منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

رمضان شهر يُغْنَمُ ولا يُغْرَمُ

د. فؤاد هراجة

0
رمضان شهر يُغْنَمُ ولا يُغْرَمُ
بقلم: د. فؤاد هراجة
رمضان هو أيام جلاء للفطرة، وشحذ للوعي، ووصل بالوحي، واتباع لهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم، واستباق للخيرات.
رمضان هو هجرة متجددة، ومراجعة لمسيرة التاريخ، على أن الزمن ليس آلة ميكانيكية تدق بنفس الإيقاع، بل إن من أيام الله ما فيها نفحات وفيض من العطاءات والإشراقات.
رمضان هو استعادة لمركزية الغيب والآخرة، في عالم تستحوذ عليه “الأنا” وتلبيس منطق الدنيا، فيأتي ليكون ومضة نورانية تعيد توازن الدنيا والآخرة، من الأنا إلى الأمة، ومن الدنيا إلى الملأ الأعلى.
رمضان ليس شهر عتق الأفراد من النار فحسب، بل إنه شهر عتق الأمة من الوهن وغرور الدنيا عبر استئناف وصلها بالله عز وجل صوما وقياما وتلاوة للقرآن الكريم.
رمضان تهذيب للرغبة وترويض للهوس بالأشياء والمتاع، وشحذ لنورانية الروح كي يتوازن الكيان الإنساني ويتم جلاء الفطرة من تحت ركام شهوات الجسد وأدران الدنيا بزخرفها الساحر.
رمضان شهر انكباب الإنسان على ذاته يتأمل أحوال نفسه، ويتواصل مع ربه فيسجد ويقترب، فينجمع قلبه بعد شتاته، وتتقد همته بعد خُبُوِّها، ليصل ما انقطع وليربط ما انفصم.
رمضان فرصة لكي ننفرد بأنفسنا، فالسعي والكد اليومي ومغالبة الحياة، وتفاصيل العيش ومشكلاته، جعلتنا في سباق جري الوحوش ندلف إلى فراشنا شبه قتلى من التعب فتفوتنا في كل يوم فرصة الجلوس إلى النفس والقلب لتصفحهما وتطهيرهما، فنغترب عن ذاتنا، ليأتي رمضان هدية من السماء، ويتيح لنا استئناف الوقوف بين يدي الله، واستئناف الحوار مع النفس ومع الروح ومع الإرادة، بل مع خالق كل هذه الكائنات التي تحيا فينا.
رمضان شهر الحرية والتحرر، فلئن كان الأكل والشرب حاجة طبيعية، فإن الصوم يحررنا من غلبة الغرائز، وهيمنة ذهنية السوق والاستهلاك، فلا قيمة للصيام في رمضان إذا لم يحررنا من استهلاك إنسانيتنا وآدميتنا في ظل عالم أصبح يوزن فيه الفرد بما يملك ويستهلك، لا بما يحوز من فضائل وأخلاق وقيم حميدة.
فإذا تحول موسم رمضان إلى سوق مفتوحة، وزمن للتبضع، وأيام للتفنن في إنجاز الأطباق نهارا واستهلاكها بعد أذان المغرب، ثم العكوف على تفاهات التلفاز وملهيات وسائل التواصل، فإننا سنكون كالذي استجار من الرمضاء بالنار، وسنخسر حتما هدية السماء شهر الهدى والبينات، والمغفرة والرحمات، وشهر جهاد النفس واستعادة السلام مع الناس ومع الذات.
شهر رمضان يرتقي بنا إلى مقام الرشد، فينتقل بنا من طلب الدنيا ومتاعها إلى سؤال وجه الله وسؤال القرب من الله، لا أن نكون مثل بني إسر.ائيل الذين ذَمَّهم المولى عزوجل بعدما جاوز بهم موسى عليه السلام البحر وأنقذهم من بطش فرعون واستعباده لهم، فعوض أن يفكروا في شكر الله والسجود لله والتضرع إلى الله سبحانه، قادتهم ذهنيتهم الجماعية صوب بطونهم فقالوا لنبي الله موسى عليه السلام “وَإِذۡ قُلۡتُمۡ يَٰمُوسَىٰ لَن نَّصۡبِرَ عَلَىٰ طَعَامٖ وَاحِدٖ فَٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُخۡرِجۡ لَنَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلۡأَرۡضُ مِنۢ بَقۡلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَاۖ قَالَ أَتَسۡتَبۡدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدۡنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيۡرٌۚ ٱهۡبِطُواْ مِصۡرٗا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلۡتُمۡۗ وَضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلۡمَسۡكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِۚ”، لذلك نجد آيات الصيام في سورة البقرة تُخْتَتَمُ بقوله تعالى: “وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ“، هذا ما يفسر قوله سبحانه في الحديث القدسي: «كلُّ عَمَل ابن آدَم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجْزِي به…» فافهم عن الله أن شهر رمضان هو شهر الهجرة إلى الله وشهر طلب وجه الله، وشهر سؤال الحبيب المصطفى عن الله تعالى، وهو مراد لا يكون إلا لمن أحسن استحضار كاف المخاطب “وإذا سألك” أي جعلك يا محمد صلوات الله عليك وسيلة عبر الاقتداء والاتباع والمحبة والتعظيم، وصام وقام وتلقى القرآن وكان أجود من الريح على هديك وصراطك سيجدني أقرب إليه مجيبا دعوته. تعرض علينا هذه الفرصة أي السؤال عن الله وطلب وجه الله عبر باب رسول الله صلى الله عليه ثلاثين ليلة، فهلا اغتنمنا هذه الأيام المعدودات، بعدما علمنا أن وجه الله يُطلب، وخير أوقات طلبه زمن الصيام والقيام وتلاوة القرآن مشفوعة بأعمال الإحسان في شهر رمضان.
اللهم لا توفيق إلا توفيقك، ولا هداية إلا هدايتك، فاهدنا سبل السلام واجعلنا في رمضان من الغانمين ولا تجعلنا من الغارمين، فشهر رمضان يُغْنَمُ ولا يُغْرَمُ!
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.