قراءة في كتاب «النص القرائي إشكاليات الفهم والإفهام”
مقترحات نظرية وتطبيقية لتدريس الأدب بالتعليم الثانوي؛تأليف فريق علوم الخطاب ومناهج تدريس اللغات والآداب
قراءة في كتاب
«النص القرائي إشكاليات الفهم والإفهام”
مقترحات نظرية وتطبيقية لتدريس الأدب بالتعليم الثانوي
تأليف فريق علوم الخطاب ومناهج تدريس اللغات والآداب
ذ. محمد صوضان[1]
نشر في مجلة النداء التربوي العدد 25-26، السنة 23، 1441هـ 2020م، الصفحات من 57 إلى 66.
تقديم
1.الكتاب وسياقه
على طول عقود من الزمن، لم تنقطع المؤلفات الديداكتيكية المهتمة بإقراء وقراءة الأدب سواء في مرحلة التعليم الهادف أو المقاربة بالكفايات، محاولة تقديم أبدال منهجية تسير جنبا إلى جنب مع المعتمد في الأدبيات التربوية والتوجيهات الرسمية، ومستفيدة في كل مرحلة مما وصلت إليه العلوم المختلفة؛ إنسانية وأدبية ولسانية ومعرفية وتقنية. غير أن هذه المجهودات في غالبها فردية تصدر عن رؤية، مهما اتسمت بالدقة والجدة، فإنها تبقى فردية. وفي الآونة الأخيرة بدأت تظهر إلى جانب هذه المحاولات الفردية جهود جماعية تلتئم في لقاءات خاصة أو عامة أو في مؤلفات محكمة لتدارس وضعية القراءة ومحاولة نشر الوعي بطرقها وأساليبها الحديثة وتقديم أبدال متعددة تراعي المستويات التعليمية المتباينة.
وفي هذا السياق ارتأى فريق علوم الخطاب ومناهج تدريس اللغات والآداب بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين- انزكان، طرق هذا الموضوع عبر إشراك جملة من المتمرسين ذوي التجربة في الحقل التربوي؛ تكوينا وتأطيرا وتدريسا، بإشراف الأكاديمي البارز محمد بازي. وكان من نتائج ذلك هذا السفر الصادر عن المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين- انزكان في طبعة أولى في فبراير من هاته السنة. وقد ضم بين دفتيه إحدى عشرة مقالة.
يهدف هذا الكتاب إلى إعادة الحياة إلى درس الأدب، وإعادة قلق أسئلة الأدب إلى الفصل الدراسي بمفاهيم، وتصورات، واستراتيجيات قرائية متعددة مواكبة لعصرنا، ومحافظة على أصالتنا، ومرجعياتنا وثوابتنا المشتركة ([2]).
وينطلق من إشكالية مركبة يراها جماع مشكلات الدرس الأدبي في المدرسة المغربية، والتي أسهم فيها المتدخلون والمستفيدون على حد سواء؛ منهاجا، ومدرسين ومكونين ومتعلمين. مفترضا أن ما يعيشه درس القراءة عموما وإقراء الأدب بالخصوص ساهمت فيه، وبشكل متفاوت جملة من الأسباب؛ منها: آلية القراءة المنهجية، وضعف تكوين المدرسين، ثم المنهاج، وغياب الدور الحقيقي للمؤطرين والمكونين، واعتماد منظور قرائي واحد، وضعف تمكن المتعلمين من أدوات القراءة.
وقد اعتمد البحث في الجواب على إشكاليته خطة تنطلق ابتداء من تشخيص واقع قراءة وإقراء الأدب “لتقريب الصورة الواقعية لدرس الأدب”، وتاليا على التركيز ” على مرحلة الفهم لأنها تظهر جوهر عمليات التعلم.. وهو العملية الذهنية المسؤولة عن نجاح التعلمات أو فشلها ([3])”
تسعى هذه القراءة إلى عرض مضامين هذا المؤلف باعتماد بنية دامجة تأخذ بعين الاعتبار المحاور الكبرى التي تندرج ضمنها قضاياه، دون التزام حرفي بمضامين فصوله؛ هذه الخطة تتخذ إشكالية القراءة وتدريس الأدب خاصة- من منظور الكتاب- نقطة انطلاقها، فيما تشكل راهنية الأدب في المدرسة المغربية النقطة الثانية، يليها أهمية العلوم المعرفية في تحقيق كفاية الفهم والإفهام لدى المدرس، بعدها نقطة خاصة بالأبدال المنهجية الساعية إلى إخراج قراءة وإقراء الأدب من المشاكل التي يتخبط فيها.
