منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

لا تنقض غزلك (الحلقة 7) سلسلة سرج رمضانية

رشيد كريم

0

لا تنقض غزلك (الحلقة 7)  سلسلة سرج رمضانية

رشيد كريم

الحمد لله على نعمة الإسلام، ومنزلة الإيمان، ومنحة رمضان، وكرامة القرآن، وفتح باب الغفران، والعتق من النيران.

والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد ولد عدنان، وصحبه وآله والتابعين له بإحسان وعلى الإخوان.

أخي الغالي، أختي الغالية

هذه هي الأيام الأخيرة من شهر رمضان المبارك، هذه هي شمس رمضان بدأت بالمغيب،وسيمضي هذا الشهر إما شاهداً لنا وإما شاهداً علينا.
في هذا الشهر العظيم المبارك أَرَيْنا الله عز وجل من أنفسنا استقامة، وتلاوة للقرآن العظيم، ومحافظة على الجمعة والجماعات، أَرَيْناه من أنفسنا الصدقة بعد الزكاة، أَرَيْناه حضور مجالس العلم والذكر، أَرَيْناه كثيراً من القربات والطاعات بعد ترك المحظورات والمنهيات, وإذا كنا كذلك فعلينا أن نستقيم على ذلك.
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ النحل 92

قال أهل التفسير : المرأة المقصودة في الآية الكريمة هي امرأة عاشت في زمن ما قبل الإسلام (الجاهلية)، واسمها رابطة أو ريطة من بني تميم، وكانت امرأة تلقب بالجعراء أو الجعرانة، وإلى جانب ذلك كانت تسمى بخرقاء مكة، ويضرب بها المثل في الحمق، فما قصة حمقها؟.

لقد كانت هذه المرأة تجتمع كل يوم، هي ومجموعة من الجواري والعاملات لديها، فتأمرهن بالعمل على غزل ونسج الصوف والشعر ونحوهما، ثم إذا انتصف النهار وانتهين من أداء عملهن في الغزل؛ أمرتهن بنقضه، أي إفساد ما غزلنه وإرجاعه أنكاثاً، بمعنى أنقاضاً أو خيوطاً، وذلك بإعادة تقطيع الغزل إلى قطع صغيرة، ثم تنكث خيوطها المبرومة، فتُخلط بالصوف أو الشعر الجديد وتنشب به، ثم تضرب بالمطارق أو ما شابه، على أن يقمن بغزله مجدداً في اليوم التالي , وهكذا، تجهد هذه المرأة نفسها وعاملاتها بالعمل ثم تفسده بحمقها وخراقتها. -تفسير الطبري ، تفسير ابن كثير .

نقْض الغزل تعبير عن تضييع رصيد الطاعات من الثواب والحسنات.

نقضَ غزلَ إيمانه وعهدِه مع الله من سارع إلى المسجد لأداء الصلوات المكتوبة محافظا على نوافلها ورواتبها خلال رمضان، ثم أعرض بعده عن نداء “حي على الفلاح”، ولم تعدِ “الصلاة خيرا من النوم”.

نقض غزله وخرّب بيت إيمانه من هجر كتاب ربه، وهو الذي ختمه ختمات خلال رمضان.

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عمِل عملا ثبته وداوم عليه، فلا نبات لشجرة الإيمان إلا بثبيت الطاعات. وإن خير الأعمال أدومها، ولو قـلَّ.

أخي الكريم، أختي الكريمة، لا تكن كالمرأة الحمقاء التي تغزل وبعد غزلها تنقض غزلها، كما قال تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا﴾.
فإياك أن تُعرض بعد إقبال، وإياك أن تعصي بعد طاعة، وإياك أن تهجر بيوت الله بعد صلة، وإياك أن تهجر القرآن بعد تلاوة، إياك من نقض العهد بعد أخذ العهد عليك.

﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا﴾.
إن هذه التحريرة القرآنية التي ذكرها الله في كتابه تنطبق على كل فرد ذاق حلاوة الإيمان في رمضان فحافظ على الواجبات، واجتنب المحرمات، قام الليل، وصام النهار، ودعا الله عزوجل وحافظ على صلاة الجماعة، يتلو آيات الله في الصباح والمساء، حتى إذا ما انقضى رمضان تراه انسلخ من آيات الله عز وجل ونقض غزله من بعد قوة أنكاثاً.

إن كان رمضان قد ودعنا، فالأعمال الصالحة لا تودع ولا ينبغي ذلك لنا، فمن عزم على العودة إلى المعاصي والتقصير والإهمال بعد رمضان فقد نقض غزل رمضانه

إن رب رمضان هو رب الشهور كلها، فلنعلم أن الله يرضى عمن أطاعه في رمضان وفي غير رمضان، ويغضب عمن عصاه في رمضان وفي غير رمضان، فمدار السعادة في الدارين هو حسن العمل والاستقامة.

