تقوم المبادئ المستخلصة من طول تأمّله الدّقيق لهذه اللغة دليلا على عبقريتها، وقد دافع عن هذه الفكرة صاحب الدلائل[48].
[1] – يقول عنه ابن جني: كان ممن «نظروا في النحو والتصريف وتدربوا وقاسوا». انظر الخصائص: 1/249.
[2] – لغوب: أحمق.
[3] – انظر الخصائص: 1/249.
[4] – [البقرة: 257].
[5] – انظر الإقتراح في علم أصول النحو لجلال الدين السيوطي، مصدر سابق، ص: 72.
[6] – انظر كتاب البلاغة والأصول للأستاذ محمد مشبال، مرجع سابق، ص: 92 – 93.
[7] – حماسة عبد اللطيف: النحو والدلالة، مرجع سابق، ص: 152.
[8] – لا ينكش: لا ينزف.
[9] – لا يفتج: لا يبلغ غوره.
[10] – انظر الخصائص: 2/435.
[11] – حماسة عبد اللطيف: النحو والدلالة، مرجع سابق، ص: 152.
[12] – الخصائص: 1/249.
[13] – أبو القاسم الزجاجي: الإيضاح في علل النحو، مرجع سابق، ص: 66.
[14] – هنا إشارة مُباشِرة إلى مفهوم السّليقة؛ فلم يكن العرب في حاجة إلى نحو كي يتعلّموا اللّغة.
[15] – الخصائص: 1/237-239.
[16] – الخصائص: 1/244-245.
[17] – المدارس النحوية، مرجع سابق، ص: 82-83.
[18] – المدارس النحوية، ص: 86.
[19] – أمثال الدكتورة شذى جرار التي تقول: «أفاد أمان الدين حتحات من أقسام العلل التي أوردها السيوطي، حينما نظر في علل سيبويه، فاستعان بها دون أن يكتفي بذلك، فنراه يجتهد مبتكرا لأقسام علل طريفة». أنظر إبرام الحكم النحوي عند ابن جني للدكتورة شذى جرار، مرجع سابق، ص: 130-131.
[20] – أنظر الخصائص: 1/271.
[21] – من بيت لبيد بن ربيعة وهو بتمامه:
فأرسلها العراك، ولم يَذُدْها *** ولم يشفق على نَغَصِ الدِّخال
[22] – أنظر كتاب إبرام الحكم النحوي عند ابن جني للأستاذة شذى جرار، مرجع سابق، ص: 130-131.
[23] – أنظر الكتاب: 1/16.
[24] – أبو القاسم الزجاجي: الإيضاح في علل النحو، مرجع سابق، ص: 64.
[25] – أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي الأندلسي: طبقات النحويين واللغويين، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف بمصر–القاهرة، الطبعة الثانية، بدون تاريخ، ص: 31.
[26] – أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي الأندلسي: طبقات النحويين واللغويين، مرجع سابق، ص: 11-12.
[27] – المصدر نفسه، ص: 32.
[28] – ابن الأنباري: لمع الأدلة، مرجع سابق، ص: 98.
[29] – الخصائص: 1/48.
[30] – الشيخ الإمام كمال الدين أبي البركات عبد الرحمن بن محمد الأنباري: الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين، ومعه الإنتصاف من الإنصاف: تأليف محمد محي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية- بيروت، طبعة: 1987م، الجزء الأول، ص: 46.
[31] – الخصائص: 1/87- 88.
[32] – الخصائص: 1/53.
[33] – انظر الخصائص: 1/145.
[34] – أبو الحسن محمد بن عبد الله الوراق (ت381هـ-: علل النحو، دار الكتب العلمية- لبنان، الطبعة الأولى: 2002م، مقدمة التحقيق، ص: 126. نقلا عن كتاب إبرام الحكم النحوي عند ابن جني: شذى جرار، دار اليازوري العلمية للنشر والتوزيع- عمان/ الأردن، الطبعة العربية- 2006، ص: 123.
[35] – المرجع نفسه، ص: 134.
[36] – الخصائص: 1/144.
[37] – الخصائص: 1/144. وقد ذكر السيوطي هذا المبحث في الاقتراح، في باب ذكر القوادح في العلة، ص:88- 89.
[38] – الخصائص: 1/144- 145.
[39] – الخصائص: 1/164- 165.
[40] – الخصائص: 1/181.
[41] – الخصائص: 1/181.
[42] – منى إلياس: القياس في النحو، مرجع سابق، ص: 64.
[43] – الخصائص: 1/235.
[44] – عبد الرحمن بودرع: الأساس المعرفي للغويات العربية، مرجع سابق، هامش ص: 115.
[45] – انظر الخصائص: 1/252.
[46] – محمد مشبال: البلاغة والأصول، مرجع سابق، ص: 53.
[47] – محمد عيد: أصول النحو العربي في نظر النحاة ورأي ابن مضاء القرطبي وضوء علم اللغة الحديث، مرجع سابق، ص: 124- 125.
[48] – انظر دفاع عبد القاهر الجرجاني عن هذه الفكرة في ص: 37- 38… من الدلائل.