2.إشكالية تدريس القراءة في التعليم المغربي
عرفت الأدبيات التربوية المنظرة للفعل القرائي في المنظومة المغربية عدة أبدال ارتبطت في طرائق اقتراحها وتبنيها بأنماط النظريات والمقاربات التربوية المعتمدة في كل مرحلة تاريخية، ما جعلها لا تستقر على نموذج فعال وواضح، من هنا مشروعية التساؤل حول إشكالياتها الكثيرة.
انشغلت القراءة من قبل التعليم الهادف بشرح النص والتعليق عليه من ناحيتي الشكل والمضمون.. وغالبا ما كانت القراءة خطية ([4]). وفي منتصف الثمانينات مع الكتاب الأزرق تم إدخال صنافة بلوم في سياق إرساء نموذج التعليم بواسطة الأهداف بتكييفها على مقررات دراسية معتمدة.
أما ما يدعى في الأدبيات الرسمية بالقراءة المنهجية فقد “تم إدخالها أثناء الانتقال الشكلي من الأهداف إلى الكفايات، سنة 1994 وترسخت مع تغييرات البرامج سنة 2003 في سياق أجرأة بنود الميثاق الوطني للتربية.
وقد كشف اعتماد هذا المفهوم على العديد من الإشكاليات في تدريس القراءة أبرزها ناتجة عن نقله من السياق الفرنسي دون وعي بمقاصده وأسناده ومرجعياته. واعتماد صنافة بلوم باعتبارها سيناريوها جاهزا للقراءة، والحال أنها لم توضع للقراءة بصورة عامة ناهيك عن القراءة بطريقة فعالة ومنهجية، وهو ما ألحق ضررا بالغا بالتصور المؤطر لدرس القراءة. ولعل بعض ذلك يكمن في ذلك الفصل في داخل بنية النص بين الشكل والمحتوى، فضلا عن كون القراءة تمضي بدون مشروع قرائي ولا أسئلة قرائية؛ بل تتحول إلى تحصيل حاصل، إذ تجعل من النص ذريعة لتأكيد الخلاصات المعلومة سلفا. في حين أن فهم المقروء عملية مركبة وشديدة التعقيد تدمج فيها معارف وقدرات ومهارات ومواقف من قبل القارئ.
يعزو الكتاب قصور الإطار النظري للقراءة المنهجية إلى التصور الخاطئ لمعنى الفهم عند بلوم ولصنافته ولسيرورات القراءة عموما ([5])؛ ذلك أن بلوم وهو يضع حدودا بين مراقي الفهم يعترف بحدود صنافته في تصنيف أسئلة الامتحانات فما بالك بشأن القراءة وبناء المعنى، وهما “كفايتان على درجة كبيرة من التعقيد والتركيب”([6]).
هذا التراخي المفهومي- في شأن مراقي الصنافة- ليس مقصورا على الكتاب الأزرق.. فقد رافق الإصلاحات البيداغوجية مرورا بمنهاج اللغة العربية بالثانوي التأهيلي 1994 ثم المنهاج الذي أرسي سنة 2003، وهم مختلف أطوار التعليم ([7]).
تزداد مشكلات القراءة المنهجية كلما ارتقينا إلى الثانوي التأهيلي باعتبار بعض أفرعه وشعبه تدرس الأدب فيما يشبه التخصص، بارتفاعها من الركون إلى القيم المشدودة إلى المجالات إلى الاهتمام بالقراءة الفنية المستنيرة ببعض أدوات القراءة العالمة، سعيا لتحقيق كفاية نهائية، وهي الكفاية الأدبية التي تُقَوَّمُ في نهاية السلك التأهيلي على شاكلة مقال/ خطاب واصف للنص.
لكن استناد هذه الكفاية؛ أي الكفاية الأدبية والقرائية إلى مفهوم “القراءة المنهجية” أوقع الدرس القرائي والأدبي بالخصوص في مطبات تكريس وترسيخ تمثلات متجاوزة، وتعميق أضرار القصور القرائي، وخرق مواثيق القراءة، وتشتيت الملاحظات عديمة الأهلية حول النصوص، ثم النمطية، وغياب مشروع قرائي جاد ([8]). كل ذلك أدى إلى بروز ظواهر غريبة كالاستعانة بالخطاطات القرائية الجاهزة على الشابكة، فما على المتعلم إلا احتذاؤها وإعادة إنتاجها في الامتحان.