المعوَّل عليه الاستقامة على الطاعة والعبادة.

العبادة لله عز وجل ليست موسميَّة، العبادة لله عز وجل يجب أن تكون مستمرَّة حتى الموت، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِين﴾، وقال مخاطباً سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ﴾.
المعوَّل عليه الاستقامة على الطاعات ما دامت الأرواح في الأجساد، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾.

 لا تكن عابداً في موسم من المواسم فقط، هذه المواسم هي محطَّات لِشَحْذِ الهِمم، فالمعوَّل عليه عاقبة الأمور، المعوَّل عليه الخاتمة، قال تعالى: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُون * وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُون﴾.
فإذا ما رأيت نفحات في شهر رمضان، وتذوَّقت حلاوة الطاعة، وتذوَّقت مرارة المعصية، فإياك أن تنقض العهد وتكون كتلك المرأة الحمقاء التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، إياك أن تعود إلى ما كنت عليه قبل شهر رمضان.
لا تترك صلاة الجمعة والجماعة بعد شهر رمضان، ولا تترك مجالس الذكر والطاعة بعد شهر رمضان، ولا تترك تلاوة القرآن بعد شهر رمضان، ولا ترجع إلى مخالطة النساء بعد شهر رمضان، ولا ترجع إلى لقمة الحرام بعد شهر رمضان، ولا ترجع إلى قرناء السوء بعد شهر رمضان.

أخي الكريم ، أختي الكريمة

إذا وجدت الخير في شهر رمضان فالزم المنهج الذي سرتَ عليه في شهر رمضان, واسمع وصية سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أوصاها لسيدنا حارثة رضي الله عنه. روى الطبراني والبيهقي وغيرهما عَنِ الْحَارِثِ بن مَالِكٍ الأَنْصَارِيِّ، أَنَّهُ مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ: ﴿كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا حَارِثُ؟﴾ قَالَ : أَصْبَحْتُ مُؤْمِنًا حَقًّا، فَقَالَ: ﴿انْظُرْ مَا تَقُولُ؟ فَإِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةً، فَمَا حَقِيقَةُ إِيمَانِكَ؟﴾ فَقَالَ : قَدْ عَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا، وَأَسْهَرْتُ لِذَلِكَ لِيَلِي، وَأَظْمَأْتُ نَهَارِي، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ رَبِّي بَارِزًا، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ يَتَزَاوَرُونَ فِيهَا، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ النَّارِ يَتَضَاغَوْنَ فِيهَا، فَقَالَ: ﴿يَا حَارِثُ عَرَفْتَ فَالْزَمْ﴾, ثَلاثًا.
يا من ذقت حلاوة الطاعة، حلاوة الإقبال على الله تعالى، دُمْ على ما أنت عليه واحذر من شياطين الإنس والجن بعد شهر رمضان، لأن شياطين الجن مكبَّلة ومقيَّدة, كما قال صلى الله عليه وسلم: ﴿إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتْ الشَّيَاطِينُ﴾ رواه البخاري ومسلم،وشياطين الإنس كأنهم أعطوك فرصة في شهر رمضان، فاحذرهم لأنهم يريدون أن يضيِّعوا لك ما حصَّلت من خيرات في شهر رمضان.

أخي الكريم، أختي الكريمة

بمجرَّد غروب شمس آخر يوم من رمضان فإن شياطين الجن تُطلَق من قيودها وأغلالها، وترجع إلى ابن آدم لغوايته، وهذا كبيرهم يقسم لربنا عز وجل بعزَّته تبارك وتعالى فيقول: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِين * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِين﴾, وبقوله: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيم * ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِين﴾.
سيأتيك الشيطان من جهاتك الأربع حتى لا تشكر الله عز وجل على ما أسبغ عليك من نعمة الإيمان حيث حبَّبه إلى قلبك، ومن نعمة الإسلام حيث شرح صدرك له، فاحذر شياطين الإنس والجن.

