رمضان: شهر الفرج ووعد الجبر
بقلم: أسماء العلمي
هل تتذكر شعور أول ليلة من بداية رمضان؟ كيف كنت ضائعا، وجلا من كيفية استقبال أيام الله المباركة بقلب حزين، وجسد منهك، وعقل مشوش، وإيمان متذبذب؟ هل تذكر شعورك بالتقصير الذي كان يثقل كاهلك وأنت تسأل نفسك: كيف سأقبل على الله تعالى بكل هذا الشتات؟
هل تذكر تلك الفرحة التي خالجت صدرك وانبثقت من وسط غيمة ملبدة بسواد الآلام والخيبات والانكسار؟ وأنت تعلم علم اليقين أن هذا الشهر ترفع فيه الأعمال، وتتغير فيه الأقدار، وتستجاب فيه الدعوات، وفيه بركة ليلة القدر خير من ألف شهر. هل تذكر تضارب وارتباك المشاعر في فؤادك وأنت ترى بأم عينيك منّ الله عليك إذ بلغك صيام هذا الشهر العظيم؟
وها أنت الآن تقف على عتبة الوداع، في آخر يوم من هذا الشهر الفضيل الذي أزهر فيه قلبك الذي أذبلته الغفلة، واطمأنت فيه جوارحك بعد أن أرهقتها السنون، وصام قلبك فيه ليس عن ملاهي الدنيا فحسب، بل صام عن التعلق بالأشياء الفانية، لتخر ساجدا في حضرة مالك الملوك، متبرئا من حولك وقوتك، ومن كل الوسائط التي لا تسمن ولا تغني من جوع، وأنت وراضيا كل الرضا بقضائه وقدره.
لقد أصبح كل همّك الصيام لوجه الله طمعا في الطهر و الزلفى، وتقرب إليه خشية و وجلا، أي حبا وخوفا ورجاءا في رحمته وعفوه. وها أنت الآن تقف في دهشة غير مصدق بعد، كيف أعانك الله على عبادته وإتمام صيام هذا الشهر الخيِّر، وكيف خفف عنك كربك، وأبدل أحزانك مسرات كنت تحسب من شدة ضيقها أنها لن تزول، وأن أيامها الثقال لن تتبدد. لقد أدركت يقينا أن كل هذه الابتلاءات لا يزيحها سوى الإقبال على الله بكل ما فيك من عيوب وتقصير، فهو العفو الكريم الذي يجيب دعوة الداعي إذا دعاه.
رمضان هو شهر الجبر، يأتي دائما ليرمم انكساراتنا، ويوقظنا من رقدة الغفلة، ويرشدنا إلى طريق الصواب، كما قال الله عزوجل : {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 185].
لقد أقبل رمضان الكريم، وكل منا يحمل في داخله ما يثقل كاهله؛ هما، أو حاجة، أو دينا، أو فقدا لعزيز ترك فراغا في الروح لا يملؤه إلا التضرع إلى الله حبا وحاجة. وها هو الحبيب يغادرنا الآن بعد أن اعتادت أرواحنا بركاته ونفحاته الكثيرة التي تجلت في أوقاتنا وعباداتنا وأرزاقنا. وما عسانا أن نقول في وداعه إلا كما كان يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: “اللهم لا تجعله آخر العهد من صيامنا إياه، فإن جعلته فاجعلني مرحوماً ولا تجعلني محروماً”.
إن هذه القلوب التي أزهرت لا ينبغي لها أن تذبل بعد رمضان، ولا يجوز للعبادات أن تفتر أو تقل بحجة الانشغالات، لئلا نكون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا. فأيام الله كلها مواسم للخير، فلنغتنمها ولنجعل أيامنا كلها رمضانية في طهرها، ولا ننسى إحياء سنة الفرح في عيدنا.