إن ما أوقع هذه الكفاية في هذا الذي ذكر أن “وضعية القراءة” في الثانوي التأهيلي مجرد مكون من مادة دراسية هي اللغة العربية، وهي مجرد وسيلة وأداة لأشياء أخرى. فضلا عن تحكم التقويم في النظام التربوي والعملية التعليمية برمتها وضمنها القراءة؛ إذ ينحصر دور العمل البيداغوجي في إعداد المتعلم لاجتياز الامتحان؛ هذا الامتحان الإشهادي المفتقر إلى معايير الأداة التقويمية (الملاءمة- الصلاحية- الوثوقية)، وكونه فقط وضعية اختبارية تغيب عنها الطبيعة التركيبية التي تستدعي تعبئة موارد مختلفة لتدبيرها. يضاف إلى ذلك أن الانتقال من الانتقال من نموذج (التعليم الهادف) إلى آخر (المقاربة بالكفايات) يتم أساسا على مستوى الشكل.
3.واقع إقراء وقراءة الأدب في المدرسة المغربية
يؤدي الأدب أدوارا قلما تؤخذ بعين الاعتبار في الممارسات التربوية؛ إن على المستوى الاجتماعي أو التربوي، فهو يفتح أمامنا إمكانية التفاعل مع الآخرين تفاعلا غير محدود، ويعيننا على أن نحيا. ودراسته وتدريسه مدخل لتعلم اللغة وتعرف فنون الأدب والتمهر بأساليبها.
وقد أكدت المناهج والبرامج الدراسية والتعلمات الصفية ونتائج التقويمات المرحلية والنهائية أن واقع الأدب، وخاصة في المرحلة التأهيلية، منصرف إلى الاهتمام بتاريخ الأدب ودراسة الآثار الأدبية من حيث هي مبان ومعان ([9])، والتعريف بالأدوات المنهجية المستخدمة من لدن الدراسات الأدبية، وعدم الانتباه إلى أن النص هو مجال للتفكير في الوضع الإنساني للفرد والمجتمع، وفي القيم التي يحملها. وانعدام العناية بتنمية الذوق الخلاق مع الوعي بوظيفة الأدب في فهم الحياة وإدراك العالم، وعدم الوعي الديداكتيكي بالقراءة المنهجية وسبل توظيفها قد يحولها إلى عائق في بناء المنظور الذي ننشده لدرس الأدب.
هذا الواقع ساهمت في طفوه على سطح المدرسة المغربية “القراءة المنهجية” الواقعة بين مطرقة متعة التلقي وسندان إكراهات المنهج؛ فإذا كان هدفها “التدرج بالتلميذ من “الإقراء” إلى “القراءة”([10]) فقد حال النقل الديداكتيكي للقراءة المنهجية بين التلاميذ وبين البعد الإبداعي في هذه القراءة، وحولها إلى قوالب جامدة مرتبطة بما هو تقني مجرد. كما ساهم في ذلك واقع الممارسة الصفية المحكومة بهاجس التقويم والامتحان الذي يتعمق أكثر في المستويات الختامية مع الأطر المرجعية للامتحانات الإشهادية، وإلزام التلاميذ بالتحكم والتمكن في المفاهيم الأساسية للجنس الأدبي ومستويات الخطاب، بتعلم أصول النظريات النقدية. وعدم تملك الأساتذة لاستراتيجيات تستهدف الفهم والتذوق بالإضافة إلى الاستراتيجية التي يقترحها المنهاج، كل ذلك انعكس على التلاميذ وتحصيلهم المعرفي والمهاري والتذوقي.
وقد بينت معطيات النتائج المتعلقة بمدى تمكن المتعلمين من مهارات القراءة المنهجية عوائق كثير، منها: فشل نسبة كبيرة من المتعلمين في استثمار مهارة الملاحظة، وغياب الحافزية لدى المتعلمين نظرا لنمطية القراءة المتبعة في فهم النص وتحليله، ووجود خلل كبير في طريقة إدراك معاني النص أو قضاياه، وعدم قدرة المتعلمين على مناقشة أفكار النص، وإبداء الرأي الشخصي فيها ([11]).