 أخي الكريم، أختي الكريمة

الاستقامة لها ثمرات عظيمة, وأعظم ثمراتها هي دوام الاستقامة على شرع الله تعالى, لأن الاستقامة بحدِّ ذاتها هي عين الكرامة من الله تعالى لعباده.
من ثمرات الاستقامة تنزُّل الملائكة على قلبك بالبشائر، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُون * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُون * نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيم﴾.
من البشارات التي تتنزَّل على قلبك من الملائكة الكرام:
ü أن لا تخاف من الغيب القادم عليك ما دمتَ في حضرة مولاك

ü أن لا حزن عليك على ما فاتك من أعراض الدنيا لأنها فانية، ولا حزن عليك من خلال ما فرَّطت في جنب الله تعالى لأن الله تعالى يغفر الذنوب جميعاً، قال تعالى ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم﴾ فبمغفرة الذنب ينتفي عنك الحزن إن شاء الله تعالى.
ü البشارة بالجنة التي أُعدَّت للمتقين, فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
ü الملائكة تتولاك وتتنزَّل عليك لتثبيتك وتطمين قلبك في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

أخي الكريم، أختي الكريمة

الناس على قسمين: قسم تتنزَّل عليهم الملائكة، وقسم تتنزَّل عليهم الشياطين، فأهل الاستقامة تتنزَّل عليهم الملائكة، وأهل الكذب والإثم تتنزَّل عليهم الشياطين.
فأنت بالخيار إما أن تتنزَّل عليك الملائكة وذلك من خلال استقامتك على شريعة الله عز وجل، وإما أن تتنزَّل عليك الشياطين بسبب إثمك وكذبك، قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِين * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيم * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُون﴾.

هناك من يعانق الشياطين بعد غروب شمس رمضان، هذا العبد صام وما صام، هذا العبد ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، لأنه يتطلَّع إلى آخر شهر رمضان، فهو على موعد مع شياطين الإنس والجن.
هذا العبد يصوم ويصلي وهو ينظر إلى العبادات أنها شارات وطقوس لا أكثر ولا أقل من ذلك، فإذا انتهى شهر رمضان رجع إلى ما كان عليه، وكأنه ما دخل شهر رمضان.
أما العبد الذي صام إيماناً واحتساباً، وتذوَّق حلاوة العبودية لله تعالى، فإنه لا يمكن له أن يرجع إلى معانقة شياطين الإنس والجن ،كيف يرجع إلى الغفلة بعد الحضور، وإلى الإعراض بعد الإقبال، وإلى القطع بعد الصلة؟
أيها الصائم القائم : لقد تطهَّرت في شهرت رمضان، ورمضان ما سُمِّيَ رمضانَ إلا لأنه يرمض الذنوب، أي يحرقها، فلا تُلْقِ بنفسك في قاذورة المخالفات، أما نظرت إلى رجل اغتسل ولبس أجمل الثياب وأنظفها هل يلقي بنفسه في القاذورات ليلطِّخ ثيابه فيها؟ فأنت أيها الصائم القائم أولى بهذا من ذاك، لأن الله ينظر إلى قلبك، والخلق ينظرون إلى ظاهرك، فلا تلطِّخ قلبك بقاذورات المعاصي والمخالفات الشرعية.

أخي الكريم، أختي الكريمة
استمع لوصية نبيك، روى الإمام مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, قُلْ لِي فِي الإِسْلَامِ قَوْلاً لا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ، قَالَ: ﴿قُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ فَاسْتَقِمْ﴾ وفي رواية الترمذي: ﴿ثُمَّ اسْتَقِمْ﴾.
الإيمان بالله عز وجل ينظِّم لك باطنك، واستقامتك على شريعة الله تنظِّم ظاهرك, فإذا نُظِّم ظاهرك وباطنك سعدت في الدنيا وسعدت في الآخرة، وذلك لقوله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون﴾، ومن انتفى عنه الخوف والحزن فهو السعيد.

أخي الكريم، أختي الكريمة

إن المعوَّل عليه هو العاقبة والخاتمة، وكان من دعاء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ﴾ رواه الترمذي

الأمور بخواتيمها، إذا خُتِم لك على طاعة ربحت الأولى والآخرة، وإذا خُتِم لك على معصية ـ لا قدَّر الله ـ خسرت الأولى والآخرة.

أخي الكريم، أختي الكريمة

إذا انقضى شهر رمضان فإن عمل المؤمن لا ينقضي قبل الموت، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ الحجر 99. وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ آل عمران 102.

فالصيام لا يزال مشروعاً، ولقد اختار الله أياماً فاضلة في السنة ضاعف فيها الحسنات كذلك،

عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ﴾ مسلم.

عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ثَلَاثٌ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، فَهَذَا صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ، صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ، وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ﴾ مسلم

عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: أوصاني خليلي بثلاث لا أدعهن حتى أموت: ﴿صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، ونوم على وتر﴾ البخاري، ومسلم

عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ﴿تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم﴾ -صحيح الجامع –

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿أَفْضَلُ الصِّيَامِ، بَعْدَ رَمَضَانَ، شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ، بَعْدَ الْفَرِيضَةِ، صَلَاةُ اللَّيْلِ﴾ -مسلم –

قيام الليل: وقيام الليل لم ينته بعد رمضان، فيا من استشعرت حلاوة القيام ولذة مناجاة الملك في الأسحار ويا من استشعرت عظمة الدعاء وأثره: اعلم أن الله يناديك في كل وقت وحين، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ﴿ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني، فأستجيب له من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له﴾ -البخاري، ومسلم

قال صلى الله عليه وسلم: ﴿أَفْضَلُ الصَّلَاةِ، بَعْدَ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، الصَّلَاةُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ﴾ -مسلم-

وإطعام الطعام لم ينته بعد رمضان، قال صلى الله عليه وسلم: ﴿يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل، والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام﴾ -ابن ماجه، وصححه الألباني.

وباب التزود من النوافل لا زال مفتوحاً مُشْرعاً، قال صلى الله عليه وسلم: ﴿مَنْ ثَابَرَ عَلَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بَنَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ، أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ﴾ النسائي، وصححه الألباني.

لا تنقض غزلك

وإياك أيها المسلم أن تترك صلاة الجماعة بعد أن حافظت عليها، لا تهجر المساجد وشهود الصلاة مع المسلمين، حافظ على أن يكون قلبك معلق بالمسجد، فمن السبعة الذين يظلهم الله في ظله، ﴿رجل قلبه معلق بالمساجد﴾

حافظ على صلاة الجماعة فنبيك صلى الله عليه وسلم ما تركها في أحلك الظروف وأقساها، في المعارك والرؤوس تقطع والصيحات تتعالى والوطيس قد حمي ومع ذلك صلى النبي صلاة الخوف بالمسلمين وقال الله له: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ..﴾ -النساء 102-

وتلاوة القرآن والذكر والتوبة وصلة الأرحام وسائر أعمال البر والمعروف ما زالت مشروعة بفضل الله، والله سبحانه بفضله ورحمته ينقلنا من موسم للطاعات إلى موسم آخر، فنحن نتقلب في فضل الله ونعمه.

وأنت يا من صام بطنك عن الحرام وعينك عن الحرام ولسانك عن الحرام، واصل مسيرتك ولا تتراجع، فالله مطلع عليك، والكرام الكاتبين معك يحصون عليك.

لا تنقض غزلك

حري بمن جمع همته في رمضان، واغتنم وتزود فيه فضائل الأعمال من صيام وصلاة وقيام وذكر وبر وإحسان، حتى نال من الله جزيل الخير والأجر والمغفرة والعتق من النار، حري بهذا المؤمن أن يحذر فتور عزمه ونقض غزله من بعدما نسج بينه وبين ربه خيوط الوصال، قال الله تعالى ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا﴾ -النحل، 92- ، وقال كذلك: ﴿فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ﴾ – الفتح، 10.

إن رب رمضان هو رب شوال ورب كل العام، وعبادة ربنا لا تقتصر على رمضان، إنما رمضان نفحة من النفحات، ومدرسة تتخرج منها وفود التائبين بالإقبال على الله بالعبادة والقربات، لتنال عنده أعلى المقامات.

اعلم أخي الكريم أختي الكريمة أن من علامات قبول الطاعة الطاعةُ بعدها، ومن علامات قبول الحسنة أن تردفها بحسنة أخرى، واعلم أن رب رمضان هو رب الشهور كلها، فلا تنقض غزلك وكن ربانيا لا رمضانيا.

قيل لِبِشْرِ الحَافِي رحمه الله: إنَّ قَوماً يَتعبَّدون ويجتَهِدُون في رمضان؟ فقال: بِئْسَ القومُ قومٌ لا يَعرفُونَ للهِ حَقَّاً إلَّا في شَهْرِ رَمَضَان، إنَّ الصَّالحَ الذي يَتَعَبَّدُ ويَجْتَهِدُ السَّنَة كلَّها.
وسُئِلَ الشِّبْلِيُّ رحمه الله: أيُّهما أفضلُ: رَجبٌ أو شَعْبَان؟ فقال: كُنْ ربَّانِيَّاً ولا تَكُنْ شَعَبَانِيَّاً!