إن الفهم هدف أسمى والتذوق والمتعة تحصل في طريق بلوغه، والإفهام يقتضي الفهم أولا، إذ فاقد الشيء لا يعطيه، والنص الأدبي فضاء للتعلم لا للتعليم؛ يتيح للتلميذ إمكانية استكشاف ممكنات اللغة وطاقاتها الدينامية، ويقربه من الأدوات والمفاهيم التحليلية التي أكدت الدراسات نجاعتها في فهم النص الأدبي من حيث تشابك مكوناته وتعالقه بالمعطيات النفسية والاجتماعية والحضارية المحركة لديناميته الإبداعية. وفهم المقروء الذي هو غاية الغايات في تدريس الأدب، وتشكيل واستخلاص رؤية العالم التي ينهض عليها النص الأدبي، والقيام بنبش العمل في اتجاه واقع الحياة، وتشكيل طريقة للقراءة الأدبية في مستوى حاجيات وقدرات التلاميذ مع الاحتراز من الحدود الموجودة بين تدريس نظرية الأدب من جهة والقيام بوصف الأثر الأدبي من جهة ثانية. واستثمار درس الأدب في سياق شحذ الذكاء وتقوية الفروق والاختلافات، وتقييم الأشياء والمعارف من زاوية نسبية وبأدوات مناسبة ([12]).
4.العلوم المعرفية: مباحث فعالة لتحسين عمليات الفهم والإفهام
يتساءل الكتاب عن درجة امتلاك مدرسي الأدب علما كافيا بطرائق تحصل الفهم وحدوثه، وآليات اشتغال الدماغ، وعمل الأعصاب والذاكرة.. والقدرة على تمثل هذه المفاهيم والمعارف واستثمارها في بلورة استراتيجيات منهجية لقراءة الدرس الأدبي وإقرائه. هذه الأفكار الفلسفية ذات الطابع المعرفي يمكن أن تثري عدة المدرس، وتجعله منشغلا بامتلاك رؤية شمولية حول عمليات الفهم والمعرفة. فهل الفاعلون التربويون واعون بطرائق اكتساب المعلومات والمعارف عند المتعلمين، وخطط معالجتها وتخزينها في أدمغتهم واسترجاعها وفق ما تقتضيه المقامات التواصلية والوضعيات المشكلات التي يواجهونها؟ وهل هم على معرفة بأصول الفهم ومرجعياته المعرفية وأسسه النظرية والمفاهيمية، وبالاختلالات والتعثرات الكثيرة التي تكتنف استراتيجيات تحصيل المعرفة وفهمها في المدرسة المغربية؟
انشغل عقل الإنسان وتفكيره على امتداد التاريخ بآليات بناء المعرفة وتحصيلها وفهمها. ومن الحقول المعرفية التي سخرت جهودها النظرية والمنهجية للتعمق في سؤال المعرفة والفهم وحصر العوامل المختلفة الحاكمة لهما، نجد الفلسفة وعلم النفس المعرفي والذكاء الصناعي وعلم الأعصاب واللسانيات. و”قد كان لهذه الاتجاهات دور كبير في بلورة منظومة من المصطلحات التي من شأنها أن تثري الفعل التربوي، وتجعل المدرس يكون على بينة معرفية ومنهجية بها، فيستثمرها في بناء أنشطته التعليمية، واقتراح الاستراتيجيات الملائمة لها، تخطيطا وتحضيرا ونفيذا وتقويما ودعما”([13]).
وإذا كانت الآليات الناظمة لبناء المعرفة وتشكيل الفهم تختلف لدى المدرسين عن البنيات الذهنية للمتعلمين، فإن الاقتراب من عمليات الفهم عند المتعلم يحتم علينا إثارة سؤال المعرفة في علاقته بالفهم في أبعادهما النظرية والمفاهيمية، قبيل الحديث عن الفهم في بعده التربوي عند هذه الفئة العمرية، ولعل المشكلات الدراسية ذات الطابع النفسي والعصبي والمعرفي والاجتماعي المستفحلة في المدرسة المغربية.. قد تجد في الروافد المعرفية وصفات علاجية تسمح بتخطيها أو التخفيف من حدتها على الأقل.
يعد استسهال الفهم، وتسطيح العبور التأويلي، وطغيان نمطية التحليل وفقدان التذوق، والافتقاد للأدوات البانية للمعنى من أكبر أعداء القراءة التحليلية المتدبرة بمراقيها المختلفة، الفهم الأولي، والعميق، والفهم التذوقي والنقدي والإبداعي. فقد صار من مهام مدرسة اليوم تحصين أدوات الفهم، وتعزيز أدوات تفهيم الخطابات الدينية، والتاريخية والأدبية والسياسية، ودراستها دراسة مقبولة تحترم ضوابط القراءة العالمة بعيدا عن سوء الفهم، أو تحايلات الاستعمال الإيديولوجي، مما يجنب المجتمع كوارث الاعتقادات الفاسدة والفهوم المدمرة، ذلك أن “مستقبل الإنسان رهين بقدرته على فهم الخطابات فهما صحيحا”([14]).
وإذا كان الفهم القرائي عملية تفاعل ذهنية نفسية وتصورية بين القارئ وما يقرأ تستهدف بناء المعنى، فإن على المدرس عموما ومدرس القراءة بالخصوص تعرف كيف يتم الاستيعاب باعتباره عملية عقلية تفاعلية تقوم على الربط بين عناصر موضوع الفهم، وعلى تذكر المعطيات وبناء المعاني وتوليدها، مستعينا بمفاهيم الإدراك، وتثميل المعرفة، وحل المشكلات، والذاكرة، والذكاء الإنساني والصناعي، وزاوية الرؤية، واللغة والانتباه، مع تبيئة هذا المفاهيم والمرحلة العمرية لطالب الفهم. ففي المستويات الأولى يكتفي المدرس بتعليم المتعلمين القراءة السليمة، وفهم خطاب النص فهما إجماليا. وفي مراحل لاحقة، وخاصة التأهيلي، يتم تعميق الألفة بالنصوص الأدبية الجميلة، وإحداث علاقة خاصة بالمقروء ([15]). وتقوم هذه الاستراتيجية على تكوين صور للمعلومات ذهنيا، بحيث يصبح الفهم هو إعطاء معنى للمقروء، بإحداث التفاعل بين ما يقدمه النص من دلائل وبين المعرفية الخلفية وموجهات القراءة ([16]).
ولتحقيق هذا المسعى تتأكد المعرفة الكافية للمدرس بعمل الذاكرة وفهم المعنى، المرتكزة فيما يتعلق بمعالجة المعلومة على ثلاثة مراحل؛ الاكتساب، ثم الاحتفاظ، يليه الاسترجاع، (ذاكرة العمل وذاكرة التخزين) كما يقتضي خبرة بالمعاني باعتبارها أساليب وطرقا ذهنية لتمثيل وتمثل العالم الخارجي. من هنا النظر للفهم على أنه “بناء للفكر والوجدان”([17])، وما إقراء النصوص إلا أداة أنجع لتمكين المتعلم من تمثلات جديدة عن العالم، وخلال ذلك تتم عملية بناء العقل المفكر عنده.
ومن شأن الإلمام بهذه المفاهيم تعميق معرفة المدرس بعوائق الفهم التي تزال بألوان شتى من البحث؛ فمنها عوائق تعود للنص ذاته (طبيعة النص-كلمات/ مفاهيم جديدة، التركيب اللغوي والأسلوبي والرؤية الغامضة، والسياق الغائب). وأخرى تعود للمتعلم (ضعف المعرفة الخلفية-غياب التركيز وتشتت الانتباه وانشغال-ضعف الكفايات اللغوية والنحوية والبلاغية والاستراتيجية والتناصية وثالثة للمدرس وأساليب التدريس (طريقة إلقاء النص، ضعف التفاعل مع الخطاب المقروء..). وتبصيره بما عليه أن يلم به. فمثلا يعد تعويد المتعلمين على الطريقة الوحيدة في التفكير والمعالجة آفة تعليمية خطيرة لا بد من الحسم في أمرها؛ وكما أن هناك تفاوتا في المهارات والإمكانات، فليس من العدل مطالبة المتعلمين بفعل أمر واحد بطريقة واحدة. ومن حق المتعلم أن نمنحه إمكانيات متعددة واختيارات وأبدال متنوعة وندعوه إلى الإبدال والتفكير الحر وإلى التميز في الأداء ([18]). وإذا عرف المدرس كيف يشتغل الذهن البشري والطرائق التي يحصل بها الفهم، وعلم كيفية الإفهام بلغ المراد.
5.القراءة الاستراتيجية أو المتعددة الاستراتيجيات
مفهوم الاستراتيجية مفهوم عسكري بالدرجة الأولى، استعارته العديد من الحقول المعرفية. ويرتكز على العديد من المبادئ، آكدها؛ التموقع المناسب، والتكتيك الفعال، واستراتيجية الدعم، وإمكانية تعديل الخطة وتصويبها وتطويرها، وتحديد الأهداف والأولويات والأساليب والوسائل والخيارات والأبدال الراجحة أكثر من غيرها. وفي الأدبيات الديداكتيكية المهتمة بالقراءة على وجه الخصوص يهدف مشروع القراءة الاستراتيجية “إلى تحسين قراءة الأدب وفق خطة تسعى إلى رسم ملامح تدريس النص القرائي، مع تدقيق شروط الفهم والإفهام”([19]). وتعلم التفكير الاستراتيجي سيمكن المتعلم من بعض الأدوات المنهجية، ويدعوه إلى مواجهة التعلمات بإصرار لكسب الرهان.