فيا شهر رمضان غير مودع ودعناك، وغير مقلي فارقناك، كان نهارك صدقة وصياماً، وليلك قراءة وقياماً، فعليك منا تحية وسلاماً، يا شهر الصيام أتراك تعود بعدها علينا أو تدركنا المنون فلا تؤول إلينا، مصابيحنا فيك مشهورة، ومساجدنا فيك معمورة، فالآن تنطفئ المصابيح، وتنقطع التراويح.
والآن تهجر المساجد ويجفوها كل راكع وساجد، وتطوى المصاحف ويأمن الخائف، فلا وجل ولا خشوع ولا بكاء ولا دموع، فيا شهر الصيام أسرع إلينا ثانية فقلوبنا إليك تحن ومن ألم فراقك تبكي وتئن

بكتِ القلوبُ على وداعك حرقةً***كيف العيونُ إذا رحلتَ ستفعلُ

فعساكَ ربي قد قبلت صيامنا***وعساكَ كُلَّ قيامنا تتقبل ُ

إن كانَ هذا العامَ أعطى مهلةً***هل يا تُرى في كُلِّ عامٍ يُمهِلُ؟

لا يستوي من كان يعملُ مخلصاً***هوَ والذي في شهره لا يعملُ

رمضانُ لا تمضي وفينا غافلٌ***ما كان يرجو الله أو يتذلَّلُ

رمضانُ لا أدري أعمري ينقضي***في قادم الأيامِ أم نتقابل

في الختام أترك الكلمة للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله من خلال قطوفه الشعرية

وأختم بعتاب لطيف للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله على أولئك الذين يهجرون المساجد، ويركنون إلى عالم الغفلة، وينامون عن صلاة الفجر بعد رحيل رمضان، منبها رحمه الله إلى أن الله عز وجل جعل خيراته وبركاته وأنواره في كل الليالي والأيام، وإنما رمضان كان غرة الشهور، لتجديد العزم، ورفع الهمم للمعالي، ومزايلة الكسل.

يقول رحمه الله تعالى:

أيا عابدَ الأيّامِ وَيْحَكَ تلعبُ ** وتُتْلِفُ عُمْراً في الفراغ وتكذبُ

أتى رمضانُ الخيِر فارْتَدْتَ مسجدا ** فلما تولى صرت عنه تَنَكَّبُّ

ونمْتَ عن الفجرِ الكريم شُهُودُهُ ** وما جئتَ تبغي صَفَّنَا حين تغْرُبُ

وما جعل الله الكريمُ ليالياً ** وأيامَ فضْلٍ عندها النور يُسكَبُ

سوى غُرَّةٍ وَسْطِ الزَّمان تُمِدُّنا ** بعزْمٍ به همَّاتُنَا تتوثَّبُ

فَننْبِذُ أسبابَ الوَنَى وتكاسلاً ** ونَعْبُدُ طول العُمْرِ والأجرَ نكْسِبُ

فصلِّ على المختار، رب، وسلِّمَنْ وسدِّدْ خُطى من جاء وجْهَكَ يطْلُبُ

ويظهر رحمه الله أسفه وحزنه لرحيل رمضان، ويود لو يمكث بين ظهرانينا العام كله، لأنه شهر الهداية والقرآن، شهر الجهاد والصبر. ويختم بدعاء جميل سائلا المولى الكريم أن يعتق رقاب الناس من النار في هذا الشهر العظيم، راجيا الرحيم أن يحقق سؤله.

يقول رحمه الله تعالى

رمضان مضَيْتَ على عَجَلِ ** لَيْتَ تَبْقَى العامَ بلا نُقَلِ

شهرَ القرآنِ هُدىً نَزَلَتْ ** بينِّات الله على مهلِ

لرَفيعِ القَدْرِ محمدنا ** وبِلَيلتِه حَفْلِ الرُّسُلِ

بَرَكاتُ الله بها هَطَلَتْ ** ولِحِكْمَتِهِ خيرُ النُّزُلِ

وجهادٌ فيكَ مضَى مَثَلاً ** في بدرٍ لنا أعلى المُثُلِ

أَعْتِقْ رَقباتِ الناس بِه ** مولايَ وحَقِّقْ لي سُؤُليِ

وصلاتُك أرْسالاً نزلتْ ** لحبيبك في غيب الأَزَلِ

ويوصي وصية محب مشفق فيقول:

كن رابط الجأش وارفع راية الأملِ***وسِر إلى الله في جــدٍّ بــلا هَزَلِ

وإنْ شَعَــرتَ بنقصٍ فيــك تعـــرفه***فَـــغَذِّ روحَــكَ بالقــرآن واكـتمِــل

واعطف على الروح وارحمها فإنْ ضَعُفَت***فقـــوّها واستعنْ بالله وابتهــل

وحــارب النفــس وامنعها غوايتها***فالنفس تهوى الذي يدعو إلى الزلل

و الحمد لله رب العالمين

﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ الأنعام 160

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.