تسعى “الإقرائية” وفق منظور التفكير الاستراتيجي إلى تزويد المتعلم بالأدوات التأويلية اللغوية والبلاغية والتصويرية، وتعميق مرجعيته الأدبية والدينية والفلسفية، ثم تدريبه عليها، وبعد ذلك تقويم مساراته التأويلية وتعزيزها استراتيجيا، فيتعلم حرية المناورة، ويتحمل مسؤولية تحديد الأهداف والبحث عن الأدوات المناسبة لبلوغ مراميه القرائية، وبهذا المنظور يمكن أن نخرج من “نمطية القراءة”، وغلبة التحليل التقني، وانعدام تقويم معاني النص وأطروحته باعتماد خلفية فلسفية أو دينية أو أخلاقية، وعدم قدرة المتعلمين على التخلص من التحليل الآلي، والانتقال من القراءة الآلية إلى الإنتاجية التفاعلية.
وإذا كان المقصود بالاستراتيجية في تدريسية الأدب “المنهج القرائي المعتمد لبلوغ أهداف قرائية معينة استنادا إلى حاجيات المتعلم ومكتسباته، ووسائل بلوغ الأهداف”([20]). فهو الأفق الذي يمكن أن يجعل المتعلمين ينخرطون في التعلمات بمنظور إنساني شمولي ومتجدد، بدلا من التفكير في تدريس الماضي المتجاوز بعقلية الاحتفاظ والتعرف مما لا يوافق تطلعات الأشياء الجديدة ([21]). فلا شيء يناسب أجيال المستقبل مثل التفكير الاستراتيجي لما يوفره من طاقة للتبصر، وقدرات لاتخاذ قرارات بشكل تشاركي تفاعلي، وما يمنحه من إحساس بأن الذات في حاجة إلى بناء كفايتها للسيطرة على المستقبل وربح رهانات التعلم، ورهانات الحياة، مع استشعار التهديدات والمخاطر المحتملة في ظل مشروع حياتي.
ومن شأن تبني القراءة الاستراتيجية أن يؤدي إلى تجديد طرائق تدريس الأدب وتنويع المقاربات المنهجية، وتجاوز التناول الآلي والسطحي للقراءة المنهجية إلى القراءة الاستراتيجية، ومن القراءة النمطية إلى القراءة التفاعلية، والتحول من القراءة المنفعلة بأدوات قرائية جاهزة ونمطية إلى القراءة التفاعلية، وتحقيق قراءة معمقة للنص من قبل المتعلمين، وتذوق المعاني الأدبية وبيان أسرارها وجماليتها، وربط البنى الأسلوبية بالمعاني، وتحسن الأداءات القرائية بتحبيب الإقبال على القراءة ومطالعة الأعمال الأدبية، والتمكن من الفهم الاستراتيجي لدراسة الخطاب الأدبي، ومجاوزة فهم النص إلى تحليله ومحاولة نقد أطروحته.
لكن يتحتم قبل تبنيها التأكيد على ضرورة اتساع قراءات المدرسين في نظريات الفهم وعلوم الأعصاب والعلوم المعرفية عامة، والتحول من التطبيق الحرفي والسطحي للمداخل المقترحة في الكتاب المدرسي إلى القراءة الإنتاجية التفاعلية في المعاني والأفكار، وتسخير أدوات علوم اللغة في التحليل والانتقال من المنهجية الآلية إلى التذوق الجمالي للأدب.
وفي حالة إقراء النصوص في الثانوي التأهيلي بالأخص، يمكن اعتماد استراتيجيات جزئية أو صغرى يتم الاشتغال بها على مستوى مقاطع الدرس الواحد بحيث يتم اختيار أنسبها لتتلاءم وما يتطلبه ذلك الجزء من الدرس. وقد تعتمد استراتيجية واحدة كبرى توظف في بناء مقاطع الدرس كلا. ومن شأن المزاوجة بين النمطين أن يعلم المتعلمين كل مرة استراتيجية معينة، باعتبارها طريقة مخالفة في التعلق بالمقروء، كما أن تحويل الاستراتيجيات المذكورة إلى أفكار تربوية وأدوات منهجية سيسمح بتحسين ملكة الفهم عند المتعلمين.
إن المعرفة بأنواع النصوص والخطابات والأنواع والخصائص والبنى يساعد على اختيار الطريقة المناسبة لتحليلها وفهمها وتقويمها… وهو مبدأ راسخ في التأويليات المرنة التي تجعل الأداة رهينة بطبيعة الموضوع ([22])، مع الأخذ بعين الاعتبار متغير مستوى المتعلمين وتحريك النوازع النفعية لديهم أثناء إقراء النصوص، وامتلاك مدرس اللغة والأدب لاستراتيجيات قرائية متعددة.
يقترح الكتاب العديد من الاستراتيجيات والمناورات الصغرى التي يمكن الاستفادة منها بالتلفيق المرن لتصريف مضامين درس معين؛ منها، التموقع والربط بالمعرفة الخلفية، والتوقع والتخمين، التقابل، الانتقاء، النماذج الاستعارية، والتصورية، والتلخيص، والخرائط الدلالية، وتتبع بناء النص وهيكله، وتداول الخطاب، وقراءة النص في ضوء عنوانه أو في ضوء سياقه، والعمل بالمشروع القرائي، وفهم المعنى الشمولي للنص، ومراقبة القارئ المتعلم لمساره في الفهم، والخطية، والنحوية، والبلاغية، والجامعة، والبنيوية، والتحليل بمفاهيم النقد النفسي والاجتماعي أو السيميائي، وانسجام التأويل، والتساؤل، واستقرائية او استنباطية، وتعزيز فهم خطاب بخطاب آخر.
ومن أهداف تنويع الاستراتيجيات القرائية، بيان أن الاشتغال على النص يقوم على المناورة الاستراتيجية ([23]). وتتطلب نجاعتها؛ تطويع النص وأدوات المناورة مع الزمن المتاح للتعلم، وإرخاء حبل المراقبة المتشددة في تتبع الخطوات المنهجية من جانب هيئة التأطير التربوي، والعناية بما هو تفاعلي وتربوي بتجريب الاستراتيجيات المؤدية إلى فوائد كثيرة من التعلم والتذوق وبناء الذات، والتكوين المتين في أسس المناهج ونظريات القراءة والتأويل، ودربة عالية على استراتيجيات قرائية متعددة.
يقترح الكتاب في فصلين من فصوله استراتيجيتين قرائيتين اثنتين؛ منطلقا من أن أي قراءة للنص تقتضي الاستناد إلى خطة منهجية محكمة، وهي استراتيجيات “ارتأت عدم التقيد بخطوات القراءة المنهجية”([24]) وفي نفس الوقت “لا تلغي ما هو معتمد بقدر ما تدعمه وتشد أزره”([25]).
تقترح الأولى، وهي “استراتيجيات القراءة بالتقابل” الاكتفاء بثلاث محطات رئيسية من مراحل القراءة المنهجية، وتطبيقها على نص سردي “الغابر الظاهر” لأحمد بوزفور وهي؛ مرحلة المناص الذي يشير إلى عتبات النص والنصوص الموازية المصاحبة له، ومرحلة النص التي تسعى إلى فهم نظامه الرمزي، وخلالها يتم الفهم والإفهام باعتماد التقابل على مستوى؛ الوضعيات والحالات، والفواعل السردية، وتقابل الأمكنة والأزمنة، وتقابل الأنماط النصية والأنساق الثقافية. ثم مرحلة انفتاح النص على غيره من النصوص والأنساق والسياقات، الأمر الذي من شأنه توسيع دائرة الفهم ([26]).
أما الثانية، أي “استراتيجية النقد الثقافي” فتقترح بعض القضايا التي تعد متممة للقراءة المنهجية المعتمدة ([27])، بإدماج بعض أدوات النقد الثقافي فيها لتصير جزءا من أجزاء القراءة المدرسية التي تؤدي بدورها إلى تحقيق المبتغى الذي تراهن عليه المدرسة المغربية. وينصب هم هذه الاستراتيجية على الكشف عن النسقين المتعارضين؛ الظاهر والخفي في النص الواحد، ومساءلة عالم القبحيات، والكشف عن حركية الأنساق وفعلها المضاد للوعي وللحس النقدي، لكن هذه الاستراتيجية تغيب في اهتماماتها النصوص الخالية من هذه الأنساق المضمرة.
ينطلق الكتاب في تقديمه لهاته الاستراتيجية من نص شعري جاهلي “عتبت الدهر- لعنترة بن شداد”، مؤكدا تجاوز النقاش النظري المرتبط بتحليل النصوص المدرسية وفق رؤى تعتمد بالأساس على النظريات والاتجاهات الثقافية.. والتخفف من العدة المفهومية ذات الارتباط بالدراسات الثقافية وضمنها النقد الثقافي، معتبرا النقد الثقافي منهجا متمما للمقاربتين البنيوية والاجتماعية؛ فهو مقترح إجرائي ثالث يأخذ على عاتقه استدماج مفاهيمه وآلياته في “القراءة المنهجية” بغرض إغناء الكفاية المنهجية عند المتعلم. ذلك أن “المتفحص للمناهج النقدية، سيجد أنها لا تبرح النص عبر قراءته عن طريق تشغيل مجموعة من الأدوات المنهجية دون القدرة على الغوص في أعماقه، ومن ثمة الوقوف على القيم المتضمنة فيه”([28]).
أما الاقتراح الإجرائي المعتمد لتنزيل هذا المقترح القرائي فيتحدد في ثلاث مداخل أساس؛ المدخل التاريخي الاجتماعي الذي يستحضر في مرحل التقديم والملاحظة وأنشطة الفهم، ثم المدخل البنيوي المرتكز على أنشطة التحليل، وأخيرا مدخل النقد الثقافي المتجه إلى الدلالة النسقية والكشف عن المعنى المضمر.
خاتمة
انتهى الكتاب بخلاصات ونتائج انطلقت من واقع الأدب في المدرسة المغربية فشخصته وحللته محاولة تعرف المشاكل التي يتخبط فيها باعتماد نظرة شمولية بنائية شملت جميع المتدخلين؛ من المتعلم والممارسات الصفية إلى المنهاج التربوي المعبر عن السياسة التربوية، وصولا إلى تقديم أبدال منهجية؛ نظرية تخص إشكالات القراءة وتدريس الأدب خاصة، واستراتيجيات القراءة والتلقي، ونظريات المعرفة والفهم والمعنى وكيفية الإفادة منها في تمكين المدرس من كفاية إفهامية. وتطبيقية تهم اختبار تلك الاستراتيجية القرائية، صغرى وكبرى على محك التجريب. وقد كانت الخلاصات كالآتي: اعتماد القراءة المنهجية عامل أساس في ظهور اختلالات في العمل القرائي، فضلا عن ضعف تكوين المدرسين في النظريات المعرفية واللسانية والنقدية، وعقم نتائج القراءة المنهجية في تكوين ناشئة متذوقة للأدب، وطغيان النمطية والحرفية والتحليل الآلي الجاف، وضعف إسهام تقارير المؤطرين في بلورة تصورات منتجة لتجاوز هذا الواقع.
ولتجاوز هذه الإشكالات أكد الكتاب على حتمية استحضار الممارسات الصفية في تطبيق النماذج البيداغوجية حتى حين تستوفي شروط النضج والانسجام، وتمكين مدرسي القراءة، في إطار التكوين الأساسي، من المعارف الأساسية المتعلقة بالقراءة، واستراتيجية الفهم، ونظريات النص، ومعرفة نوعية في لسانيات الجملة، ولسانيات النص، ونظريات السرد، والنظر إلى إصلاح تدريس القراءة باعتباره مرتكزا أساسيا للإصلاح التعليمي الشامل، من خلال تدقيق ملامح النموذج البيداغوجي ووضع قاعدة كفايات أساس وتحديد أهداف ومرامي التربية. وتجاوز اختلالات التقويم ومراجعة الهندسة البيداغوجية وزمن التعليم/ التعلم بتخصيص زمن كاف للقراءة، ومراجعة المحتوى التعليمي المرتبط بالقراءة وتحيينه بما يلائم حاجات المتعلمين التعليمية والنفسية ومراكز اهتمامهم باختيارات مسنودة بخبرة علمية وتتمتع بالجاذبية الكافية، والتفكير في وضع استراتيجيات لدعم القراءة في المدرسة والمجتمع، وتطوير المناهج المرتبطة بتدريس القراءة، وفتح المدرسة على محيطها ذي العلاقة بإنعاش القرائية، وتزويد المدارس بمكتبات وفرض حصص دراسية داخلها، والارتقاء بالقرائية في المجتمع بواسطة وسائل الإعلام العمومية.
[1] ذ التعليم الثانوي التأهيلي، الثانوية التأهيلية وطالب باحث بماستر علم النص وتحليل الخطاب، البريد الإلكتروني: saoudane@gmail.com
([2]) فريق البحث في علوم الخطاب وتدريس اللغات والآداب، “النص القرائي إشكاليات الفهم والإفهام”، مقترحات نظرية وتطبيقية لتحسين درس الأدب، منشورات: المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين- انزكلن. الطبة الأولى فبراير 2019. ص: 5